إسرائيل في استطلاعات الرأي الأمريكية: نظرة سلبية وانقسام حزبي وتباعد جيلي ومصالح متعارضة

مثّلت العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية إحدى أكثر العلاقات ثباتًا داخل السياسة الخارجية الأمريكية، واستند استمرارها إلى مجموعة من الركائز التي تعتمدها هذه السلسلة كمفهوم للإشارة إلى مجموعة العوامل السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي أسهمت تاريخيًا في منح خصوصية العلاقة قدرتها على تجاوز تغير الإدارات الأمريكية والخلافات العابرة بين الحكومتين، كالإجماع الحزبي الواسع، والقواعد الاجتماعية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل، وشبكات التأثير التي ساهمت في الحفاظ على مكانة إسرائيل داخل عملية صنع القرار الأمريكي.
غير أن التحولات التي ظهرت بعد الحرب على غزة وما تبعها من تطورات إقليمية ودولية، طرحت سؤالًا جديدًا حول مستقبل هذه الركائز؛ فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمواقف الإدارات الأمريكية أو بدرجة التقارب بين القيادات السياسية في واشنطن وإسرائيل، وإنما بنقاش مدى استمرار البيئة السياسية والاجتماعية والاستراتيجية الأمريكية التي قامت عليها العلاقة تاريخيًا.
تخصص هذه الورقة للنظر في التحولات التي طرأت على الرأي العام الأمريكي بوصفه المؤشر الأول على تغير البيئة السياسية التي تعمل داخلها العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية؛ انطلاقًا من فرضية أن التغيرات الكبرى في السياسة الأمريكية لا تبدأ عادة داخل المؤسسات، وإنما تظهر أولًا في المجتمع، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى الأحزاب والكونغرس ومراكز صنع القرار. ولهذا، لا تكتفي الورقة بعرض نتائج استطلاعات الرأي، وإنما تقرأوها بوصفها قاعدة بيانات ممتدة زمنيًا، تُحلَّل عبر متغيرات رئيسية تتمثل في الزمن، الانتماء الحزبي، والعمر، مع تتبع التفاعلات والمفارقات التي تظهر بينها، ومقارنة اتجاهاتها قبل الحرب على غزة وبعدها، وصولًا إلى أحدث الاستطلاعات المتاحة بعد الحرب على إيران؛ وذلك للتمييز بين استمرار التأييد من جهة، وتغير بنيته وتوزعه من جهة أخرى. فالأهمية لا تكمُن في قياس مستوى التأييد أو المعارضة لإسرائيل، وإنما في فهم كيف تتغير الخريطة الاجتماعية والسياسية، أي القاعدة التي استند إليها هذا التأييد تاريخيًا.
من الثبات النسبي إلى التراجع المتسارع
يرصد هذا المحور التحول في موقع إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي عبر مؤشر واحد محدد وقابل للمقارنة زمنيًا؛ وهو صورة “دولة إسرائيل”، وليس سياساتها أو حكوماتها، في نظر الأمريكيين، كما تقيسها استطلاعات الرأي من خلال نسبة من يحملون تجاهها نظرة إيجابية أو سلبية.
ويمنح هذا المؤشر نقطة قياس مستقرة نسبيًا لتتبع موقع إسرائيل في الوعي العام الأمريكي، مع إبقاء نتائجه منفصلة عن تقييم الحكومة الإسرائيلية ورئيس الوزراء الإسرائيلي والسياسات التي تتبناها الحكومات المتعاقبة، بحكم تعرّض هذه المؤشرات لتغيرات مرتبطة بتبدل القيادات والسياسات والسياقات السياسية، بينما تسمح صورة “الدولة” بمتابعة موقع إسرائيل نفسه داخل الوعي العام الأمريكي عبر فترة زمنية ممتدة، واختبار مدى امتداد التغير الذي ظهر خلال سنوات الحرب، وما إذا كان يمثل تحولًا مستمرًا في الاتجاه العام.
وتوفر سلسلة Gallup أساسًا رئيسيًا لهذه المقارنة، إذ بدأت المؤسسة قياس النظرة الأمريكية إلى إسرائيل عام 1989، بما يتيح وضع التحولات الأخيرة ضمن مسار تاريخي ممتد ومقارنتها بمستويات صورة إسرائيل قبل الحرب وبعدها. وتُقرأ إلى جانبها بيانات Pew Research Center بوصفها سلسلة مستقلة لقياس الاتجاه نفسه، مع اختلاف صياغة السؤال وتوقيت القياس بين المؤسستين. ولذلك لا تُدمج نسب ونتائج المؤسستين في سلسلة رقمية واحدة؛ لتُقرأ كل سلسلة على حِدة ثم تُستخدم الأخرى للتحقق من مسار أو اتجاه التحول وحجمه العام.
-
ثبات النظرة الإيجابية قبل الحرب
تكشف سلسلة Gallup عن مستوى مرتفع ومستقر نسبيًا في صورة إسرائيل لدى الأمريكيين خلال السنوات السابقة للحرب. وتُظهر القياسات السنوية منذ 2008 بقاء النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل ضمن نطاق 66% إلى 75%، مع حركة محدودة حول هذا المستوى. ولا تعني هذه الاستمرارية غياب التذبذب في بعض السنوات، لكنه لم يتحول أي من الانخفاضات التي سجلتها السلسلة، في بعض السنوات، إلى مسار هابط متواصل.
| السنة | النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل |
| 2008 | 71% |
| 2010 | 67% |
| 2012 | 71% |
| 2013 | 66% |
| 2014 | 72% |
| 2015 | 70% |
| 2016 | 71% |
| 2017 | 71% |
| 2018 | 74% |
| 2019 | 69% |
| 2020 | 74% |
| 2021 | 75% |
| 2022 | 71% |
| 2023 | 68% |
وتكتسب هذه المستويات دلالتها الكاملة عند وضعها داخل السلسلة التاريخية الأطول التي توفرها Gallup منذ بدء القياس عام 1989. حيث سجلت إسرائيل 49% في قياس فبراير 1989، ثم 45% في أغسطس من العام نفسه، وهي أدنى قراءة في السلسلة التاريخية. ثم ارتفعت النظرة الإيجابية إلى 79% في قياس 1991، وهي أعلى قراءة تاريخية. ثم سجلت (54% عام 2000)، (63% في 2001)، (58% في 2002)، (64% في 2003). ذلك يعني أنّ صورة إسرائيل تأثرت عبر التاريخ بالأزمات والتحولات السياسية لكنها لم تدخل في السنوات السابقة للحرب مسارًا هابطًا طويلًا ومستمرًا.
والأهم أن قراءة فبراير 2023، وهي الأقرب زمنيًا إلى الحرب، بقيت ضمن النطاق المرتفع الذي حكم السنوات السابقة. وبهذا، فإن الرأي العام الأمريكي دخل عام 2023 بصورة إيجابية راسخة تجاه إسرائيل.
-
التراجع بعد الحرب
تظهر نقطة الانقطاع الأولى في صورة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي في القياس الذي أجرته Gallup في فبراير 2024، حيث انخفضت نسبة من ينظرون إلى إسرائيل نظرة “إيجابية جدًا” أو “إيجابية إلى حد ما” من 68% إلى 58%، أي بتراجع قدره 10 نقاط مئوية خلال عام واحد. وكانت هذه أدنى نسبة إيجابية تسجلها Gallup لإسرائيل منذ أكثر من عام 2000. كما يمكن التعامل مع 2024 بوصفه أول كسر واضح في المستوى المرتفع الذي حكم صورة إسرائيل في السنوات السابقة للحرب، كما يوضح الجدول أدناه:
| الفترة | بداية القياس | نهاية القياس | مقدار التراجع |
| 2021 – 2022 | 75% | 71% | −4 نقاط |
| 2022 – 2023 | 71% | 68% | −3 نقاط |
| (2021 – 2023) | 75% | 68% | −7 نقاط |
| (2023-2024) | 68% | 58% | −10 نقاط مئوية |
استمر الانخفاض في القياسات التالية في السنوات 2025-2026، كما يوضح الجدول:
| السنة | النظرة الإيجابية تجاه إسرائيل | التغير عن القياس السابق |
| 2023 | 68% | — |
| 2024 | 58% | −10 نقاط |
| 2025 | 54% | −4 نقاط |
| 2026 | 46% | −8 نقاط |
| (2023 -2026) | 68% – 46% | −22 نقطة مئوية |
وإذا أضفنا لقراءتنا السنوات القليلة التي سبقت الحرب، يظهر أنّ المؤشر فقد 29 نقطة مئوية بين 2021 و2026. وتصبح دلالة قراءة 2026 أكبر عند وضعها في السياق التاريخي الطويل لـGallup. فقد بلغت أدنى قراءة تاريخية للنظرة الإيجابية تجاه إسرائيل 45% في 1989، بينما وصلت إلى 46% في 2026؛ أي إن القراءة الأخيرة أصبحت أعلى من القاع التاريخي بنقطة مئوية واحدة فقط.
تؤكد بيانات Pew الاتجاه الذي تكشفه سلسلة Gallup من خلال مؤشر مستقل يقيس النظرة العامة إلى إسرائيل. وتنبع أهمية هذه المقارنة من أن المؤسستين تستخدمان أدوات قياس وصياغات مختلفة، الأمر الذي يجعل توافق الاتجاه بينهما دليلًا أقوى على أن التغير يعكس تحولًا حقيقيًا في الرأي العام الأمريكي.
| السنة | نظرة إيجابية تجاه إسرائيل | نظرة سلبية تجاه إسرائيل | صافي الفارق |
| 2022 | 55% | 42% | +13 نقطة لصالح الإيجابية قبل الحرب |
| 2025 | 45% | 53% | −8 نقاط لصالح السلبية بعد الحرب |
| 2026 | 37% | 60% | −23 نقطة لصالح السلبية بعد الحرب |
| (2022-2026) | −18 نقطة | +18 نقطة | تحول مقداره 36 نقطة مئوية في الاتجاه السلبي |
يعكس الجدول أعلاه انتقالًا واضحًا في اتجاه التقييم. حيث تراجعت النظرة الإيجابية وارتفعت النظرة السلبية 18 نقطة مئوية بين 2022 و2026. وخلال الفترة نفسها، انتقل المؤشر من أغلبية إيجابية إلى أغلبية سلبية.
وتوضح بيانات 2025 أنّ التحول كان قد تجاوز بالفعل نقطة التوازن قبل الوصول إلى قراءة 2026. كما ارتفعت نسبة من يحملون نظرة “غير مواتية جدًا” من 10% في 2022 إلى 19% في 2025، بزيادة 9 نقاط مئوية. ويشير ذلك إلى أن التحول لم يقتصر على انتقال ميزان التقييم العام من الإيجابية إلى السلبية فقط، في حين ترافق أيضًا مع زيادة واضحة في (شدة) التقييم السلبي.
يتبين من استطلاعات Gallup وPew أن الاتجاه كان نفسه في كلاهما. استقرار نسبي قبل الحرب، ثم تراجع واضح في صورة إسرائيل بعدها، وصولًا إلى انتقال ميزان الرأي العام في سلسلة Pew من أغلبية إيجابية إلى أغلبية سلبية خلال الفترة 2022–2026.
الديمقراطيون: اتساع الرفض وتسارع التحول
كانت صورة إسرائيل داخل القاعدة الديمقراطية أكثر سلبية من نظيرتها لدى الجمهوريين قبل الحرب، لكن بياناتPew تُظهر أن هذا الفارق اتسع بصورة واضحة بعد 7 أكتوبر، كما يوضح الجدول:
| السنة | الديمقراطيون والمستقلون ذوي الميول الديمقراطية: نظرة سلبية إلى إسرائيل | مستوى التغير |
| 2022 | 53% | —- |
| 2025 | 69% | +16 نقطة |
| 2026 | 80% | +11 نقطة |
| (2022-2026) | — | +27 نقطة |
يُظهر الجدول أعلاه أن التحول داخل القاعدة الديمقراطية كان انتقالًا سريعًا في اتجاه التقييم ولم يكن مجرد زيادة متدرجة في الرفض.
كما يتضح أن التغير يمتد إلى اتساع الفجوة بين الحزبين في النظرة إلى إسرائيل، كما يوضح الجدول أدناه:
| السنة | الديمقراطيون: سلبي | الجمهوريون: سلبي | الفارق الحزبي |
| 2022 | 53% | 27% | 26 نقطة |
| 2025 | 69% | 37% | 32 نقطة |
| 2026 | 80% | 41% | 39 نقطة |
| (2022-2026) | +27 نقطة | +14 نقطة | +13 نقطة مئوية |
وبذلك أصبح التغير في الحزب الديمقراطي أحد المحركات الرئيسية لاتساع الانقسام الحزبي أو الفجوة الحزبية حول صورة إسرائيل. يحمل هذا الأمر دلالات عميقة فيما يتعلق بأحد أرسخ ركائز السياسة الإسرائيلية تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة، وهي أن تحافظ إسرائيل على علاقتها مع الحزبين وألا تتحول إلى الاعتماد على تأييد أحد الحزبين فقط.
الجمهوريون: تراجع في الأغلبية الإيجابية دون انقلاب في الاتجاه
تُظهر بيانات Pew أن النظرة إلى إسرائيل داخل القاعدة الجمهورية شهدت تراجعًا في التقييم الإيجابي بعد 2022. كما يوضح الجدول أناده:
| السنة | نظرة سلبية إلى إسرائيل | مستوى التغير |
| 2022 | 27% | — |
| 2025 | 37% | +10 نقاط |
| 2026 | 41% | +4 نقاط |
| (2022-2026) | – | +14 نقطة |
لكن رغم التغير الواضح، بقي التقييم الإيجابي هو الموقف الغالب لدى القاعدة الجمهورية، كما يؤكد قياس 2026. كما يظهر الجدول:
| السنة | نظرة إيجابية إلى إسرائيل | نظرة سلبية إلى إسرائيل |
| 2022 | 71% | 27% |
| 2025 | 62% | 37% |
| 2026 | 58% | 41% |
وعليه، فإن المسار الجمهوري حتى 2026 شهد تراجعا ملموسا في صورة إسرائيل داخل القاعدة الجمهورية بعد 2022، لكنه ظل أبطأ وأقل حدة من القاعدة الديمقراطية.
وحسب الاستطلاعات الأخيرة للمركز Gallup، فقد ارتفعت النظرة الإيجابية لدى الجمهوريين قليلًا بين 2022 و2025، من 81% إلى 83%، قبل أن تهبط إلى 69% في 2026. وبذلك، جاء التراجع الأكبر في أحدث قراءة زمنية متاحة (2025-2026)، حين خسر المؤشر 14 نقطة مئوية خلال عام واحد فقط. كما أن نسبة 69% هي أدنى قراءة جمهورية إيجابية تسجلها المؤسسة منذ أكثر من عقدين،ما يشير إلى وجود تراجع ملموس في مستوى الإيجابية داخل قاعدة ظلت تاريخيًا الأكثر دعمًا لإسرائيل.
وتؤدي هذه السلسلة وظيفة مختلفة عن بيانات Pew المستخدمة في الفرع السابق. فـPew أظهر ارتفاع النظرة السلبية داخل القاعدة الجمهورية بين 2022 و2026، بينما يضيف Gallup قياسًا مستقلًا لحجم النظرة الإيجابية خلال الفترة نفسها، لكن رغم اختلاف مستويات القياس وصياغة السؤال، تلتقي السلسلتان في النتيجة الأحدث لعام 2026، والمتمثلة في أن صورة إسرائيل أصبحت أقل إيجابية داخل القاعدة الجمهورية مما كانت عليه عند نقطة الأساس السابقة للحرب.
التغير الحزبي في مستوى التعاطف
انعكس اتساع الفجوة الحزبية في طريقة مقاربة “الصراع” أيضًا. فقد شهد استطلاع Gallup لعام 2023 أول تقدم للتعاطف مع الفلسطينيين على الإسرائيليين داخل القاعدة الديمقراطية منذ بدء Gallup طرح السؤال السنوي عام 2001، إذ قال 49% من الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية أن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين مقابل 38% مع الإسرائيليين. واستمر هذا الاتجاه في استطلاع Gallup لعام 2024، حيث قال 43% من الديمقراطيين إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 35% قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين، بما يعكس تغيرًا مستمرًا في اتجاهات الرأي داخل الحزب الديمقراطي.
وبينما ظل الجمهوريون الأكثر تعاطفًا مع إسرائيل، إلا أن نسبتهم انخفضت في استطلاع عام 2026 إلى70% مقارنة بـ 80% عام 2024، وهي أدنى نسبة يسجلها الاتجاه الجمهوري منذ 2004، حسب بيانات Gallup، بما يشير إلى أن التغيرات في المواقف الأمريكية لم تقتصر مؤشراتها على القاعدة الديمقراطية رغم بقاء الفجوة واسعة بين الحزبين.
المتغير الجيلي: اتساع الفجوة العمرية في صورة إسرائيل
إذا كشف التحليل السابق أن صورة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي تغيرت على المستوى العام والحزبي، فإن البعد الجيلي يضيف تفسيرًا آخر لهذا التحول بوصفه متغيرًا يرتبط ببنية التحول نفسه. حيث تُظهر البيانات أن المواقف تجاه إسرائيل لم تتوزع بالتساوي بين الفئات العمرية قبل الحرب، ثم اتسعت الفروق بينها بصورة أوضح في السنوات اللاحقة لها.
تظهر بيانات مركز Pew لعام 2022 فرقًا واضحًا في صورة إسرائيل بحسب العمر. فقد كانت النظرة الإيجابية ترتفع مع ارتفاع العمر، وكذلك كانت النظرة السلبية تزداد كلما انخفض العمر، كما يبين الجدول:
| الفئة العمرية | إيجابية تجاه إسرائيل | سلبية تجاه إسرائيل |
| دون 30 عامًا | 41% | 53% |
| 30 – 49 | 49% | 47% |
| 50 – 64 | 60% | 36% |
| 65 عامًا فأكثر | 69% | 27% |
تكتسب هذه الفجوة أهميتها لأنها تسبق الحرب، فالتفاوت الجيلي لم ينشأ مع 7 أكتوبر، وإنما كان جزءًا من بنية الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل قبلها.
تقدم بيانات Gallup بين 2023 و2024 أوضح اختبار لهذه النقطة، حيث تكشف عن تغير أكثر حدّة بين الأصغر سنًا، كما يتبين من الجدول:
| الفئة العمرية | 2023 | 2024 | مستوى التغير |
| 18 -34 | 64% | 38% | −26 نقطة |
| 35 – 54 | 66% | 55% | −11 نقطة |
| 55 عامًا فأكثر | 74% | 71% | −3 نقاط مئوية |
وهنا تتجاوز الدلالة مجرد اختلاف المواقف بين الأجيال. ففي 2023 كان الفارق بين الشباب والأكبر سنًا 10 نقاط فقط، ثم اتسع إلى 33 نقطة في 2024.
وهذه نقطة أكثر دلالة من مقارنة مستويات التأييد في سنة واحدة، لأنها تشير إلى أن التحول الذي أعقب الحرب كان غير متساوٍ بين الأجيال. فقد كان الأصغر سنًا أصلًا أقل إيجابية تجاه إسرائيل، ثم شهدت هذه الفئة أكبر هبوط في السنة الأولى التي تلت 7 أكتوبر، بينما ظل موقف الأكبر سنًا أكثر استقرارًا.
كما تشير بيانات Pew إلى أن الفروق العمرية تظل قائمة عند النظر داخل الحزب نفسه، مع اختلاف مسارها بين الحزبين. حيث ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل بين الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية، بين (2022 و2025) بمقدار 9 نقاط مئوية لدى من هم دون 50 عامًا، مقابل 23 نقطة لدى من تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر.
أما لدى الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجمهورية، فقد جاء جزء كبير من التحول بين الأصغر سنًا؛ إذ انتقلت لدى الجمهوريين تحت 50 عامًا النظرة من 63% إيجابية مقابل 35% سلبية، في 2022، إلى 48% إيجابية مقابل 50% سلبية في 2025.
وتؤكد بيانات Pew لعام 2026 استمرار هذا التفاوت. فقد أصبحت النظرة السلبية إلى إسرائيل موقف 57% من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا، فيما بقيت أغلبية الجمهوريين الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر على موقف إيجابي.
وفي الحزب الديمقراطي بلغت نسبة من يحملون نظرة “غير مواتية جدًا” 47% بين الديمقراطيين تحت 50 عامًا، مقابل 39% بين الأكبر سنًا.
والقيمة التحليلية لهذه البيانات تتمثل في أن الفارق العمري لا يعمل بالطريقة نفسها في الحزبين. ففي حين كان التحول أكثر وضوحًا بين الجمهوريين الأصغر سنًا، كان التغير بين الديمقراطيين أوسع عبر الفئات العمرية، وبلغ ارتفاع السلبية مستوى أعلى بين الأكبر سنًا.
تراجع صورة إسرائيل لا يعني انتقالًا “آليًا” إلى التعاطف مع الفلسطينيين
تكشف أحدث بيانات Gallup عن مفارقة لافتة بين صورة إسرائيل في التقييم العام ومسألة التعاطف مع الإسرائيليين. فالنظرة الإيجابية إلى إسرائيل لا توازي نسبة التعاطف مع الإسرائيليين. ففي كانت النظرة الإيجابية إلى “إسرائيل” 46% عام 2026 لكن عندما انتقل السؤال إلى التعاطف مع طرفي الصراع حصل النسبة 36% للإسرائيليين.
وقد تقدم الفلسطينيون عام 2026 على الإسرائيليين في مستوى التعاطف لأول مرة منذ بدء Gallup قياس هذا المؤشر عام 2001، وهو مسار متدرج كما يوضح الجدول:
| السنة | التعاطف مع الإسرائيليين | التعاطف مع الفلسطينيين | الفارق |
| 2018 | 64% | 19% | +45 لصالح الإسرائيليين |
| 2022 | 55% | 26% | +29 لصالح الإسرائيليين |
| 2023 | 54% | 31% | +23 لصالح الإسرائيليين |
| 2025 | 46% | 33% | +13 لصالح الإسرائيليين |
| 2026 | 36% | 41% | −5 لصالح الفلسطينيين |
الأهمية التحليلية لهذه المفارقة أن التقييم العام للدولة والتعاطف في الصراع أصبحا مؤشرين منفصلين بصورة أوضح.
وتتضح المفارقة أكبر داخل الحزب الجمهوري، ففي حين هناك نوع من الانسجام في منحنى النظرة السلبية ومستوى التعاطف لدى الديمقراطيين، يظهر الجمهوريون تعاطفًا أكبر مع إسرائيل، إلا أن نسبتهم انخفضت في استطلاع عام 2026 إلى70% مقارنة بـ 80% عام 2024، وهي أدنى نسبة يسجلها الاتجاه الجمهوري منذ 2004. ولكن بالمقارنة مع النظرة تجاه إسرائيل نفسها فإن 58% من الجمهوريين والمستقلين ذوي الميول الجمهورية لديهم نظرة إيجابية تجاهها مقابل 41% لديهم نظرة سلبية. ما يعني أن غالبية الجمهوريين ما زال لديهم تعاطف مع الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين، حتى لو كانت نظرتهم إلى إسرائيل تشهد انحدرا ملحوظا نحو السلبية.
وعليه فإنّ التغير لا يعني أن الجمهور الأمريكي أصبح معاديًا لإسرائيل، لكنه يعني أن إسرائيل فقدت جزءًا من قدرتها السابقة على تحويل التعاطف معها إلى تقييم إيجابي لها كدولة.
المصلحة الأمريكية ليست موقفًا واحدًا
تُظهر البيانات أن التحول في الموقف من إسرائيل لا يمكن قراءته فقط من خلال سؤال هل يؤيد الأمريكيون إسرائيل أم لا؛ فثمة مستوى آخر يتعلق بالمكانة التي تحتلها إسرائيل والصراع معها في تصور المصلحة الأمريكية. والأهم أن هذا المستوى نفسه لم يبقَ ثابتًا؛ إذ تراجعت أهمية الحرب في تصور المصالح الوطنية مع مرور الوقت، بينما اتسعت الفجوة بين الأمريكيين حول السياسة التي ينبغي أن تتبعها واشنطن تجاه إسرائيل.
في 2024 رأى 75% من الأمريكيين أن الحرب بين إسرائيل وحماس مهمة للمصالح الوطنية الأمريكية. وكان التقارب الحزبي لافتًا حيث بلغ 77% من الجمهوريين و76% من الديمقراطيين رأوا الحرب مهمة للمصالح الأمريكية.
لكن هذا التقارب لم ينتج اتفاقًا على ما تقتضيه المصلحة الأمريكية سياسيًا. إذ أيد حينها 50% من الجمهوريين تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل، مقابل 25% من الديمقراطيين. وفي الاتجاه المقابل، أيد 66% من الديمقراطيين تقديم مساعدات إنسانية للمدنيين الفلسطينيين في غزة، مقابل 35% من الجمهوريين. كما أيد 25% من الديمقراطيين أن تؤدي الولايات المتحدة دورًا دبلوماسيًا رئيسيًا في إنهاء الحرب، مقابل 16% من الجمهوريين.
تكشف هذه الفجوة أن المصلحة الأمريكية ليست مفهومًا ذا ترجمة سياسية واحدة. ولذلك فإن الاتفاق على أهمية الحرب لا يعني الاتفاق على طبيعة الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل.
بحلول 2025، بدأ هذا الاتفاق نفسه بالتراجع. فقد قال 66% من الأمريكيين إن الحرب مهمة للمصالح الوطنية الأمريكية. وجاء ذلك بالتوازي مع تغير واضح في صورة إسرائيل نفسها. فقد ارتفعت النظرة غير المواتية إلى إسرائيل من 42% في 2022 إلى 53% في 2025. وفي الوقت نفسه، تضاعفت تقريبًا نسبة من يحملون نظرة “غير مواتية جدًا” من 10% إلى 19%.
ولا يعني هذه التزامن أن تراجع أهمية الحرب بالنسبة إلى المصالح الأمريكية سببه تراجع صورة إسرائيل؛ فالاستطلاع لا يثبت علاقة سببية من هذا النوع. لكنها تكشف تحولًا متزامنًا في مستويين كان من الممكن افتراض تلازمهما تاريخيًا، هما: تقييم إسرائيل من جهة، ومكانة الصراع في تصور المصلحة الأمريكية من جهة أخرى.
بعد مرور عامين على الحرب، أصبح الخلاف أكثر تحديدًا في تقييم السياسة الأمريكية. ففي سبتمبر 2025، قال 33% من الأمريكيين إن الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي، مقابل 8% رأوا أنها تقدم أقل مما ينبغي، و23% رأوا أنها مناسبة، بينما لم يحدد 35% موقفًا. كما قد كان التفاوت الجيلي واضحًا، كما يبين الجدول:
| تقييم حجم المساعدة العسكرية لإسرائيل – سبتمبر 2025 | تحت 30 عامًا | 65 عامًا فأكثر | الفارق |
| أكثر مما ينبغي | 42% | 24% | +18 نقطة لصالح الأصغر سنًا |
| بالقدر المناسب | 13% | 34% | +21 نقطة لصالح الأكبر سنًا |
كما ظهر الانقسام الحزبي بوضوح. حيث قال 49% من الديمقراطيين إن الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي، مقابل 19% من الجمهوريين. وفي المقابل، كان الجمهوريون أكثر ميلًا إلى اعتبار حجم المساعدة مناسبًا.
وهنا تصبح المصلحة أكثر من مجرد سؤال عن أهمية إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فالموقف يتحول إلى سؤال عن أي سياسة تخدم هذه المصلحة. وذلك يكشف عن تراجع تلقائية الربط بين إسرائيل وبين ما ينبغي أن تفعله الولايات المتحدة باسم المصلحة الوطنية. أي أن التحول لا يقتصر على مقدار التأييد لإسرائيل، ويمتد إلى العلاقة بين إسرائيل ومفهوم المصلحة الأمريكية الذي منح العلاقة تاريخيًا جزءًا مهمًا من شرعيتها السياسية.
وكمحصلة نهائية، تشير البيانات إلى وجود تغير في القاعدة الاجتماعية التي تستند عليها العلاقة. فإسرائيل ما تزال تحتفظ بمكانة مهمة داخل السياسة الأمريكية، لكن هذه المكانة أصبحت أكثر انقسامًا حزبيًا وجيليًا، وأقل قدرة على إنتاج إجماع شعبي حول طبيعة الالتزام الأمريكي تجاهها. وهذا التحول مهم سياسيًا؛ فالعلاقة مستمرة لكن شروط قبولها داخل المجتمع الأمريكي تشهد تغيرات.



