استيطان خارج الخرائط الرسمية…كيف تسيطر مستوطنة “حلميش” على مساحة أكبر من 10 أضعافها

في يونيو/ حزيران 2024، وخلال مؤتمر مغلق لحزب “الصهيونية الدينية”، كشف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في تسجيل جرى تسريبه عبر باحث من منظمة “السلام الآن”، جانباً من الآلية التي تعتمدها الحكومة الإسرائيلية لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية بعيداً عن الأضواء. حيث أوضح سموتريتش أنه عمل على إنشاء جهاز مدني منفصل داخل وزارة الأمن الإسرائيلية، بما يتيح تنفيذ خطوات استيطانية من دون قرارات حكومية مباشرة بالضم، قائلاً إن الهدف هو ضم الضفة بأقل قدر من الانتباه الدولي.
لم تكن تصريحات سموتريتش مجرد خطاب سياسي، بل عكست مساراً مؤسساتياً عمل لترسيخه على الأرض. فبموجب مذكرة تفاهم وقعها مع وزير الأمن في 23 فبراير/ شباط 2023، ثم عززها أمر عسكري صدر في مايو/ أيار 2024، جرى نقل صلاحيات واسعة من الإدارة العسكرية التي أدارت الضفة الغربية منذ عام 1967 إلى إدارة مدنية جديدة داخل وزارة الأمن تخضع مباشرة لسموتريتش. وشملت هذه الصلاحيات تسجيل الأراضي، وإعلان “أراضي الدولة”، والتخطيط والبناء، والبنية التحتية، وإصدار أوامر الهدم، والمصادقة بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية، فيما عيّن الوزير على رأس هذه الإدارة شخصيات من قيادات الحركة الاستيطانية.
لفهم تصريحات سموتريتش السابقة وانعكاساتها على الأرض، يمكن الإشارة إلى تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أشار إلى أن إعادة هيكلة منظومة الحكم الإسرائيلية في الضفة الغربية لم تقتصر على نقل الصلاحيات من المؤسسة العسكرية إلى الأجهزة المدنية، بل أحدثت تحولاً في طبيعة السيطرة نفسها، بحيث لم تعد المؤشرات التقليدية، مثل عدد المستوطنات أو مساحة الأراضي المصادرة رسمياً، تعكس النطاق الفعلي للهيمنة الإسرائيلية على الأرض.
ويوضح التقرير أن نقل الصلاحيات المدنية إلى مؤسسات حكومية إسرائيلية، إلى جانب شرعنة البؤر الاستيطانية، وتوسيع شبكة الطرق، وإجراءات تسجيل الأراضي، أوجد منظومة تتيح توسيع السيطرة الإسرائيلية من دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي أو تعديل الحدود القانونية للمستوطنات. وبذلك، باتت مساحات النفوذ الفعلية أوسع بكثير مما تظهره الخرائط الرسمية أو الإحصاءات المعتمدة في قياس التوسع الاستيطاني. ويخلص التقرير إلى أن هذه التحولات جعلت السيادة الإسرائيلية تمارس عملياً في أجزاء واسعة من الضفة الغربية، حتى وإن لم يعلن ضمها رسمياً، وهو ما يجعل الأرقام والحدود القانونية أقل قدرة على توصيف الواقع الميداني الذي تشكّل تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.
تهدف هذه الورقة إلى دراسة حالة مستوطنة “حلميش” الواقعة شمال غرب محافظة رام الله والبيرة، كنموذج لآليات التوسع الاستيطاني غير الرسمي التي تشمل عددا من الوسائل المتداخلة الهادفة إلى منع الفلسطينيين من الوصول إلى مناطق شاسعة، حتى ضمن الأراضي المصنفة “أ” و”ب”، وتوسيع تخوم الاستيطان لتصبح مساحة المستوطنة الفعلية أكبر بأضعاف مضاعفة من مساحتها المبنية.
بين المصادرة و”التخصيص”: تفرقة قانونية للسيطرة على المناطق الطبيعية
تتجسد هذه التحولات في مجموعة من الأدوات القانونية والإدارية التي تتيح توسيع السيطرة على الأرض من دون تغيير الحدود الرسمية للمستوطنات، وتعد المناطق الطبيعية أحد أبرز المجالات التي يظهر فيها هذا النمط من السيطرة دون إعلان رسمي، حيث تستخدم إسرائيل آلية قانونية دقيقة تميز بين “المصادرة” و”التخصيص”.
فالمصادرة تنقل ملكية الأرض من أصحابها، أما “التخصيص” فيبقيها اسمياً باسم صاحبها الفلسطيني، لكنه يصنفها “محمية طبيعية” أو “حرشاً” أو “موقعاً أثرياً”، فتغدو خاضعة لسلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية بكل ما يعنيه ذلك من منع للبناء والزراعة وحفر الآبار وتغيير المشهد الطبيعي. يشرح أفيف تاتارسكي، الناشط الإسرائيلي في منظمة “عير عميم”، الآلية بصراحة بقوله إنه: “في المناطق المحتلة، حيث تعود ملكية جزء كبير من الأرض إلى فلسطينيين، إحدى الطرق هي أخذ الأرض دون مصادرتها رسمياً، ثم تجد نفسها فجأة خاضعةً لسلطة هيئة إسرائيلية”[1]، بينما تصف الأكاديمية إيروس برافرمان هذه التفرقة بأنها “تشق الشعرة نصفين، صياغة تحتفظ بالنقاء القانوني الشكلي فيما تفرغ الملكية الفلسطينية من كل مضمونها”[2].
ويترجم قانون الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية الإسرائيلي لعام 1998 هذه السياسة إلى قيود عملية، إذ يمنع البناء، واستصلاح الأراضي، والحفر، وإقامة أي منشآت أو تغيير في طبيعة الموقع، إلا بتصريح من سلطة الطبيعة والحدائق[3]. ويعني ذلك أن أصحاب الأراضي لا يستطيعون غرس أشجار جديدة، أو حفر آبار، أو بناء مخازن أو مساكن، حتى وإن بقيت الأرض مسجلة بأسمائهم. وتدير سلطة الطبيعة والحدائق هذه المواقع بالشراكة مع المجالس الإقليمية للمستوطنات، بما يضع الجهة المسؤولة عن تنظيم استخدام الأرض في تنسيق مباشر مع الهيئات الاستيطانية المستفيدة من القيود المفروضة عليها[4].
ولا تقتصر السيطرة على المناطق الطبيعية على إقامة مستوطنات جديدة، أو إنشاء بؤر استيطانية، أو إعلان محميات طبيعية، بل تمتد أيضاً إلى نمط آخر أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً، يتمثل في إرهاب المستوطنين. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح العنف المنظم الذي يمارسه المستوطنون أداةً لإعادة رسم حدود السيطرة على الأرض، عبر منع الفلسطينيين عملياً من الوصول إلى مساحات واسعة خارج التجمعات السكانية، ولا سيما الأحراش والمراعي والوديان والأراضي الزراعية القريبة من المستوطنات. وعليه، لا ترسم حدود السيطرة الاستيطانية بالخرائط أو الأوامر العسكرية وحدها، وإنما أيضاً بالخوف الدائم من الاعتداء، الذي يحول دون الوصول إلى الأرض واستثمارها، حتى من دون إعلان رسمي بمنع ذلك.

ويعكس التصاعد المستمر في اعتداءات المستوطنين هذا التحول بوضوح. فمنذ بداية عام 2023 سجل أكثر من 2,410 اعتداءات، ثم ارتفع العدد إلى أكثر من 2,971 اعتداءً خلال عام 2024، قبل أن يقفز إلى أكثر من 5,443 اعتداءً خلال عام 2025، بما يجعل كل عام يسجل مستوى أعلى من سابقه[5]. ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط استخدام الأرض نفسها، حيث منع آلاف الفلسطينيين خلال المواسم الأخيرة من الوصول إلى حقولهم وقطف ثمار الزيتون أو زراعة أراضيهم، خصوصاً تلك الواقعة في محيط المستوطنات، وهو ما انعكس أيضاً على تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار زيت الزيتون، إذ بلغ سعر تنكة الزيت في بعض المناطق في الضفة الغربية نحو 277 دولاراً أميركياً خلال السنوات الماضية، بعد أن كان سعرها لا يتجاوز 130 دولار أميركي.
ما لا تراه الأرقام.. مستوطنة حلميش نموذجاً
تكشف الأرقام السابقة، كما ذكرنا، اتجاهاً عاماً يتمثل في اتساع السيطرة الاستيطانية على الأرض، لكنها لا تظهر الكيفية التي تتحقق بها هذه السيطرة في الحياة اليومية، ولا المسافة الفاصلة بين الحدود الرسمية للمستوطنات والمجال الذي يفرضه المستوطنون فعلياً على الأرض. فالمساحات التي يغدو الوصول إليها مستحيلاً، والينابيع التي تهجر، والأحراش التي تتحول إلى مناطق مغلقة، والمراعي التي يفقدها الفلسطينيون، كلها تبقى خارج الإحصاءات التقليدية التي تقتصر على قياس عدد المستوطنات أو مساحة عمرانها. ولتتبع هذه الفجوة بين ما هو موثق رسمياً وما يفرض عملياً، تشكل مستوطنة “حلميش/ نفي تسوف” نموذجاً دقيقاً لفهم آليات السيطرة غير المعلنة، وكيف يمكن لمستوطنة محدودة المساحة أن تفرض نفوذها على محيط يفوق حدودها العمرانية بأضعاف، عبر مزيج من الأدوات القانونية والعسكرية وعنف المستوطنين.
تأسّست مستوطنة “نفي تسوف” في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1977 على تلال شمال غرب رام الله، ضمن ما عرف حينها بـ”عمليّة الاثني عشر مستوطنة” بموجب “مقترح خطّة الاستيطان في يهودا والسامرة، صيف 1977”. أقيمت المستوطنة على أراضي قرى دير نظام والنبي صالح وأمّ صفا، مستعملةً في مرحلتها الأولى مبنى مركز شرطة بريطاني استخدمه الجيش الأردني لاحقاً، ثم تحول بعدها إلى مقر لحرس الحدود الإسرائيلي حتى إخلائه في 1972.
تشكلت المستوطنة في بداياتها من نواتين متزامنتين، نواة دينيّة تسمى “نفي تسوف”، ونواة علمانية باسم “نفي تسلَح”، وعاشت عائلات المستوطنين حينها في مساحات مكتظة في الغرف وفي زنازين الاعتقال. غادرت النواة العلمانية بأكملها بعد نحو شهر واحد من الوصول، ثم غادرت لاحقًا أغلبية النواة الدينية أيضًا، فيما تمسّكت العائلات المتبقيّة بالمكان في انتظار قرار المحكمة الإسرائيلية في القضية التي رفعها أهالي دير نظام والنبي صالح ضد المستوطنة، وهي القضية الأولى من نوعها ضدّ الاستيطان أمام القضاء الإسرائيلي. غير أن المحكمة أسقطت الدعوى استنادًا إلى صور جوية اعتبر أنها لا تظهر تحولًا كبيراً في الأرض[6].
بدأت المستوطنة باسم “حلميش” عند إقرارها رسميًا، لكنها ظلت تعرف بين المستوطنين باسم “نفي تسوف”، بحسب ما يظهر على موقع المستوطنة الرسمي، إلى أن اعتمدت السلطات الإسرائيلية هذا الاسم رسميًا عام 2018. وأقيمت المستوطنة في الأصل على مساحة 110 دونمات، منها 70 دونمًا من الأراضي الفلسطينية الخاصة و40 دونمًا كانت تابعة للجيش الأردني سابقًا، قبل أن تتوسع تدريجيًا على حساب أراضي قريتي دير نظام والنبي صالح، إذ صودر خلال السنة الأولى من إنشائها نحو 600 دونم بذريعة “الحاجات العسكرية”[7]. وتشير أحدث معطيات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى أن عدد سكان المستوطنة بلغ نحو 1500 مستوطن حتى نهاية عام 2024، يعيشون في نحو 240–330 عائلة، مع قرابة 100 وحدة سكنية قيد الإنشاء[8].
منذ عام 2017 وحتى اليوم.. مستوطنة تسيطر على 10 أضعافها
في عام 2017، وبعد تنفيذ عمر العبد عملية طعن في مستوطنة حلميش، شرعت قوات الاحتلال في إعادة تشكيل حدود المستوطنة على الأرض. فعلى الشارع الرئيسي الواصل بين مستوطنة حلميش وبؤرة “تسوفيت” القريبة منها، وهو الطريق الرئيسي الواصل إلى مدينة رام الله، أقام الجيش الإسرائيلي جداراً إسمنتياً منخفضاً يشبه في وظيفته جدار الفصل العنصري، ما أدى إلى عزل المساحة الواقعة بين المستوطنة والبؤرة ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم فيها. وبرر ضباط في جيش الاحتلال لأصحاب الأرض هذا الإجراء بالادعاء أن المنطقة “محمية طبيعية”، رغم أنها لم تعلن ذلك رسمياً، ولم تصادر قانونياً، كما لم يتلق أصحاب الأراضي أي إشعارات بهذا التغيير.
يقول بسام التميمي[9]، وهو أحد مالكي الأراضي في المنطقة، إن الجيش منع أصحاب الأراضي من الوصول إليها، واشترط الحصول على تصاريح لقطف الزيتون أو زراعة الأرض. ويضيف: “جزء من أصحاب الأرض قدموا لتصاريح، وما أعطوا أي حدا. الفكرة من التصريح كلها ألا يدعونا نصل إلى الأرض. قالوا لنا إنها محمية طبيعية ولازم أن نحصل على تصاريح، مع أنها مزروعة زيتون، أبي من زرعها، وفيها نباتات برية من مئات السنين”. وبعد إقامة الجدار، شقت جرافات إسرائيلية طريقاً أسفل الشارع الرئيسي يربط مستوطنة حلميش ببؤرة “تسوفيت” المجاورة، في خطوة تشير إلى تهيئة البنية التحتية اللازمة لضم البؤرة إلى الامتداد العمراني للمستوطنة مستقبلاً، كما يظهر في الصورة أدناه.
الخط الأصفر يشير إلى مكان الجدار الموضوع بين مستوطنة حلميش وبؤرة “تسوفيت”. بينما يظهر أسفله الشارع الترابي الذي شقته قوات الاحتلال.

ولا تقتصر المناطق الطبيعية التي يمنع على الفلسطينيين التواجد فيها على هذه الجهة من المستوطنة، ففي الجهة الأخرى باتجاه قرية بيتللو، تصنف كل المناطق على أطراف الشارع بين مستوطنة حلميش ومستوطنة “نحلئيل” بالقرب من قرية بيتللو باعتبارها مناطق أحراش طبيعة خاضعة للمراقبة الإسرائيلية. حيث يقول ضباط المنطقة الإسرائيلي للسكان إنه يمنع دخولها، مع أنه لم يتم الإعلان عنها كلها كمحميات طبيعة ويمنع أصحاب الأراضي من المساس بها أو التغيير في مشهدها، أو حتى زراعتها، مع أن ملكيتها بقيت مسجلة بأسماء أصحاب الأرض.
في الوقت نفسه، أقام الجيش الإسرائيلي حاجزاً دائماً عند دوار مستوطنة حلميش، في نهاية الشارع الرئيسي الذي يصل بين قرية النبي صالح وقرية بيتللو، عقب عملية عمر العبد عام 2017. وخلال السنوات الأولى، كان الفلسطينيون المارون عبره يخضعون لإجراءات تفتيش مشددة قد تستغرق أحياناً أكثر من ساعة، ما أدى عملياً إلى إفراغ الشارع من الحركة الفلسطينية. ومع توفر طرق بديلة تربط قرى المنطقة بمدينة رام الله، تجنب معظم السكان المرور عبر هذا الطريق، ما أفقده وظيفته كطريق يستخدمه الفلسطينيون، وحوّله تدريجياً إلى فضاء يخدم الحركة الاستيطانية بصورة شبه حصرية. واستمر هذا الواقع حتى نهاية عام 2022، قبل أن يقدم الجيش الإسرائيلي لاحقاً على منع المركبات الفلسطينية من المرور عبر الشارع بشكل كامل، لترسخ بذلك السيطرة الإسرائيلية عليه فعلياً، من دون أي إعلان رسمي بإغلاقه أو مصادرته.
امتدت هذه السيطرة إلى ما هو أبعد من حدود المستوطنة المباشرة. فعلى امتداد الشارع من الحاجز وصولاً إلى قرية بيتللو، يمنع المستوطنون، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي فلسطيني من المرور أو التواجد في المنطقة، ويفرضون سيطرة فعلية على محمية “وادي الزرقا” الطبيعية، التي تتواجد في منتصف الطريق بين قريتي دير نظام وبيللو، وكانت هذه المحمية تخضع عملياً لرقابة السلطة الفلسطينية. كما يمنعون الفلسطينيين من الوصول إلى الأحراش الطبيعية الممتدة على جانبي الطريق الواصل بين حلميش ومستوطنة نحلئيل، أي في محيط الطريق الذي جرى إغلاقه. ويؤكد أصحاب الأراضي أن الجيش الإسرائيلي أبلغهم بمنع الوصول إلى تلك المناطق “تجنباً للاحتكاك مع المستوطنين”، وحظر عليهم زراعة أراضيهم أو إجراء أي تغيير فيها، بذريعة أنها مناطق أحراش طبيعية.
ولا يقدم الخطاب الاستيطاني هذه السيطرة باعتبارها واقعاً مؤقتاً، بل بوصفها مقدمة لإقامة بؤر جديدة في مناطق غرب رام الله. ففي مقال كتبه أحد المستوطنين، دعا صراحة إلى نقل نموذج “التلال والمزارع” الاستيطانية المنتشر في شرق “منطقة بنيامين”[10] ووسطها إلى جزئها الغربي (أي المنطقة التي تقع فيها مستوطنة حلميش). ووصف المساحات الواقعة بين المستوطنات غرب رام الله بأنها منطقة واسعة “تخلو من الاستيطان اليهودي”، مرجعا أحد أسباب ذلك إلى أن تصنيف معظم الأراضي فيها هو “ب”، وحدد الهدف من التحرك الجاري فيها بإقامة استيطان داخل “وادي الزرقا”، وفرض السيطرة على ينابيعه، و”فصل الكتل العربية” المحيطة به. كما أشار إلى أن مستوطنين بدأوا، قبل نحو شهرين من كتابة المقال، تحركاً ميدانياً بعيداً عن الأنظار للوصول إلى الوادي وتثبيت وجودهم فيه، معتبراً أن التغيرات الأولية بدأت تظهر في الأرض وأنها مقبلة على “تحول تاريخي”.
ويظهر الشكل أدناه اتساع نطاق السيطرة الفعلية التي فرضتها مستوطنة حلميش منذ عام 2017، إذ لم تعد تقتصر على حدودها العمرانية، بل امتدت لتشمل معظم المساحة الواقعة داخل النطاق المحدد بالخط الأصفر، حيث يمنع الفلسطينيون عملياً من الوصول إلى الجزء الأكبر منها، سواء بفعل الحواجز العسكرية، أو اعتداءات المستوطنين، أو القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال بذريعة حماية المناطق الطبيعية.

في هذا السياق، يقول رئيس مجلس قروي دير نظام، رمزي الصوفي،[11] إن التقديرات الأولية في القرية تشير إلى أن مستوطنة حلميش باتت تفرض سيطرة فعلية على مساحة تعادل نحو عشرة أضعاف مساحتها العمرانية، عبر شبكة من القيود العسكرية وعنف المستوطنين ومنع وصول الفلسطينيين إلى الأراضي المحيطة بها. ويوضح أن هذه السيطرة لا تتركز في موقع واحد، بل تمتد إلى عدد من المناطق الطبيعية المحيطة، تشمل منطقة “واد ريا” قرب دير نظام، ومحمية “وادي الزرقا” قرب بيتللو، وحرش “فايز بيك” قرب النبي صالح، إضافة إلى معظم الأحراش الطبيعية الواقعة بين مستوطنة حلميش والمستوطنات المجاورة لها. ويعكس هذا الامتداد، بحسب الصوفي، طبيعة السيطرة الاستيطانية التي لم تعد ترتبط بحدود المستوطنة الرسمية، بل باتت تقاس بالمساحات التي يحرم الفلسطينيون من الوصول إليها واستثمارها، حتى من دون إعلان رسمي بالمصادرة أو توسيع حدود المستوطنة.
وإلى جانب إفادات رئيس المجلس القروي، تكفي زيارة ميدانية للمنطقة لإدراك حجم التحول الذي طرأ على المجال الجغرافي المحيط بالمستوطنة. فالمساحات التي يستطيع الفلسطينيون الوصول إليها باتت تنحصر إلى حد كبير داخل التجمعات السكنية في دير نظام والقرى المجاورة، بينما تحولت الأراضي والوديان والأحراش المحيطة بها إلى فضاءات مغلقة عملياً، يخشى السكان دخولها بفعل اعتداءات المستوطنين أو القيود التي يفرضها جيش الاحتلال.
يمثل المستوطن المتطرف تسفي بار يوسف، الذي أقام عام 2018 بؤرة قرب مستوطنة حلميش، نموذجاً لهذا النمط من السيطرة. ففي عام 2021، وثقت اعتداءات متكررة شارك فيها بار يوسف ومستوطنون مسلحون لطرد عائلات عربية كانت تتنزه في أراض عامة خارج حدود البؤرة، من بينها عائلة من فلسطينيي الداخل وأربع عائلات أخرى، قبل أن يتدخل جيش الاحتلال في إحدى الوقائع لإجبار العائلة الأولى على المغادرة. ولا تكمن دلالة هذه الحوادث في الاعتداء نفسه فحسب، بل في قدرة مستوطن يقيم في بؤرة محدودة المساحة على تقرير من يستطيع دخول الأراضي المحيطة بها، واستدعاء الجيش لتثبيت قراره، وتحويل الخوف من السلاح والاعتداء إلى نطاق سيطرة يتجاوز حدود البؤرة الفعلية. وفي فبراير/ شباط 2024، فرضت بريطانيا عقوبات على بار يوسف، وقالت إنه استخدم الترهيب والعنف ضد الفلسطينيين منذ تأسيس البؤرة، وهدد عائلات كانت تتنزه تحت تهديد السلاح، فيما وصفت بؤرته بأنها مصدر “للترهيب والعنف المنهجي”. وبذلك، تكشف هذه الحالة كيف تعمل بؤر زراعية واحدة بوصفها مراكز لبسط النفوذ على مساحات واسعة من الأراضي الطبيعية، حتى من دون مصادرتها أو ضمها رسمياً.
ختاما
في المحصلة، وعند العودة إلى تصريحات سموتريتش، فإن هذه المعطيات تظهر أن التحول لم يعد مجرد تصور مستقبلي لوزير متطرف، بل أصبح واقعاً يتشكل تدريجياً على الأرض. فبدلاً من الضم الرسمي، تعتمد إسرائيل منظومة متشابكة من الأدوات القانونية والإدارية والأمنية والاستيطانية تتيح توسيع السيطرة على الأرض من دون إصدار قرارات ضم معلنة. وتظهر حالة مستوطنة “حلميش” أن هذه السيطرة لا تقاس اليوم بمساحة العمران الاستيطاني، بل بالحيز الذي يفقد الفلسطينيون القدرة على الوصول إليه أو استخدامه. وبهذا المعنى، لم يعد الضم حدثاً قانونياً ينتظر إعلاناً رسمياً، بل عملية يومية متواصلة تعيد رسم الجغرافيا في الضفة الغربية.
______________________________________________________________________________________________
[1] Irus Braverman, “Nof Kdumim: Remaking the Ancient Landscape in East Jerusalem’s National Parks,” Environment and Planning E: Nature and Space (2020): 23.
[2] المرجع السابق. ص 24
[3] روان سمامرة، المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية: توسع استيطاني تحت ذريعة حماية الطبيعة، رسالة ماجستير، جامعة بيرزيت، 2021، ص 70–71.
[4] Isaac, Rami K., C. Michael Hall, and Freya Higgins-Desbiolles, eds. The Politics and Power of Tourism in Palestine. London: Routledge, 2018.
[5] هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، “اعتداءات المستوطنين: تحديثات اعتداءات المستعمرين”، الخرائط التفاعلية، تاريخ الاطلاع: 28 يوليو/تموز 2026: https://2u.pw/g0euGb
[6] أرشيف صحيفة الطليعة، القضية “الأولى ضد الاستيطان يرفعها أهالي قرية النبي صالح ودير نظام”، 25 أيار 1978.
[7] مركز أبحاث الأراضي (أريج)، “توسيع مستوطنة «حلميش» على حساب الأراضي الفلسطينية في قرية النبي صالح”، مشروع مراقبة الأنشطة الاستعمارية الإسرائيلية (POICA)، 5 أغسطس/ آب 2012، تاريخ الاطلاع: 25 يوليو/ تموز 2026.
[8] دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، 2024
[9] بسام التميمي، أحد سكان قرية النبي صالح، مقابلة شخصية أجراها الباحث، 27 يوليو/ تموز 2026.
[10] حسب التقسيمات الإدارية الإسرائيلية الاستيطانية للضفة الغربية، فإن المجلس الاستيطاني الإقليمي بنيامين يشمل تقريبا محافظة رام الله والبيرة.
[11] مقابلة شخصية، أجراها الباحث، يوليو/ تموز 2026.



