الدين الداخلي على السلطة الفلسطينيّة: حين تتحوّل الأزمة الماليّة إلى تمويل على حساب الاقتصاد

تواجه السلطة الفلسطينية واحدة من أعمق أزماتها المالية منذ تأسيسها، إذ بلغت الديون المتراكمة عليها مستويات قياسية لا تتناسب مع حجم الاقتصاد الفلسطيني المحدود. ويُقاس الدين العام عادة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المؤشر الأوسع استخدامًا في الدراسات المالية والاقتصادية الدولية. وبالاستناد إلى بيانات البنك الدولي، فقد بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي “الاسمي” في فلسطين لعام 2025 نحو 17.17 مليار دولار، في حين يشير نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ إلى أن حجم ديون السلطة الفلسطينية وصل إلى نحو 17 مليار دولار، أو تجاوز ذلك كما يقول وزير المالية في السلطة الفلسطينية إلى 17.4 مليار دولار. وبناءً على هذه المعطيات، تكون نسبة الدين الفعلي على السلطة قد تجاوزت سقف 100% من مجمل الناتج المحلي؛ وهي نسبة تضع السلطة الفلسطينية – إن صح اعتبارها ضمن مصاف الدول- في صدارة الدول مديونية عالميًا.
وألقى هذا الحجم الهائل لديون السلطة بظلاله الثقيلة على مختلف قطاعات الاقتصاد الفلسطيني، بعدما انتهجت السلطة الفلسطينية سياسة تحويل مشكلة نقص السيولة والعجز في الإيرادات إلى آلية تمويل قائمة عمليًا على توزيع الدين على مختلف القطاعات الفلسطينية داخليًا. فلم تعد البنوك الفلسطينية وحدها دائنة للسلطة، بل تشكلت شبكة واسعة من الدائنين تضم الموظفين الحكوميين، والموردين، والمستشفيات، وشركات الأدوية، والمقاولين، ومقدمي الخدمات، والمؤسسات التعليمية، وشركات الاتصالات، فضلًا عن محطات الوقود.
وتكتسب هذه الظاهرة خطورتها من أن السلطة لا تراكم دينًا على ميزانيتها فقط، بل تنقل جزءًا متزايدًا من أزمتها المالية إلى ميزانيات قطاعات الاقتصاد المختلفة. وعليه، يصبح القطاع الخاص، والقطاع المصرفي، والموظفون، ومقدمو الخدمات العامة بمثابة مموّلين غير اختياريين للخزينة الفلسطينية.
تحاول هذه الورقة الوقوف على تفاصيل واقع الدين الداخلي المتراكم على السلطة الفلسطينية، وانعكاس ذلك على مختلف القطاعات الاقتصادية الفلسطينية وحياة المواطنين اليومية.
أولًا: أزمة متفاقمة ودين داخلي يتجاوز 15 مليار دولار
تكشف البيانات الرسمية أن الدين العام الفلسطيني المسجل محاسبيًا بلغ نحو 4.9 مليارات دولار في فبراير 2026، يتوزع بين دين محلي بقيمة 3.53 مليارات دولار، ودين خارجي بقيمة 1.36 مليار دولار. إلا أن هذا الرقم لا يشمل جميع المتأخرات والالتزامات الحكومية المختلفة. فعند احتساب مستحقات صندوق التقاعد والموظفين والقطاع الخاص والموردين وغيرها؛ يرتفع إجمالي الالتزامات في بدايات عام 2026 إلى نحو 15.4 مليار دولار، قبل أن يقدّر نائب الرئيس حسين الشيخ إجمالي ديون السلطة بنحو 17 مليار دولار في أغسطس 2026. وبناءً على ذلك، فإن الفارق بين الدين الرسمي والرقم الإجمالي يتكون بدرجة كبيرة من التزامات ومتأخرات داخلية مختلفة؛ وهو ما يستدعي التمييز بين الدين العام بالمعنى التقليدي، الذي يشمل القروض المصرفية والدين الخارجي، وبين الالتزامات والمتأخرات المحلية التي راكمتها السلطة تجاه القطاعات الاقتصادية والموظفين، وهذا التمييز مهم لأن الرقم الرسمي للدين العام لا يعكس وحده حجم الالتزامات الداخلية الفعلية.
ومن هنا، يظهر أن تصريح نائب الرئيس الفلسطيني حول وصول الدين الفعلي على السلطة إلى 17 مليار دولار أدق في تشخيص الواقع، من الأرقام المجردة التي لا تأخذ المتأخرات والمستحقات في عين الحسبان. ولتحديد قيمة الدين الداخلي على السلطة، يمكن خصم قيمة الدين الخارجي على السلطة والذي تتحدث بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني عن استقراره عند حوالي 1.36 مليار دولار أمريكي نهاية الربع الأول من عام 2026، وبذلك يتحدد الدين الداخلي بتفاصيله المختلفة بأكثر من 15.5 مليار دولار، أي أكثر من 90% من مجمل الدين العام الفعلي.
وفي إشارة إلى عمق الأزمة واتساعها مع مرور الوقت، يشير تقرير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني “ماس”، إلى ارتفاعات متتالية في مديونية السلطة للقطاعات المختلفة، فمثلًا ارتفعت مديونية القطاع العام للمصارف الفلسطينية إلى نحو 3.3 مليار دولار في أيلول/سبتمبر 2025، مقارنة بنحو ملياري دولار في الشهر نفسه من عام 2023؛ أي أن الاقتراض المصرفي ارتفع بنحو 1.3 مليار دولار خلال عامين. وفي الوقت نفسه، وصلت المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص لنفس الفترة، إلى نحو 4.6 مليارات دولار، مقارنة بنحو 3.9 مليارات دولار في أيلول/سبتمبر 2023.
وبذلك يمكن تلخيص الصورة، وفق آخر البيانات المتاحة، على النحو التالي:
| القطاع الدائن | المبلغ التقريبي$ | داخلي/خارجي | هل يدخل في الدين العام الرسمي؟ | المصدر/الملاحظة |
| البنوك الفلسطينية | 4 مليارات | داخلي | نعم | تصريح وزير المالية الفلسطيني |
| صندوق التقاعد الفلسطيني | 4.5 مليارات | داخلي | لا | متأخرات مساهمات الحكومة |
| موظفو السلطة | 2.5 مليار | داخلي | لا | رواتب ومستحقات متراكمة |
| القطاع الخاص والموردون | 1.65 مليار | داخلي | لا | شركات، قطاع صحي، مقاولون وغيرهم |
| سلطة الطاقة | 0.36 مليار | داخلي | نعم | بند مستقل في جدول الدين الرسمي |
| مؤسسات عامة أخرى | 0.14 مليار | داخلي | نعم | قروض مؤسسات عامة |
| الدين الخارجي | 1.36 مليار | خارجي | نعم | بنوك/مؤسسات عربية ودولية |
| التزامات أخرى | 1.2 مليار | غير محدد بالكامل | غير واضح | كما ورد في تفصيل وزير المالية |
| الإجمالي | 15.7 مليار | يغلب عليه الداخلي | ليس كله دينًا عامًا محاسبيًا | نوفمبر 2025 |
| تقدير حسين الشيخ الأحدث | 17 مليار | يغلب عليه الداخلي | غير مفكك رسميًا حتى الآن | أغسطس 2026 |
- أرقام مجمعة من بيانات منشورة على مواقع اقتصادية فلسطينية مختلفة
تكشف هذه الأرقام أن المسألة لم تعد مجرد “دين حكومي” تقليدي، بل أصبحت أشبه بنظام تمويل مؤجل، إذ تحصل السلطة على السلع أو الخدمات أو الجهد الوظيفي اليوم، وتُرجِئ سداد أثمانها إلى أجل غير معلوم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اتجهت السلطة إلى ابتكار وسائل إضافية لتدوير هذا الدين إلى قطاعات أخرى، مثلما حصل مع إطلاقها ما عُرف بـ “تطبيق يبوس” القائم على فكرة إنشاء محفظة مالية رقمية شهرية لموظفي الحكومة، تمكنهم من دفع فواتير الاتصالات والكهرباء أو غيرها، واقتطاع قيمتها من مستحقاتهم المتراكمة على الحكومة. وبموجب هذه الأداة، جرى تحويل المديونية من التزام حكومي تجاه الموظفين إلى ديون مستحقة لشركات الخدمات، دون الإفصاح عن الآلية الكفيلة بتسوية هذه المقاصة المالية مع تلك الشركات.
وفي سياق محاولة تدوير ديون الموظفين الحكوميين تحديدًا، وتدوير مستحقاتهم على السلطة إلى قطاعات مختلفة، عمدت الحكومة إلى إطلاق خدمة لموظفيها تمكنهم من تسجيل أبنائهم في الجامعات، والحصول على خصم يقدّر بـ 50% على أقساطهم الجامعية، تتكفل الحكومة بسدادها للجامعات، في حين تؤكد الأرقام السابقة عجز الحكومة ماليًا عن السداد، وأن الأمر لا يعدو كونه تدويرًا لهذه الديون، مما دفع جامعات محلية إلى رفض أو إلغاء عمليات تسجيل الطلبة وفق الآلية المذكورة.
وقد أشار البنك الدولي في تقرير سابق إلى الفجوة التمويلية للسلطة، مشيرًا إلى أن تراكم المتأخرات للموظفين والموردين أصبح أحد خيارات التمويل المتاحة أمام السلطة في ظل شح الإيرادات. في حين توضح بيانات “ماس” أن المشكلة أصبحت أكثر حدة في عام 2025؛ فقد أنهت السلطة العام بعجز مالي يقارب 2.3 مليار دولار، مع توقع وصول العجز إلى مستويات 3.5 مليار دولار لعام 2026، وفق تقديرات نُشرت في بداية العام.
ثانيًا: كيف يهدّد الدين استمرار القطاعات الاقتصاديّة والخدمات الأساسيّة؟
تكمن خطورة المديونية الداخلية في أنها لا تبقى داخل دفاتر وزارة المالية، بل تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد الحقيقي. فعندما لا تسدد الحكومة للمقاول، أو المستشفى، أو شركة الأدوية، يتحول الدين الحكومي إلى قرض إجباري يموله القطاع الخاص من رأسماله أو من البنوك للحكومة.
وهذا ما يظهر بوضوح في القطاع الصحي، ففي جلسة نقاش عقدها ائتلاف أمان حول واقع متأخرات القطاع الخاص، قال المدير التنفيذي لاتحاد موردي الأدوية مهند حبش إن مديونية الحكومة لموردي الأدوية ارتفعت من نحو 250 مليون دولار عام 2023 إلى حوالي 370 مليون دولار، مشيرًا إلى أن الفوائد والرسوم البنكية التي يتحملها الموردون قد تصل مجتمعة إلى نحو 20 مليون دولار سنويًا. كما أشار إلى أن التأخر في السداد أدى إلى تعثر التوريد، في وقت سجلت فيه وزارة الصحة نقصًا في مئات أصناف الأدوية والمستلزمات الطبية. وفي السياق ذاته، قال د. عدوان برغوثي، نائب رئيس اتحاد المستشفيات، إن المستشفيات الخاصة تتحمل أعباء ثقيلة تصل إلى ما بين (700-800) مليون دولار، وإن بعض المستشفيات وصلت إلى حد عدم القدرة على دفع رواتب مئات من موظفيها.
أما في قطاع المقاولات، فيتجاوز تأثير المتأخرات الشركات المتعاقدة مباشرة مع الحكومة. فقد أوضح ممثلون عن القطاع، أن المقاولات ترتبط بعشرات القطاعات الفرعية. وعليه، فإن تأخر دفع مستحقات المقاولين ينعكس على العمال والموردين والمصانع والنقل والخدمات المالية. في الوقت الذي يشكل فيه قطاع المقاولات نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغل نحو ربع القوى العاملة، ما يجعل أزمة السيولة فيه ذات أثر مضاعف على الاقتصاد.
ينطبق الأمر ذاته على الموظفين العموميين، فمنذ عام 2021 بدأت السلطة بدفع رواتب جزئية، قبل أن تنخفض نسبة المدفوع من الراتب الكامل إلى مستويات تراوحت بين 50-70% بعد الحرب على غزة. وتشير البيانات إلى أن المتأخرات المتراكمة لبعض فئات الموظفين وصلت بداية عام 2026 إلى 13.78 راتبًا شهريًّا. وبذلك يتحول الموظف نفسه إلى ممول غير مباشر للخزينة؛ فهو لا يتلقى دخله كاملًا، لكنه يستمر في دفع الإيجار والطعام والتعليم والالتزامات المصرفية، ما يعني أن الأزمة الحكومية تنتقل إلى الأسر، ثم إلى التجار، ثم إلى البنوك.
أما المصارف، فهي تتحمل بدورها جزءًا كبيرًا من المخاطر، فارتفاع تعرضها للقطاع الحكومي بالتزامن مع تراكم المتأخرات يضيق هامش المناورة أمامها. إذ وصل إجمالي انكشاف القطاع المصرفي الفلسطيني على القطاع العام إلى نحو 42% من إجمالي الائتمان المصرفي، ما يعكس تزايد الترابط بين الأزمة المالية للسلطة ومخاطر الاستقرار المصرفي. ويشير رئيس مجلس إدارة البنك الإسلامي الفلسطيني الدكتور ماهر المصري، إلى أن البنوك الفلسطينية وصلت إلى حدودها القصوى في القدرة على إقراض الحكومة، استنادًا إلى معايير مصرفية ومحاسبية تتعلق بقدرة المقترض على السداد، مشيرًا إلى أن إعادة جدولة قروض الحكومة باتت مؤشرًا خطيرًا على تراجع القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
وقد حذر البنك الدولي بوضوح من خطورة استمرار السلطة اعتماد التمويل عبر البنوك المحلية، وأن السلطة باتت تلجأ إلى تمويل العجز من خلال تراكم المتأخرات على القطاع الخاص والموظفين وصندوق المعاشات، معتبرًا أن استمرار تراكم هذه المتأخرات يهدد الاستدامة المالية، ويستنزف السيولة من السوق، وقد يلقي بظلاله على القطاع المصرفي.
وتفاقمت الأزمة مؤخرًا في قطاعات محددة؛ منها قطاع المحروقات، فقد حذرت نقابة أصحاب محطات الوقود في حزيران/يونيو 2026 من وقف تزويد الأجهزة الأمنية والوزارات والمؤسسات الحكومية بالمحروقات بسبب تراكم المستحقات المالية على السلطة والتي وصلت نحو 25 مليون دولار، في مؤشر جديد على تراجع قدرة الدائنين على الاستمرار وفق نفس المسار.
ثالثًا: هل يمكن استمرار هذا النموذج من التمويل؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن السلطة الفلسطينية تبدو كأنها انتقلت من مرحلة الاقتراض لتغطية العجز إلى مرحلة توزيع العجز على المجتمع والاقتصاد. فعندما تتراجع قدرة الحكومة على الاقتراض من المصارف، يصبح الخيار المتاح لها هو تأجيل دفع الرواتب والمستحقات والمشتريات والخدمات، إلا أن هذا الخيار يصطدم بسقف اقتصادي لا يمكن تجاوزه.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن السلطة الفلسطينية تتجه نحو شلل مالي في ظل استمرار احتجاز إيرادات المقاصة وتراجع الإيرادات المحلية، وأن الإجراءات الطارئة، مثل خفض الإنفاق والدفع الجزئي المتأخر للرواتب وتراكم المستحقات، وفرت قدرة مؤقتة على الصمود لكنها في الوقت نفسه عمقت انكماش الطلب المحلي.
إضافة إلى ذلك، فقد بلغ المسار المصرفي المحلي أقصى حدود قدرته على الاستمرار في إقراض السلطة، تزامنًا مع الارتفاع المتزايد في حجم المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص. وهذا التزايد يعكس اعتماد السلطة في آن واحد على قنوات الاقتراض المصرفي، وسياستها في تأجيل الدفع للموردين والموظفين.
وبناءً على ذلك، فإن بقاء الوضع على حاله لا ينذر فقط بارتفاع أرقام الدين العام؛ بل يؤدي حتمًا إلى تآكل قدرة القطاعات الدائنة على الاستمرار. فحين تفشل شركة الأدوية في تحصيل مستحقاتها تضطر إلى الاقتراض، وحين يفتقر المستشفى إلى السيولة يخفض مشترياته أو يؤخر رواتب موظفيه، وكذلك المقاول الذي يؤجل مشروعًا جديدًا، والموظف الذي يقلص استهلاكه، وصولًا إلى البنك الذي يغدو أكثر انكشافًا على المخاطر السيادية للحكومة. وفي ختام المطاف تتشكل حلقة مفرغة: العجز يولد المتأخرات، والمتأخرات تخنق القطاع الخاص، وتراجع أداء القطاع الخاص يقلّص النشاط الاقتصادي والتحصيل الضريبي، وهو ما يمهّد لعجز أشدّ وأعمق.
خاتمة
تكشف أزمة الدين الداخلي للسلطة الفلسطينية أن جوهر الأزمة لم يعد في حجم العجز السنوي وحده، بل في آلية إدارة هذا العجز وتمويله، إذ عمدت السلطة –في ظل ضعف الإيرادات المحلية، واحتجاز أموال المقاصة، وانحسار الدعم الخارجي– إلى تحويل عبء أزمتها المالية وإلقاء ثقلها على كاهل البنوك، والموظفين، والمستشفيات، وشركات الأدوية، والمقاولين، والموردين ومقدمي الخدمات.
وتعكس لغة الأرقام واقعًا حرجًا، ففي اقتصاد متواضع لا يتجاوز ناتجه المحلي حدود 12 مليار دولار، تتجاوز فيه مديونية الحكومة داخليًا 15 مليار دولار، مع ترجيح أن يتجاوز الدين التراكمي الفعلي هذا الرقم. وهذه ليست مجرد أرقام محاسبية، بل هي سيولة حيوية كان يُفترض أن تُضخّ في شرايين الاقتصاد في صورة رواتب، واستثمارات، وأدوية، ومشاريع، إلّا أنّها ظلّت أصولًا مجمدة في دفاتر الدائنين.
وعليه، فإن المضي في النموذج الحالي، واستسهال تراكم الديون المتسارعة أمسى خيارًا غير قابل للاستدامة اقتصاديًا. وبدون الإفراج الكلي والمنتظم عن إيرادات المقاصة المحتجزة لدى “إسرائيل” (والبالغة نحو 7 مليارات دولار)، واقتران ذلك بتوفر دعم خارجي كافٍ، واستحقاق إصلاحات مالية وهيكلية جذرية، فإن المشكلة ستنتقل تدريجيًا من أزمة مالية حكومية إلى أزمة ملاءة وسيولة تعصف بمختلف قطاعات الاقتصاد الفلسطيني وتهدد بانهياره. ويزيد من خطورة المشهد أن أدوات الاقتراض التقليدية للحكومة قد استُنفِدت، في حين بلغت القطاعات الدائنة –التي مُوِّل العجز على حسابها ضمنًا– أقصى طاقة استيعابية لها على التحمل.
وهكذا، لم يعد السؤال المحوري: كم تدين السلطة للقطاعات المحلية المختلفة؟ بل أصبح: كم تستطيع هذه القطاعات الصمود مع استمرار تعثّر السلطة عن السداد؟



