إسرائيل تريد ضم 82% من الضفة الغربيّة: إمّا بالقوّة أو بمزيد من القوّة

تصاعد في الآونة الأخيرة الخطاب الإسرائيلي الذي يحذّر من حدوث عملية على غرار طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر، تنطلق من الضفة الغربية تجاه المستوطنات وأراضي 48، مصحوبًا بخطاب آخر يحذّر من انخراط السلطة الفلسطينية في مواجهة مع قوات الاحتلال. وبالتزامن مع هذا التهويل، يشهد الميدان تحشيدًا عسكريًا إسرائيليًا مستمرًا في الضفة الغربية تضمن خطوات لم تتخذ منذ انتفاضة الأقصى عام 2000. 

هذا المزيج الذي يترافق أيضًا مع تسارع وتعاظم لمشروع الضم والتهجير والاستيطان الذي يقوده المستوطنون، يثير الكثير من الأسئلة التي تتمحور حول سؤال مركزي: “ماذا ستفعل إسرائيل في الضفة الغربية؟”، هل ستضمها؟ هل ستهجّر أهلها؟ هل سترتكب إبادة على غرار ما جرى في غزة؟ هل ستطبق خطة سموتريتش للحسم رسميًا؟ 

هذه الأسئلة لا تنفصل عن تصريحات إسرائيلية رسمية متكررة على لسان مسؤولين ووزراء تعلن أن هذه هي أهدافهم وسياساتهم تجاه الضفة الغربية. وعليه فإن هذه الورقة تهدف إلى تحليل التحشيد العسكري الإسرائيلي في الضفة وعلاقته بمشروع الضم والتهجير الذي ينفّذ على الأرض.

حشد عسكري غير مسبوق منذ انتفاضة الأقصى

أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، في أغسطس/آب المنصرم، رفع حالة التأهب في الضفة الغربية بسبب التوتر واقتراب موسم الأعياد اليهودية. وفي سبتمبر/أيلول المنصرم أعلن عن نشر قيادة فرقة 98 في الضفة الغربية لتتولى قيادة لوائي “يهودا وعتسيون”، أي جنوب الضفة كاملًا من بيت لحم إلى الخليل. وقد جاء ذلك عقب حدوث عملية دهس على حاجز بيت عور غرب رام الله، غير أن قرار نقل قيادة الفرقة إلى الضفة كان قد أعدّ له منذ أشهر، وكانت خلاله قيادة الفرقة تستعد ميدانيًّا لتولي تلك المهمة التي أطلق عليها اسم “توفيم هشنايم“، أي “الاثنان جيدان”، بناءً على إعادة تقييم لأولوية الجبهات، إذ أصبحت الضفة على رأس أولويات الجبهات الإسرائيلية. 

لتوضيح الهيكلية التنظيمية، يقسّم جيش الاحتلال الضفة الغربية إلى ستة ألوية مناطقية، وهي: يهودا (الخليل والجوار)، عتسيون (بيت لحم والجوار)، بنيامين (رام الله والجوار)، أفرايم (قلقيلية والجوار)، شومرون (نابلس والجوار)، منشيه (جنين وطولكرم والجوار). وهذه الألوية خاضعة لفرقة يهودا والسامرة (فرقة877). في حين يُستثنى غور الأردن  من هذه التقسيمات؛ لأن الاحتلال يتعامل معه بشكل مستقل، ولا يعدّه جزءًا من “يهودا والسامرة”، بل قطاعًا قائمًا بذاته، ويتولى تأمينه لواء الأغوار التابع للفرقة 96. 

وبناءً على ما تقدم، بات ينشط في الضفة الغربية ميدانيًا ثلاث فرق إسرائيلية؛ إذ هدف نشر قيادة الفرقة (98) في القطاع الجنوبي إلى تخفيف العبء عن فرقة الضفة وتعزيز السيطرة والتحكم. فعوضًا عن تشتت قيادة فرقة الضفة في إدارة المستجدات على امتداد أراضي الضفة كافّة، أُسنِد إليها تركيز جهودها على الشمال والوسط، في حين تولت قيادة الفرقة (98) إدارة الجنوب، وهو ما أسهم في رفع كفاءة القيادتين وتسريع آلية اتخاذ القرار. جديرٌ بالذكر أن هذا الإجراء تم دون إعادة انتشار عملياتي لألوية الفرقة أو كتائبها داخل الضفة الغربية، إذ بقيت كتائبها وألويتها تابعة لهيئة الأركان كقوات احتياط يُدفع بها نحو الجبهات بحسب متطلبات الميدان. 

وتُمثّل هذه الخطوة الإجراء العسكري الأكثر استثنائية للاحتلال في الضفة الغربية منذ انتفاضة الأقصى عام 2000،  حين حشد الاحتلال آنذاك خمس فرق عسكرية، دون أن يُعاد نشر أي فرقة إضافية للعمل إلى جانب فرقة الضفة منذ ذلك الحين. ورغم أن انتشار قيادة الفرقة يحمل طابعًا مؤقتًا مقترنًا بفترة الأعياد اليهودية في الضفة، إلا أن المهام المُوكلة إليها تظل قابلة للتمديد وفقًا لمستجدات الميدان وتطورات الأوضاع.

وقد ترافقت تلك الخطوة مع انتشار عسكري إسرائيلي غير مسبوق في الضفة الغربية، إذ تنتشر فيها في الوضع الطبيعي 13 كتيبة تابعة لفرقة الضفة، وفي ذروة عمليات المقاومة، في أكتوبر 2022، ارتفع عدد الكتائب المنتشرة في الضفة إلى 26. وفي عام 2024، وصل عدد الكتائب في الضفة إلى 23 في ظل الخشية من تصعيد يترافق مع شهر رمضان. وكان جيش الاحتلال قد خطط لتقليل عدد كتائبه في الضفة لتسريح الاحتياط وتخفيف الضغط عليهم، ثم عاد ليرفع عدد كتائبه إلى 26 في سبتمبر/أيلول المنصرم، ولكن، من الناحية العملية، إذا أضفنا الكتائب المنتشرة في الأغوار فإن العدد يصبح 28، وهو ما لا تشهده الضفة إلا في ذروة التصعيد، غير القائم حاليًا. وقد تزامن الزج بتلك القوات مع مناورة أجراها الجيش في 11 سبتمبر للتعامل مع سيناريو هجوم على غرار 7 أكتوبر تجاه المستوطنات وأراضي 48. ترافق ذلك أيضًا مع حشد وحدات نخبوية في جيش الاحتلال في الضفة، مثل وحدة نخبة البحرية شيتت 13 التي وثقت تنفيذ تدريب إنزال جوي في بلدة يطا جنوب الضفة. 

أثار هذا الحشد العسكري الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية، الذي يتوقع أن يزداد، جدلًا حول أسبابه التي لا تتوافق مع طبيعة الوضع الأمني فيها. فعلى عكس الحالات التي حشد فيها جيش الاحتلال أعدادًا مماثلة من قواته في الضفة، أي في أوقات تصاعد المقاومة والتوتر، فإن المرحلة الحالية تشهد ركودًا في حالة المقاومة مدفوعًا بإجراءات الاحتلال نفسها التي قضت على بؤر المقاومة وما زالت تشن حملات اعتقالات وملاحقات بلغت حصيلتها 46 ألف حالة اعتقال أو تحقيق منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى أكتوبر 2026، فيما تجاوز عدد المعتقلين 26 ألف معتقل. 

 ورغم إعلان الاحتلال أن هذا التحشيد العسكري مرتبط بمواسم الأعياد اليهودية وموسم قطف الزيتون والتوترات الميدانية—بما يُوحي بأنه إجراء مؤقت—إلا أن “التوتر” في الضفة الغربية يُشكل حالة دائمة ومستمرة؛ في ظل سياسات الاحتلال، واعتداءات مستوطنيه، وتمدد مخططات السيطرة والضم. وهو ما يدمج هذا التحشيد العسكري في أصل القاعدة الدائمة لسياسات الاحتلال، بدلًا من كونه مجرد استثناء طارئ عليها.

سيناريو “انفجار” الضفة الغربيّة!

كان سيناريو “انفجار الضفة الغربية” و”انخراط أجهزة السلطة الأمنية” في مواجهة إسرائيل مطروحًا منذ السابع من أكتوبر 2023 في بعض الأوساط الإسرائيلية. فقد وجه 14 عضوًا من أعضاء الكنيست رسالة إلى رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست في يناير/كانون الثاني 2024 لعقد نقاش مستعجل حول سيناريو “انقلاب البنادق” وخطط جيش الاحتلال للتعامل معه.

أجرى موقع الصوت اليهودي سلسلة تحقيقات أواسط عام 2024 تحت عنوان “جيش فلسطين الذي ينشأ تحت أنف إسرائيل“، تتبع فيها طبيعة التدريبات التي تجريها أجهزة السلطة في دول مثل باكستان، والتي شملت التدرب على عتاد ثقيل وعمليات خاصة وغيرها. غير أن المؤسسة الأمنية والعسكرية لم تعر تلك التحقيقات أهمية رغم أن المستوطنين عرضوا نتائج تحقيقاتهم عليها. وعلى العكس من ذلك، صدرت توصيات عن قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال بتعميق التعاون مع أجهزة السلطة الأمنية، لا سيما عقب حملتها على معاقل المقاومة في شمال الضفة الغربية، وتحديدًا مخيم جنين في أواخر عام 2024. تجدر الإشارة إلى وجود أصوات حذّرت سابقًا من سيناريو 7 أكتوبر جديد من الضفة، مثل رئيس الموساد السابق تامير باردو، في أبريل/نيسان 2026، غير أن تحذيره ركّز على أن عنف المستوطنين سيجر عليهم الويلات، وهو يختلف عن حملة التحريض الحالية. 

إلا أن تتبّع التحولات منذئذٍ يُظهر تحولًا جذريًا في المقاربة الإسرائيلية، إذ لم يعد التوجه التحريضي محصورًا في طروحات عدد من الوزراء والمسؤولين المتطرفين، بل تسرّب إلى المؤسستين العسكرية والأمنية، ويأتي هذا التحول متساوقًا مع التغيرات التي شهدتها المؤسستان مؤخرًا، والتي أفضت إلى تبوّء شخصيات محسوبة على اليمين والصهيونية الدينية مناصب صنع القرار فيها، مثل ديفيد زيني رئيس الشاباك، وآفي بلوت قائد القيادة الوسطى، وإيال زامير رئيس أركان جيش الاحتلال. 

انخرط جيش الاحتلال نفسه في التحذير من هذا السيناريو، منذ أوائل سبتمبر/أيلول المنصرم على أقل تقدير، على خلفية تصاعد الصراعات داخل السلطة الفلسطينية واحتدام المنافسة على خلافة عبّاس، وتصاعد عنف المستوطنين. منذ ذلك الحين تصاعد النقاش والتصريحات الإسرائيلية على كل المستويات التي تحذّر من هذا السيناريو. إذ انخرط فيه عدد من الوزراء مثل وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي هدد في 7 سبتمبر/أيلول بحرب شاملة تُشن على السلطة الفلسطينية في حال شاركت في “اضطرابات” ضد المستوطنات وقوات الاحتلال، أو خططت لشن هجوم على غرار 7 أكتوبر. ولاحقًا، انضم نتنياهو نفسه على خط التحذير والتهديد؛ إذ وقف على مشارف الضفة في 13 أكتوبر/تشرين الأول ليحذّر بأن جيش الاحتلال مستعد للتعامل مع كل السيناريوهات بما فيها “انقلاب الفوهات“.

غير أن الأمور اتخذت مسارًا أكثر خطورة على المستوى الرسمي، عندما قدّم جيش الاحتلال خطة القيادة الوسطىللكابينت الأمني السياسي في 4 أكتوبر/تشرين الأول، للتعامل مع سيناريو “انقلاب البنادق” أو هجوم على غرار 7 أكتوبر. وفي جلسة الحكومة الإسرائيلية في 6 أكتوبر/تشرين الأول أعلن كاتس عن خطة جيش الاحتلال لمواجهة هذين السيناريوهين. 

يُمثّل السيناريو الأول -المتجسد في شنّ هجوم مباغت تنفذه فصائل المقاومة ضد المستوطنين وقوات الاحتلال- السيناريو المرجعي في واقع الضفة الغربية الراهن؛ إذ يتعامل معه جيش الاحتلال بوصفه الخيار الأكثر ترجيحًا، وعلى أساسه يُصمّم خططه العملياتية.

في حين يتجسد السيناريو الثاني في إعادة السلطة الفلسطينية إنتاج تجربة الانتفاضة الثانية، عبر انخراط أجهزتها الأمنية وكوادر حركة فتح في مواجهة ممتدة ومُنظّمة ضد الاحتلال. وقد شدّد “كاتس” على أنه في حال تحقق أيٍّ من الخيارين، فإن إسرائيل ستُعلن الحرب رسميًا على السلطة وفق خطة عمل جرى إعدادها مسبقًا في أروقة الجيش، وحظيت بمصادقته هو ونتنياهو.

ومن بين الأمور التي أعلنها حول تلك الخطة: 

  1. معركة قصيرة ماحقة تشمل استخدام قوات البر والجو والوسائل الخاصة.
  2. اغتيال مسؤولي السلطة الفلسطينية ونفيهم. 
  3. إخلاء واسع للسكان (الفلسطينيين) وتدمير البنى التحتية “للإرهاب” داخل المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين، على غرار غزة ولبنان.
  4. ستكون نتيجة المعركة الحسم الواضح وتغيير الواقع. 

 علاقة التحشيد العسكري بتصاعد الضم والتهجير

إن قراءة الواقع الميداني في الضفة الغربية تُبيّن -وفق المعطيات الإسرائيلية ذاتها- استبعاد تحقق أيٍّ من هذين السيناريوهين على الأرض. فمن جهة، تقف طبيعة السيطرة العسكرية المباشرة حائلًا دون تنفيذ هجوم يحاكي أحداث 7 أكتوبر، إذ خضعت الضفة لإعادة هيكلة أمنية وجغرافية شاملة منذ انتفاضة الأقصى، تعمّقت وتيرتها مؤخرًا لتقييد أي حراك جماهيري، ومن جهة أخرى، تعترف التقديرات الأمنية للاحتلال بأن المقاومة في الضفة تراجعت لأدنى مستوياتها منذ عام 2011. 

أما سيناريو انخراط أجهزة السلطة في المواجهة على غرار أحداث انتفاضة الأقصى، فتدرك إسرائيل نفسها أنه خيار غير واقعي؛ لأسباب واعتبارات موضوعية، أبرزها أنّ ما تملكه أجهزة السلطة من عتاد وذخيرة لا يصمد ميدانيًا لأكثر من ثلاثة أيام في حده الأقصى. وتُعزى هذه المحدودية إلى هندسة أمنية ممتدة فرضها الاحتلال لضمان تجريد السلطة من أي قدرة على إعادة إنتاج سيناريو الانتفاضة.

وبأي حال، فقد كشفت ثلاث سنوات من حرب الإبادة في غزة، المترافقة مع تصاعد الاستيطان والتهجير في الضفة، عن افتقار السلطة للعوامل الذاتية والموضوعية التي تُتيح لها اتخاذ أي قرار بالمواجهة.غير أن الاحتلال يقرأ الواقع في الضفة بصورة مغايرة، إذ تجمع التقييمات الأمنية لدى الاحتلال على أنه بالتوازي مع تراجع المقاومة في الضفة الغربية فإن وتيرة الاحتقان والتوتر تشهد تصاعدًا مستمرًا. أما المستوطنون، فإنهم يحصون ارتفاعًا في الهجمات الموجّهة ضد البؤر الاستيطانية تحديدًا، إذ يزعمون أن النصف الأول من عام 2026 شهد 441 عملًا مقاومًا، كما تظهر بياناتهم ارتفاع أعداد المصابين جراء هذه العمليات إلى 140 مستوطنًا حتى منتصف 2026، مقارنة بـ 119 مصابًا سُجلوا خلال عام 2025 بأكمله.

تشير المعطيات السابقة إلى أن مصدر التوتر الأساسي في الضفة الغربية هو مشروع الاستيطان والتهجير والضم الذي يشكل المستوطنون، لا سيما فتيان التلال، أداته الناجعة. وهذا المشروع يشتمل على هجمات وأحداث عنف متصاعدة تجاه الفلسطينيين من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها. وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عنف المستوطنين يتصاعد بزيادات شهرية لافتة. ففي حين كان إجمالي الاعتداءات قبل سنوات يقتصر على قرابة 2000 حالة اعتداء في ذروة التصعيد، سجل عام 2025 وحده قرابة 4800 اعتداء، شملت كل أنواع الاعتداءات الفردية والجماعية. وفي عام 2026، يشير تتبع تقارير الهيئة إلى أنه حتى شهر أيلول/سبتمبر (مع ملاحظة أن الهيئة لم تصدر تقرير شهر يونيو/حزيران) بلغت حصيلة اعتداءات المستوطنين 5140 اعتداءً على أقل تقدير. وهذا دون احتساب سياسات الاحتلال الرسمية التي تشمل الحواجز، والعوائق، والاقتحامات، والتدمير، والاعتقالات، والقتل، ومصادرة الأراضي، علاوة على إضعاف السلطة وإفقار المجتمع وتدمير مقومات بقائه وصموده. 

غير أن الأرقام وحدها لا تقول شيئا، فعنف المستوطنين هو أداة لعملية التهجير والتوسع الاستيطاني، ودولة الاحتلال تتعامل معه اليوم ومع المشروع الاستيطاني، لا سيما فتيان التلال والمزارع الاستيطانية، على أنه قيمة أمنية إستراتيجية يجب دعمها وتعزيزها. 

وقد تمكن فتيان التلال والمستوطنون عمومًا من السيطرة على مساحة قدرها مليون ومئة ألف دونم (1100 كم مربع) من مساحة المنطقة المصنفة (ج). وهم مستمرون في التوسع ليس في المناطق (ج) وحدها، بل في المنطقتين (أ) و (ب) أيضًا، إذ إن هناك أكثر من 23 بؤرة استيطانية مقامة في الأراضي المصنفة (ب) تترافق مع توسع في السيطرة الفعلية على الأرض لتشمل قرابة 100 ألف دونم من منطقتي (أ) و(ب).

 ولا يخفي المستوطنون أيًا من أهدافهم بالسيطرة على كامل المنطقة (ج)، وقرابة مليون و100 ألف دونم من مناطق (أ) و(ب) يصنفونها على أنها مناطق “مفتوحة”، وفي هذا الإطار يستهدفون السيطرة على قرابة 80% من مساحة المناطق (أ) من خلال إقامة 100 بؤرة استيطانية في عمقها. في الحكومة الحالية، هناك دعم كبير من وزراء وأعضاء كنيست، وحتى من نتنياهو شخصيًّا لتلك الأهداف. وقد تعهّد عدد من الوزراء، لاسيما سموتريتش وبن غفير وأوريت ستروك، بالعمل على تطبيق تلك الأهداف وإلغاء اتفاق أوسلو رسميًا، باعتباره الإطار الذي ما زال يحافظ على تقسيم الضفة إلى مناطق (أ)، (ب)، (ج).

إن ما يجري عمليًا هو عملية ضم وتهجير متسارعة أجهزت تقريبًا على المناطق (ج) كافّة، وتتهيّأ للتوسع لتستولي على ما نسبته 50% على أقل تقدير من أراضي المنطقتين (أ) و(ب)، وهذا يعني السيطرة الفعلية على مساحة تقارب 82% من مساحة الضفة الغربية، في حين لن يترك للفلسطينيين سوى مساحة تقدر بـ 18-20% على أقصى تقدير للعيش فيها، تقتصر على التجمعات الحضرية في عمق المدن الفلسطينية. 

ورغم أن هذه النسب تظل تقديرية وتفترض استمرار المشروع الاستيطاني بالوتيرة الحالية،  إلا أنه لا يمكن تجاهل أنها تحظى بتأييد حكومي واسع، إذ كان سموتريتش قد عرض “خطة السيادة” في سبتمبر/أيلول 2025 الرامية إلى ضم 82% من الضفة الغربية. وقد كان اللافت في تلك الخطة اشتمالها على ست مناطق فلسطينية مقلّصة فقط، وهي الخليل، ورام الله، وأريحا، ونابلس، وطولكرم، وجنين، في حين غابت عنها مدينتا بيت لحم وقلقيلية. ولعل هذا يحيل إلى خطته المعروفة باسم خطة الحسم التي قسّم فيها الإدارات التي ينوي إقامتها في الضفة الغربية إلى ست إدارات فقط، بيد أنها اشتملت على بيت لحم واستثنت قلقيلية وطولكرم.

في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن التفاصيل المتباينة بين الخطط المطروحة ليست هي المسألة الأهم، بل المبدأ العام الذي يهدف إلى تطبيق تلك الخطة من الناحية العملية. وهذا الأمر ليس متعلقا بسموتريتش وحده، وإنما تحول إلى نقاش عام في إسرائيل يتجه إلى صيغ أكثر تطرفًا تنادي بالتهجير الكامل للضفة الغربية، وليس فقط حصر السكان في معازل مقلّصة.

 ومن ناحية أخرى، فإن غياب محافظات بعينها عن تلك الخطط، لا سيما قلقيلية، لا يعدّ مؤشرًا هامشيًا. فمنذ السابع من أكتوبر تشهد قلقيلية حملة تحريض تصاعدت مع إعلان شرطة الاحتلال عن عثورها على نفق فيها يمتد نحو أراضي 48. وكانت بلدية كفار سابا في أراضي 48 قد صعدت من تحريضها على قلقيلية، ونشرت وحدات طوارئ ووحدات مسيراتلمراقبتها خشية من حدوث هجوم منها على غرار 7 أكتوبر. وهذا يحيل إلى أن تهجير قلقيلية كان هدفًا صهيونيًا منذ عام 1967، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يتخذ شكل نتوء يمتد داخل أراضي 48.

إن تطبيق تلك الأهداف الإسرائيلية رسميًا، أو فرضها بالأمر الواقع، عبر إطلاق العنان لفتيان التلال وعموم المستوطنين للتهجير والتوسع، قد يؤدي إلى حدوث ردود فعل فلسطينية، لا سيما في إطار الدفاع عن النفس ضد عنف المستوطنين. إذ قد يتصاعد نمط العمليات الفردية، أو تنشأ حراكات جماهيرية موضعية، وهو سلوك يبدو أن الاحتلال يستحثّه عمدًا، بالنظر إلى طبيعة سياساته وممارسات مستوطنيه التي تدفع الفلسطينيين إلى طريق مسدود.

بناءً على ما تقدم، فإن التحشيد العسكري الإسرائيلي الحالي في الضفة الغربية، المترافق مع خطط جاهزة للتدخل السريع في حالة تحقق أي من السيناريوهين المروَّج لهما، يمكن قراءته بوصفه تحشيدًا لحماية المشروع الاستيطاني، تحديدًا مشروع البؤر والمزارع الاستيطانية وعنف فتيان التلال. ويقع هذا في صلب النقاشات التي تدعو إلى تغيير السياسات الأمنية في الضفة الغربية، وتطالب الجيش بالاستجابة للتحولات الهيكلية التي جرت على الأرض، في مقدمتها إقامة أكثر من 100 مستوطنة وأكثر من 150 مزرعة استيطانية في السنوات الثلاث الأخيرة. وهو ما يقتضي توفير قوات أكبر، وتعزيز القيادة والسيطرة والإنذار والحماية والدفاع والاستجابة التي يتطلبها التوسع المستمر للمشروع الاستيطاني. إذ إنّ مشروعًا عنيفًا وجذريًا كهذا يحتاج إلى غطاء وحماية وقوة ردع تؤمّن استمراريته وتطوره وصولًا إلى لحظته الحاسمة، وهذا على غرار تجربة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية قبل نكبة 48.

وتكمن الخطورة الحقيقية في سيناريو “7 أكتوبر” في الضفة، الذي يهوّل منه الاحتلال، كونه ينص على حدوث هجوم يستهدف المستوطنات والمستوطنين بالدرجة الأولى، في وقت لا يتوقف فيه المستوطنون عن خلق الاحتكاك والتوتر والتصعيد، الأمر الذي قد يؤدي إلى ردود فعل فلسطينية تجاههم، تفسّرها إسرائيل بأنها “7 أكتوبر” جديد، فيتحرك جيش الاحتلال حينها لتنفيذ خططه الجاهزة.

خاتمة

تأسيسًا على ما تقدم، تبدو المؤسسة الإسرائيلية كأنّها حصرت الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية ضمن خيارين أحلاهما مرّ؛ يتجسد الخيار الأول في تسليم الميدان لمشاريع التوسع الاستيطاني والهندسة الديمغرافية التي تقودها أجهزة الدولة بالتكامل مع مجموعات المستوطنين، واشتراط الحياد الفلسطيني الكامل، وتجريده من أشكال المقاومة الفردية أو الدفاع الشعبي عن النفس والأرض. ويترتب على هذا الخيار حسم المصير الجيوسياسي للضفة عبر ضم قرابة 82% من مساحتها الإجمالية، سواء بقرارات سياسية معلنة أم عبر تكريس الواقع الميداني، مقابل تقويض البنية المؤسسية للسلطة وتحويل الإقليم إلى كانتونات وإدارات أهلية مجزّأة.

وفي هذا الإطار، ينشر جيش الاحتلال قواته في الضفة لتأمين هذا المشروع وردع أي محاولة فلسطينية لمقاومته؛ باعتباره انتشارًا وقائيًا يهدف إلى حراسة المخطط الاستيطاني ومنع أي حراك قد يُعيق استمراريته.

أما الخيار الثاني، فيبرز في حال قرر الفلسطينيون مقاومة ذلك المشروع، إذ سيتولى جيش الاحتلال المهمة ويرتكب إبادة في الضفة على غرار ما جرى في قطاع غزة ولبنان (كما صرّح كاتس)، بما يتضمن تفكيك السلطة وتدمير المدن الفلسطينية وتنفيذ تهجيرٍ واسع النطاق. ولن يقتصر السقف في هذه الحالة على 82% من الضفة الغربية، بل سيمتد ليعمّ الضفة بأكملها. 

في المحصلة، يستوجب هذا الواقع إعادة ترتيب للأولويات الفلسطينية وإعادة النظر في الأدوات القادرة على كبح السياسات الإسرائيلية، بما يحافظ على حدٍ من الجمود الإستراتيجي الذي يحول دون الانجرار إلى مواجهة مُدبّرة نتيجتها محسومة، ويُوقف في الوقت ذاته التقدم السريع لمشروع الضم والتهجير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى