على طريق ضم الضفة الغربيّة: نقل صلاحيات إنفاذ القانون الإسرائيلي من الجيش إلى الشرطة

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 14 آب/ أغسطس 2026، توجيه قيادة الجيش الإسرائيلي إلى إعداد خطةٍ لنقل صلاحيات إنفاذ القانون الإسرائيلي في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة الإسرائيلية. وقال كاتس إن الجيش يجب أن يركز على ما وصفه بـ “مكافحة الإرهاب الفلسطيني”، فيما تتولى الشرطة الإسرائيلية إنفاذ القانون والحفاظ على الأمن والنظام في القضايا المدنية الخاصة بالمستوطنين.

ولا تبدو الخطوة، في سياق سياسات حكومة بنيامين نتنياهو المعلنة، مجرد إعادة توزيع للمهام بين مؤسستين أمنيتين؛ فنقل الصلاحيات الذي تعكف عليه الحكومة الإسرائيلية، في حال دخل حيّز التنفيذ، يضع شريحة من السكان وهم “المستوطنون في الضفة الغربية” تحت مسؤولية مؤسسة مدنية إسرائيلية، في وقت يبقى فيه الفلسطينيون خاضعين لمنظومة الحكم العسكري الإسرائيلي.

تحاول هذه الورقة الوقوف على حيثيات قرار وزير الدفاع الإسرائيلي وسياقه ومآلاته في ظل سلسلة قرارات وإجراءات متسارعة تقوم بها الحكومة الإسرائيلية في مسار “الضم الفعلي” للضفة الغربية.

الضفة الغربية: نظامان لسكان منطقة واحدة

منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، فرضت “إسرائيل” منظومة حكم عسكري عليها، وأبقت السلطة العليا فيها لما يسمى “قائد المنطقة العسكرية الوسطى” في الجيش الإسرائيلي، الذي يمارس صلاحيات واسعة تتعلق بالأمن والحركة والأراضي والأنظمة العسكرية. وبعد اتفاق أوسلو، وتحديدًا اتفاقية طابا والمعروفة بـ “أوسلو2”  قُسمت الضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، حيث تنص الاتفاقية على أن تتمتع السلطة الفلسطينية في المنطقة “أ” بالسيطرة المدنية والأمنية، وفي المنطقة “ب” بالسيطرة المدنية مع بقاء صلاحيات أمنية إسرائيلية، بينما تخضع المنطقة “ج”، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. لكن هذا التقسيم لم يُلغِ الاحتلال العسكري للضفة الغربية فعليًا، فقد اتسع الاستيطان فيها أربع مرات منذ توقيع أوسلو وحتى عام 2023.

في هذا الإطار، وفي ظل اتساع حجم الاستيطان الإسرائيلي وزيادة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية بشكل كبير، اتسمت العلاقة بين الجيش والشرطة الإسرائيلية بالتداخل في إنفاذ القانون على المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية. فالشرطة الإسرائيلية كانت بالفعل تتولى جزءًا أساسيًا من التحقيق والمحاكمة في الجرائم المنسوبة إلى المستوطنين، بينما كان جنود الجيش يمتلكون صلاحية احتجاز المستوطنين وتسليمهم إلى الشرطة. فالجيش والإدارة المدنية والشرطة يشتركون في منظومة الإنفاذ، تحت المسؤولية العامة للقائد العسكري. تظهر المشكلة العملية عندما يرتكب مستوطنون مخالفات في مناطق لا تدخل إليها الشرطة الإسرائيلية بصورة اعتيادية، ولا سيما المنطقتين (أ، ب) من الضفة الغربية حسب تقسيمات أوسلو، إذ كان الجيش يمثل القوة الموجودة على الأرض والقادرة على التدخل والاحتجاز.

ومن هنا تأتي حساسية قرار نقل صلاحيات إنفاذ القانون من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، فهو لا ينقل ببساطة صلاحيات إدارية من مؤسسة إلى أخرى، بل يفتح الباب أمام توسع حضور جهاز مدني إسرائيلي إلى أراضي الضفة الغربية المحتلة، لتطبيق القانون المدني الإسرائيلي على جزء من السكان وهم “المستوطنون”، بينما يبقى الجيش صاحب السلطة العسكرية العليا، وتستمر منظومة القوانين العسكرية في التعامل مع الفلسطينيين. وهو ما يكشف بشكل صارخ عن تطبيق نظام فصل عنصري بحق الفلسطينيين “أبارتهايد”، ويكشف عن رؤية الحكومة الإسرائيلية لشكل العلاقة مع الفلسطينيين. وقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2026 استمرار اعتماد “إسرائيل” على الأوامر والأنظمة العسكرية في الأرض الفلسطينية المحتلة، مع وجود تمييز قانوني واضح بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين في الضفة، بما في ذلك في منظومة القضاء.

قرار كاتس ومشروع ضم الضفة الغربية

يقدّم وزير الدفاع الإسرائيلي القرار باعتباره تصحيحًا وظيفيًا، إذ إن مهمة الجيش تقتصر على الأمن ومحاربة التنظيمات الفلسطينية، بينما تقع على عاتق الشرطة مهمة إنفاذ القانون المدني. كما أعلن مكتبه أن الشرطة ستشكل قوة مناسبة للتعامل مع هذه القضايا، وستحصل على الصلاحيات والميزانيات المطلوبة.

غير أن دلالة القرار السياسية تتجاوز التبرير الإداري. فقد رحب وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير به، ووصفه بأنه “مرحلة مهمة على طريق فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية”، مطالبًا أيضًا بنقل مسؤولية شرطة الحدود العاملة في الضفة إلى جهاز الشرطة الخاضع له، وكذلك نقل صلاحيات الاعتقال الإداري والقيود الإدارية على المستوطنين في الضفة الغربية من وزير الدفاع والجيش إلى وزارة الأمن القومي.

كما أن رئيس مجلس المستوطنات الإسرائيلي يسرائيل غانتس ربط الخطوة مباشرة بمشروع الضم، معتبرًا أنها خطوة أخرى باتجاه تطبيق السيادة الإسرائيلية الكاملة وإدارة الحياة المدنية في المستوطنات كما تُدار داخل “إسرائيل”. وتكشف هذه التصريحات نظرة أقطاب الاستيطان إلى القرار؛ فهم لا يعتبرونه إجراءً أمنيًا محضًا، وإنما جزءًا من الانتقال التدريجي نحو الضم الفعلي للضفة الغربية، عبر تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على المستوطنات فيها.

وبحسب ما أوردته صحيفة هآرتس عن تقديرات لدى الجيش الإسرائيلي بأن نقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية لا يمكن تنفيذه في إطار الوضع القانوني الحالي، وأن تطبيق هذه الخطوة يتطلب تغييرًا في الوضع القانوني للضفة الغربية. وأن هناك حاجة إلى تشريع يحدد مصدر السلطة القانونية في المنطقة وتسلسل القيادة والمسؤولية عن الأنشطة التي تجري فيها، فيما يرى الجيش أن الحل القانوني الكامل يتمثل في فرض السيادة الإسرائيلية أو ضم الضفة الغربية.

ويحذر الجيش كذلك من أن نقل الصلاحيات إلى الشرطة من دون تغيير الوضع القانوني للضفة لن ينهي المسؤولية الإسرائيلية عن المنطقة أمام المجتمع الدولي. ووفق التقييم الأمني، ستظل “إسرائيل”، ما دامت لم تطبق سيادتها رسميًا على الضفة، مطالبة بتحمل المسؤوليات المرتبطة بإدارة المنطقة، حتى في حال نقل بعض مهام إنفاذ القانون إلى الشرطة. كما يشير الموقف العسكري إلى احتمال استمرار تحميل مسؤولين إسرائيليين مسؤوليات قانونية عن أحداث تقع في الضفة الغربية أمام الهيئات والمحاكم الدولية.

وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، لتعزيز السيطرة المدنية الإسرائيلية على أجزاء من الضفة. لعل آخرها ما صدر من قرارات إسرائيلية في شباط / فبراير 2026، حيث تضمنت إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود في الضفة، كما انتزعت القرارات صلاحيات فلسطينية ورسّخت السيطرة الإسرائيلية. فالقيود على الحركة، وعمليات الهدم، والإخلاء، وتوسيع المستوطنات، والسيطرة على الأراضي، تعمل كلها بصورة متراكمة على تغيير البيئة التي يعيش فيها الفلسطينيون.

الضفة الغربية في صلب منافسة انتخابية إسرائيلية

لا يمكن فصل قرار وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس عن سياق المنافسة الانتخابية الإسرائيلية. فقد دخلت “إسرائيل” مرحلة الاستعداد لانتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول /أكتوبر 2026، فيما خاض حزب الليكود بزعامة نتنياهو والذي ينتمي إليه وزير الدفاع كاتس، انتخاباته التمهيدية في أغسطس/آب وسط منافسة حادة، وأظهرت الخطابات داخل الحزب حضور قضايا السيادة على الضفة والصراع مع الجهاز القضائي بقوة.

تحليل القرارات المتطرفة لدى قيادة الاحتلال في سياق المنافسة الانتخابية في “إسرائيل” ومحاولة استمالة الجمهور الإسرائيلي تبدو مقنعة استنادًا إلى تحليل توجهات الشارع الإسرائيلي، عندها يصبح ملف الضفة الغربية والتعامل مع الفلسطينيين عمومًا جزءًا من منافسة داخل معسكر اليمين نفسه، إذ تَظهر قوة الاتجاه اليميني في المجتمع الإسرائيلي في الوسط الشبابي وجيل “زد Z” بشكل كبير، فبحسب استطلاع نشرته معاريف في 2/4/2026 فإن 56% من الفئة العمرية 18–22 عامًا (والذين سيصوتون في الانتخابات لأول مرة) يعدُّون أنفسهم من اليمين، بينما يميل 22% إلى يمين الوسط، و14% إلى الوسط، و8% فقط إلى اليسار. وبذلك فإن نتنياهو وحلفاءه مدفوعين بتيارات أكثر تطرفًا ومجتمعًا ينزاحون نحو اليمين بشكل كبير، ويدفعون نحو تحويل السيطرة القائمة في الضفة الغربية إلى سيادة إسرائيلية معلنة، فيما تذهب الحكومة الإسرائيلية إلى تقديم مقاربات تدريجية إلى جمهورها في التعامل مع الضفة الغربية، باعتبارها إنجازات أمنية وقومية من دون الإعلان رسميًا عن ضم شامل قد يواجه برفض وزيادة عزلة دولية.

وبذلك يصعب النظر إلى نقل إنفاذ القانون الخاص بالمستوطنين بمعزل عن هذا الواقع. وهنا يمكن لفت الانتباه إلى أن الخطوة تُعلن في وقت يتعرض فيه الجيش الإسرائيلي لانتقادات متزايدة بسبب عنف المستوطنين. إذ يقول عضو الكنيست عن حزب “الديمقراطيين” المعارض جلعاد كاريفيرسل إن هذا الإجراء هو “رسالة واضحة لقوات الجيش الإسرائيلي في الميدان: لا تُهاجموا الإرهاب اليهودي وعصابات التلال، وأن من يقوم بذلك سيُعاقب”. فيما قال مسؤولون في الشرطة الإسرائيلية إن قرار كاتس قد يكون، جزئيًا، محاولة لنقل الانتقادات الموجهة من الجيش إلى الشرطة. ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول رفيع في الشرطة، لم تسمه، قوله: “إن خطوة وزير الدفاع يسرائيل كاتس تهدف إلى تحويل الانتقادات من الجيش الإسرائيلي، صاحب السيادة في المنطقة، إلى الشرطة”.

خاتمة

قرار الوزير الإسرائيلي بنقل مسؤوليات إنفاذ القانون المدني الخاصة بالمستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية لم يدخل بعد، في صورته النهائية، حيز التنفيذ الكامل؛ فالجيش مكلف بإعداد خطة لذلك، وما زالت تفاصيل الصلاحيات والنطاق الجغرافي وآليات العمل بحاجة إلى تحديد. لكن أهميته السياسية ظهرت قبل اكتمال تفاصيله.

فالضفة الغربية ما زالت، من منظور القانون الدولي، أرضًا فلسطينية محتلة، بينما تتحرك “إسرائيل” تدريجيًا نحو إدماج المستوطنين وبسط نفوذ مؤسسات الدولة المدنية في بنية السيطرة عليها. واللافت أن هذا الإدماج لا يجري عبر إعلان رسمي واحد عن الضم، بل عبر سلسلة من القرارات المتعلقة بالأرض والتخطيط والإدارة والأمن وإنفاذ القانون.

لهذا، فإن وصف القرار بأنه “نقل صلاحيات” فقط قد يحجب جوهره السياسي. فهو، إذا نُفذ بالصيغة التي يطالب بها اليمين الإسرائيلي، سيجعل واقع سكان أي مستوطنة في الضفة الغربية كواقع سكان تل أبيب، ويجعل وجود مؤسسات “الدولة المدنية” الإسرائيلية في الضفة أمرًا أكثر اعتيادية وأقل استثنائية. وقد عبر بن غفير وقادة المستوطنين صراحة عن قراءة كهذه، حين ربطوا الخطوة بمفهوم السيادة والضم.

وفي المقابل، فإن استمرار العنف والتهجير والاستيطان، مع محدودية قدرة المجتمع الدولي على تحويل الإدانة إلى إجراءات رادعة، يخلق بيئة تسمح للاحتلال بتغيير الوقائع على الأرض. وبينما تتجه “إسرائيل” إلى انتخابات الكنيست في أكتوبر القادم، وسط تنافس الأحزاب المختلفة فيها على كسب ودِّ جمهورٍ ينزاح بقوة نحو اليمين؛ تبدو الضفة الغربية مرة أخرى ساحة للتنافس، لا مجرد ملف أمني.

وهكذا، فإن السؤال الأهم الذي يطرحه قرار كاتس ليس فقط: من سيوقف المستوطن إذا ارتكب مخالفة؟ بل: أي قانون سيدير حياة المستوطنين في الضفة في المستقبل، وأي نظام سيبقى يحكم الفلسطينيين الذين يعيشون إلى جوارهم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى