من الإدانة إلى العقوبات: هل تتبدل المقاربة البريطانية تجاه الاستيطان الإسرائيلي؟

تكشف الأزمة المتصاعدة بين بريطانيا و”إسرائيل” عن تصدع يتجاوز حدود الخلاف الدبلوماسي بينهما حول المستوطنات، ليطال العلاقة التقليدية بين دولة كبرى في منظومة غربية حليفة لـ “إسرائيل”، ومتطلبات الالتزام بالقانون الدولي، في ظل ضغط داخلي شعبي متزايد في أغلب الدول الغربية على الحكومات فيها؛ بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة وانتهاكاتها في الضفة الغربية. ففي 8 أيلول /سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية البريطاني حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، معتبرًا استمرار المعاناة في قطاع غزة وفي الضفة الغربية “وصمة عار في جبين الإنسانية”، وأعلن الوزير عن توسيع العقوبات لتشمل أفرادًا وشركات تدعم التوسع الاستيطاني أو توفر له خدمات البناء والتمويل والبنية التحتية. وجاء القرار بالتنسيق مع فرنسا وكندا، ضمن تحرك شاركت فيه اثنتا عشرة دولة غربية.
لم يكن القرار البريطاني الأخير معزولًا عن سياق أوسع، فقد اعترفت بريطانيا بدولة فلسطين في 21 أيلول /سبتمبر 2025، وعلقت لاحقًا تراخيص تصدير أسلحة إلى “إسرائيل”، وفرضت عقوبات على مستوطنات محددة في الضفة وشخصيات إسرائيلية بسبب التحريض على العنف ضد الفلسطينيين. لكن الجديد هنا هو انتقال لندن من التحذير من الاستيطان أو العقوبات المحدودة، إلى استهداف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالاستيطان بشكل واسع، وإعلانها موقفًا سياسيًا بلهجة شديدة يرفض استمرار الانتهاكات بحق الفلسطينيين، في خطوة أثارت ردًا إسرائيليًا حادًا، وصل حد محاولة إغلاق القنصلية البريطانية في القدس. ووصف رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو الحكومة البريطانية بـ “المارقة”.
وبينما رأى مؤيدون للقرار البريطاني أنه مؤشر على تغيّر في الموقف الغربي، اعتبره منتقدون بأنه مجرد إجراء محدود لا يمس جوهر العلاقات العسكرية والأمنية والاقتصادية مع “إسرائيل”. وتكمن المسألة الأساسية في تحديد ما إذا كانت العقوبات تشكل بداية تحوّل قادر على التأثير في الوقائع على الأرض، أم هي محاولة من الحكومة البريطانية لاحتواء الضغوط الشعبية الداخلية، دون المساس بجوهر التحالف القائم مع “إٍسرائيل”.
أولاً: عقوبات تتجاوز الإدانة، لكنها لا ترقى إلى القطيعة الاستراتيجية
تنبع أهمية القرار البريطاني من طبيعة القطاعات التي يستهدفها. فالعقوبات لا تقتصر على المستوطنين المتورطين في الاعتداءات على الفلسطينيين، وقد سبق لبريطانيا اتخاذ إجراءات بحق بعضهم، بل تمتد إلى الجهات التي تهيئ البنية الاقتصادية لاستمرار الاستيطان، من شركات البناء إلى المؤسسات المالية التي تمول المشروعات أو تقدم لها الضمانات والخدمات. وهذا تطور مهم، لأن الاستيطان ليس مجرد نشاط سكاني، بل منظومة تعتمد على الأراضي والبنية التحتية والتمويل والأسواق والعلاقات التجارية.
ويبرز مشروع “إي 1” الاستيطاني مثالًا على المخاطر التي دفعت لندن إلى التحرك. فقد طرحت “إسرائيل” عطاءات لبناء 1234 وحدة استيطانية في آب/أغسطس 2026، مع خطط لإضافة 2167 وحدة أخرى، ليبلغ مجموع الوحدات المستهدفة نحو 3401 وحدة. ويقع المشروع بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، في وسط الضفة الغربية، ويثير مخاوف من فصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني وقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، بما يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة الأراضي.
قرار العقوبات البريطاني، يكتسب أهمية خاصة في ظل المخاوف التي أطلقها اتحاد البنوك الإسرائيلي، الذي حذر من احتمال تأثر المؤسسات المالية الاسرائيلية بالعقوبات، وأن جهات مصرفية تتريث في تقديم ضمانات للمقاولين المشاركين في مشروع “إي 1”. وأشار الاتحاد إلى أن العقوبات قد تدفع المؤسسات المالية الدولية إلى تشديد تدقيقها في المعاملات المرتبطة بالاستيطان، حتى قبل دخول التشريع الجديد حيز التنفيذ.
وهنا تظهر نقطة جوهرية؛ فالقيمة الاقتصادية المباشرة لقرار حظر استيراد منتجات المستوطنات قد يكون محدودًا، لكن الأثر الردعي يمكن أن يتسع إذا امتد إلى قطاعات اقتصادية كبرى هامة في بنية اقتصاد “إسرائيل”، كجهات التمويل والتأمين والمستثمرين وشركات الخدمات الكبرى. فالشركات والبنوك الكبرى لا تقيس المخاطر بحجم السوق المستهدفة وحده، بل باحتمال تعرضها لعقوبات مستقبلية أو لمخاطر قانونية تحدُّ من نشاطها الدولي.
مع ذلك، لا يجوز المبالغة في تقدير أثر القرار، فقد حرصت لندن على طمأنة واشنطن بأن الإجراءات لن تمس العلاقة الأوسع مع “إسرائيل“. والمقصود هنا؛ العلاقة الخاصة التي تتمثل في التعاون العسكري، وتقديم المعلومات الاستخبارية، وتوريد السلاح، واستخدام قواعد سلاح الجو البريطاني لتسهيل رحلات الإمداد إلى دولة الاحتلال. فقد ذكر الصحفي الاستقصائي مات كينارد مؤخرًا، عن توجه ما لا يقل عن 10 رحلات عسكرية من قواعد سلاح الجو البريطاني إلى دولة الاحتلال منذ أصبح بيرنهام رئيسًا لوزراء بريطانيا.
وصحيح أن رئيس الوزراء البريطاني الحالي آندي بيرنهام قدّم اعتذارًا عن طريقة تعامل حزبه سابقًا مع عدوان الاحتلال على غزة، لكنه لم يصف ما حصل بالإبادة الجماعة، ولم تفرض بريطانيا عقوبات اقتصادية على المؤسسات والأفراد في “إسرائيل” أو خارجها، ممن يمكّنون إبادة الفلسطينيين في غزة أو مصادرة أرضهم في الضفة الغربية.
إن استمرار التعاون العسكري والاستخباراتي، إلى جانب القيود المحدودة على التجارة، يجعل من الصعب اعتبار القرار تحولاً شاملاً في السياسة البريطانية.
وتتطلب القراءة المتوازنة التمييز بين ثلاثة مستويات متعلقة بالقرار: الأثر الاقتصادي المباشر، والأثر الردعي على الشركات الإسرائيلية والممولين، والدلالة السياسية المتمثلة في استعداد حكومة غربية لفرض قيود جوهرية على “إسرائيل” بسبب الاستيطان. وقد يكون المستوى الثالث أكثر أهمية على المدى القريب، بينما يتوقف المستوى الثاني على آليات التنفيذ واتساع نطاقها، ومنع الالتفاف على القرار، خصوصًا عبر إعادة تصنيف منشأ البضائع أو تمريرها من خلال شركات وسيطة.
وتشير الوقائع إلى أن العقوبات لا تمثل مقاطعة شاملة لـ “إسرائيل”، بل تمييزًا بين الاقتصاد الإسرائيلي داخل الخط الأخضر -المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948- والأنشطة المرتبطة بالمستوطنات في الأراضي المحتلة. وهذا التمييز ينسجم مع السياسة البريطانية المعلنة بشأن قناعتها بجدوى حل الدولتين، لكنه يحد من الضغط المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي ككل، باستثناء التخوفات التي أطلقها قطاع البنوك الإسرائيلي.
مع ذلك تعاملت “إسرائيل” بجدية مع الموقف البريطاني، معتبرة إياه تصعيدًا لافتًا غير مسبوق. وقد شمل الرد الإسرائيلي، مجموعة من الإجراءات لإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإبعاد ممثلين بريطانيين من مراكز تنسيق مرتبطة بغزة، ووقف أنشطة تدريب بريطانية لقوات السلطة الفلسطينية، ومنع مسؤولين بريطانيين من دخول “إسرائيل”، ووصل الحد إلى تجرؤ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف الحكومة البريطانية بأنها أصبحت مثل “دولة مارقة” في مهاجمتها لـ “إسرائيل” ومحاولة استرضاء تحالفٍ من اليساريين والإسلاميين على حد وصفه.
وقد توصل الطرفان في 8 أكتوبر/تشرين الأول، إلى تسوية أبقت الوجود البريطاني في القدس تحت اسم «البعثة البريطانية ـ القدس»، مع مغادرة عشرين دبلوماسيًا، بينهم القنصل العام، وبقاء سبعة دبلوماسيين.
إن وصول الخلاف إلى هذه المرحلة يدل على أن “إسرائيل” تنظر إلى الإجراءات باعتبارها سابقة سياسية يمكن أن تتوسع. لكن الرد الإسرائيلي لا يثبت وحده أن العقوبات أحدثت ضررًا اقتصاديًا كبيرًا. والأدق أنها فرضت كلفة دبلوماسية ملموسة، وأظهرت أن العلاقة الثنائية لم تعد بمنأى عن الخلاف حول الاستيطان ومستقبل الدولة الفلسطينية، ويمكن لحكومة غربية حليفة أن تفرض قيود على “إسرائيل” بسبب الاستيطان.
محفزات تدفع الحكومات الغربية إلى مسارات جديدة
لا يمكن تفسير تحول توجهات بعض الحكومات الغربية ومنها البريطانية، بمعزل عن الضغوط الداخلية التي تصاعدت منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد أصبحت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الشارع والجامعات والنقاشات البرلمانية والإعلامية، مع مطالبات بوقف الحرب، وحماية المدنيين، ومراجعة تصدير الأسلحة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وقد أشارت تقارير إلى دور الحملات الشعبية في توسيع النقاش بشأن مسؤولية الحكومات الغربية عما يجري من حرب إبادة في غزة، والهجمات على الفلسطينيين في الضفة.
فالشارع يغير حسابات الحكومات حين تتحول الفجوة بين الخطاب والممارسة إلى عبء سياسي. فمن الصعب الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي في الخطاب العام، مع استمرار سياسات تجارية أو عسكرية قد تسهم في دعم أنشطة تدينها الحكومة نفسها. ولهذا، يمكن فهم العقوبات بوصفها محاولة لتقديم استجابة ملموسة للضغط الداخلي، مع تجنب القطيعة الشاملة مع “إسرائيل”.
ويكتسب وصول شخصيات سياسية تتبنى مواقف أكثر صراحة في انتقاد الحرب والاستيطان إلى مواقع صنع القرار في الغرب دلالة تتجاوز الخطاب. فهذه التحولات توسع مساحة النقاش العام، وتضع الأحزاب التقليدية أمام جمهور لم يعد يقبل بسهولة الفصل بين الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وبين مساءلة السياسات الإسرائيلية.
ولا يعني ذلك أن الضغط الشعبي هو العامل الوحيد، أو أن الحكومات الغربية اتخذت القرار استجابة مباشرة لتوجهات الشعوب فقط. فهناك أيضًا اعتبارات قانونية تتعلق بالاحتلال والاستيطان، وقرارات المحاكم الدولية المتعلقة بشرعية الاستيطان، ومذكرات التوقيف الصادرة بحق عدد من القيادات الإسرائيلية. وأيضًا حسابات داخل حزب العمال البريطاني نفسه، ومطالب من نواب بريطانيين بتشديد الإجراءات، ومخاوف من أن يؤدي استمرار التوسع الاستيطاني إلى تقويض حل الدولتين الذي تتبناه لندن رسميًا.
وتكشف الأزمة عن تراجع نسبي في قدرة “إسرائيل” على احتكار الرواية السياسية في الغرب، لكنها لا تعني انهيار مكانتها الدولية. فما زالت علاقاتها الأمنية والاستخباراتية والاقتصادية مع العالم الغربي قوية. كما أن الانتقادات الموجهة لـ “إسرائيل” يتم حصرها في شخص بنيامين نتنياهو وبعض وزرائه، ولا سيما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهو ما ينطوي على اختزال للمشهد السياسي الإسرائيلي؛ إذ إن مواقف قطاعات واسعة من المعارضة تكشف عن وجود توافق يتجاوز الائتلاف الحاكم في دعم الإبادة في غزة وتبنّي خطاب أمني يقدّم استمرار الحرب بوصفه ضرورة إسرائيلية. فقد أعلن زعيم المعارضة يائير لابيد، في خطابٍ سابق له أمام الكنيست الإسرائيلي، عن رفضه مطالبة “إسرائيل” بوقف الحرب على غزة قبل إلقاء حماس سلاحها ومغادرتها القطاع، مؤكّدًا دعم حق “إسرائيل” في مواصلة القتال، وهو موقف يوضح أن خلافه مع نتنياهو لا يعني بالضرورة رفض النهج العسكري الذي تتبناه حكومته.
خاتمة: ماذا تعني هذه الأزمة للقضية الفلسطينية؟
تتجاوز أهمية الخلاف البريطاني ـ الإسرائيلي حدود علاقاتهما الثنائية، لأنه يعيد الاستيطان إلى صلب النقاش بشأن مستقبل القضية الفلسطينية. فالمشكلة ليست في بناء وحدات استيطانية إضافية فحسب، بل في تغيير الجغرافيا والسيطرة على الأرض، بما يضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي وسيادة فعلية.
ويؤكد مشروع «إي 1» هذه المعضلة. فإذا ما تم انجازه على أرض الواقع، وأدى إلى فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، وقطع شمال الضفة الغربية عن جنوبها، فإن أي مفاوضات مستقبلية إن حصلت، ستبدأ من واقع أكثر تعقيدًا. ولذلك، فإن العقوبات على الجهات التي تمول الاستيطان أو توفر بنيته التحتية؛ قد تكون وسيلة من لا يزال يتبنى حل الدولتين في الغرب، للمحافظة على الحد الأدنى من الشروط المادية للتسوية، حتى وإن لم يكن قادر على فرضها حاليًا.
لكن هذه المحاولة، لا تعني أن هناك مسارًا متكاملًا يُبذل في هذا الاتجاه. فالمسار يحتاج إلى أهداف واضحة، وآليات تنفيذ، وضغط قادر على منع فرض وقائع جديدة على الأرض. ومن دون ذلك، قد تتحول العقوبات إلى بديل عن تحرك جدّي، بحيث تحصل الحكومات الغربية على مكسب أخلاقي وإعلامي، بينما تستمر عملية تغيير الواقع الجغرافي.
وتواجه بريطانيا هنا اختبارًا خاصًا؛ فإرثها التاريخي المرتبط بوعد بلفور والانتداب على فلسطين يمنح سياستها رمزيةً ما. ولكنه يتوقف على مدى استعدادها لربط الأقوال بالممارسة، ومراجعة سياسات التعاون العسكري والأمني، ودعم المساءلة القانونية، والعمل مع شركائها لمنع التوسع الاستيطاني.
أما السؤال عما إذا كان هناك مسار للحل أصلًا، فالإجابة أن المسار السياسي يفتقر إلى شروط التنفيذ الفعلي ما دامت الوقائع على الأرض تتغير لمصلحة الاستيطان، وما دام الضغط الدولي غير قادر على وقفها.



