هل فقد اللوبي الإسرائيليّ تأثيره في السياسة الأمريكيّة؟

ملف: أمريكا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر والإبادة (4)

مثّلت شبكات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها اللجنة الأمريكية–الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC)، إحدى أبرز الركائز المؤسسية للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، من خلال دورها في ترسيخ العلاقة داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكي والدفاع عن استمرارها سياسيًا وأمنيًا. وقد تطور هذا الدور على امتداد عقود ضمن بنية مؤسسية واسعة ارتبطت بصورة أساسية بالكونغرس وصناعة السياسات المتعلقة بإسرائيل.

تتناول هذه الورقة، وهي الرابعة ضمن ملف أمريكا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر وحرب الإبادة، التحول الذي طرأ على هذه الركيزة، من خلال تتبع التغير في بنية اللوبي وأدوات نفوذه ووظائفه السياسية مقارنةً بالدور الذي أدّاه تاريخيًا في دعم هذه العلاقة. وتنطلق الورقة من أن استمرار الموارد والقدرة التنظيمية لا يعني ثبات طبيعة النفوذ؛ إذ تكشف التحولات في المؤسسات والأدوات ومجالات النشاط عن تغير في الطريقة التي يعمل بها اللوبي داخل السياسة الأمريكية، وفي الدور الذي يؤديه في الحفاظ على العلاقة وإعادة إنتاجها.

 كيف بُني اللوبي الإسرائيلي كركيزة للعلاقة؟

تعود جذور (AIPAC) إلى عام 1954، حين أنشأت جماعات صهيونية أمريكية “اللجنة الأمريكية الصهيونية للشؤون العامة” (American Zionist Committee for Public Affairs)، وعيّنت أشعيا كينن مديرًا تنفيذيًا لها، قبل أن تغيّر المنظمة اسمها إلىAmerican Israel Public Affairs Committee (AIPAC) بقرار من مجلسها التنفيذي عام 1959. وقد تركز نشاطها منذ البداية على التأثير في السياسة الأمريكية عبر الكونغرس، من خلال التواصل مع أعضائه ومرشحيه، وتزويدهم بالمواقف والمواد المتعلقة بالقضايا التي تمس إسرائيل.

وكان هذا التحرّك قد سبق الاسم الذي عُرفت به المنظمة لاحقًا؛ ففي عام 1951 بدأ المجلس الصهيوني الأمريكي نشاطًا مسجلًا للضغط على الكونغرس، قبل أن يُفصل هذا النشاط تنظيميًا عن المجلس عام 1954. ومع تصاعد التدقيق الحكومي في صلات بعض المؤسسات الصهيونية بالمؤسسات الإسرائيلية، اتجهت بنية الضغط إلى إنشاء إطار أمريكي مستقل لهذا النشاط. وفي عام 1962 طلبت وزارة العدل الأمريكية من المجلس الصهيوني الأمريكي التسجيل بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، وفي أعقاب ذلك أُنشئت (AIPAC) عام 1963 كمنظمة أمريكية مستقلة لمواصلة السعي في بناء نفوذ سياسي. وهكذا أخذ النشاط المؤيد لإسرائيل شكلًا مؤسسيًا يعمل من داخل النظام السياسي الأمريكي.

يُشار إلى أن هذه البنية لم تكن محصورة في (AIPAC)؛ إذ تَشكّل منذ الخمسينيات مجال مؤسسي أوسع ضم منظمات يهودية وصهيونية متعددة، وتطورت داخله أطر مختلفة للتنسيق والتأثير. فبينما تركز (AIPAC) على التأثير في السياسات الحكومية، ولا سيما عبر الكونغرس والتشريعات المتعلقة بالعلاقة مع إسرائيل، يعمل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى كإطار لتنسيق مواقف المنظمات الأعضاء والتواصل مع الإدارة الأمريكية وصناع القرار. كما شاركت منظمات يهودية وصهيونية أخرى في هذه التعبئة السياسية وبناء العلاقات مع المسؤولين وصنّاع القرار، حتّى أصبحت هذه الشبكات جزءًا من البنية المؤسسية الحافظة للحضور الإسرائيلي داخل المجال السياسي الأمريكي.

ومع استقرار هذا الإطار التنظيمي، توسعت (AIPAC) خلال السبعينيات والثمانينيات من حيث الموارد والبنية المهنية؛ فارتفعت ميزانيتها التشغيلية من نحو 300 ألف دولار عام 1973 إلى أكثر من 7 ملايين دولار في أواخر الثمانينيات، بالتزامن مع تحولها إلى مؤسسة ضغط “أكثر احترافية” واستقطابها موظفين ذوي خبرة في مكاتب الكونغرس والجهاز الفيدرالي. كما اتسعت التعبئة خارج واشنطن؛ ففي عام 1981 دعا المدير التنفيذي توماس داين قادة المجتمعات المحلية إلى بناء ائتلافات فعالة لدعم سياسة أمريكية قوية تجاه إسرائيل. وهكذا أخذ النفوذ المؤيد لإسرائيل يتأسس على مستويين متكاملين، هما: الوصول المباشر إلى مؤسسات صنع القرار، وبناء شبكات محلية قادرة على تعبئة الدعم السياسي خارج واشنطن.

وفي أواخر الثمانينيات، بدأ نشاط (AIPAC) يتجاوز الضغط المباشر على أعضاء الكونغرس ليمتد إلى المجال الانتخابي. ففي عام 1989 قُدمت شكوى إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية اتهمت المنظمة بالتنسيق مع لجان عمل سياسي مؤيدة لإسرائيل لدعم مرشحين للكونغرس، ورغم أن اللجنة أسقطت القضية عام 1990، إلا أنها واصلت مراجعة ممارسة أخرى تمثلت في لقاء المرشحين للمناصب الفيدرالية وجمع معلومات عنهم وإتاحتها لجماعات مؤيدة لإسرائيل، مما أوجد قناة مبكرة بين نشاط الضغط السياسي والعمل الانتخابي، اتخذت لاحقًا شكلًا مؤسسيًا أكثر مباشرة.

من الضغط إلى التدخل الانتخابي المباشر

ارتبط التحول في أدوات (AIPAC) الانتخابية بتغير البيئة القانونية لتمويل الانتخابات الأمريكية عام 2010. ففي يناير 2010 قضت المحكمة العليا في قضية (Citizens United v. FEC) بعدم جواز حظر الإنفاق الانتخابي المستقل من أموال الشركات والنقابات. وبعد شهرين، قضت محكمة الاستئناف الفيدرالية في قضية (SpeechNow.org v. FEC) بعدم دستورية القيود على مساهمات اللجان التي تقتصر على الإنفاق المستقل. وأسهم هذان الحكمان في إرساء الإطار القانوني الذي أتاح ظهور نموذج (Super PACs)، القادر على جمع مبالغ غير محدودة وتمويل الإنفاق الانتخابي المستقل.

وبعد أكثر من عقد على هذا التحول، دخلت (AIPAC) إلى المجال الانتخابي بصورة مؤسسية مباشرة. ففي ديسمبر 2021 سُجّل (AIPAC PAC) لدى لجنة الانتخابات الفيدرالية، ثم سُجّل (United Democracy Project (UDP)) في يناير 2022 باعتباره لجنة إنفاق انتخابي مستقلة من نوع (Super PAC). وبذلك أصبح لدى (AIPAC) ذراع انتخابية تستطيع تقديم مساهمات مباشرة للمرشحين ضمن الحدود القانونية، وأخرى تستطيع جمع وإنفاق مبالغ غير محدودة في الإنفاق الانتخابي المستقل؛ إذ لا يستطيع (UDP) تقديم أموال مباشرة إلى المرشحين، لكنه يستطيع الإنفاق بصورة مستقلة دعمًا لمرشحين أو معارضةً لهم.

وتظهر سرعة هذا التحول في أول دورة انتخابية استخدم فيها (UDP) أدوات الإنفاق الانتخابي المستقل عام 2022؛ إذ جمع أكثر من 35.9 مليون دولار وأنفق أكثر من 32.9 مليون دولار، من بينها 26.1 مليون دولار في إنفاق مستقل لدعم أو معارضة مرشحين ديمقراطيين في انتخابات مجلس النواب.

ثم اتسع هذا النموذج بصورة كبيرة في انتخابات عام 2024، فحتى نهاية أغسطس، كان (UDP) قد جمع نحو 68.4 مليون دولار وأنفق قرابة 56 مليون دولار، وبحلول 22 سبتمبر تجاوز إنفاقه المستقل 35.6 مليون دولار.

وتركز نشاطه بصورة أساسية في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس النواب؛ إذ أنفق نحو 12.4 مليون دولار لدعم مرشحين ديمقراطيين، وأكثر من 20 مليون دولار لمعارضة مرشحين ديمقراطيين آخرين. وفي نيويورك، أنفق نحو 9.9 ملايين دولار لمعارضة جمال بومان مقابل نحو 4.8 ملايين دولار لدعم جورج لاتيمر، بينما أنفق في ميزوري أكثر من 5.2 ملايين دولار لمعارضة كوري بوش، ونحو 3.3 ملايين دولار لدعم منافسها ويسلي بيل.

وبذلك انتقلت أدوات عمل (AIPAC) الانتخابية من جمع المعلومات عن المرشحين والتواصل مع الشبكات المؤيدة لإسرائيل في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، إلى امتلاك هياكل انتخابية عام 2021، قادرة على التدخل مباشرة في السباقات الفيدرالية عبر الإنفاق المستقل دعمًا لمرشحين أو معارضةً لآخرين. وهنا تكتسب هذه النقلة أهميتها خصوصًا في الانتخابات التمهيدية، لأن التدخل يصبح موجّهًا إلى التأثير في اختيار المرشحين الذين يمكن أن يصلوا إلى الكونغرس ويحملوا مواقفهم بشأن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية إلى المؤسسة التشريعية. وهكذا أصبحت الانتخابات مجالًا قائمًا بذاته ضمن عمل اللوبي إلى جانب الضغط التشريعي التقليدي.

من توسيع الدعم إلى حماية حدود العلاقة

  1. الانتخابات ساحةً لاختيار حَمَلة العلاقة

إذا كان التحول الذي تناولناه في المحور السابق يتمثل في إضافة أدوات انتخابية مباشرة إلى أدوات الضغط التقليدية، فإن دلالة هذا الانتقال تظهر بصورة أوضح في الوظيفة التي تؤديها هذه الأدوات. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بزيادة قدرة المنظمات المؤيدة لإسرائيل على دعم المرشحين، وإنما باستخدام هذه القدرة للتأثير في تركيبة المؤسسات المنتخبة، والحفاظ على تمثيل مواقف مؤيدة لإسرائيل داخلها. وقد عبّرت (AIPAC) عن هذا الهدف صراحة في مذكرتها السياسية الصادرة بعد انتخابات عام 2024، حين عرّفت مهمتها بأنها “قيادة المعركة السياسية للحفاظ على كونغرس مؤيد لإسرائيل”، وربطت ذلك بمساعدة “أصدقاء إسرائيل” على الفوز في الانتخابات وهزيمة من تصفهم بأنهم “أعداء العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية”. كما أعلنت المنظمة أن 326 مرشحًا أيّدتهم في انتخابات عام 2024 فازوا في الانتخابات العامة، بينهم 120 ديمقراطيًا و206 جمهوريين. ويشير هذا الخطاب إلى أن الحفاظ على أغلبية مؤيدة لإسرائيل داخل الكونغرس أصبح هدفًا سياسيًا معلنًا للمنظمة، وليس مجرد نتيجة لنشاطها التقليدي في الضغط التشريعي.

وتكشف انتخابات عام 2024 أنّ (UDP) ركّز جزءًا كبيرًا من إنفاقه الانتخابي على الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس النواب، دعمًا لمرشحين مؤيدين للعلاقة التقليدية مع إسرائيل، ومعارضةً وإسقاطًا لمرشحين تبنوا مواقف أكثر انتقادًا للحكومة الإسرائيلية أو للدعم العسكري غير المشروط. ففي نهاية أغسطس 2024، أنفق (UDP) أكثر من 20 مليون دولار لمعارضة مرشحين ديمقراطيين، ونحو 12.4 مليون دولار لدعم مرشحين ديمقراطيين آخرين. وفي دورة عام 2022، أنفق 26.1 مليون دولار في إنفاق مستقل لدعم أو معارضة مرشحين ديمقراطيين لمجلس النواب. ويكشف هذا الإنفاق أن وظيفة اللوبي الانتخابية بدأت تمتد إلى التأثير فيمن يصل إلى الكونغرس داخل الحزب الديمقراطي، وليس فقط في المنافسة بين الحزبين.

وتكمن أهمية هذه الأرقام في طبيعة السباقات التي دخلها اللوبي؛ ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في نيويورك، أنفق (UDP) نحو 9.9 ملايين دولار لمعارضة المرشح جمال بومان وإقصائه، مقابل نحو 4.8 ملايين دولار لدعم جورج لاتيمر. وفي ميزوري، أنفق (UDP) أكثر من 5.2 ملايين دولار ضد كوري بوش، ثم أنفق 3.3 ملايين دولار إضافية في إنفاق مستقل لدعم منافسها ويسلي بيل. وتظهر البيانات أن الإنفاق الخارجي في هاتين الدائرتين كان من بين الأعلى في انتخابات مجلس النواب لعام 2024. وعقب فوز جورج لاتيمر على جمال بومان، وصفت (AIPAC) النتيجة بأنها “انتصار كبير للتيار الديمقراطي الرئيس الذي يقف إلى جانب إسرائيل، وهزيمة للتيار المتطرف”.

وكانت هذه الإنفاقات موجهة إلى انتخابات يختار فيها الديمقراطيون مرشحهم، أي إلى المرحلة التي يتحدد فيها من سيمثل الحزب في الكونغرس. وهنا تظهر دلالة التحول على العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية؛ فحين كان دعم إسرائيل يتمتع بموقع أكثر استقرارًا داخل المؤسسة السياسية، كان دور اللوبي يتمثل أساسًا في حماية هذا الدعم وتوسيعه، أما عندما أصبح مضمون الدعم نفسه موضع خلاف داخل الحزب الديمقراطي، فقد انتقل جزء من وظيفة اللوبي إلى حماية الحد السياسي الذي يريد إبقاء العلاقة داخله.

وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر لأنها لم تعد محصورة في الحزب الديمقراطي؛ ففي الانتخابات التمهيدية الجمهورية للدائرة الرابعة في ولاية كنتاكي عام 2026، خسر النائب توماس ماسي أمام إد غالراين، في سباق شهد إنفاقًا كبيرًا من منظمات مؤيدة لإسرائيل دعمًا لغالراين ومعارضةً لماسي الذي كان قد اتخذ مواقف منتقدة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، بما في ذلك الدعوة إلى قطع المساعدات العسكرية عنها. فقد أنفق (UDP)، المرتبط بـ(AIPAC)، نحو 4.1 ملايين دولار، معظمها في إعلانات تستهدف ماسي، فيما أنفق (Republican Jewish Coalition Victory Fund) نحو 3.9 ملايين دولار في إعلانات لصالح غالراين.

وبعد هذا التدخل، خرج ماسي في خطابٍ للجمهور، أشار فيه ساخرًا إلى غالراين قائلًا إنه “اضطر إلى البحث عنه في “تل أبيب” حتى يتمكن من الاتصال به وإبلاغه بإقراره بالهزيمة”. وتكشف العبارة، بصرف النظر عن طابعها الساخر، عن حضور العلاقة مع إسرائيل داخل السجال الانتخابي نفسه، بحيث أصبح موقع المرشح من هذه العلاقة قابلًا للاستخدام في المنافسة السياسية داخل الحزب الجمهوري أيضًا. كما تقدّم هذه الحالة مثالًا على امتداد التدخل الانتخابي للمنظمات المؤيدة لإسرائيل إلى مواجهة مرشح جمهوري بعد أن ظهر هذا النمط بوضوح في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية.

  1. نفوذ اللوبي موضوعًا للصراع

هذا التحول في وظيفة اللوبي انعكس أيضًا على موقعه داخل المجال السياسي الأمريكي؛ ففي مارس 2024 أُطلق ائتلاف (Reject AIPAC)، الذي ضم أكثر من عشرين منظمة تقدمية، بهدف مواجهة النفوذ الانتخابي لـ(AIPAC) وذراعها الانتخابية (UDP)، ودعا الائتلاف المرشحين الفيدراليين إلى التعهد بعدم قبول تأييدات أو مساهمات (AIPAC) والمنظمات المرتبطة بها. وأعلن الائتلاف أن تأسيسه جاء استجابةً لتوسع إنفاق المنظمة في الانتخابات التمهيدية، ولا سيما بعد استعدادها لإنفاق عشرات الملايين من الدولارات لاستهداف عدد من الديمقراطيين التقدميين. وتسهم هذه الخطوة في نقل (AIPAC) من موقع الفاعل الذي يمارس التأثير في العملية الانتخابية إلى موقع الفاعل الذي يصبح هو نفسه موضوعًا للتعبئة والتنظيم السياسي المضاد (الاعتراض الانتخابي). وبذلك لم تعد أدوات اللوبي وموارده مجرد وسائل للتأثير في المنافسة الانتخابية، بل أصبحت جزءًا من محور المنافسة ذاتها.

ولا يقتصر هذا الاعتراض على التيارات التقدمية داخل الحزب الديمقراطي، ففي ديسمبر 2025، قال دونالد ترامب خلال حفل “حانوكا” في البيت الأبيض إن “اللوبي اليهودي” و”اللوبي الإسرائيلي” لم يعودا أقوى جماعات الضغط في واشنطن كما كانا في السابق، مضيفًا أنه لو قيل له قبل خمسة عشر عامًا إن أعضاء في الكونغرس يمكن أن يتخذوا مواقف معادية لإسرائيل لما صدّق ذلك. وتكمن أهمية هذا التصريح في صدوره عن رئيس أمريكي، وفي ربطه صراحةً بين تغير موقع اللوبي وبين “ظهور مواقف داخل الكونغرس” كانت، بحسب وصفه، “غير متصورة” قبل أعوام.

  1. تعدد تعريفات “الدعم لإسرائيل”

يتخذ هذا التحول بعدًا آخر داخل المجال المؤسسي المؤيد لإسرائيل نفسه؛ فـ(AIPAC) ليست المؤسسة الوحيدة التي تعمل سياسيًا حول العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، كما تتباين داخل هذا المجال تعريفات “الدعم لإسرائيل” وأولوياته السياسية. وتقدم (J Street) مواقف تؤيد استمرار العلاقة مع الدعوة إلى حل الدولتين وانتقاد بعض سياسات الحكومات الإسرائيلية، وربط الدعم الأمريكي باعتبارات تتعلق بالقانون الأمريكي والقانون الدولي.

ولم يعد هذا الاختلاف في تعريف الدعم مقتصرًا على مستوى الخطاب والسياسات؛ ففي سبتمبر 2026، أعلنت (J Street Action Fund)، وهي الـ(Super PAC) التابعة لـ(J Street)، أنها ستنفق 3 ملايين دولار في خمسة سباقات انتخابية لمعارضة مرشحين تدعمهم (AIPAC)، تشمل سباقًا لمجلس الشيوخ وأربعة سباقات لمجلس النواب. وتستهدف الحملة خمسة مرشحين جمهوريين هم مايك كولينز، وماكس ميلر، وديريك فان أوردن، وريان ماكنزي، وماريانيت ميلر ميكس.

 وصفت تقارير الخطوة بأنها انتقال من نمط النشاط الانتخابي المعتاد لدى (J Street) إلى مواجهة أكثر مباشرة مع مرشحين مدعومين من (AIPAC)، فيما وصف رئيس المنظمة المرحلة بأنها “حقبة جديدة” بالنسبة إليها. وهي خطوة تكشف أنّ المنافسة امتدت من مقدار الدعم الذي ينبغي تقديمه للعلاقة، إلى المنافسة حول أي تعريف للدعم، وأي تصور للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، ينبغي أن يكتسب تمثيلًا داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي اتجاه مختلف، تتخذ (Jewish Voice for Peace) موقفًا يضعها خارج الإطار الذي تُعرّف فيه (J Street) نفسها باعتبارها “مؤيدة لإسرائيل”، حيث تقدم نفسها منظمةً يهودية تنشط من أجل التحرر الفلسطيني، وتعلن التزامها ببناء “يهودية تتجاوز الصهيونية”، وأن مهمتها تتمثّل في “تغيير السياسة الأمريكية لإنهاء نظام الفصل العنصري الإسرائيلي الذي تدعمه الولايات المتحدة”، كما أنها اتخذت مواقف أكثر انتقادًا للحكومة الإسرائيلية ولسياساتها في الحرب على غزة.

وفي فبراير 2026 أعادت المنظمة هيكلة بنيتها التنظيمية، فأصبحت (Jewish Voice for Peace Action) تعمل تحت اسم (Jewish Voice for Peace)، مع انخراطها في العمل التشريعي والعمل الانتخابي المحدود، بما في ذلك “الطعن في أدوار مسؤولين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ومواجهة “AIPAC. وعليه فإن المجال المؤثّر في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل بات يضم مواقع مؤسسية متباينة بدرجة أكبر، تمتد من الدفاع عن العلاقة بصيغ مختلفة، إلى نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، وصولًا إلى مواقف ترفض الصهيونية نفسها.

خاتمة

لا تشير التحوّلات السابقة إلى تراجع نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل أو قدرته على التأثير في السياسة الأمريكية؛ فالمؤسسات التي عملت لعقود على ترسيخ العلاقة داخل النظام السياسي الأمريكي ما تزال تمتلك موارد تنظيمية ومالية واسعة، وما تزال قادرة على العمل عبر الحزبين وعلى التأثير في الانتخابات وصناعة السياسات. إلا أن هذه القدرة تعمل اليوم في مجال أكثر تعددًا وتنافسًا، أصبحت فيه طبيعة الدعم نفسه موضوعًا للخلاف، وأصبح نفوذ اللوبي موضع مواجهة، وظهرت داخل المجال المؤيد لإسرائيل نفسه مؤسسات تستخدم أدوات سياسية وانتخابية للتنافس على تعريف العلاقة. أي أن ما تغير هو طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المنظمات داخل العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية. فكلما أصبحت هذه العلاقة أقل استقرارًا داخل المجال السياسي الأمريكي، ازداد اعتماد اللوبي على أدوات تهدف إلى إدارة حدودها السياسية والحفاظ على الائتلاف الذي يدعمها داخل المؤسسات المنتخبة.

ويمكن القول إن هذه النقطة هي الأهم في فهم التحول؛ فاللوبي الذي عمل تاريخيًا على جعل دعم هذه العلاقة أقل كلفة داخل السياسة الأمريكية يعمل الآن في بيئة أصبح فيها الدفاع عن شكل هذه العلاقة نفسه أكثر كلفة سياسيًا. ومع انتقال قضايا مثل المساعدات العسكرية، وشروط استخدامها، وحدود الدعم الأمريكي لإسرائيل، ودور(AIPAC) نفسه في تحديد هذه السياسات إلى قلب النقاش السياسي، أصبحت أدوات الحفاظ على العلاقة جزءًا من الصراع حولها.

وتكشف هذه التطورات عن تغيّر في البيئة التي تعمل فيها إحدى الركائز التاريخية للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، إذ مارست المنظمات المؤيدة لإسرائيل لعقود نشاطها ضمن سياق اتسم بتوافق واسع بين الحزبين حول العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية. ولذلك فإن استمرار قوة (AIPAC) لا يناقض فرضية التحول بقدر ما يساعد على فهمها؛ فالمسألة لا تتعلق بحجم الموارد التي يمتلكها اللوبي بقدر ما تتعلق بالوظيفة التي أصبحت هذه الموارد تؤديها في بيئة سياسية أكثر تنازعًا، فكلما أصبح تعريف العلاقة أكثر تعرضًا للتنافس، أصبحت موارد اللوبي تُستخدم بصورة أكبر في تحديد من يمثل هذه العلاقة، وأي المواقف يمكن أن تُدرج داخل المجال السياسي المقبول باسمها، وأي ائتلاف حزبي قادر على حملها إلى المؤسسات المنتخبة. وبهذا المعنى، يتمثل التحول الأهم في الانتقال من صناعة إجماع مستقر نسبيًا إلى إدارة مشهد سياسي أصبح الإجماع داخله أكثر تنازعًا.

إسرائيل في استطلاعات الرأي الأمريكية: نظرة سلبية وانقسام حزبي وتباعد جيلي ومصالح متعارضة

إسرائيل في الكونغرس الأمريكي: دعم متناقص وانقسام حزبي

إسرائيل في الانتخابات الأمريكيّة: تحوّل العلاقة من التوافق إلى المنافسة السياسية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى