ملف: أمريكا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر والإبادة

إسرائيل في الكونغرس الأمريكي: دعم متناقص وانقسام حزبي

شكّلت العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي، حالة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية عبر إدارات متعاقبة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، على الرغم من اختلاف أولوياتها الخارجية ومقارباتها لقضايا الشرق الأوسط. ولا يعني ذلك أن هذه العلاقة كانت بمنأى عن الخلافات أو التباينات بين الحكومات الأمريكية والإسرائيلية، غير أنها بقيت تاريخيًا ضمن إطار توافق أوسع يُجمع على أهمية التحالف ومكانة إسرائيل في الإستراتيجية الأمريكية، حيث تطورت هذه العلاقة من الاعتراف السياسي والدعم الدبلوماسي إلى شراكة أمنية وعسكرية ذات أطر مؤسسية وقانونية متراكمة.

لذلك، فإن فهم التحولات التي برزت بعد أكتوبر 2023 يتطلب ما هو أبعد من متابعة مواقف الإدارات الأمريكية أو طبيعة العلاقات بين القيادتين السياسيتين، بل يستدعي النظر في ركيزة الإجماع السياسي والدعم العابر للأحزاب التي قامت عليها، وتقييم مدى احتفاظها بدرجة التماسك نفسها، أم أنها بدأت تشهد تحولات قد تؤثر في طبيعة العلاقة ومستقبلها.

وتسعى هذه الورقة، وهي الثانية ضمن سلسلة أوراق تضع العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية تحت الاختبار في ظل المتغيرات المستمرة، إلى التركيز على طبيعة التحولات التي يشهدها الكونغرس الأمريكي بوصفه أحد أهم معاقل النفوذ الإسرائيلي ومراكز التأثير في السياسة الأمريكية.

الإجماع الحزبي والمؤسّسي: أساس تاريخي للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية

استندت العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية تاريخيًا إلى توافق واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول أهمية هذا التحالف، وضمان استمرار التعاون الأمني، والحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، إضافة إلى تأكيد مكانتها في السياسة الخارجية الأمريكية بغض النظر عن الحزب الحاكم في البيت الأبيض، بعد أن أصبحت المساعدات العسكرية والتعاون الدفاعي من أبرز الأدوات التي حافظت على استمرارية هذه العلاقة، في حين أدّى الكونغرس دورًا أساسيًا في تحويل الالتزامات السياسية إلى برامج تمويل وتشريعات وترتيبات أمنية طويلة الأمد.

تعود جذور هذا الإطار إلى المراحل الأولى لنشأة العلاقة. فقد اعترفت إدارة الرئيس هاري ترومان بإسرائيل في مايو 1948 بعد دقائق من إعلان قيامها، ثم تطورت العلاقة تدريجيًا بعد حرب حزيران 1967، قبل أن تتعزز مكانة إسرائيل داخل الحسابات الأمريكية بعد حرب أكتوبر 1973 في سياق الحرب الباردة. وتشير نتائج أبحاث خدمة أبحاث الكونغرس (CRS) إلى أن العلاقة تطورت منذ ذلك الوقت عبر مستويات متزايدة من التعاون السياسي والعسكري والأمني، وصولًا إلى بناء إطار مؤسسي طويل الأجل خلال الثمانينيات.

ففي عام 1981 وقّع الطرفان أول مذكرة تفاهم للتعاون الإستراتيجي، ثم أُنشئت عام 1983 المجموعة السياسية–العسكرية المشتركة (JPMG) لتنسيق التعاون الأمني. كما بدأت المناورات العسكرية المشتركة عام 1984، وشاركت إسرائيل في مبادرة الدفاع الإستراتيجي (SDI) عام 1986. وفي عام 1987 منحت إدارة الرئيس ريغان إسرائيل صفة “حليف رئيس من خارج حلف شمال الأطلسي”، ثم عزّز الكونغرس هذا الوضع قانونيًا عام 1996 بعد تعديل قانون المساعدات الخارجية، ما منح إسرائيل امتيازات إضافية في مجالات التعاون الدفاعي والاستفادة من أنظمة الأسلحة الأمريكية.

ويمثل الكونغرس أحد أهم مؤشرات الطابع المؤسسي للعلاقة، إذ أسهم في تحويل بعض الترتيبات من ممارسات سياسية متراكمة إلى قواعد قانونية أكثر ثباتًا. فعلى سبيل المثال؛ حافظت برامج المساعدات العسكرية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل على دعم واسع من الحزبين عبر عقود، في ظل حفاظ الإدارات المتعاقبة على منح إسرائيل أولوية في الوصول إلى بعض التقنيات الدفاعية الأمريكية؛ فكانت أول “دولة” خارج الولايات المتحدة تتسلم مقاتلات (F-15) عام 1976، ومقاتلات (F-16) عام 1980، وهو ما منحها أفضلية زمنية على بقية دول المنطقة في امتلاك أكثر المقاتلات الأمريكية تطورًا.

في السياق ذاته، كرّس الكونغرس مفهوم الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل (QME) داخل القانون الأمريكي ليصبح جزءًا من الإطار القانوني المنظم للتعاون الدفاعي بينهما منذ تشريع 2008، وألزم الإدارة بإجراء تقييم دوري لهذا التفوق، كما اشترط عند دراسة أي صفقة أسلحة أمريكية لدولة أخرى في الشرق الأوسط تحديد أثرها في هذا التفوق العسكري النوعي لإسرائيل للتحقق من عدم الإضرار به، مما جعل الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي عنصرًا مؤسسيًا في عملية اتخاذ القرار الأمريكي في مبيعات السلاح إلى المنطقة، وليس مجرد موقف أو تفضيل سياسي يمكن تغييره من إدارة إلى أخرى.

وتظهر استمرارية هذا الالتزام المؤسسي في حجم المساعدات الأمريكية. فوفق بيانات خدمة أبحاث الكونغرس (CRS)، بلغت قيمة المساعدات الأمريكية المقدمة لإسرائيل منذ عام 1946 وحتى السنة المالية 2025 نحو 175 مليار دولار، شملت المساعدات الاقتصادية والعسكرية، وتمويل برامج الدفاع الصاروخي. وبحسب (CRS) تعد إسرائيل أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. كما تحولت المساعدات العسكرية كذلك إلى التزام طويل الأمد عبر مذكرات تفاهم متعاقبة، من أبرزها مذكرة التفاهم الأمنية التي وقعتها إدارة الرئيس باراك أوباما مع الحكومة الإسرائيلية عام 2016، والتي التزمت بموجبها الولايات المتحدة بتقديم 38 مليار دولار خلال الفترة (2019–2028)، منها 33 مليار دولار ضمن برنامج التمويل العسكري الخارجي و5 مليارات دولار لبرامج الدفاع الصاروخي. وقد وصفتها الإدارة الأمريكية بأنها أكبر التزام أمريكي بالمساعدات العسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، كما جاءت هذه المذكرة رغم الخلافات السياسية بين إدارة أوباما وحكومة بنيامين نتنياهو حول الاتفاق النووي الإيراني، مما يعكس قدرة البنية المؤسسية للعلاقة على استيعاب الخلافات السياسية بين الحكومتين.

أزمة الإجماع: حرب الإبادة وبروز الاستقطاب

  1. الكونغرس باعتباره ساحة للتحول

كشفت حرب الإبادة الجماعية على غزة منذ أكتوبر 2023 عن ضغط متزايد على هذا الإجماع داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وبرز الكونغرس بوصفه المجال الأوضح لقياس هذا التحول. ويُقصد بالكونغرس هنا مجلسا النواب والشيوخ معًا، مع ضرورة التمييز بينهما عند قراءة دلالة التصويتات. فمجلس النواب يضم 435 عضوًا ينتخبون لمدة عامين ويمثل كل منهم دائرة انتخابية، بينما يضم مجلس الشيوخ 100 عضو (اثنان عن كل ولاية)، وتبلغ مدة عضوية السيناتور ست سنوات، بحيث يُنتخب نحو ثلث أعضاء المجلس كل عامين. ويختلف المجلسان أيضًا في طريقة عملهما التشريعي؛ فإقرار أي قانون اتحادي يتطلب موافقة المجلسين على النص نفسه، بينما يتمتع مجلس الشيوخ بسلطات دستورية خاصة في المصادقة على تعيينات الرئيس والموافقة على المعاهدات، كما تمنحه قواعده الإجرائية مساحة أكبر للتداول والتأخير مقارنة بمجلس النواب. وفي المقابل، تمنح قواعد مجلس النواب للأغلبية قدرة على تمرير التشريعات بسرعة.

وتكتسب هذه الفروق أهمية في سياق هذه الورقة. فالتصويت في مجلس النواب يمكن أن يكشف بدرجة أوضح حجم الانقسام داخل الكتلة الحزبية في لحظة تشريعية محددة، كونه الأكثر اتصالًا بالتغيرات الانتخابية داخل الدوائر وبالتحولات في مواقف القاعدة الحزبية؛ نظرًا لخضوع كامل عضويته للانتخاب كل عامين، غير أنه لا يكفي وحده لتغيير سياسة الولايات المتحدة؛ إذ يتطلب إقرار التشريع مروره عبر مجلس الشيوخ أيضًا.

أما في مجلس الشيوخ، فإن الوصول إلى مرحلة التصويت النهائي أو تجاوز العوائق الإجرائية يمثل اختبارًا مختلفًا نظرًا إلى طبيعة قواعد المجلس ودور لجانه في المراحل التي تسبق التصويت النهائي. لذلك، لا تحمل الأصوات المعارضة في المجلسين الدلالة السياسية نفسها، وإن كان كلاهما مهمًا في قياس انتقال العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية من موقع كان يتجاوز الاستقطاب الحزبي إلى موقع أصبحت فيه موضعًا للنقاش التشريعي والخلاف السياسي.

وتكتسب تصويتات الكونغرس أهمية خاصة لأن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية ترتبط بأدوات تشريعية ومالية وأمنية يشارك الكونغرس في تحديدها، وفي مقدمتها الاعتمادات والمساعدات العسكرية، والرقابة على مبيعات الأسلحة. ولذلك، فإن انتقال الخلاف من التصريحات والانتقادات السياسية إلى التصويت على المساعدات أو على صفقات السلاح يمثل تغيرًا في طبيعة النقاش نفسه. إلا أن نتيجة التصويت داخل أحد المجلسين لا تعني، في حد ذاتها، تغييرًا نافذًا في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؛ فالتشريع لا يصبح قانونًا إلا بعد موافقة مجلسي النواب والشيوخ على النص نفسه ثم إحالته إلى الرئيس. لذلك، تركز هذه الورقة على دلالة التصويتات بوصفها مؤشرات على التحول داخل المؤسسة السياسية والحزب.

وقد ظهر الضغط على الإجماع مبكرًا جدًا في مرحلة مبكرة من الحرب. ففي ديسمبر 2023، قدم السيناتور بيرني ساندرز قرارًا يطالب وزارة الخارجية بتقديم معلومات إلى الكونغرس حول ممارسات إسرائيل في مجال حقوق الإنسان ومدى التزامها بالقانون الدولي الإنساني عند استخدامها المساعدات الأمريكية، ورغم أن مجلس الشيوخ صوّت في يناير 2024 بأغلبية 72 صوتًا مقابل 11 لإنهاء محاولة دفع القرار إلى الأمام بإخراجه من لجنة العلاقات الخارجية، إلا أن هذه المحاولة شكّلت أحد أوائل المؤشرات على إدخال مسألة شروط استخدام المساعدات الأمريكية لإسرائيل في آليات العمل التشريعي للكونغرس بعد أكتوبر 2023.

وقد تجلّى هذا التحول في الخطاب التشريعي حين انتقلت المطالبة بتغيير السياسة تجاه إسرائيل من موقع الاحتجاج السياسي إلى استخدام الأدوات التي يتيحها الكونغرس. ففي أبريل 2024، أقر مجلس النواب “قانون الاعتمادات التكميلية للأمن الإسرائيلي” بأغلبية 366 صوتًا مقابل 58. وعلى الرغم من محافظة الأغلبية الجمهورية والديمقراطية على تمرير الحزمة، إلا أنّ 37 نائبًا ديمقراطيًا و21 نائبًا جمهوريًا صوتوا ضدها. وتستحق هذه النتيجة قراءة دقيقة، لأن مشروع القانون جمع بين تمويل عسكري لإسرائيل ومساعدات إنسانية لغزة، مما جعل دوافع الرفض متعددة. غير أن أهميتها تكمن في كشفها عن وجود كتلة معارضة داخل المجلس مستعدة للتصويت ضد حزمة رئيسة مرتبطة بالدعم الأمريكي لإسرائيل، بعدما كانت هذه الاعتمادات تحظى تاريخيًا بدرجة عالية من التوافق الحزبي. كما تنبع أهمية هذه المعارضة من ظهورها في تصويت محوري على المساعدة لإسرائيل بعد أشهر فقط من الحرب، إذ وفر ذلك التصويت معيارًا مبكرًا لقياس حجم المعارضة داخل الحزب الديمقراطي عندما انتقل النقاش من تأييد المساعدة إلى الاعتراض على بعض أشكالها أو شروطها.

ثم في نوفمبر2024، انتقل الخلاف من النقاش حول حزمة مساعدات إلى محاولة مباشرة لمنع مبيعات أسلحة محددة. ففي أيلول 2024، قدم السيناتور المستقل بيرني ساندرز، الذي ينتمي إلى التجمع الديمقراطي في مجلس الشيوخ، ستة قرارات رفض مشتركة (JRDs) للاعتراض على مبيعات أسلحة أمريكية لإسرائيل، ثم دفع بثلاثة منها إلى التصويت النهائي في نوفمبر قبل أن يفشل، بعد أن حافظت الأغلبية في مجلس الشيوخ على الموقف التقليدي بالتصويت بأغلبية ضد إخراجها من لجنة العلاقات الخارجية. ورغم أن أصوات التأييد للقرارات ظلت بعيدة عن تمريرها، إلا أنها شكّلت سابقة في نقل النقاش حول شروط نقل الأسلحة إلى صلب العمل التشريعي في مجلس الشيوخ. كما أسهمت هذه التحركات في خلق مساحة سياسية جديدة تميّز بين الالتزام بأمن إسرائيل، وبين قبول كل أشكال الدعم العسكري وقرارات الحكومة الإسرائيلية.

  1. من المعارضة التقدمية إلى الانقسام داخل الحزب الديمقراطي

تكتسب تلك التحولات أهمية إضافية بالنظر إلى صعود القضية داخل التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي داخل الكونغرس، وانتقالها، بعد أكتوبر 2023، بصورة أوضح إلى العمل التشريعي لهذا التيار، وهو ما ظهر في مبادرات وتشريعات وقرارات تتعلق مباشرة بنقل الأسلحة والمساعدات العسكرية. ويقدم التجمع التقدمي في الكونغرس مؤشرًا مؤسسيًّا مهمًا على هذا التحول؛ ففي سبتمبر 2025 أيد التجمع للمرة الأولى –بحسب تعبيره– تشريعًا يتعلق مباشرة “بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي”، عندما أعلن تأييده لقانون Block the Bombs Act (H.R. 3565)، الذي يستهدف تقييد نقل عدد من أكثر أنظمة الأسلحة تدميرًا إلى إسرائيل، مع استثناء الأنظمة الدفاعية كالقبة الحديدية. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل النقاش من مواقف أعضاء منفردين، مثل ساندرز، إلى موقف جماعي داخل كتلة مؤسسية من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين.

ومن ثم، فإن صعود هذا الاتجاه لا يُقاس فقط بتزايد عدد الأصوات التي تؤيد مبادرات ساندرز، وإنما أيضًا بانتقال بعض المطالب التي كانت مرتبطة أساسًا بالتيار التقدمي إلى مستوى العمل الجماعي داخل الكونغرس. ومن هذا المنظور، تكتسب قراءة التصويتات اللاحقة في مجلس الشيوخ ومجلس النواب أهميتها باعتبارها مؤشرات على هذا التحول داخل الحزب الديمقراطي بعد أن اتسع هذا المسار خلال 2025.

ففي يوليو 2025، فرض ساندرز تصويتًا جديدًا في مجلس الشيوخ على إخراج قرارين لمنع بيع أسلحة هجومية لإسرائيل من لجنة العلاقات الخارجية للنظر فيهما، أحدهما يتعلق بصفقة قنابل وذخائر بقيمة أكثر من 675 مليون دولار، والآخر ببيع عشرات الآلاف من البنادق الهجومية الآلية. وقد حظي قرار القنابل بتأييد 24 عضوًا من الكتلة الديمقراطية، بينما أيد 27 عضوًا قرار وقف صفقة البنادق، مقابل 17 معارضًا. وتكمُن أهمية هذه الأرقام في أنها على الرغم من فشل القرارين في الحصول على أغلبية المجلس، إلّا أنها تشير إلى أنّ أكثر من نصف الكتلة الديمقراطية أصبح مستعدًا لتأييد إجراءات تشريعية تستهدف وقف بعض مبيعات الأسلحة لإسرائيل.

ثم اتخذ هذا الاتجاه خطوة اعتُبرت تحولًا تاريخيًا في أبريل 2026. فقد صوّت من التجمع الديمقراطي 40 عضوًا من أصل 47 في مجلس الشيوخ لصالح منع بيع جرافات عسكرية بقيمة 295 مليون دولار، بينما صوّت 36 ديمقراطيًا لصالح منع بيع قنابل بقيمة 151.8 مليون دولار. وفشلت المحاولتان بسبب المعارضة الجمهورية، لكن حجم التأييد الذي شمل الغالبية داخل التجمع الديمقراطي جعل النقاش حول نقل السلاح إلى إسرائيل قضية ذات حضور مؤسسي واسع، وليس موقفًا محصورًا في عدد صغير من أعضائه كما بدأ. مع الإشارة إلى أن هذا لا يعني نشوء موقف ديمقراطي واحد تجاه إسرائيل، لكنه يحمل دلالة قوية على اتساع مساحة الخلاف داخل الحزب حول شروط الدعم العسكري وأدواته.

وتظهر في مجلس النواب، بالتوازي، حالات محدودة من الاعتراض الجمهوري على استمرار بعض أشكال المساعدة العسكرية لإسرائيل، لكنها لا تقارن، من حيث الاتساع والاتساق، بالتحول داخل الكتلة الديمقراطية. ويبرز النائب الجمهوري توماس ماسي باعتباره إحدى الحالات الأوضح في إظهار أن الاعتراض على تمويل إسرائيل لم يعد محصورًا (بصورة مطلقة) في الديمقراطيين، إذ انتقل من التصويت -إلى جانب 20 نائبًا جمهوريًا- ضد قانون الاعتمادات التكميلية للأمن الإسرائيلي في 2024 إلى تقديم  تعديل في يوليو 2026 يستهدف إلغاء نحو 3.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل ضمن برنامج التمويل الخارجي. ورغم رفض التعديل، فقد حصل على تأييد 103 نواب ديمقراطيين إلى جانب ماسي. ما يعني أن المعارضة الجمهورية ظلت في هذه الحالة فردية تقريبًا، بينما أصبح الاعتراض على التمويل العسكري لإسرائيل يحظى بكتلة كبيرة داخل الحزب الديمقراطي.

وتكتسب نتيجة 2026 أهمية أكبر عند مقارنتها بالتصويت التشريعي ضد حزمة المساعدات الإسرائيلية -السابق ذكره- الذي جرى في 2024. فحينها أيد القرار 37 ديمقراطيًا، ثم ارتفع عددهم في 2026 إلى 103، ما يجعله أحدث التصويتات التي تكشف اتساع الانقسام داخل الحزب الديمقراطي حول شروط الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل. تكشف المقارنة انتقال الاعتراض من كتلة محدودة داخل الحزب إلى انقسام شبه متساوٍ بين أعضاء الحزب. كما يحتاج هذا التحول إلى قراءة سياسية تتجاوز عدد الأصوات نفسه، لأن التعديل المطروح في 2026 استهدف مباشرة التمويل العسكري لإسرائيل، بينما حملت حزمة 2024 مكونات متعددة، بينها مساعدات إنسانية لغزة.

لذا، يظهر هذا التغيّر بوضوح في انتقال المعارضة الديمقراطية من 37 نائبًا صوتوا ضد حزمة المساعدات في أبريل 2024، إلى 27 عضوًا من التجمع الديمقراطي في مجلس الشيوخ يؤيدون منع صفقة أسلحة في يوليو 2025، ثم 40 عضوًا في أبريل 2026، وصولًا إلى 103 نواب ديمقراطيين يؤيدون إلغاء تمويل المساعدة الأمنية في مجلس النواب في يوليو 2026. ويكشف هذا التطور انتقال النقاش حول المساعدات العسكرية من مستوى الانتقادات السياسية إلى مستوى الخلاف التشريعي المؤسسي المباشر حول طبيعة الدعم وحدوده، بعد أن كان لعقود ضمن المسائل التي تحظى بتوافق أوسع بين الحزبين؛ إذ تزداد أهمية ذلك في ضوء استمرار القاعدة القانونية والمالية التي أُنشئت خلال عقود سابقة، ما يجعل الخلاف الحالي صراعًا حول تعديل جزء من بنية قائمة بالفعل.

الخاتمة

تأسيسًا على ما سبق، يُلاحظ من السياق أن الخلاف داخل السياسة الأمريكية بدأ يتجه نحو التشكيك في شروط العلاقة مع إسرائيل وأدواتها وحدودها. وتكشف هذه التطورات عن تحول محوري، إذ انتقلت هذه العلاقة من مساحة تتجاوز الاستقطاب الحزبي في كثير من الأحيان إلى أن أصبحت هي نفسها مادة للنزاع الحزبي،  ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، ثم انتقل الخلاف إلى الكونغرس عبر نقاشات حول المساعدات وشروط نقل الأسلحة واستخدامها. وعلى الرغم من استمرار المساعدات الأساسية والتعاون الدفاعي، فإن قدرة التحالف الأمريكي –الإسرائيلي على تجاوز الانقسامات الحزبية الأمريكية أصبحت أقل استقرارًا مما كانت عليه بصفتها ركيزة تاريخية، وبات الدفاع عن هذه العلاقة داخل السياسة الأمريكية أكثر عرضة للمنافسة والاعتراض والمساءلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى