الكتلة الصامتة: من هم العرب الذين يقاطعون انتخابات الكنيست؟

مع اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يعود النقاش حول مشاركة العرب الفلسطينيين في الداخل وأثر نسبة التصويت في تمثيل الأحزاب العربية. وغالبًا ما تُحمَّل المقاطعة مسؤولية ضعف هذا التمثيل، من دون تمييز بين المقاطعة المبدئية ومختلف أشكال الامتناع عن التصويت.

يتناول المقال نشأة المقاطعة وتطورها، ويفكك أنماط الامتناع ودوافعها، ويسأل عن حجم المقاطعة الأيديولوجية ومدى تأثير خطابها خارج قاعدتها المنظمة، وعن أثر انخفاض المشاركة في الأحزاب العربية والخريطة الانتخابية. كما يناقش ما إذا كان الجدل بين المشاركة والمقاطعة قد أوجد حالة استقطاب داخلي، وما تكشفه الظاهرة عن علاقة الجمهور بالأحزاب العربية والعمل البرلماني.

ويركز التحليل على العرب الفلسطينيين في الداخل، مع الإشارة إلى أن بعض الإحصاءات المتاحة تشمل التجمعات الدرزية، ولا يشمل الفلسطينيين في شرقي القدس والسوريين في الجولان المحتل، لأن معظمهم لا يحق لهم التصويت للكنيست.

تطور المشاركة العربية في انتخابات الكنيست

بدأت مشاركة الفلسطينيين في انتخابات الكنيست منذ الانتخابات الأولى، التي جرت في 25 كانون الثاني 1949، أي بعد نحو ثمانية أشهر من إعلان قيام إسرائيل. وظهرت في العقود الأولى قوائم عربية مرتبطة بأحزاب السلطة الصهيونية، ولا سيما حزب “مباي” الحاكم بزعامة دافيد بن غوريون، مثل القائمة الديمقراطية للناصرة، والزراعة والتطوير، والتقدم والعمل، والتعاون والأخوة. ولم تكن هذه القوائم أحزابًا عربية مستقلة، بل التزمت بخط “مباي” وشاركت في الائتلافات التي قادها.

وجرت الانتخابات حتى عام 1966 في ظل الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في الداخل. وبلغت نسبة التصويت العربي 69.3% عام 1949، ثم ارتفعت إلى 85.1% عام 1951، ووصلت إلى 91% عام 1955 و88.9% عام 1959، وظلت مرتفعة عند 87.8% عام 1965.

غير أن هذا الإقبال لا يمكن تفسيره بالاقتناع الحر بالمشاركة وحده، فقد استخدم الحكم العسكري القيادات التقليدية والوسطاء المحليين وشبكات الحمائل لحشد الناخبين لمصلحة “مباي” والقوائم التابعة له، في ظل ارتباط حرية الحركة والعمل والخدمات بسلطاته. ولذلك يمكن فهم جانب من المشاركة المرتفعة في سياق الضغط والخوف والحاجة إلى موارد السلطة.

بعد إلغاء الحكم العسكري، تراجع نفوذ القوائم التابعة تدريجيًا حتى اختفائها عام 1981، في مقابل صعود تمثيل سياسي عربي أكثر استقلالًا، ولا سيما “راكاح” ثم “الجبهة” بعد يوم الأرض. وترافق هذا التحول مع انخفاض تدريجي في المشاركة، من 82% عام 1969 إلى 75% عام 1977، ثم إلى 69.7% عام 1981. وفي التسعينيات عادت المشاركة إلى الارتفاع، فبلغت 79.3% عام 1996 و75% عام 1999، قبل أن تدخل في مرحلة جديدة من التراجع والتذبذب منذ مطلع الألفية.

ويبيّن هذا المسار أن ارتفاع المشاركة أو انخفاضها لا يحمل دلالة سياسية واحدة، فقد ارتبط في مراحل مختلفة بالضغط السلطوي، أو التعبئة الحزبية، أو تصاعد الوعي الوطني، أو الثقة بالتمثيل العربي وجدوى العمل البرلماني. ومن هنا لا يمكن اعتبار الامتناع عن التصويت موقفًا ثابتًا أو متجانسًا، بل ينبغي فهمه في ضوء الظروف السياسية التي أحاطت بكل مرحلة انتخابية.

مقاطعة انتخابات الكنيست: النشأة والتطور

لم تكن مقاطعة انتخابات الكنيست موقفًا واحدًا ثابتًا، بل تطورت بتغير الظروف السياسية وعلاقة الفلسطينيين في الداخل بالدولة والعمل البرلماني. ولذلك ينبغي التمييز بين المقاطعة المبدئية القائمة على رفض المشاركة، وبين الامتناع الاحتجاجي أو العزوف لأسباب حزبية واجتماعية وشخصية، فكل مقاطع ممتنع عن التصويت، لكن ليس كل ممتنع مقاطعًا بالمعنى السياسي.

سبقت ظهور تيار المقاطعة محاولات لإقامة تنظيمات سياسية عربية مستقلة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في ظل قيود الحكم العسكري. وكانت “حركة الأرض”، التي تأسست عام 1959 وحُظرت عام 1964، أبرز هذه المحاولات. لكنها لا تُعد جزءًا من تيار المقاطعة، إذ حاولت خوض انتخابات عام 1965 ضمن “القائمة الاشتراكية”، قبل أن تمنعها السلطات والمحكمة الإسرائيلية من المشاركة.

أما البداية الأوضح للمقاطعة الأيديولوجية المنظمة، فارتبطت بحركة “أبناء البلد”، التي تأسست عام 1972 متأثرة باحتلال عام 1967 وتجدد التواصل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. رفضت الحركة شرعية الدولة الصهيونية، واتخذت من مقاطعة انتخابات الكنيست موقفًا ثابتًا، مع مشاركتها في الانتخابات المحلية والعمل الطلابي والنقابي. ويبيّن ذلك أن المقاطعة، في تصورها، لم تكن انسحابًا من العمل السياسي، بل دعوة إلى ممارسته في أطر أخرى.

اتسعت قاعدة الرفض المبدئي للمشاركة بعد انقسام الحركة الإسلامية عام 1996. فقد اختار التيار الذي عُرف لاحقًا بالجناح الجنوبي، أو البرلماني، المشاركة ضمن القائمة العربية الموحدة، بينما رفض الجناح الشمالي، بقيادة الشيخ رائد صلاح، هذا المسار وتبنّى العمل السياسي والجماهيري خارج الكنيست. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الحركة الإسلامية غير البرلمانية، إلى جانب “أبناء البلد” وشخصيات وطنية مستقلة، من أبرز القوى الرافضة للمشاركة، وإن لم يتحول هذا الرفض دائمًا إلى حملات علنية ومنظمة في كل جولة.

شكّل عام 2001 محطة فارقة، إذ تجاوزت المقاطعة إطارها الأيديولوجي المحدود وتحولت إلى احتجاج جماعي واسع بعد هبّة القدس والأقصى في تشرين الأول 2000، التي قتلت خلالها الشرطة الإسرائيلية 13 فلسطينيًا. وتأسست في ذلك السياق اللجنة الشعبية لمقاطعة الانتخابات، وانخفضت المشاركة العربية في الانتخابات الخاصة لرئاسة الحكومة بين إيهود باراك وأريئيل شارون إلى نحو 18%، فيما وضع قرابة ربع المشاركين أوراقًا بيضاء. ولم تشمل تلك الجولة انتخابات للكنيست، بل خُصصت لانتخاب رئيس الحكومة فقط.

أما أول انتخابات للكنيست تلتها، فجرت عام 2003، وبلغت المشاركة العربية فيها نحو 62%، مقارنة بنحو 75% عام 1999. ويشير ذلك إلى أن مقاطعة عام 2001 كانت، في جانب كبير منها، احتجاجًا مرتبطًا بهبّة القدس والأقصى وحكومة باراك، ولم تعنِ انتقال جميع الممتنعين إلى مقاطعة أيديولوجية دائمة. لا سيما وأن انتخابات رئاسة الحكومة المباشرة التي جرت حينها لم تشمل الكنيست، أي أنه لم تكن هناك أحزاب عربية متنافسة حتى يصوّت لها الناخب العربي.

استمرت المشاركة بعد ذلك في التذبذب، فارتفعت مع تشكيل القائمة المشتركة عام 2015، وانخفضت بعد تفككها في نيسان 2019، ثم عادت إلى الارتفاع بعد إعادة تشكيلها في أيلول من العام نفسه وعام 2020. وانخفضت مجددًا إلى 44.6% بعد انفصال القائمة العربية الموحدة عام 2021، قبل أن ترتفع إلى 53.2% عام 2022، رغم خوض الأحزاب الانتخابات ضمن ثلاث قوائم: تحالف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة، والتجمع الوطني الديمقراطي.

تدل هذه التحولات على أن الوحدة والانقسام يؤثران في المشاركة، لكنهما لا يفسرانها وحدهما، إذ تتداخل معهما الثقة بالأحزاب، والظروف السياسية، وشعور الناخب بجدوى صوته، والمواقف المبدئية من الكنيست. ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من نسبة الامتناع العامة إلى تحليل دوافع غير المصوتين وأنماطهم المختلفة.

يوضح الجدول تطور نسب المشاركة وعدم المشاركة لدى الناخبين العرب في انتخابات الكنيست (1996–2022):[1]

الانتخابات نسبة المشاركة المقاطعة/ عدم المشاركة
1996 79.3% 20.7%
1999 75% 25%
2003 62% 38%
2006 56.3% 43.7%
2009 53.4% 46.6%
2013 56.5% 43.5%
2015 63.5% 36.5%
نيسان 2019 49.2% 50.8%
أيلول 2019 59.2% 40.8%
2020 64.8 35.2%
2021 44.6% 55.4%
2022 53.2% 46.8%
المتوسط الحسابي التقريبي 59.8% 40.2%

 أنماط المقاطعة والامتناع عن التصويت

لا يشكل غير المصوتين كتلة متجانسة، بل تختلف دوافعهم ودرجة ثبات مواقفهم. ويمكن التمييز بين أربعة أنماط رئيسة: المقاطعة الأيديولوجية، والامتناع الاحتجاجي، واللامبالاة السياسية، والامتناع لأسباب ظرفية، مع احتمال التداخل بينها.

  1. المقاطعة الأيديولوجية

تنطلق المقاطعة الأيديولوجية من موقف فكري وسياسي يرفض المشاركة في انتخابات الكنيست من حيث المبدأ، لا من موقف مؤقت تجاه حزب أو قائمة معينة. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الكنيست جزء من نظام سياسي صهيوني لا يمكن تغيير طبيعته من داخله، وأن مشاركة الفلسطينيين في انتخاباته قد تسهم في منحه شرعية ديمقراطية، من دون تمكينهم من تغيير سياساته الأساسية.

وكما سبقت الإشارة، تتبنى هذا الموقف قوى وطنية وإسلامية، في مقدمتها حركة “أبناء البلد” والحركة الإسلامية غير البرلمانية، إلى جانب شخصيات ومجموعات وطنية مستقلة. ولا تشكل هذه القوى إطارًا موحدًا، فالحركة الإسلامية، وإن استند موقفها إلى منطلقات دينية وعقائدية إلى جانب رؤيتها السياسية، فإنها غالبًا ما تعرضه على مختلف شرائح المجتمع بلغة سياسية، تركز على جدوى العمل البرلماني وبدائله، ولا تطرحه باعتباره حكمًا فقهيًا ملزمًا للناس. وقد ربطت موقفها بالعمل السياسي والجماهيري خارج الكنيست، وطرحت الانتخاب المباشر للجنة المتابعة العليا أحد البدائل. أما حركة “أبناء البلد”، فتنطلق من رفض الصهيونية ومؤسسات الدولة، وترى أن المشاركة في الكنيست تسهم في تكريس الواقع السياسي القائم.

إلى جانب هذه القوى، تظهر في كل جولة انتخابية، وفق متابعة الكاتب، أصوات محدودة محسوبة على اتجاهات إسلامية، ولا سيّما سلفية، تناقش المشاركة من منظور ديني فقهي مباشر وتدعو إلى تحريمها. ولا تشكل هذه الأصوات، في حدود المتابعة المتاحة، تيارًا منظمًا أو واسعًا، لكنها تكشف منطلقًا آخر للمقاطعة يختلف عن الخطاب الوطني والخطاب السياسي الذي تتبناه الحركة الإسلامية غير البرلمانية في مخاطبة الجمهور.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن المقاطعة الأيديولوجية تمثل جزءًا محدودًا من مجموع الامتناع. فقد أظهرت دراسة ميدانية أجراها مدى الكرمل بعد انتخابات عام 2003 أن المقاطعين لأسباب أيديولوجية شكّلوا نحو 9% من غير المصوتين. كما أشار تقدير موقف أصدره المركز عام 2019، استنادًا إلى استطلاع نُفّذ عام 2013، إلى أن نسبتهم بلغت نحو 4.9% من غير المشاركين. ولا تصلح النسبتان للمقارنة الزمنية المباشرة بسبب اختلاف الدراستين ومنهجيتهما، كما أنهما تستندان إلى عينات محددة، لكنهما تشيران إلى أن المقاطعة الأيديولوجية لا تمثل غالبية الممتنعين.

ولا يُقاس حضور هذا التيار بحجمه العددي وحده، فهو يستند إلى قوى سياسية معروفة وخطاب معلن، ويستخدم البيانات والمنشورات والمحاضرات والحملات الإعلامية للدعوة إلى عدم المشاركة. ولذلك قد يمتد تأثيره إلى قطاعات لا تتبنى المقاطعة موقفًا مبدئيًا ثابتًا، لكنها تتأثر بخطابه في ظروف سياسية أو انتخابية معينة. غير أن الدراسات المتاحة لا تقيس حجم هذا التأثير بصورة مستقلة.

وبعد حظر الحركة الإسلامية عام 2015، برز بصورة أوضح خطاب إسلامي يدعو علنًا إلى المقاطعة، وظهرت حملات إعلامية وميدانية محدودة في انتخابات عام 2019. ويبدو، استنادًا إلى متابعة هذا الخطاب، أن الحظر شكل عاملًا في الانتقال من رفض المشاركة إلى الدعوة العلنية للمقاطعة، لكن حجم هذا التحول وتأثيره في قطاعات أوسع يحتاجان إلى دراسة مستقلة.

  1. الامتناع الاحتجاجي

يختلف الامتناع الاحتجاجي عن المقاطعة الأيديولوجية، فصاحبه لا يرفض انتخابات الكنيست من حيث المبدأ، لكنه يمتنع في جولة معينة احتجاجًا على أداء الأحزاب العربية أو انقساماتها، أو لغياب برنامج سياسي مقنع، أو لشعوره بضعف قدرتها على التأثير. ولذلك يُعد هذا النمط أكثر تغيرًا وتأثرًا بالظروف السياسية والانتخابية.

ويظهر هذا النمط في التفاوت الكبير بين نسب المشاركة الواردة في الجدول السابق؛ إذ تكشف الفروق بين الجولات عن هامش انتخابي متحرك تراوح، في بعض الانتخابات، بين 6% و10% من أصحاب حق الاقتراع العرب. فقد ارتفعت المشاركة بنحو سبع نقاط مئوية بين عامي 2013 و2015، وبنحو عشر نقاط بين جولتي نيسان وأيلول 2019، وبنحو تسع نقاط بين عامي 2021 و2022. ولا يعني ذلك أن جميع من غيّروا سلوكهم ينتمون إلى نمط الامتناع الاحتجاجي، لكنه يشير إلى وجود شريحة لا تتخذ موقفًا ثابتًا من المشاركة، وتتأثر بوحدة القوائم وأدائها والظروف السياسية المحيطة بكل جولة. وقد تستخدم هذه الشريحة الامتناع لمعاقبة الأحزاب أو الضغط عليها، ثم تعود إلى التصويت عندما ترى استجابة لمطالبها أو هدفًا سياسيًا يستحق المشاركة.

ولا تقوم علاقة آلية بين وحدة القوائم وارتفاع المشاركة، إذ يتأثر قرار الناخب أيضًا بطبيعة الخطاب الانتخابي، والثقة بالقيادات، واحتمال سقوط إحدى القوائم تحت نسبة الحسم، والخوف من صعود اليمين، والشعور بقدرة الصوت على التأثير.

ويمثل الممتنعون احتجاجيًا الفئة الأكثر قابلية للاستقطاب الانتخابي، لأن موقفهم لا يقوم على رفض مبدئي للكنيست. لكن امتناعهم قد يؤثر في الأحزاب العربية مجتمعة، حتى عندما يكون الاحتجاج موجهًا إلى حزب أو قيادة بعينها، إذ يقلل عدد الأصوات المتاحة لها ويحدّ من فرصها في زيادة تمثيلها أو اجتياز نسبة الحسم. ولا ينتقل صوت الممتنع قانونيًا إلى حزب آخر، لكنه يزيد الوزن النسبي لأصوات المشاركين، بما فيها الأصوات الممنوحة للأحزاب الصهيونية. ولا يترتب على ذلك استفادة جميع هذه الأحزاب بالدرجة نفسها، بل يتوقف الأثر على توزيع الأصوات والمنافسة على المقاعد ونسبة الحسم.

  1. اللامبالاة وضعف الشعور بجدوى المشاركة

تشمل هذه الفئة أشخاصًا لا يهتمون بالسياسة أو الانتخابات، ولا يتخذون قرار الامتناع بوصفه موقفًا سياسيًا. فقد أظهر استطلاع أجرته مبادرات صندوق إبراهيم قبيل انتخابات عام 2015 أن 47.1% ممن صرّحوا بأنهم لا ينوون التصويت أرجعوا ذلك إلى عدم اهتمامهم بالانتخابات، مقابل 17% قالوا إنهم يقاطعون لأسباب أيديولوجية.

وأرجع 19.6% موقفهم إلى اعتقادهم بعدم قدرة العرب على التأثير في القرارات. ولا تندرج هذه الفئة بالكامل ضمن اللامبالاة، فهي تعبر عن ضعف الشعور بجدوى المشاركة، وقد تجمع بين الانسحاب من السياسة والاحتجاج على محدودية تأثير الأحزاب العربية.

وتقيس هذه النتائج نيات التصويت قبل الانتخابات، لا السلوك الفعلي، لذلك لا يمكن تعميم نسبها على جميع غير المصوتين. لكنها تظهر أن العزوف المرتبط بعدم الاهتمام أو ضعف الشعور بالتأثير أوسع من المقاطعة الأيديولوجية في العينة التي شملها الاستطلاع.

وتختلف استمالة هذه الفئة عن مخاطبة المقاطعين أيديولوجيًا أو الممتنعين احتجاجيًا، فهي لا تحتاج فقط إلى وحدة القوائم أو الرد على حجج وقناعات المقاطعة، بل إلى تعزيز الاهتمام بالشأن العام وإقناع الناخب بأن مشاركته يمكن أن تحقق أثرًا ملموسًا. ولذلك يرتبط استقطابها بقدرة الأحزاب على التواصل خارج دوائرها الحزبية، وربط الانتخابات بالقضايا اليومية، وإظهار نتائج عملها بصورة واضحة.

  1. الامتناع لأسباب ظرفية

تشمل هذه الفئة من أرادوا التصويت، لكن المرض، أو السفر، أو العمل، أو صعوبة الوصول إلى صندوق الاقتراع حالت دون مشاركتهم. ولم يقس استطلاع عام 2015 هذه الأسباب بصورة منفصلة، ولذلك تبقى دراسة مدى الكرمل لعام 2003 من المراجع القليلة التي قدرت حجمها، إذ شكّل أصحاب الأسباب الظرفية نحو 36% من غير المصوتين في عينتها. غير أن قِدم الدراسة لا يسمح بافتراض بقاء هذه النسبة ثابتة في الانتخابات اللاحقة.

ولا يُعد غياب هؤلاء مقاطعة سياسية، لأنه لا يستند إلى رفض أيديولوجي أو موقف احتجاجي. كما أن التعامل معهم لا يتطلب إقناعًا سياسيًا بقدر ما يحتاج إلى تسهيل الوصول إلى الصناديق، وتوفير المعلومات والمواصلات، وتنظيم جهود حشد تساعد الراغبين في التصويت على المشاركة.

خاتمة

كانت المشاركة في انتخابات الكنيست المسار الغالب تاريخيًا لدى العرب الفلسطينيين، إذ بلغ متوسطها نحو 79.4% بين عامي 1949 و1992، مقابل 20.6% لعدم المشاركة. لكن متوسطها انخفض إلى نحو 59.8% خلال الجولات بين عامي 1996 و2022، فيما ارتفع عدم المشاركة إلى 40.2%، بما يكشف تراجع الثقة والإقبال على العمل البرلماني.

ولا تمثل نسبة عدم المشاركة حجم المقاطعة السياسية، فهي تضم المقاطعين مبدئيًا، والممتنعين احتجاجًا، وغير المهتمين، وأصحاب الأسباب الظرفية. وعلى الرغم من محدودية المقاطعة الأيديولوجية عدديًا وفق الاستطلاعات، قد يمتد تأثير خطابها إلى قطاعات أوسع. ومع ذلك، لم تتحول المقاطعة إلى خيار أغلبية أو مشروع سياسي موحد، في حين جُرب المسار البرلماني على نطاق واسع طوال عقود.

وفي المقابل، لا تعني المشاركة الواسعة تاريخيًا أن جميع المصوتين يشكلون كتلة حزبية أو فكرية واحدة. فالمسار البرلماني حظي بفرصة طويلة واختُبر على نطاق واسع، لكن قسمًا كبيرًا من ناخبي الأحزاب العربية غير مؤطرين حزبيًا، فمنهم من يؤمن بالمشاركة في الكنيست بغض النظر عن أسماء الأحزاب والمرشحين، ومنهم من يتأثر بالحملات الانتخابية أو يتعاطف مع قائمة معينة من دون تبنّي برنامجها كاملًا، بينما تبدو القاعدة الحزبية المؤدلجة والمنظمة محدودة قياسًا بمجموع المصوتين. ولذلك لا تعكس النتائج الانتخابية بالضرورة القوة التنظيمية الحقيقية للأحزاب في الشارع، كما لا تكشف وحدها عمق الاقتناع بالمسار البرلماني. وهذه مسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة، مثلما يحتاج تأثير خطاب المقاطعة خارج قاعدته المنظمة إلى قياس منفصل.


[1] ملاحظة: إعداد المعطيات الإحصائية استنادًا إلى الكتاب الإحصائي للمجتمع العربي في إسرائيل 2021، وبيانات مركز موشيه ديان لانتخابات 2022. وتشمل نسبة عدم المشاركة جميع من لم يصوتوا، ولا تعبّر عن المقاطعة السياسية وحدها، إذ تضم أيضًا الامتناع الاحتجاجي واللامبالاة والأسباب الظرفية. والمتوسط الوارد هو متوسط حسابي لنسب الجولات الانتخابية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى