ماذا تريد إسرائيل من الكونغو الديمقراطية؟

وصل رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية “فيليكس تشيسيكيدي” إلى إسرائيل في 31 أغسطس/آب 2026 تلبيةً لدعوة رسمية، في زيارة تُعَد هي الثانية له منذ توليه الرئاسة بعد زيارة سابقة عام 2021، ورافقته وزيرة الخارجية “تيريز كاييكوامبا فاغنر” ووفد من كبار المسؤولين. والتقى “تشيسيكيدي” في 1 سبتمبر/أيلول رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” بحضور وزير الخارجية “جدعون ساعر”، واتفق الجانبان على تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية. ووصف “نتنياهو” العلاقة بين البلدين بأنها “صداقة عظيمة” ستعززها هذه الزيارة أكثر. كما التقى الرئيس الكونغولي الرئيس الإسرائيلي “إسحاق هرتسوغ” الذي أقام له مأدبة عشاء، وشكره على دعمه لإسرائيل في المحافل الدولية.
وبلغت الزيارة ذروتها في 3 سبتمبر/أيلول، حين أصدر البلدان بيانًا مشتركًا أعلنا فيه عزمهما اتخاذ خطوات عملية نحو “نقل سفارة جمهورية الكونغو الديمقراطية من تل أبيب إلى القدس المحتلة”. وفي المقابل، وافقت إسرائيل على فتح سفارة مقيمة في كينشاسا؛ إذ لا تملك حاليًا سوى قنصلية فخرية هناك، دون أن يُحدد البيان جدولًا زمنيًا لتنفيذ الخطوة. وإذا نُفِّذَ هذا الإعلان على أرض الواقع، فستغدو الكونغو الديمقراطية أول دولة أفريقية معترف بها أمميًا تقيم سفارة في القدس، بعد أن افتتحت “أرض الصومال”، الكيان غير المتمتع بعضوية الأمم المتحدة أو باعتراف دولي واسع، سفارتها في القدس في 15 يونيو/حزيران 2026، وذلك خلال زيارة رسمية أجراها رئيسها عبد الرحمن محمد عبد الله.
تطرح هذه الزيارة للرئيس الكونغولي تساؤلات عدة تسعى المقالة للإجابة عنها؛ وذلك حول الدوافع التي تقف وراء الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالكونغو الديمقراطية، والحسابات التي تدفع كينشاسا إلى المضي في هذا التقارب رغم كُلفته الدبلوماسية، فضلًا عن حدود قدرة الطرفين على تحويل إعلان النوايا إلى خطوات فعلية.
كينشاسـا وتل أبيب.. زخم متصاعد
تحتل القارة الأفريقية موقعًا متقدمًا في الحسابات الإسرائيلية بوصفها ساحة لكسر العزلة الدبلوماسية وتعميق المجالين الاقتصادي والأمني. وقد مرّت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بمراحل متقلبة؛ فبعد انطلاقة مبكرة في خمسينيات القرن الماضي، كانت غانا من أوائل ساحات الانفتاح الإسرائيلي على القارة، وشَهِدَت العلاقات توسعًا كبيرًا في الستينيات، لعبت خلاله وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، جولدا مائير، دورًا محوريًا عبر الزيارات الدبلوماسية والمساعدات الفنية وبرامج التعاون التنموي. كما ارتبط هذا التوجه منذ بداياته بحسابات التنافس مع مصر، التي سعت في أواخر الخمسينيات إلى الحد من تنامي العلاقات الإسرائيلية مع الدول الأفريقية، ولا سيما غانا، ثم أعقبت حرب 1973 قطيعة دبلوماسية شبه شاملة، قبل أن يبدأ استئناف تدريجي للعلاقات منذ ثمانينيات القرن الماضي. بالإضافة إلى ذلك، وصلت هذه العلاقات إلى ما يصفه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بالنهضة في عهد “نتنياهو”، الذي زار القارة خمس مرات، ورفع عام 2016 شعار “إسرائيل تعود إلى أفريقيا، وأفريقيا تعود إلى إسرائيل”.
وفيما يتعلق بالكونغو الديمقراطية على وجه الخصوص، فقد جاءت زيارة الرئيس الكونغولي فيليكس لإسرائيل ضمن مسار تقارب تاريخي متدرج. فقد أقام البلدان علاقاتهما الدبلوماسية بعد استقلال الكونغو عام 1960، ثم قطعتها كينشاسا عقب حرب أكتوبر/تشرين الأوّل 1973 تحت ضغط عربي، وقال الرئيس الأسبق “موبوتو سيسي سيكو” حينها إن القرار كان اختيارًا “بين صديق وأخ”. ثم عادت الكونغو في مطلع الثمانينيات لتكون من أوائل الدول الأفريقية التي استأنفت علاقاتها مع إسرائيل.
وأعطى “تشيسيكيدي” هذه العلاقات دفعة جديدة منذ وصوله إلى السلطة عام 2019. ففي عام 2020 عيّن أول سفير كونغولي لدى إسرائيل منذ نحو عقدين، وأعلن إنشاء قسم اقتصادي تابع للسفارة في القدس. ثم تعهد في سبتمبر/أيلول 2023، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، بنقل السفارة بالكامل إلى القدس، لكن هذا التعهد تأجل كما تأجل فتح السفارة الإسرائيلية في كينشاسا. وسبق لـ”تشيسيكيدي” أيضًا أن أيَّد خطة “ترامب” للسلام عام 2020 برغم معارضة الاتحاد الأفريقي لها.
وتسارع هذا المسار خلال الأشهر الأخيرة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أجرى “هرتسوغ” زيارة دولة إلى كينشاسا، أعلن خلالها أن إسرائيل “ستعمل على ترقية العلاقات”، ورحب بانتخاب الكونغو لعضوية مجلس الأمن. وفي أواخر يوليو/تموز 2026 وقّع “ساعر” ونظيرته الكونغولية مذكرتي تفاهم بشأن التدريب الدبلوماسي وإجراء مشاورات سياسية منتظمة بين وزارتي الخارجية، كما أعلن “ساعر” إرسال ثلاثة أطنان من المساعدات الطبية لمكافحة تفشي الإيبولا.
ماذا تريد إسرائيل من الكونغو؟
بناءً على ما سبق، تبدو الكونغو الديمقراطية نموذجًا يجمع معظم ما تبحث عنه إسرائيل في القارة، ويمكن إبراز أهم الدوافع الإسرائيلية تجاهها فيما يلي:
أ‐ توظيف الثقل الكونغولي في مجلس الأمن والمحافل الدولية: تكتسب الكونغو أهمية دبلوماسية خاصة لإسرائيل في هذه المرحلة بسبب عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي. وقد صرح “ساعر” بذلك حين قال إن صوت الكونغو “أكثر أهميةً” بحكم هذه العضوية، وأشاد بدعمها لإسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية. ويتزامَن ذلك مع عزلة سياسية متزايدة تعيشها إسرائيل في المحافل الدولية بسبب حرب الإبادة على قطاع غزّة؛ وهو ما يدفعها إلى توسيع شبكة شركائها في أفريقيا لضمان أصوات مساندة لها في الأمم المتحدة.
ب‐ اختراق الموقف الأفريقي الجماعي تجاه إسرائيل: تسعى تل أبيب إلى استخدام علاقاتها الثنائية مع دول أفريقية مؤثرة للالتفاف على الموقف المتحفظ للاتحاد الأفريقي، الذي علّق صفة المراقب الممنوحة لإسرائيل واستبعدها من قمته عام 2023. وقد عبّر “هرتسوغ” عن هذا التوجه صراحةً في كينشاسا، حين شكر “تشيسيكيدي” على دعمه داخل الاتحاد الأفريقي، ورأى أنه “لا يوجد سبب يدفع الدول الأفريقية إلى إقصائنا”. كما قال لاحقًا إن إسرائيل تضع “تركيزًا كبيرًا” على علاقاتها مع أفريقيا.
ج‐ توسيع دائرة الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل: يُمثِّل نقل أي سفارة إلى القدس مكسبًا رمزيًا وسياسيًا كبيرًا لإسرائيل؛ لأن أغلب الدول تُبقي سفاراتها في تل أبيب انتظارًا لتسوية وضع المدينة ضمن اتفاق سلام نهائي، كما أن مجلس الأمن كان قد رفض أي إجراءات تغيّر وضع القدس. ولهذا تفاخر “ساعر” بأن عدد السفارات الأجنبية في القدس ارتفع خلال توليه الوزارة من خمس سفارات إلى إحدى عشرة سفارة. ويأتي الإعلان الكونغولي بعد أسابيع من إعلان الرئيس الكولومبي الجديد “أبيلاردو دي لا إسبريلا” عزمه نقل سفارة بلاده إلى القدس.
د‐ الاقتراب من خزان المعادن الإستراتيجية: تُشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن الكونغو الديمقراطية أنتجت نحو (230) ألف طن من الكوبالت عام 2025، أي قرابة (73%) من الإنتاج العالمي. ويدخل الكوبالت في صناعة بطاريات الطائرات المسيّرة وسبائك محركات الطائرات المقاتلة ومكونات الصواريخ. وتُعَد الكونغو أيضًا ثاني أكبر منتج للنحاس في العالم ومن كبار منتجي التنتالوم. ومع ذلك، لم تذكر البيانات الرسمية المعادن صراحةً ضمن ملفات المباحثات؛ ما يرجّح أن هذا الملف يُدار بهدوء بعيدًا عن الأضواء، أو أنه ما زال في مرحلة استكشافية.
هـ‐ قطع الطريق على تمدد النفوذ التركي والإيراني في القارة: يصف تحليل منشور في (JNS) أفريقيا بأنها ساحة لـ”سباق على النفوذ” بين قوى شرق أوسطية، ويرى أن إيران وتركيا هما الأخطر على المصالح الإسرائيلية، في حين يُعدّ الحضور الإماراتي والسعودي عامل توازن. وبحسب التحليل، وسّعت طهران تعاونها الأمني مع دول الساحل، مثل النيجر وبوركينا فاسو، وزوّدت الجيش السوداني بالمسيّرات، فضلًا عن نشاطها عبر “فيلق القدس” و”حزب الله”. ويربط معهد القدس للإستراتيجية والأمن كذلك بين “حزب الله” وتجارة الماس غير المشروعة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مشيرًا إلى ارتباطها بوسطاء في كينشاسا ولوبومباشي.
أما تركيا فتقدمها دوائر قريبة من إسرائيل على أنها منافس صاعد. فقد ارتفع عدد سفاراتها في القارة من اثنتي عشرة سفارة عام 2002 إلى أربع وأربعين، وتنتشر مسيّراتها في جيوش (18) دولة أفريقية، وتقع أكبر قواعدها العسكرية الخارجية في مقديشو. كما انضمت أنقرة إلى قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بعدما قدمت في 7 أغسطس/آب 2024 إعلان تدخل رسمي في القضية، كما وصف الرئيس رجب طيب أردوغان في أواخر ديسمبر/كانون الأوّل 2025 اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بأنه “غير شرعي وغير مقبول”.
وعليه، فإن كينشاسا ليست بعيدة عن هذا التنافس. ففي اتصال هاتفي بتاريخ 27 أغسطس/آب 2026 مع “تشيسيكيدي”، أكد الرئيس “أردوغان” مواصلة تعزيز التعاون في الاستثمار والتجارة والدفاع والأمن، وأجرى في اليوم نفسه اتصالًا مُماثلًا بالرئيس الرواندي “بول كاجامي”. ومن ثم، فإن تعزيز تل أبيب لعلاقاتها مع كينشاسا قد يرتبط أيضًا بسعيها إلى ترسيخ حضورها في منطقة تتزايد فيها المنافسة مع قوى إقليمية، من بينها تركيا، إلى جانب التنافس مع إيران في بعض هذه الساحات، في إطار تنافس أوسع تتقاطع ساحاته من سوريا وشرق المتوسط إلى الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ماذا تريد الكونغو من إسرائيل؟
لا تنظر كينشاسا إلى تقاربها مع تل أبيب باعتباره غاية في ذاته، بل تراه أداة لخدمة حسابات سياسية وأمنية أوسع، وذلك في ظل ضغوط عسكرية متصاعدة في شرق البلاد، وتتمثَّل أبرز هذه الحسابات فيما يلي:
١‐ العبور إلى واشنطن عبر تل أبيب: يرى الباحث المتخصص في شؤون منطقة البحيرات العظمى “جيسون ستيرنز” أن الهدف الرئيس للزيارة هو “تعزيز التحالف مع واشنطن عبر إسرائيل”، وتقديم “تشيسيكيدي” نفسه بهذه الصورة أمام الجمهوريين في الولايات المتحدة. ويتسق ذلك مع اتجاه أوسع في السياسة الكونغولية نحو الاصطفاف مع إدارة “ترامب”، ويظهر في اتفاقية الشراكة الإستراتيجية التي تمنح الشركات الأمريكية أولوية الوصول إلى المعادن الحيوية مقابل تعاون أمني ودفاعي، وفي موافقة كينشاسا على استقبال مهاجرين من دول ثالثة ترحّلهم الولايات المتحدة.
٢‐ البحث عن قدرات أمنية في مواجهة حركة “إم 23”: تواجه الحكومة الكونغولية ضغطًا عسكريًا شديدًا في شرق البلاد من حركة “إم 23” المدعومة من رواندا، برغم توقيع “اتفاقات واشنطن” في ديسمبر/كانون الأوّل 2025. فبعد أيام من التوقيع سيطرت الحركة على مدينة “أوفيرا”، ثم فرضت واشنطن في مارس/آذار 2026 عقوبات على قوات الدفاع الرواندية. وفي هذا السياق يُرجّح “ستيرنز” أن تشمل مجالات التعاون مع إسرائيل الاستخبارات والطائرات المسيّرة وحماية الشخصيات والأمن السيبراني، ويُشير إلى أن اعتقال “تشيسيكيدي” عشرات الجنرالات ومئات الضباط بتهم الخيانة والفساد قد يدفعه إلى البحث عن خبرة أمنية خارجية.
٣‐ محاولة تحييد العلاقة الإسرائيلية الرواندية: ترتبط إسرائيل بعلاقات وثيقة وقديمة مع رواندا، الخصم الإقليمي الأبرز لكينشاسا، التي رفعت في يونيو/حزيران 2026 دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها كيغالي بالإبادة الجماعية والتعذيب في شرق الكونغو. ومن ثم، قد تحاول كينشاسا استخدام تقاربها مع تل أبيب ورقةً لعزل رواندا، ويرى “ستيرنز” أن الكونغوليين إن أحسنوا التفاوض فستكون هذه “إحدى أدوات الضغط”. وقد أكد “ساعر” أن المباحثات تناولت تنفيذ اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا.
٤‐ استقطاب الخبرات التنموية الإسرائيلية: يعطي “تشيسيكيدي” أولوية لقطاعات الزراعة والأمن الغذائي والمياه والصحة والتكنولوجيا، وقد عبّر عن طموحه إلى بناء شراكة “حديثة وعملية ومفيدة للطرفين”.
٥- حضور البعد الديني الإنجيلي في توجهات “تشيسيكيدي” وحساباته الداخلية: من الصعب فهم اندفاع “تشيسيكيدي” نحو إسرائيل بمعزل عن البُعد الديني في خطابه السياسي. ففي كلمته أمام مؤتمر “أيباك” في مارس/آذار 2020، استشهد بسفر التكوين، متحدثًا عن رغبة بلاده في أن تكون “بركة” لإسرائيل، فضلًا عن صلاته عند حائط البراق. ويندرج ذلك ضمن ما يسميه باحثون “سياسات البركة”، في بلد يعتنق نحو (95%) من سكانه المسيحية. ولا يقتصر الأمر على الخطاب، فـ”تشيسيكيدي” ينتمي إلى تيار “كنائس اليقظة” الإنجيلية، وقد وصفه أحد أبرز رجالها، رئيس الأساقفة “ألبير كانكينزا”، بأنه رئيس “ذو حساسية إنجيلية” يحيط نفسه بالقساوسة. ولهذه الصلة وظيفة داخلية أيضًا؛ إذ يعتمد “تشيسيكيدي” على هذه الكنائس ثقلًا موازنًا للكنيسة الكاثوليكية التي تقود معارضة تعديل الدستور وتمنع مسعاه إلى ولاية ثالثة. ومن ثم، فإن التقارب مع إسرائيل يخدم قاعدته الدينية في الداخل، كما يخدم صورته في واشنطن.
وخلافًا لحالة الرئيس الأرجنتيني “خافيير ميلي”، الذي يجمع بين توجه يميني ليبرتاري وانجذاب علني لافت إلى اليهودية، لا يمكن تفسير اندفاع “تشيسيكيدي” نحو إسرائيل بخلفية يمينية فحسب. فحزبه، “الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي”، يُعرّف نفسه حزبًا اشتراكيًا ديمقراطيًا من يسار الوسط، وهو عضو في “الأممية الاشتراكية” و”التحالف التقدمي”. وعليه، يجتمع في موقف فيليكس بُعد ديني إنجيلي وحسابات براغماتية للبقاء في السلطة.
التحديات المحتملة لتطور العلاقات
على الرغم من الزخم الذي عكسته الزيارة، يصطدم تحويل مخرجاتها إلى خطوات فعلية، ولا سيما نقل السفارة، بعدد من التحديات. وقد تبطئ هذه التحديات المسار أو تفرغه من مضمونه، وتتمثل أبرزها في النقاط التالية:
١‐ غياب جدول زمني وسجل من التعهدات المؤجلة: لا ترقى صياغة الإعلان المشترك إلى مستوى القرار النهائي. فهو يتحدث عن “مواصلة المشاورات بهدف” فتح السفارة الإسرائيلية ونقل السفارة الكونغولية، وعن الاستمرار في التواصل عبر القنوات الدبلوماسية “للاتفاق على آليات التنفيذ”. ولهذا دعا “جيسون ستيرنز” إلى التعامل بحذر مع الإعلان، مذكّرًا بأن “تشيسيكيدي” و”نتنياهو” أعلنا اتفاقًا شبه مطابق قبل نحو ثلاث سنوات دون أن يتبعه أي نقل فعلي. وتؤكد تجارب دول أخرى هشاشة هذه التعهدات. فالرئيس الأرجنتيني “خافيير ميلي” أعلن في فبراير/شباط 2024 عزمه نقل سفارة بلاده إلى القدس، وجدد لاحقًا التزامه بتنفيذ الخطوة في 2026، لكن مسار النقل واجه تعثرًا على خلفية خلافات بشأن مشروع “سي ليون” النفطي قبالة جزر فوكلاند؛ إذ تشارك فيه شركة “نافيتاس بتروليوم” الإسرائيلية وشركة “روكهوبّر إكسبلوريشن” البريطانية، فيما تعدّ بوينس آيرس الجزر محل نزاع سيادي مع المملكة المتحدة، وترفض الأنشطة النفطية التي تجري فيها دون موافقتها. وقد أفادت تقارير بأن الخلاف حول المشروع أسهم في تأجيل نقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس.
٢‐ التعارض مع قرارات الشرعية الدولية وكُلفته الدبلوماسية: رفض مجلس الأمن أي إجراءات تغيّر وضع القدس، ودعا الدول إلى عدم إقامة بعثات دبلوماسية فيها. وتزداد هذه المفارقة حدة لأن الكونغو الديمقراطية تشغل مقعدًا غير دائم في المجلس حتى نهاية 2027. ومن المرجّح أن تواجه كينشاسا ضغوطًا عربية مماثلة لما واجهته “ناورو”. فقد أدانت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في 8 سبتمبر/أيلول 2026 افتتاح “ناورو” سفارة في القدس، واعتبرته انتهاكًا للقرارين (476) و(478) لعام 1980، ودعتها إلى مراجعة قرارها. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة لأن كينشاسا تعتمد على وساطة قطرية في مسار الدوحة مع حركة “إم 23”. وقد أفضت اجتماعات هذا المسار في سويسرا بين 17 و21 أغسطس/آب 2026 إلى خريطة طريق تحدد مراحل التفاوض وجداولها الزمنية. لذلك قد تجد كينشاسا نفسها مضطرة إلى الموازنة بين رهانها على واشنطن وتل أبيب، وحاجتها إلى الشركاء العرب في هذا الملف الداخلي الشائك.
٣‐ محدودية الرهان على الورقة الإسرائيلية ضد رواندا: تستند علاقة إسرائيل برواندا إلى أسس مؤسسية راسخة يصعب التضحية بها. فقد افتتحت إسرائيل عام 2019 أول سفارة مقيمة لها في كيغالي، ويتلقى ضباط من قوات الدفاع والشرطة الرواندية دورات تدريبية في إسرائيل. وفي 6 يوليو/تموز 2026؛ أي قبل أسابيع من زيارة “تشيسيكيدي”، وقّع البلدان في القدس مذكرتي تفاهم للتعاون في التعليم والابتكار والتنمية، إحداهما مع وكالة “ماشاف” الإسرائيلية. كما احتضنت كيغالي في فبراير/شباط 2026 قمة أمنية ثلاثية جمعت مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وأفارقة، ووصفها السيناتور “تيد كروز” بأنها “تحالف إستراتيجي قائم على مصالح أمنية مشتركة”. ويرى “ستيرنز” أن إسرائيل لا ترى تناقضًا في علاقتها بالبلدين، لأنها “تبحث عن حلفاء أينما وُجدوا”. ولذلك يُرجَّح أن تتبنى تل أبيب سياسة موازنة بين العاصمتين، لا الانحياز إلى إحداهما؛ وهو ما يُقيِّد قدرة كينشاسا على توظيف تقاربها مع إسرائيل لعزل كيغالي.
الخاتمة
في المحصّلة، تكشف القراءة المتكاملة لمسار العلاقات الكونغولية-الإسرائيلية، ودوافع تل أبيب، وحسابات كينشاسا، والعقبات التي تعترض ترجمة التعهّدات إلى أفعال، أن زيارة “تشيسيكيدي” تتجاوز حدود العلاقة الثنائية. فهي حلقة في إستراتيجية إسرائيلية أوسع تسعى إلى تعويض عزلتها الدولية المتفاقمة منذ حرب الإبادة على غزّة، عبر توسيع شبكة شركائها في القارة الأفريقية، ومزاحمة النفوذين التركي والإيراني المتناميين فيها.
في المقابل، فإن الكونغو تحاول توظيف علاقاتها مع إسرائيل لتحقيق مصالحها الخارجية والداخلية، غير أن تلك المساعي تواجه تحديات مختلفة. ولذلك إذا كان “موبوتو سيسي سيكو” قد حسم خياره عام 1973 “بين صديق وأخ” لصالح الموقف العربي، فإن “تشيسيكيدي” يحاول اليوم ألا يختار، وأن يحتفظ بنقل السفارة ورقةً تفاوضيـة يُحدّد توقيت استخدامها بحسب ما يجنيه من واشنطن وتل أبيب. ومن ثم يُرجَّح أن يبقى “وعد القدس”، في المدى المنظور، أقرب إلى أداة مساومة منه إلى قرار وشيك التنفيذ.ِ



