الإنجيليّون الأمريكيّون بعد الإبادة: تصدّعات في جدار الولاء المطلق لإسرائيل

ملف: أمريكا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر والإبادة (5)

شكّل الإنجيليون البيض إحدى أهم الركائز الاجتماعية للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، إذ ارتبط دعمهم لإسرائيل بتداخل المرجعيات الدينية والهويات السياسية المحافظة، وأصبح جزءًا من الحضور الإسرائيلي داخل قطاعات واسعة من اليمين الأمريكي. ومع تصاعد النقاشات حول طبيعة هذا الدعم ومبرراته، تبرز أهمية النظر في مدى استقرار مكانة إسرائيل داخل هذه القاعدة، وما إذا كانت التحولات الجارية تشير إلى تغيرات في المواقف التي حكمت العلاقة لعقود.

تأتي هذه الورقة الخامسة ضمن سلسلة أوراق ترصد مؤشرات التحول في ركائز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية. وقد تناولت الأوراق الأربع السابقة اتجاهات الرأي العام الأمريكي، وتغيّر المواقف السياسية والحزبية داخل الكونغرس، وفي الانتخابات الأمريكية، واللوبي الإسرائيلي. وتخصص هذه الورقة اهتمامها للقاعدة الإنجيلية البيضاء، باعتبارها أحد المكونات الاجتماعية المؤثرة في تشكيل الدعم الأمريكي لإسرائيل.

الإنجيليّون البيض: من الالتزام الديني إلى الشراكة السياسيّة

يُعدّ المسيحيون الإنجيليون البيض إحدى أهم القواعد الاجتماعية الداعمة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وقد اكتسبوا هذه المكانة عبر مسار تاريخي جمع بين العقيدة الدينية والعمل السياسي. كما لم يكن الدعم الإنجيلي لإسرائيل نتاج تطورات السياسة الأمريكية المعاصرة، وإنما سبق قيام “دولة إسرائيل” نفسها، فقد ارتبط بجذور دينية تعود إلى “الصهيونية المسيحية”. وهي رؤية انتشرت داخل الأوساط الإنجيلية مع صعود اللاهوت التدبيري في القرن التاسع عشر، وربطت بين عودة اليهود إلى فلسطين وتحقيق النبوءات الواردة في الكتاب المقدس. إذ يقوم هذا التيار على قراءة حرفية لنصوص الكتاب المقدس ترى أن الله منح أرض إسرائيل للشعب اليهودي، وأن عودة اليهود إليها وإقامة دولتهم تمثل جزءًا من النبوءات التوراتية المرتبطة بتاريخ الخلاص وعودة المسيح. وقد جعلت هذه الرؤية من إسرائيل قضية ذات مكانة دينية لدى قطاعات واسعة من الإنجيليين، قبل أن تصبح قضية في السياسة الخارجية الأمريكية. إذ أسهم هذا التصور في ترسيخ مكانة إسرائيل داخل الوعي الديني لقطاعات واسعة من الإنجيليين الأمريكيين، ليتحوّل تدريجيًا إلى قاعدة للحشد السياسي، وتصبح إسرائيل إحدى القضايا المركزية في خطابه السياسي.

فمع صعود اليمين المسيحي في الولايات المتحدة منذ السبعينيات، انتقلت هذه القناعات الدينية المؤيدة لقيام إسرائيل إلى المجال السياسي. وكان للقس جيري فالويل، إلى جانب منظمة Moral Majority التي أسسها عام 1979، دور بارز في دمج القضايا الدينية بالعمل السياسي داخل اليمين المحافظ، فأصبحت إسرائيل إحدى القضايا المركزية في خطاب هذا التيار. وخلال الثمانينيات، ارتبط دعم إسرائيل بصورة متزايدة بالتعبئة الانتخابية داخل الحزب الجمهوري، بالتوازي مع تنامي الحضور السياسي للإنجيليين البيض. ففي مطلع الألفية، شكّلالإنجيليون البيض نحو 26% من البالغين الأمريكيين، وأسهموا بما يقارب 40% من الأصوات التي حصل عليها الرئيس جورج بوش الابن في انتخابات عام 2004، وهو ما منح مواقفهم من إسرائيل وزنًا متزايدًا داخل الحياة السياسية الأمريكية، وجعلهم إحدى أهم القواعد الانتخابية الداعمة للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية.

ولم يقتصر تطور هذه العلاقة على الجانب الأمريكي. إذ بدأت الحكومات الإسرائيلية منذ أواخر السبعينيات إدراك أهمية ذلك والتعامل مع القيادات الإنجيلية بوصفها شريكًا سياسيًا داخل الولايات المتحدة. وقد برز ذلك مع وصول مناحيم بيغن إلى رئاسة الحكومة عام 1977، حيث أقام علاقات مباشرة مع عدد من أبرز قادة اليمين الإنجيلي، وفي مقدمتهم القس جيري فالويل، ففي عام 1980، استقبل بيغن فالويل في القدس ثم منحه في العام التالي جائزة جابوتنسكي تقديرًا لدعمه لإسرائيل، في واحدة من أوائل حالات التكريم الرسمي الإسرائيلي لزعيم ديني أمريكي غير يهودي. كما تذكر المصادر أن بيغن اتصل به عقب قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، وطلب منه المساعدة في شرح الموقف الإسرائيلي للرأي العام الأمريكي، إدراكًا لقدرته على التأثير في القاعدة الإنجيلية ووسائل الإعلام المحافظة. بناءً على ذلك، تعكس هذه الوقائع انتقال العلاقة من مجرد تعاطف ديني إلى قناة اتصال سياسية مباشرة استخدمتها إسرائيل للتأثير في البيئة الداخلية الأمريكية.

وتوسعت هذه العلاقة خلال العقود اللاحقة مع انتقالها من التواصل مع قيادات إنجيلية محددة إلى شراكة أكثر مؤسسية بين إسرائيل والمنظمات الإنجيلية الأمريكية. وقد تجسد ذلك بصورة أوضح مع تأسيس القس جون هاغي في عام 2006 منظمة (CUFI) Christians United for Israel، التي تصف نفسها بأنها أكبر منظمة مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وتعلن أن عدد أعضائها تجاوز عشرة ملايينعضو عام 2022. ومنذ تأسيسها، أصبحت المنظمة إحدى أبرز قنوات التواصل السياسي بين القاعدة الإنجيلية المحافظة وإسرائيل؛ إذ تعقد مؤتمرًا سنويًا في واشنطن يشارك فيه أعضاء في الكونغرس ومسؤولون أمريكيون وإسرائيليون، بهدف جمع المال السياسي وحشد الدعم للسياسات المؤيدة لإسرائيل. كما حرص بنيامين نتنياهو، على الحفاظ على علاقة مباشرة مع هذه القاعدة، من خلال مخاطبة مؤتمرات المنظمة أو توجيه رسائل إليها، إذ وصفهم بأنهم من “أفضل أصدقاء إسرائيل”، في تعبير يعكس إدراكًا إسرائيليًا للمكانة والدور السياسي لهذه القاعدة داخل الولايات المتحدة. وبذلك، أصبحت القاعدة الإنجيلية البيضاء أكثر من جماعة دينية متعاطفة مع إسرائيل لتمثل إحدى الركائز الاجتماعية والسياسية التي استندت إليها العلاقة باعتبارها شبكة سياسية واجتماعية قادرة على التأثير في المجال العام الأمريكي.

تصدّع المسلّمات: الصهيونيّة المسيحيّة في مواجهة التشكيك داخل اليمين الأمريكي

في يونيو 2025، واجه الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون السيناتور الجمهوري تيد كروز بشأن الأساس الكتابي لدعمه إسرائيل. قال كروز إنه تعلّم في دروس الكتاب المقدس أن “الذين يباركون إسرائيل يُبارَكون، والذين يلعنونها يُلعَنون”، مضيفًا أن المسيحيين “مأمورون كتابيًا بدعم إسرائيل”، في حين شكّك كارلسون في هذا الاستدلال، وسأله عن موضع العبارة في الكتاب المقدس، وعن المقصود بإسرائيل في النص، ثم واجهه بسؤال عما إذا كانت الدولة التي يقودها بنيامين نتنياهو هي نفسها التي يتحدث عنها سفر التكوين، ورغم أن كروز أجاب بالإيجاب، إلّا أنه لم يذكر مرجعه الكتابي. 

وتنبع أهمية المواجهة من أن كارلسون شكّك في المرجعية الكتابية التي يستند إليها أحد أبرز المدافعين الجمهوريين عن إسرائيل، وطالب بتوضيح أساس الربط بين النص الديني والدولة المعاصرة. وهكذا انتقل الخلاف من مناقشة جدوى التحالف مع إسرائيل إلى مساءلة التأويل الديني الذي يُقدَّم لتبرير دعمها، ومدى اعتبار هذا الدعم واجبًا يفرضه الإيمان المسيحي.

وقد امتدت مساءلة كارسون إلى النتائج الإقليمية المترتبة على هذا التأويل في مقابلة مع مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل، في فبراير 2026. حيث تناول الحوار الوعد الكتابي المتعلق بالأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، وسأل كارلسون هاكابي عمّا إذا كان يمنح إسرائيل حقًا دينيًا في كامل المنطقة، فأجاب: “سيكون الأمر مقبولًا لو أخذوها كلها”. ثم واصل كارلسون مساءلته عن حدود الأرض التي يشملها هذا الحق، مشيرًا إلى تغيّر حدود إسرائيل وإلى الأراضي التي احتلتها عام 1967. وتكمن دلالة المواجهة في انتقال النقاش من الأساس الديني لدعم إسرائيل إلى مساءلة النتائج المترتبة عليها والمتعلقة بإمكانية توظيف التأويل الكتابي لتبرير مطالب إقليمية تتجاوز حدود الدولة القائمة.

وفي مقابلة مع The New York Times في مايو 2026، قال كارلسون بأنه “ما كان ينبغي له” وصف الصهيونية المسيحية بأنها “فيروس يصيب الدماغ”، مع تمسّكه باعتراضه على مضمونها. وقال: “لا يمكن للمسيحيين أبدًا تأييد قتل الأبرياء”، متسائلًا: “اعثروا على الموضع الذي يقول فيه يسوع: هؤلاء الناس مزعجون، اقتلوهم جميعًا. هذا غير موجود. فمن أين تأتون بهذا؟”. كما أكد رغبته في أن يتوقف المسيحيون عن دعم إسرائيل بالطريقة التي يتبعونها، مطالبًا بتوضيح الأساس الذي يستند إليه اعتبار دعم الحكومة الإسرائيلية واجبًا دينيًا. وتكشف تصريحاته عن رفضه تحويل تأويل ديني إلى التزام سياسي ملزم، وعن إصراره على إخضاع هذا التأويل للمساءلة.

وفي سياق التشكيك في الأساس الديني لدعم إسرائيل داخل اليمين الأمريكي، قالت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين، في مقابلة مع POLITICO في ديسمبر 2025، إن حملة دعائية استمرت عقودًا أقنعت المسيحيين والسياسيين الأمريكيين بأن ثمة دولة يتعين عليهم خدمتها. واستندت في موقفها إلى قراءتها للكتاب المقدس، قائلةً: “الحكومة العلمانية الإسرائيلية ليست إسرائيل الواردة في الكتاب المقدس”. ويكشف هذا التصريح عن اعتراض على مساواة الدولة الإسرائيلية المعاصرة بإسرائيل الكتاب المقدس، وعلى تحويل هذه المساواة إلى التزام ديني يوجّه الموقف السياسي الأمريكي.

وفي 9 فبراير 2026، ظهر هذا الخلاف داخل لجنة الحرية الدينية التي أنشأتها إدارة دونالد ترامب، خلال جلسة خُصّصت لمعاداة السامية في الولايات المتحدة. ففي نقاش مع مشاركين في الجلسة، اعترضت كاري بريجين بولر، العضو في اللجنة والناشطة الكاثوليكية المحافظة، على مساواة معارضة الصهيونية بمعاداة السامية، قائلةً: “أنا كاثوليكية، والكاثوليك لا يتبنون الصهيونية”، ثم تساءلت: “فهل يعني ذلك أن جميع الكاثوليك معادون للسامية؟”. كما صرّحت بأنها لا ترى في الدولة الإسرائيلية الحديثة أي دلالة تتعلق بتحقق النبوءات الكتابية. وفي 11 فبراير، أعلن دان باتريك، رئيس اللجنة ونائب حاكم ولاية تكساس، إخراجها منها، معللًا قراره بأن مداخلاتها حوّلت الجلسة إلى منبر لأجندتها الشخصية والسياسية؛ وهو ما كشف عن انتقال الخلاف حول الأساس الديني لدعم إسرائيل إلى داخل هيئة رسمية أمريكية.

وبناءً على ذلك، تكشف هذه الوقائع عن خلاف يتجاوز الاعتراض على سياسات الحكومة الإسرائيلية إلى مساءلة المبررات الدينية التي تضفي على دعمها صفة الالتزام المسيحي، وتعيد طرح سؤال طالما حظي بمكانة راسخة لدى قطاعات من اليمين المسيحي الأمريكي، وهو ما قد يفتح الباب إلى اتّساع نطاق هذه المُساءلة وتمدّدها، لا سيما أن أهمية ما سبق تبرز من تنوّع مواقع أصحاب هذه المواقف، بين الإعلام والسياسة والمؤسسات الدينية والرسمية.

القاعدة الإنجيليّة وإسرائيل: استمرار الدعم وبداية التمايز

رغم تزايد المواقف السلبية تجاه إسرائيل في الرأي العام الأمريكي منذ اندلاع حرب غزة، ظل الإنجيليون البروتستانت البيض من أكثر الجماعات الدينية الأمريكية تأييدًا لها. ففي استطلاع أجراه مركز Pew في عام 2024، رأى 74% منهم أن لدى إسرائيل أسبابًا مبررة للقتال ضد حماس، واعتبر 61% أن طريقة إدارتها للحرب مقبولة، بما يشمل من رأوا أنها مقبولة إلى حدّ ما أو مقبولة تمامًا. وأظهر استطلاع للمركز أُجري في 2026 استمرار هذا الميل، إذ عبّر 74% من الإنجيليين البروتستانت البيض عن نظرة إيجابية تجاه الشعب الإسرائيلي، مقابل 57% تجاه الحكومة الإسرائيلية. وتشير هذه النتائج إلى استمرار التأييد لإسرائيل داخل هذه المجموعة، مع تمايز واضح بين النظرة إلى المجتمع الإسرائيلي والنظرة إلى حكومته؛ وهو فارق مهم عند تقييم طبيعة هذا التأييد ومدى امتداده إلى سياسات الحكومة وقيادتها.

لكن المؤشر الأبرز للتحول لا يظهر في مستوى التأييد العام، وإنما في التغيرات داخل القاعدة نفسها. فرغم استمرار المكانة المركزية لإسرائيل داخل القاعدة الإنجيلية البيضاء، تشير بعض المؤشرات إلى تغيرات داخلية في بنية هذه القاعدة ودرجة تجانسها، خصوصًا على المستوى الجيلي. فقد أظهر استطلاع رأي أجري في عام 2021 أن الإنجيليين الأصغر سنًا (18-29) أصبحوا أقل ارتباطًا بالموقف التقليدي المؤيد لإسرائيل مقارنة بالأجيال الأكبر؛ إذ عبّر (33.6%) منهم فقط أنهم مع إسرائيل، مقابل ارتفاع نسبة من قالوا إنهم يقفون إلى جانب الفلسطينيين إلى (24.3%). وهو ما شكل تحولًا كبيرًا بالمقارنة مع عام 2018 حيث كان (69%) من الشباب الإنجيليين يدعمون إسرائيل، مقابل (5.6%) فقط مع الفلسطينيين. ومع أن اختلاف حجم العينتين يقتضي الحذر في المقارنة المباشرة، فإن النتائج تشير إلى أن التباين الجيلي في المواقف من الصراع كان ظاهرًا قبل حرب غزة بسنوات، وأن التأييد التقليدي لإسرائيل لم يكن متجانسًا بين الأجيال داخل هذه الجماعة الدينية. واللافت في جميعها هو أن هذه البيانات لا تقيس موقفًا من حكومة إسرائيلية معينة، وإنما تشير إلى تغير في موقع إسرائيل داخل تصور الجيل الإنجيلي الأصغر للصراع نفسه.

كما تشير بيانات Pew إلى هذه الفجوة الجيلية في استطلاع 2026. فبينما ظل الإنجيليون البيض أكثر الجماعات الدينية الأمريكية إيجابية تجاه إسرائيل بنسبة 65% منهم، كشف التقرير عن اختلافات عمرية واضحة داخل المعسكر المحافظ نفسه؛ إذ كان الجمهوريون ممن أعمارهم فوق 50 عامًا أكثر ثقة بإسرائيل وبقيادتها من الجمهوريين الأصغر سنًا. فمثلًا، بلغت نسبة الجمهوريين الأكبر سنًا الذين أعربوا عن ثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي في إدارة الشؤون 58% مقابل 30% فقط بين الجمهوريين دون الخمسين، وهو ما يعني أن التحولات الجيلية لنتستثني حتى البيئات السياسية الأكثر تأييدًا لإسرائيل في التاريخ.

وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها من المكانة التي احتلها دعم إسرائيل داخل منظومة دينية وسياسية تشكلت عبر عقود، ومن الدور الذي أداه الإنجيليون البيض في ترسيخ هذا الدعم داخل السياسة الأمريكية. فاستمرار التأييد المرتفع يتعايش مع تباينات في المواقف من الحكومة الإسرائيلية والصراع، وتباينات جيلية، ومع اختلافات تظهر في القاعدة الجمهورية الأوسع، كما بينت الورقتان الأولى والثانية. لذلك، فإن التمايز الداخلي حتى مع استمرار مستويات الدعم المرتفعة، يحمل دلالة إستراتيجية على أن إحدى أكثر ركائز العلاقة استقرارًا تواجه تحولات جيلية قد تؤثر في قدرتها على أداء الدور نفسه مستقبلًا باعتبارهم قاعدة سياسية واجتماعية موحدة تدعم إسرائيل داخل الولايات المتحدة، من دون أن يعني حتى الآن تراجعًا شاملًا في التأييد الإنجيلي لإسرائيل أو تشكّل موقف بديل موحّد.

الخاتمة

تكتسب المؤشرات السابقة دلالتها من ظهورها في تحركات إسرائيلية تستهدف الحفاظ على الدعم الإنجيلي وتعزيز حضور الرسائل المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. ففي أكتوبر 2025، حذّر القس روبرت ستيرنز، مؤسس منظمة Eagles’ Wings، من أن الصداقة الإنجيلية مع إسرائيل لم تعد مضمونة، داعيًا الحكومة الإسرائيلية إلى تخصيص موارد وميزانيات وبرامج لتعزيز علاقاتها بالمجتمع المسيحي. وفي الشهر نفسه، كشفت تقارير أن وزارة الخارجية الإسرائيلية استعانت بثلاث شركات علاقات عامة أمريكية لتحسين صورة إسرائيل، شملت إحداها Show Faith by Works، حملة رقمية بقيمة 3.2 ملايين دولار تستهدف الكنائس والجمهور الإنجيلي، وتسعى إلى تعزيز الارتباطات الإيجابية بإسرائيل. 

وفي ديسمبر 2025، استضافت إسرائيل نحو ألف قسّ وقائد إنجيلي أمريكي في رحلة استمرت ستة أيام ضمن ما عُرف باسم Friends of Zion Ambassador Summit، ووفقًا لتقرير نشرته واشنطن بوست في يناير 2026، شاركت وزارة الخارجية الإسرائيلية في تمويل الرحلة، التي جاءت في سياق جهود منظميها لمواجهة ما وصفوه بتراجع التأييد لإسرائيل بين قطاعات من الإنجيليين الشباب، في ظل تنامي الخطاب الناقد لإسرائيل لدى شخصيات مؤثرة في الإعلام المحافظ الأمريكي. فقد نقل التقرير عن قلق مسؤولين إسرائيليين وقادة إنجيليين أمريكيين من تراجع رسوخ العلاقة، فيما أشار إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين التقوا، خلال وجود نتنياهو في فلوريدا، نحو أربعين من القيادات الإنجيلية الأمريكية، في ديسمبر 2025. 

لِذا، تشير هذه الوقائع إلى أن التحولات داخل القاعدة الإنجيلية باتت موضع اهتمام في الحسابات الإسرائيلية، بالتزامن مع التغيرات التي تطال البيئة/القواعد السياسية والحزبية المؤيدة لإسرائيل والحاضنة للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، وتكمن دلالتها في وجود إدراك إسرائيلي لاحتمال تراجع استدامة أحد مصادر الدعم التقليدية. وعليه، فإن ما تكشفه هذه التطورات هو وجود مؤشرات على تغير داخل قاعدة الدعم نفسها، تستدعي قراءتها ضمن المسار الأوسع للتحولات في ركائز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، من دون افتراض انهيار هذه القاعدة أو تراجعها بالدرجة نفسها لدى جميع الأجيال والتيارات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى