تحوّل تيار الصهيونيّة الدينيّة إلى القوّة الأكبر في إسرائيل

تشير استطلاعات الرأي العام التي أجريت في إسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين إلى أنّ نتائج الانتخابات العامة التي ستجرى في السابع والعشرين من أكتوبر القادم لن تفضي إلى حسم سياسي واضح؛ إذ لم تمنح أيّ من هذه الاستطلاعات الأحزاب التي تمثل المعارضة الصهيونية، أو تلك المشاركة في الحكومة والداعمة لها أغلبية مطلقة.
وعلى الرغم من تراجع قوة حزب الليكود، فإن ذلك التراجع لم يصبّ في مصلحة المعارضة، بل جاء في مصلحة أحزاب اليمين الصغيرة، لا سيما التي تمثل تيار الصهيونية الدينية. والمقصود هنا ليس حزب “الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، إذ يمثل هذا الحزب جزءًا من ذلك التيار فحسب، بل المقصود التيار نفسه الذي تعبر عنه أحزاب عديدة، مثل حزب سموتريتش، وحزب عوتسماه يهوديت بزعامة بن غفير، وحزب عوفر فينتر الجديد “شعبك إسرائيل”، وإلى جانبها عدد من الأحزاب الصغيرة مثل حزب نوعم وحزب زهوت، فضلًا عن تغلغل هذا التيار داخل حزب الليكود وحتى أحزاب المعارضة، بما يشمل حزب “يشار” بزعامة غادي آيزنكوت، و”بياحد” بزعامة نفتالي بينيت.
تبحث هذه الورقة في أسباب تراجع الليكود ودلالاته، وتعاظم التأييد لقوى الصهيونية الدينية، مع التركيز على أحزابها الأبرز، لا سيما “الصهيونية الدينية”، و”عوتسماه يهوديت”، و”شعبك إسرائيل”، إضافة إلى تحليل التداعيات المختلفة في سياق الانتخابات القادمة.
صورة موازين القوى في الساحة الحزبية كما تعكسها الاستطلاعات
كشفت استطلاعات الرأي العام الأخيرة عن تقارب كبير بين قوى المعارضة الصهيونية والأحزاب المشكّلة للائتلاف الحاكم، أو الداعمة له؛ إذ تظهر بعض هذه الاستطلاعات تقدمًا طفيفًا لقوى المعارضة لا يتجاوز أربعة مقاعد، بينما تُشير استطلاعات أخرى إلى تعادل الكتلتين. وفي حين أظهر استطلاع أجرته القناة 13 تقدم القوى المشاركة في الائتلاف بمقعدين، دلت النتائج ذاتها، والاستطلاعات التالية لها، على تراجع غير مسبوق في تمثيل الليكود؛ إذ تراجع إلى 18 مقعدًا؛ مقارنةً بـ 32 مقعدًا يمتلكها في الكنيست الحالي.
وفي المقابل، فقد عزز تيار الصهيونية الدينية، ممثلًا في “القوة اليهودية” بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، و”الصهيونية الدينية” بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وحزب “شعبك إسرائيل” بقيادة عوفر فنتير، الذي يتنافس لأول مرة في الانتخابات، من حضوره إذ أشارت الاستطلاعات إلى إمكانية حصول الأحزاب الثلاثة مجتمعة على 18 – 22 مقعدًا؛ مع العلم أن مجموع ما يحوزه تيار الصهيونية الدينية في الكنيست حاليا 13 مقعدًا.
ومن الواضح أن حقيقة عدم تأثر مستوى الدعم لأحزاب الائتلاف الحاكم، على الرغم من تراجع التأييد لحزب الليكود، يدل على أن قطاعًا واسعًا من الإسرائيليين الذين خابت آمالهم في الليكود باتوا يؤيدون تيار الصهيونية الدينية بصوره الأكثر تطرفًا.
تقف عوامل متعددة وراء تراجع شعبية الليكود وزعيمه نتنياهو، ومنها:
أوّلًا: تحمل نتنياهو في نظر قطاع واسع من مؤيدي حزب الليكود واليمين بشكل عام، قدرًا كبيرًا من المسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر؛ إلى جانب استعداده لإعفاء أتباع التيار الحريدي من الخدمة العسكرية، فضلًا عن عدم تقبلهم أنماط سلوك نتنياهو الشخصي.
فقد أظهر استطلاع للرأي أجري في مايو 2026 في أوساط الإسرائيليين الذين صوتوا لليكود في انتخابات العام 2022، أن 42% منهم قالوا إنهم يفكرون بعدم التصويت للحزب بفعل هذه الأسباب. وقد أظهر استطلاع أجرته القناة 13 أن 64% من الإسرائيليين المترددين يرون أن نتنياهو يتحمل أكبر قدر من المسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر.
ثانيًا: هناك ما يغري مصوتي الليكود الذين خابت آمالهم في نتنياهو أن يصوّتوا تحديدًا لأحزاب الصهيونية الدينية. فحسب نتائج الاستطلاع الذي أشرنا إليه آنفًا، فإن 86% من المصوتين المترددين يرون في حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة سموتريتش الحزب “الأكثر يمينية” في إسرائيل، في حين حلت بعده “القوة اليهودية” بتأييد 85% و75% لـ “شعبك إسرائيل”، في حين رأى 72% أن “الليكود” هو الأكثر يمينية.
ثالثًا: إن تهاوي الفروق الأيديولوجية بين الليكود وأحزاب التيار الديني القومي يسهل انتقال مصوتي الليكود إلى دعم هذه الأحزاب. فحسب ليمور ليفنات التي سبق أن شغلت عدة مواقع وزارية مهمة في حكومات إسحاق شامير ونتنياهو، فإن حزب الليكود بات يتبنى المنطلقات الأيديولوجية لإيتمار بن غفير؛ كما تشهد على ذلك “التوجهات الكاهانية” لعدد من وزراء ونواب الحزب. إن أوضح مثال على تهاوي الفروق الأيديولوجية بين الليكود واليمين الديني القومي في نسخته الأكثر تطرفًا يتجسد في موافقة نتنياهو مؤخرًا على انتقال النائب الليكودية طالي غوتليف إلى المكان الثاني في قائمة “القوة اليهودية” في الانتخابات القادمة.
من هو جمهور تيار الصهيونية الدينية؟
على الرغم من أهمية ما تقدم، فإنه لا يكفي لبناء تصور موضوعي بشأن الأسباب التي أفضت إلى تعاظم التأييد للتيار الديني القومي في إسرائيل. فقد لعبت عوامل بنيوية أكثر عمقًا، ذات طابع إثني واجتماعي وديموغرافي، دورًا في توفير مصادر دعم جماهيري ثابتة للتيار الديني القومي. ونستعرض هنا العوامل الديموغرافية والاجتماعية والإثنية والأيديولوجية التي تؤثر على الدعم الذي يحظى به كل من أحزاب “الصهيونية الدينية” و”القوة اليهودية” و”شعبك إسرائيل”.
“الصهيونية الدينية”
يشير عدد من الأدبيات البحثية إلى أن حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة سموتريتش يعد الممثل الرئيس للتيار الحريدي القومي، الذي يطلق عليه بالعبرية “هحردليم”. كما أشارت إلى ذلك على سبيل المثال، دراسة Daniel Mahla وتقرير صادر عن “معهد سياسات الشعب اليهودي” الذي ربط أيضًا بين حزب “الصهيونية الدينية” وتشكيل “فتية التلال” اليهودي الإرهابي. وقد برز التيار الحردلي في ثمانينيات القرن الماضي داخل “الصهيونية الدينية”[1]، ويجمع بين التشدد الفقهي للتيار الحريدي وفي الوقت ذاته يتبنى مواقف أكثر تطرفًا من الصراع مع الشعب الفلسطيني من المواقف التقليدية للصهيونية الدينية.
إن أحد الأسباب التي تفسر الدعم الذي يحظى به حزب سموتريتش يتمثل في البعد الديموغرافي، فإن كانت أحدث الإحصاءات تشير إلى أن الذين يعرفون أنفسهم بأنهم ينتمون إلى الصهيونية الدينية يمثلون 17% من إجمالي عدد اليهود؛ فقد قفز عدد أتباع الصهيونية الدينية الذين باتوا يعرفون أنفسهم بأنهم “حردليم” من 12% عام 2014، إلى 28% عام 2024، وهو ما يمثل زيادة تفوق 200%، كما دلل على ذلك استطلاع أجراه “مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية”، التابع لجامعة “بار إيلان”، ونشرت نتائجه صحيفة “هارتس” .
وترجع الزيادة في عدد منتسبي التيار الحردلي إلى الزيادة الكبيرة في عدد الولادات للمرأة الحردلية. فحسب الباحث داني بار أون فقد بلغ متوسط عدد الولادات في أوساط الحردليم 4.8 ولادات للمرأة، في حين أن عدد الولادات لدى بقية أتباع الصهيونية الدينية 3.8 ولادات، ولدى العلمانيين 3.2 ولادات. وعلى الرغم من افتراض ألا يقتصر تصويت جميع أبناء التيار الحردلي لصالح حزب “الصهيونية الدينية”، فإن مما لا شك فيه أن “الحردليم” يمثلون مصدر الدعم الرئيس لهذا الحزب.
غير أن سموتريتش ظل لا يتجاوز نسبة الحسم حتى إعلانه التحالف مع موشيه فيغلين وحزبه زهوت، وهذا ما يشير إلى النسبة المتدنية لأعداد الحردليم ضمن إطار المجتمع الإسرائيلي وتيار الصهيونية الدينية. وبتحالفه مع فيغلين استقطب سموتريتش جمهورًا أوسع من مستوطنات الضفة الغربية وأراضي 48 ممن يتأثرون بخطاب فيغلين الذي يعد الأكثر تطرفًا في إسرائيل.
“القوة اليهودية”
ذهبت بعض الأدبيات البحثية إلى أن اليهود الشرقيين والحريديم يمثلون مصدر الدعم الرئيس لحزب “القوة اليهودية”. فكثير من أدبيات الاجتماع السياسي في إسرائيل قد اهتمت منذ وقت طويل ببحث الأسباب التي تدفع اليهود، الشرقيين تحديدًا، إلى تأييد اليمين وتبني توجهات عنصرية تجاه العرب.
وقد خلصت دراسة معمقة أعدتها الباحثة عنات ريمون أور إلى أنّ قطاعًا واسعًا من اليهود الشرقيين، وتحديدًا الشباب، يؤيدون حزب “القوة اليهودية”؛ إذ أشارت إلى أن هذا يشي بحدوث مزيد من التطرف على توجهات شباب اليهود الشرقيين، الذين بات شعار “الموت للعرب” مكونًا هوياتيًّا لهم. وتعزو أور دعم الشرقيين لبن غفير وحقيقة أنهم الأكثر حماسًا لترديد شعار “الموت للعرب” إلى حقيقة شعورهم بالدونية إزاء اليهودي الغربي، إذ تقول:
“عندما يلتقي مع الإشكنازي، فإن اليهودي الشرقي عليه أن يميز بين مكونين في هويته: هوية “اليهودي” المرتبطة بانتمائه الديني، وهوية “العربي” لأنه هاجر من دولة عربية أو إسلامية؛ حيث سيحاول اليهودي الشرقي إلغاء مكون انتمائه الأخير عبر سلسلة من الأقوال والأفعال، من ضمنها شعار “الموت للعرب””. ويعد الباعث الإثني أحد المعطيات التي أجمعت عليها معظم الأدبيات التي حاولت تفسير تطرف الشرقيين، لكن لا يمكن تجاهل العوامل الأخرى الاقتصادية والاجتماعية، التي لا مجال لحصرها هنا، لا سيما أحداث السابع من أكتوبر.
من هنا تكتسب ملاحظة الكاتب رون كحليلي أهمية عندما عدّد مظاهر تماهي الكثير من الشباب الشرقيين مع توجهات بن غفير من خلال الإفصاح عن دعمهم لفكرة “أرض إسرائيل الكاملة”، وحقيقة أنهم يمثلون نسبة كبيرة من منتسبي “فتية التلال”؛ فضلًا عن مشاركتهم الواسعة في عمليات تدنيس المسجد الأقصى، وحقيقة أن الشرقيين يشكلون نصف عدد المستوطنين في الضفة الغربية، على الرغم من أنهم شرعوا في الانتقال إلى هناك في أواسط ثمانينيات القرن الماضي فقط.
إلى جانب ذلك، يمثل الشباب المتدين الحريدي قطاعًا مهمًّا من مؤيدي “القوة اليهودية”، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تصويتهم لها، إذ إن تصويت الحريديم يظلّ في مجمله تصويتًا قطاعيًا مقتصرًا على أحزابهم التقليديّة. وتشير الباحثة راحيلي فريفليد إلى أن دعم هؤلاء الشباب للتيار اليميني المتطرف يعود إلى تبني أتباع التيار الحريدي، بشكل تقليدي، المواقف الأكثر تطرفًا من الصراع مع الشعب الفلسطيني مقارنة بأي قطاع جماهيري آخر في إسرائيل. فضلًا عن ذلك، يمكن تفسير هذا الدعم المتزايد لبن غفير بحماسه إلى دعم مشاريع القوانين والتسويات التي تهدف إلى إضفاء شرعية على مواصلة تهربهم من الخدمة العسكرية.
غير أنّ أبرز عوامل صعود بن غفير، على عكس سموتريتش مثلًا، تكمن في شعبويته المفرطة واعتماده على خطاب يدغدغ مشاعر الجماهير ويلامس قلقها أو يحفزه، فضلًا عن تباهيه بسياساته المتطرفة مثل “قانون الإعدام”، مستندًا في ذلك إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما “التيكتوك”، حتى غدا يوصَف بأنه “وزير التيكتوك”.
“شعبك إسرائيل”
نظرًا إلى حداثة تأسيس هذا الحزب، ومشاركته في الانتخابات للمرة الأولى، تغيب الأدبيات التي عالجت مصادر التأييد الجماهيري الذي يحظى به. غير أن فنيتر كان قد كثّف نشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي عقب السابع من أكتوبر، طارحًا سياسات متطرفة ودعوات للتهجير والإبادة، مما مكنه من حشد جمهور واسع. وقد تطور الأمر لاحقًا ليعقد لقاءات مباشرة وندوات ومحاضرات عامة، استقطب إليها جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، بانيًا صورته وشعبيته عبر توجيه انتقادات حادة لطريقة إدارة الحرب والحكومة، ومدّعيًا امتلاكه الحلول السحرية بحكم خبرته الأمنية. وحتى وقت متأخر، ظلّ متحفظًا على الإعلان عن نياته السياسية حتى لا ينفضّ الناس من حوله، إذ قدّم نفسه كرجل يسعى للمصلحة العامة لا المناصب. وهذا ما يفسر أيضًا إصراره على تحدي نتنياهو، ورفضه الاندماج مع أي من أحزاب اليمين أو الانسحاب من الترشح، إذ إنه بنى كل سمعته على مهاجمة الحكومة وطرح نفسه بديلًا ذا رؤية مختلفة.
ومن خلال تسليط الضوء على الخلفية الشخصية لفنتير ومنطلقاته الأيديولوجية، يمكن رسم تصور دقيق لطبيعة الجمهور الداعم له. فقد تخرج فنتير في مدرسة “بن دافيد”، في مستوطنة “عيلي” المقامة على أرض فلسطينية في محيط رام الله، وهي واحدة من المدارس الدينية التي تعدّ أتباع الصهيونية الدينية للخدمة العسكرية. وقد اشتهر فنتير خلال الحرب على غزة عام 2014، حين تولّى قيادة لواء “جفعاتي”، وقيادة العمليات البرية في منطقتي خانيونس ورفح، بمضامين الأمر القيادي الذي أصدره لجنوده، والذي جاء في مقدمته: “لقد وقعت علينا في هذا الوقت نعمة عظيمة بأن نقود ونخدم في لواء جفعاتي. لقد اختارنا التاريخ لنكون في طليعة القتال ضد العدو الإرهابي “الغزي” الذي يسيء ويشتم ويلعن إله جيوش إسرائيل”.
وقد كانت هذه المرة الأولى التي يقدم فيها قائد عسكري الجهد الحربي بوصفه جزءًا من حرب دينية، على هذا النحو الفج.
أمّا على مستوى المنطلقات السياسية والأيديولوجية تجاه الصراع مع الشعب الفلسطيني، فيقدم فنتير، الذي وصفه الكاتب يوسي كلاين بـ “كهانا بالزي العسكري“، تصورًا بسيطًا وواضحًا: “من أجل تصفية القضية الفلسطينية يجب ألا يكون هنا فلسطينيون”؛ وهذا هو الذي يجعل “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من قطاع غزة، على رأس أجندة حزبه.
تداعيات تعاظم تمثيل تيار الصهيونية الدينية
تشير غالبية الاستطلاعات إلى أن فرص نجاح القوى الممثلة للمعارضة الصهيونية والأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم في الحصول على أغلبية مطلقة في الانتخابات القادمة متدنية للغاية، إن لم تكن مستحيلة. ويعود ذلك إلى الارتفاع المتوقع في نسب الإقبال على الاقتراع؛ الأمر الذي سيمنح الأحزاب العربية مقاعد إضافية تحول دون قدرة أي من الكتلتين الصهيونيتين على حسم الأغلبية المطلقة. وإذا ما تجسدت هذه التوقعات على أرض الواقع، فإن إسرائيل ستكون أمام ثلاثة سيناريوهات:
أوّلًا: تشكيل حكومة “وحدة وطنية” موسعة تشارك فيها الأحزاب الصهيونية بما يشمل الليكود وأحزاب المعارضة، بما يستثني بن غفير وحزبه “القوة اليهودية”.
ثانيًا: عقد جولة انتخابات جديدة، نتيجة رفض معسكري الائتلاف الحالي والمعارضة التوصل إلى حكومة وحدة وطنية، وبقاء حكومة نتنياهو كحكومة تسيير أعمال إلى حين عقد الجولة الجديدة.
ثالثًا: تخلي قوى المعارضة الصهيونية الرئيسة عن تعهداتها الانتخابية واعتمادها على دعم القائمة الموحدة بقيادة منصور عباس، ودعم القائمة المشتركة من خارج الائتلاف لتشكيل حكومة مستقرة تزيل حكومة نتنياهو.
قد يبدو سيناريو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو الأرجح؛ إذ لم يستبعد يورام كوهين، الرجل الثاني في حزب “يشار”، مشاركة حزبه في حكومة إلى جانب الليكود و”الصهيونية الدينية”، بشرط ألا يتولى قيادتها نتنياهو. في الوقت ذاته، فإن أيًّا من قوى المعارضة لم تعترض على المشاركة في حكومة يشارك فيها حزب “شعبك إسرائيل” بقيادة فنتير.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإنّه يعني مواصلة قوى الصهيونية الدينية، باستثناء “القوة اليهودية”، لعب دور رئيس في التأثير على عملية صنع القرار، لا سيما المتعلقة بقطاع غزة والضفة الغربية. وهذا يعني أنّ كلّا من سموتريتش وفنتير سيجعلان “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من غزة على رأس جدول اهتماماتهما بصفتهما وزيرين.
ولا سيما أن سموتريتش كان قد تعهد في يوليو الماضي باستئناف الاستيطان اليهودي في كامل قطاع غزة. وفي الوقت ذاته، فإنه يرجح على نطاق واسع أن تواصل حكومة كهذه مشاريع تهويد الضفة الغربية. فإلى جانب فنتير، وسموتريتش، سيجلس حول طاولة الحكومة القادمة، ممثلو الليكود وقيادات حزب “يشار” من الصهيونية الدينية، أمثال يورام كوهين ومتان كهانا، وزعيم قائمة “معا” نفتالي بينيت، الذي سبق أن تولى منصب مدير عام مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، والذي يرى وجوب ضم مناطق “ج” إلى إسرائيل التي تمثل حوالي 60% من الضفة الغربية، في أية تسوية سياسية للصراع.
كما يشير تغلغل تيار الصهيونية الدينية داخل أحزاب المعارضة، وهيمنة خطابه المتطرف على أجندتها، سياسيًّا على الأقل، إلى أنه حتى لو شكلت المعارضة الحكومة بدعم من القوائم العربية؛ فإن طروحاتها السياسية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لن تكون مختلفة في جوهرها عن طروحات اليمين بشقيه القومي والديني.
خاتمة
تشير المعطيات السابقة إلى أن تيار الصهيونية الدينية أصبح تيارًا متغلغلًا في مفاصل السياسة الإسرائيلية كافة، وبات جزءًا أصيلًا من منظومة الحكم في إسرائيل، سواء أشاركت أحزابه الرسمية في الائتلاف أم لم تشارك، نظرًا إلى امتداد نفوذه في أحزاب المعارضة، ولا سيما حزبي يشار وبياحد.
ومع الأخذ بعين الاعتبار وجود تباينات في درجات التطرف داخل هذا التيار، فإن هذه الفروق تضيق مع الوقت. إذ تحول مشروع التهجير والضم والاستيطان، سواء في قطاع غزة أم الضفة الغربية، إلى مشروعٍ يحظى بشبه إجماع في داخل المجتمع الإسرائيلي ككل، وإن اختلفت الاعتبارات والمسوغات. غير أن هدف المادة ليس تصوير تيار الصهيونية الدينية بوصفه أصل الشرور في إسرائيل، وإنما تسليط الضوء على سرعة نمو هذا التيار، وانتشار أيديولوجيته في المجتمع الإسرائيلي، حتى بات مكونًا متجذرًا في السياسة والخطاب الإسرائيلي.
[1] بعض الأدبيات تدلل حاليًا على أن التيار الحردلي بات يضم أيضًا جماعات حريدية، مثل حركة “حباد”.



