صناعة “العربي الصهيوني”: من العربي الذي يريده اليمين الإسرائيلي؟

“العرب الإسرائيليون إما لديهم السرد الفلسطيني أو فراغ، والفراغ وصفة لحياة بلا معنى. نحن نستثمر في بناء السرد العربي الإسرائيلي. ليست قصة الضحية، بل قصة الانتماء والفخر والتفرد”، بهذه العبارة لخّصت داليا فضيلة، إحدى مؤسسي حركة “عتيدنا” ومديرتها العامة المشاركة السابقة، تصورها للمشكلة التي تواجه الشباب العرب في إسرائيل، في مقابلةٍ معها نُشرت ضمن مقال لصحيفة جيروزاليم بوست منتصف عام 2023.

تعبر هذه الرؤية عن مشروع تسعى جمعيات إسرائيلية عدّة، محسوبة على اليمين الصهيوني، إلى تعميمه بين الفلسطينيين في أراضي 48. وعلى عكس المبادرات والمشاريع التي تتزعمها بعض الحراكات والجمعيات اليسارية، التي تطمح إلى دمج العرب في الداخل على أساس المواطنة (مع الأخذ بالحسبان الجدل والنقاش حول جوهر تلك الأفكار وحدودها وشروطها)، فقد ابتكر اليمين الصهيوني مفهوم “العربي الجيّد” -بديلًا عن المقولة التقليدية “العربي الجيّد هو العربي الميّت”- ليتمثل في “العربي الصهيوني”؛ وهو العربي الذي ينبذ هويته الفلسطينية، ويستبدل بها هوية إسرائيلية قائمة على تبني السردية الصهيونية بكل حذافيرها، والقبول بواقع أنّ إسرائيل دولة يهودية، وأنّ فلسطين هي “أرض إسرائيل” التي تعدّ حقًّا حصريًا للشعب اليهودي، وهذا يتطلب منه الانخراط في خدمة الدولة مدنيًا وعسكريًا، والتجنّد خلف سرديتها كاملة، وذلك كمعيار لقبوله كعربي في دولة اليهود. 

وفي هذا الإطار تبرز منظمة “عتيدنا” نموذجًا لذلك المشروع اليميني، إذ تعالج هذه الورقة أهداف المنظمة ونشاطها في سياق إطار إنتاج “العربي الصهيوني”. وتعتمد الورقة في تتبعها لملامح هذا النموذج على طرح “عتيدنا” بالدرجة الأولى، مع الاستعانة بمساراتٍ أخرى لإعداد القيادات العربية، تقدمها منظمتا “نجوم الصحراء” و”معاسيه”، وفق أربعة أبعاد مترابطة، تشمل الخلفية اليمينية لمفهوم الاندماج، وإعادة تشكيل الذاكرة والانتماء، والربط بين المواطنة والخدمة، والدور السياسي والإعلامي الذي يُنتظر من القيادة العربية الجديدة أداؤه.

اليمين الإسرائيلي والعربي المقبول: من المساواة إلى الاعتراف بهوية الدولة

“عتيدنا” هي كلمة عبرية بلاحقة عربية تعني “مستقبلنا”، تعرّف نفسها في موقعها الرسمي بأنها ائتلافٌ من تربويين ورواد مجتمعٍ عرب، إلى جانب شركاء يهود من المعسكر القومي الصهيوني، وتحدد مهمتها ببناء “قيادة شابة من العرب واليهود، متساوية في الحقوق والواجبات، ومعتزة بهويتها وثقافتها، وملتزمة بتحقيق الاندماج الكامل للمجتمع العربي”، عبر إقامة شراكة عربية يهودية تقوم على المساواة المدنية داخل إسرائيل، التي تصفها بأنها “دولة يهودية وديمقراطية”.

غير أن تلك الشعارات الكبيرة تتضح حقيقتها بالعودة إلى صفحة why-atidna، لماذا عتيدنا؟ التي تعرض هذه الرؤية في سياقٍ سياسي أوضح، إذ تعتبر أن المجتمع الإسرائيلي يواجه أزمة ثقةٍ عميقةً بسبب عدم تحقيق اندماجٍ عربيٍ كامل، داعيةً إلى ظهور قيادةٍ عربية تتخلى عما تسميه “النزعة الانفصالية”، وتنخرط في بناء الدولة والمجتمع الإسرائيلي وتعزيزهما، لتكون “قيادة عتيدنا العربية” بديلًا للقيادة السياسية العربية الحالية، التي تعتبر أنها “تشجع على الانفصال”.

وللمزيد من الوضوح، يشرح أميت ديرعي المدير العام المشارك لـ”عتيدنا”، الشعار السياسي الذي تقوم عليه الحركة، بالقول إن أساسه هو الاتفاق على “الهوية القومية لإسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية”، معتبرًا أن هذا التصور يختلف عن خط القيادة السياسية العربية الذي وصفه “بالانعزالي والقومي”، وأنه يشكل أساسًا لتحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين العرب واليهود.

أما دلالة هذا التصريح فتكمن في أنه لا يضع الاندماج ضمن المطالبة بالمساواة وحدها ولا بالتزامن معها، بل يسبقه باتفاقٍ عربيٍ على تعريف الدولة وهويتها القومية “اليهودية”، وبذلك، يتحول الخلاف مع القيادة العربية من أدوات المشاركة أو سبل تحصيل الحقوق، إلى الإطار السياسي الذي يُنتظر من المواطن العربي القبول به كي يصبح شريكًا في المشروع الذي تتبناه الحركة.

يتقاطع هذا الإطار السياسي مع الخلفية اليمينية الحاكمة لتأسيس “عتيدنا”، فقد كشف تحقيق نشره موقع عرب 48 عام 2020 عن مشاركة شخصيات مرتبطة باليمين الصهيوني في إنشاء الحركة، بينها إيرز إشل، وأميت ديرعي، وعمحاي شيكلي، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا في حكومة بنيامين نتنياهو، فيما جمعت هذه الشخصيات خلفياتٌ في العمل التربوي والعسكري والسياسي، لا سيما في مؤسسات إعداد الشباب والقيادة قبل الخدمة العسكرية، المعروفة بـ “الميخنيوت”.

ينقل التحقيق عن مشاركٍ في اجتماعٍ تأسيسي لعتيدنا في حيفا، أواخر عام 2019، تصريحًا منسوبًا إلى إيرز إيشل، حول إقامة حركة شبيبةٍ عربيةٍ صهيونية، تُشجع الشباب العربي على الاندماج في وحداتٍ نخبوية بالجيش الإسرائيلي. ورغم أن “عتيدنا” نفت في وقتٍ لاحق أن مهمتها تجنيد الشباب للانخراط  بالجيش أو حتى الخدمة الوطنية، مؤكدة أن نشاطها يركز على إعداد القيادات وتعزيز الهوية العربية والاندماج المتساوي، إلا أن تحقيقًا آخر نشرته صحيفة هآرتس في تموز 2023 أكد الخلفيات السياسية لمؤسسي “عتيدنا” والتصور اليميني الذي يقف وراءهم، وسعيهم إلى إحداث تغيير عميق في المجتمع العربي يمكن أن يؤدي إلى ظهور تيارٍ عربيٍ يمينيٍ صهيوني.

ورغم أهمية ارتباط بعض المؤسسين بمعاهد إعداد عسكرية أو مؤسسات يمينية في تأكيد أهدافهم، إلا أن طبيعة المشروع الذي يستهدفون من خلاله الشباب العربي تصب في زيادة أعداد الشباب من العرب الإسرائيليين الراغبين في التحالف مع الشعب اليهودي، وهو ما اعتبره إشل “مهمًا في بناء إسرائيل وتعزيزها”.

يُعزز ذلك من التمييز الأساسي بين الاندماج، بوصفه وجهًا من وجوه مطالبة العرب بالمساواة، والاندماج بوصفه مشروعًا يمينيًا يُعيد صياغة الانتماء، فالحركة لا تكتفي بتشجيع الشباب العرب على دخول الجامعات وسوق العمل ومؤسسات الدولة، بل تسعى إلى تنشئة قيادة ترى في قبول الهوية القومية اليهودية لإسرائيل أساسًا لشراكتها مع الأغلبية اليهودية.

يكتسب هذا التصور دلالته الأوسع عند مقارنته بمواقف اليمين الإسرائيلي من المسألة الفلسطينية، ففي خطة الحسم التي قدمها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، يقترن إنهاء الصراع بالتخلي عن المطالب القومية الفلسطينية وقبول السيادة الإسرائيلية الكاملة، وتقديم الولاء للدولة ومؤسساتها، عبر الخدمة العسكرية أو الوطنية في مرحلةٍ لاحقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسيع المكانة المدنية للفلسطينيين في الضفة الغربية مستقبلًا في إطار ولاءٍ من هذا النوع. وهنا، لا يطالب سموتريتش بالتخلي عن الهوية العربية ضمن إطار فردي وعشائري، بل الهوية الفلسطينية، أي فكرة الشعب والحركة القومية.

لا يُمكن القول إن عتيدنا تنفذ خطة سموتريتش، أو أن الجزء المخصص من خطته لفلسطينيي الضفة الغربية مطابق لظروف وسياق فلسطينيي الداخل المحتل، لكنها مقارنةٌ تكشف تقاطعًا يتجاوز الفكر إلى التطبيق في تصورات اليمين، والذي يجتمع فيهما إمكان توسيع المشاركة الفردية للفلسطيني ضمن مؤسسات الدولة، مقابل اشتراط قبول الإطار القومي اليهودي والسياسي التوسعي الاستيطاني، الذي تحدده إسرائيل.

لكن التطبيق في حالة عتيدنا، يختلف عن أفكار سموتريتش، إذ يتخذ شكلًا تربويًا طويل المدى، عبر استهداف أجيالٍ من الفلسطينيين من الأطفال والشباب في مراحل تعليميةٍ متتابعة، وصولًا إلى إعداد جيلٍ من القيادة العربية قادرٍ على الاندماج في المجتمع الإسرائيلي والمشاركة في مؤسساته، وبناء شبكاتٍ اجتماعية وقيادية تحمل تصور الحركة للمواطنة والانتماء، وتنقله إلى الأجيال التالية.

الذاكرة الجديدة: عربي يغني “هتكفاه” ويحتفي بالرواية الإسرائيلية

لأن هوية الفلسطيني لا تُصاغ من خلال المواقف السياسية وحدها، بل عبر الذاكرة التي يتعلمها من محيطه والرموز التي يتبناها في خطابه، والتاريخ الذي يُقدَّم له في المدارس والمؤسسات، باعتباره جزءًا من تكوينه الوطني، تنخرط عتيدنا في تقديم الذاكرة والرموز والتاريخ عبر برامج خاصة، تنظم من خلالها زياراتٍ إلى المتاحف والمواقع التاريخية للهولوكوست في ألمانيا وأوروبا، بل وتدفع لاستمرارية الحضور العربي عبر قنواتها في إحياء مناسبات الذاكرة اليهودية، وتعظيم قيمتها بما يوازي البعد النفسي والتاريخي لدى الجمهور الإسرائيلي والغربي.

ففي أبريل/نيسان 2022، شارك نحو مئة شاب وشابة من الشبان العرب في مسيرة الأحياء بين أوشفيتز وبيركيناو في بولندا، خلال الفعالية، صرح علي صوفي وهو أحد مرشدي الحركة، لصحيفة يديعوت أحرونوت قائلًا: “سأحمل العلم الإسرائيلي وأغني هتكفاه… نحن إسرائيليون بكل معنى الكلمة”!، مضيفًا أنه لا يرى مشكلة في كلمات النشيد الوطني الإسرائيلي التي تشير إلى توق النفس اليهودية، داعيًا الشباب العرب إلى زيارة مواقع الهولوكوست للتعرف إلى ما تعرض له اليهود في أوروبا.

مثل هذه التصريحات لا يُمكن أن تؤخذ باعتبارها مجرد تعليق على مشاركةٍ في نشاط تعليمي للتعرف إلى تاريخ الهولوكوست، بل يتجاوز ذلك إلى تبني العلم والنشيد الإسرائيليين بوصفهما رمزين للانتماء الوطني. وهو ما يظهر كذلك في تصريحات سليمان سليمان، المدير العام المشارك لـ”عتيدنا”، خلال مشاركته في مسيرة الأحياء عام 2024، حين تحدث مع صحيفة إسرائيل هيوم قائلًا: “اخترنا ربط مصيرنا بدولة إسرائيل وبالشعب اليهودي، مؤكدًا أن السابع من أكتوبر شكّل اختبارًا لهذه الشراكة، وأن أعضاء الحركة اختاروا البقاء جزءًا من المجتمع الإسرائيلي في أوقات الأزمات كما في أوقات الاستقرار”. كما ربط سليمان هذا الموقف بأهمية تعليم الأجيال المقبلة تاريخ الشعب اليهودي، وفهم الصلة بين الماضي اليهودي وأحداث السابع من أكتوبر، وصولًا إلى بناء مستقبل مشترك للعرب واليهود. ما يعني أن المطلوب من العربي الولاء إلى الذاكرة والمستقبل معًا، وهو ما يتقاطع مع الحديث السابق لداليا فضيلة بخصوص الرواية العربية الإسرائيلية، ودورها كبديلٍ يمنح الشباب العربي شعورًا بالانتماء والفخر والخصوصية.

ومن هنا، تغدو المواجهة أشد احتدامًا بين الهولوكوست كتاريخ يفسر قيام الدولة وهويتها ومكانة العربي فيها، والنكبة كذاكرة أخرى لقيام الدولة وهويتها ومكانة العربي فيها، وتُقرر “عتيدنا” أن تُعزز الهولوكوست وتُهمش النكبة، لأن الأخيرة تقوّض شرعية المشروع الصهيوني والاندماج فيه، لكنّها لا تمحو الهوية العربية، بل تستخدمها في برنامجها الشبابي باعتبارها “قيم مواطنة فاعلة” يكون الاعتزاز فيها باللغة العربية والتراث والتطوع وحب البلاد والاندماج، قصة حبٍ إسرائيلية!

من المواطنة إلى الخدمة: العربي الذي يتحمل أعباء الدولة

إلى جانب الذاكرة والانتماء، تمثل الخدمة المدنية والوطنية والعسكرية مجالًا آخر تتداخل فيه تصورات الاندماج مع احتياجات الدولة ومؤسساتها، ففي الوقت الذي تُقدم فيه برامج التعليم والقيادة والتأهيل المهني بوصفها أدواتٍ لتقليص الفجوات، تتبنى بعض المبادرات تصورًا أوسع يربط المساواة بالمشاركة في أداء الواجبات الوطنية، بما فيها الخدمة العسكرية.

يظهر هذا الربط في تصريحات قيادات “عتيدنا” وبعض منتسبيها، ففي مقال نشره سليمان سليمان، المدير العام للحركة، في يديعوت أحرونوت، دافع عن توسيع مشاركة الشباب العرب في الخدمة الوطنية المدنية، معتبرًا أن الخدمة ذات المعنى إحدى أهم الأدوات لتطوير الشباب وتعزيز المسؤولية الشخصية والاجتماعية، وطريق لتعزيز الاندماج في “إسرائيل دولةً يهوديةً وديمقراطية”، كما ربطها بالانتقال من وعي الضحية إلى وعي المسؤولية والتأثير والمبادرة، مشيرًا إلى وجود عشرات الشباب والشابات الذين يؤدون الخدمة الوطنية داخل فروع “عتيدنا”. 

تكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تكشف العلاقة بين الخدمة وبين المواطنة العربية بنموذجها الجديد، وفقًا لمدير “عتيدنا”، إذ يتجاوز النموذج المطالبة بالحقوق إلى المشاركة في المسؤوليات التي تحددها الدولة. لا تقتصر التصريحات عليه فقط، بل تشمل متطوعين ومشاركين في “عتيدنا”، إذ صرح علي نوجيدات في وقتٍ سابقٍ من عام 2023، لجيروزاليم بوست، أنه “شارك في نشاطات شجعت شبانًا من البدو في شمال إسرائيل على الالتحاق بالجيش” قائلًا: عندما تتساوى الواجبات، تتساوى الحقوق”، مشيرًا إلى اقتناعه بأن الحصول على الحقوق يتطلب تحمل المسؤوليات نفسها.

كما يتضمن  المقال تصريحًا لشابةٍ عربيةٍ شاركت في “عتيدنا”، وتُدعى صفاء كعبية، تحدثت عن تجربتها في الخدمة الوطنية، معتبرةً إياها مهمةً لاكتساب المهارات وتحمل المسؤولية والمشاركة في التغيير، ما يشي بأن خطاب المؤسسة انعكس على مفاهيم مشاركيها وتصوراتهم وأنشطتهم، حتى لو لم يُعمم ذلك على الجميع.

من زاوية أخرى، تتناقض تصريحات سليمان والشبان العرب المشاركين في الحركة مع نفيها “العمل على تجنيد الشباب للجيش”، في ردٍ صحفيٍ لها على تحقيقي عرب 48 عام 2020،  لكنها عادت عام 2024، وفي مادة منشورة على هآرتس بالتعاون معها، للتفاخر باختيار بعض خريجيها الخدمة الوطنية أو التجنيد العسكري، إلى جانب توجه آخرين إلى الدراسة والعمل التقني.

وإن كان هذا يكشف العلاقة من منظور “عتيدنا”، بين الاندماج والخدمة أو التشجيع عليها، فإن جمعية “معاسيه” قدمت نموذجًا أكثر صراحةً يستهدف استهدافًا مباشرًا إعداد الشباب للالتحاق بالمؤسسات العسكرية والأمنية، فالمؤسسة التي تأسست عام 2004 بوصفها إطارًا يعمل مع الشباب في ما تسميه “الأطراف الاجتماعية والجغرافية في إسرائيل”، وباستخدام أدواتٍ مثل برامج للتطوع، والتعليم والقيادة والتأهيل المهني والخدمة، وباستهدافها فئاتٍ اجتماعية متعددة، من بينها اليهود والعرب والبدو والدروز، تقدم برامج ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، دون مواربةٍ أو خطابٍ منمق.

من أبرز هذه البرامج، أكاديمية معوز هآرز، المخصصة للشباب اليهود والدروز الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 عامًا، وتهدف إلى إعدادهم للخدمة في وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، مع تركيز خاص على الوحدة 8200. كما لا تتحرج الجمعية من التصريح بأن الأكاديمية تعمل بالشراكة مع مديرية السكان في الجيش الإسرائيلي، وشعبة الاستخبارات، والوحدة 8200، ووزارة التعليم والقسم الأمني والاجتماعي في وزارة الدفاع، وتشمل برامجها تطوير اللغة العبرية والمهارات القيادية والأكاديمية والاستعداد للخدمة، فيما يقدم القائمون على البرامج هذا المسار الأكاديمي باعتباره وسيلةً لتحقيق تكافؤ الفرص، وإزالة العوائق أمام الشباب الدروز للوصول إلى مواقعٍ لا تتاح لهم بالضرورة دون هذا التأهيل.

في المقابل، تُقدم منظمة نجوم الصحراء، التي تأسست عام 2013 لتطوير قيادة بدوية شابة في النقب، مسارًا مختلفًا لإعداد القيادات البدوية وربطها بالمجتمع الإسرائيلي، وذلك عبر برامج التعليم والقيادة وبناء الشبكات العابرة للانتماءات القبلية، بهدف تنمية المجتمع البدوي وتعزيز مشاركته في المجتمع الإسرائيلي الأوسع.

ويُمكن فهم العلاقة بين المنظمة والسعي اليميني لزج العرب في مسارات الخدمة، بالنظر إلى النشاط السياسي لمؤسسها متان يافيه، الذي شارك في تأسيس حركة إل هديغيل، الداعية إلى تعميم الخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية على مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي.

وتقدم الحركة الخدمة بوصفها جزءًا أساسيًا من المسؤولية الوطنية، فيما يشارك يافيه في صياغة مشروع قانون أساس يُعمم الخدمة على جميع فئات الجمهور، ما يُمكن التعبير عنه بتقاطعٍ فكريٍ وشبكيٍ آخر، لكنه هذه المرة بين إعداد قيادة بدوية مندمجة في المجتمع الإسرائيلي، وبين مبادرات سياسية ترى في الخدمة أحد أسس المواطنة.

العربي الذي يدافع عن الرواية الإسرائيلية

يعدّ السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من إبادة جماعية في قطاع غزة الاختبار الأول لنموذج العربي الصهيوني، وهو ما استعدت له “عتيدنا” من خلال رؤيتها التي تُطالب المواطن العربي بالمشاركة في الدفاع عن الدولة ومواقفها، وتقديم صورة مختلفة عن علاقة العرب بإسرائيل أمام المجتمع الإسرائيلي والجمهور الخارجي.

لذا جاء إعلانها عن تبني موقفٍ داعم “للمجتمع الإسرائيلي”، عبر إطلاق سلسلة من النشاطات المدنية والإغاثية شملت جمع المساعدات والتبرع بالدم وتجهيز الملاجئ ودعم سكان البلدات المتضررة، بمثابة إجابةٍ خاصةٍ بها عن الأسئلة المتعلقة بموقف الفلسطينيين في الداخل من الحرب.

وهكذا ترافقت النشاطات والمساعدات بخطابٍ سياسي، عبر عنه سليمان سليمان في فبراير 2024 بالقول: “إن أعضاء الحركة تبنوا موقفًا أخلاقيًا واضحًا تجاه المجتمع الإسرائيلي”، يتمثّل بـ “الوقوف مع اليهود حتى انتصار إسرائيل”، ويتضح هذا الموقف بصورةٍ أكثر مباشرةً في نشاط وفدٍ أرسلته “عتيدنا” إلى ألمانيا بعد ثلاثة أشهرٍ من اندلاع الحرب، بهدف تقديم موقف عربي إسرائيلي ضد هجمات السابع من أكتوبر وحركة حماس إلى الجمهور الألماني.

حينها قال سليمان: “إن الوفد شارك في تظاهرة أمام بوابة براندنبورغ في برلين، وأعلن معارضته لحماس”، مؤكدًا أن المشاركين “يقفون خلف إسرائيل ويفتخرون بكونهم إسرائيليين”، فيما ضم الوفد شبانًا عربًا مسلمين ومسيحيين شاركوا في التظاهرة، كان من بينهم علي نوجيدات، الذي صرّح بأنه “سافر للمشاركة بالتظاهرة مباشرةً من خدمته العسكرية الاحتياطية في الميدان”، وأنه جاء لمشاركة زملائه التعريف بمشروع “عتيدنا”، واندماج العرب في المجتمع الإسرائيلي.

ولا يقتصر الأمر على مخاطبة الخارج، بل يمتد إلى محاولة التأثير في مواقف القيادات السياسية العربية في الداخل، ففي بيان لها مطلع عام 2025، أدانت “عتيدنا” مقتل شيري بيباس وطفليها، وطالبت القيادات السياسية العربية بإدانة أفعال حماس بوضوح، معتبرةً أن الصمت ليس خيارًا في هذه اللحظة الحاسمة، كما دعت ممثلي المجتمع العربي إلى المشاركة في التعبير عن التضامن مع عائلة بيباس، مؤكدة رفضها لحماس ومطالبتها بالإفراج عن المحتجزين.

جاء ذلك عبر مجموعة تصريحاتٍ هاجمت فيها قيادة الحركة القيادة السياسية العربية، إذ انتقد أميت ديرعي القيادة العربية التي وصفها بالانعزالية والقومية، مقارنًا بينها وبين رؤية “عتيدنا” القائمة على الاعتراف بالهوية القومية اليهودية للدولة والمساواة في الحقوق والواجبات، الأمر الذي يلفت النظر إلى تجاوز مسار عتيدنا دمج الشباب العربي في المؤسسات العامة ليصل إلى بناء قيادةٍ عربية تتبنى تصورًا مختلفًا للانتماء والمصالح والتمثيل، وتطرح نفسها بديلًا عن “القيادة العربية الانعزالية والقومية”.

يمتد ذلك إلى شبكات التواصل الخارجي لقيادة “عتيدنا”، فقد شارك أميت ديرعي في تأسيس منظمة شراكة المعنية بتعزيز العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، إلى جانب مبادرات أخرى مرتبطة بالدفاع عن المواقف الإسرائيلية في المجال العام، ما دفعه للقول إنه يرى في مشروع “عتيدنا” تحديًا إستراتيجيًا داخل إسرائيل، يوازي بناء الصلات مع العالم العربي، “الساعي إلى السلام مع إسرائيل”، وهو ما يكشف عن البيئة السياسية المحيطة ببعض قياداتها، وعن تصور يرى في الشراكة العربية الإسرائيلية مسارًا يمكن أن يمتد من إعادة تشكيل العلاقات داخل الدولة إلى بناء العلاقات مع المحيط العربي.

كما أن تتبع مواقف الأعضاء العرب في المنظمة على وسائل التواصل الاجتماعي يشير إلى أنهم يتبنون كلّ الخطاب الإسرائيلي، ويقفون جنودًا مدافعين عنها في نشاط “الهسبرا”. إذ احتوت عدد من المنشورات على تأييد للحرب الإسرائيلية على إيران، وحرب الإبادة على قطاع غزة، كما نصت على أن الخطر الوحيد الذي يواجه المنطقة هو خطر “إيران التي سفكت دماء المسلمين السنة في سوريا، ولبنان، وفلسطين، واليمن، ولم تكن يومًا حامية لقضايا الأمة، بل كانت ولا تزال مشروعًا توسّعيًا طائفيًا مموّهًا بشعارات المقاومة الزائفة”، وهذا كما يرد نصًا في أحد بيانات المنظمة. في المقابل، فإن التطبيع مع إسرائيل، حسب منشورات المنظمة، سيجلب الرخاء والتقدم لشعوب المنطقة.

ختامًا

لقد تمكّنت إسرائيل من إنتاج أعداد من “العربي الصهيوني”، أصبح بعضهم واجهة إعلامية يروج خطابها للعرب والعالم. ولكن الصهيونية، بيمينها ويسارها ووسطها، لا تترك مجالًا للتنبؤ حول مصير العربي الصهيوني، ولعل يوسف حداد الذي قد يكون أبرز نموذج عما تريد إنتاجه منظمات اليمين هو المثال الأبرز لمصير العربي الصهيوني.

فحداد كان قد قرر الانخراط في السياسة الإسرائيلية، بعد أن قدّم خدمات كبيرة للمشروع الصهيوني في مجال تلميع صورته لا سيما في ظل الإبادة الجماعية على قطاع غزة، علاوة على خدمته العسكرية في لواء غولاني وإصابته الخطيرة في حرب عام 2006. ولشدة تفانيه في خدمة المشروع الصهيوني راح يطمح لتولي وزارة “الهسبراه”، فانضم لحزب الجنرال عوغر فنتر “شعبك إسرائيل”، ورفع شعار “أن تكون عربيًا فخورًا” و”استبدال القيادة العربية بقيادة جديدة شابة تدمج العرب في المجتمع الصهيوني”. وهذه الأمور هي نفسها التي تريدها منظمة “عتيدنا” وغيرها. 

غير أن حدّاد نسي أنه عربي، فكان هجوم اليمين الكاسح عليه لمجرد خطاب عابر سابق أيد فيه حل الدولتين، وصولًا إلى اغتياله سياسيًا مع حزب “شعبك إسرائيل”، إذ قيل له: “يوسف أنت عربي، إذًا ما علاقتك بشعب إسرائيل!”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى