تحالف بينيت – لابيد: ما أولويات كل منهما في المرحلة القادمة؟

يتناول هذا التحليل الخطاب السياسي لكل من “يائير لابيد” (@yairlapid) و”نفتالي بينيت” (@naftalibennett) على منصة (إكس)، خلال الفترة الممتدة من السابع من أكتوبر 2023 حتى السابع من مايو 2026، وهي فترة شهدت تحولات جوهرية في المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي. ويأتي الاعتماد على هذه المنصة خياراً  منهجياً يهدف إلى استعراض خطابهما من خلالها، على افتراض أن جزءًا مهمّا من الخطاب السياسي الراهن أصبح يُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما (إكس)، دون أن يزعم هذا التقرير استيعاب الأبعاد الكاملة لخطابهما السياسي خارج هذا النطاق الافتراضي.

وعليه، يرتكز هذا التحليل على بعدين رئيسين: بعد مقارن يتتبع الفوارق في أولويات الخطاب بين الاثنين، وآخر زمني يرصد تطور هذه الأولويات عبر سبع مراحل متمايزة. ويشتمل التقرير على ما مجموعه 4,886 تغريدة، منها 3,169 لـ”لابيد” و1,717 لـ”بينيت”. وتكشف البنية الأولية للخطاب عن تباين جوهري، إذ يخصص “لابيد” 38.6% من خطابه للشأن السياسي الداخلي، في حين يوجّه “بينيت” 47.8% منه للشأن الأمني (الحرب ولبنان وإيران).

تتوزع المراحل السبع زمنياً وسياقياً ابتداءً من صدمة السابع من أكتوبر (المرحلة الأولى)، مروراً بالحرب البرية في قطاع غزة، ثم أزمة رفح وملف الأسرى، يليهما فتح الجبهة اللبنانية، ثم مرحلة وقف إطلاق النار والتحول السياسي، والتصعيد مع إيران، وصولاً إلى الحملة الانتخابية. وخلال هذا المسار، تراجع حضور ملف غزة، إذ انخفض من 30% من مجمل الخطاب في المرحلة الأولى، ليصل إلى 7% فقط في المرحلة السابعة لدى كليهما، بينما ترتفع الموضوعات السياسية الداخلية ارتفاعاً ملحوظاً.

ملخص إحصائي

التوزيع العام: لابيد” 3,169 تغريدة (64.8%) مقابل “بينيت” 1,717 تغريدة (35.2%). التوزيع اللغوي: عبرية 89%، إنجليزية 8%. الوحدات التحليلية: 337 سلسلة تغريدات، 3,438 تغريدة مستقلة، 366 اقتباساً.

أولاً: الحرب والعمليات العسكريّة

على الرغم من أن موضوع الحرب يشكل وزناً كبيراً في الخطاب السياسي لكلا الرجلين، إلا أنه يحمل دلالات مختلفة لكل منهما، إذ يخصص “بينيت” 33.4% من مجمل خطابه للحرب، في مقابل 27.1% يخصصها “لابيد” للموضوع ذاته.

وخلال الأيام الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر، تقاطع الخطابان السياسيان عند الوحدة الوطنية، إذ أصدر “لابيد” بياناً مشتركاً مع “غانتس” و”ليبرمان” و”ميخائيلي”،  أكّدوا فيه الدعم الكامل للجيش. وفي المقابل، انطلق “بينيت” فوراً في ماراثون من المقابلات الإعلامية عبر شبكتي (CNN) و(BBC)، مقدماً نفسه متحدّثاً باسم الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العالمي.

غير أن مسار الخطابين افترق سريعاً، إذ طالب “لابيد” بحكومة طوارئ حقيقية في 21 أكتوبر، وكتب في سلسلة من 12 تغريدة:

העיסוק בפוליטיקה בעת הזו הוא חרפה מוסרית
الانشغال بالسياسة في هذا الوقت وصمة أخلاقية

غير أن “بينيت” اتخذ مساراً مغايراً نابعاً من وجوده خارج الحلبة السياسية بشكل كامل خلال تلك المرحلة. فبدلاً من المطالبة بحكومة طوارئ، تحول إلى منظّر عسكري يقدم تصورات ميدانية. ففي 28 أكتوبر، طرح خطة حصار غزة بديلاً للعملية البرية التقليدية:

מצור על עזה, חניקת פעילי חמאס במנהרותלא לפעול בדרך שחמאס מצפה שנפעל
حصار غزة وخنق عناصر حماس في الأنفاقعدم التصرف بالطريقة التي تتوقعها حماس

استمر هذا النمط عبر المراحل اللاحقة، حيث عمل “لابيد” على ربط الحرب بفشل “نتنياهو” في إدارتها، بينما استمر “بينيت” بتقديم بدائل تكتيكية وإستراتيجية.  وخلال المرحلة الثالثة، كتب “لابيد” منتقداً ليلة التصويت على قانون الإعفاء من التجنيد، بالتزامن مع قتل أربعة جنود من لواء “غفعاتي” في غزة:

ידענו. אתמול בלילה, בזמן שהכנסת הצביעה על חוק ההשתמטות מגיוס, כולנו ידענו
كنا نعلم. الليلة الماضية، بينما كان الكنيست يصوّت على قانون التهرب من التجنيد، كنا نعلم جميعاً

في المقابل، واجه “بينيت” الانتقادات الدولية بالأرقام المقارنة:

What is it about the Gaza war that’s causing all these riots? The war in Congo killed 6 million. Nothing. Syria 600,000 killed. Nothing.”
ما الذي في حرب غزة يتسبب بكل هذه الاحتجاجات؟ حرب الكونغو قتلت 6 ملايين. لا شيء. سوريا 600 ألف قتيل. لا شيء.”

بحلول المرحلة السابعة (الحملة الانتخابية)، استقر توظيف الخطابين بشكل مختلف، إذ وصف “لابيد” الحرب بأنها أكبر كارثة دبلوماسية في تاريخ إسرائيل، قائلاً إن “نتنياهو” فشل في تحقيق كل أهدافها التي حددها بنفسه. أما “بينيت”، فقد كان يسعى إلى تقديم نفسه بديلاً أمنياً، يكتب عما سيفعله لو كان رئيساً للحكومة:

14 יום של הפסקת אש. זה מה שהייתי עושה היום כראש ממשלה כדי לשקם את העורף
14 يوماً من وقف إطلاق النار. هذا ما كنت سأفعله اليوم كرئيس للحكومة لإعادة تأهيل الجبهة الداخلية

بالمجمل يشير خطاب كل من “لابيد” و”بينيت” إلى أنهما يدعمان المجهود الحربي الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، ولا يختلف توجههما عن توجه الحكومة إلا في المسائل التكتيكية والسياسية. فبينما يضع “لابيد” نفسه في موقع الانتقاد المستمر لـ”نتنياهو”، كونه زعيم المعارضة، يشاركه “بينيت” في هذا الانتقاد المستمر، ولكن من منظور الحريص على مصلحة إسرائيل وصورتها الدولية، وبذلك يتقاطع الطرفان في إدانة “نتنياهو” الذي “فشل في تحقيق أهداف الحرب”، أو أدارها بشكل سيء.

ثانياً: غزة وحماس والرهائن

وقد شهد الاهتمام بملف قطاع غزة تراجعاً حاداً في خطاب كلا السياسيين، إذ انخفضت نسبته من قرابة 30% خلال المرحلة الأولى إلى أقل من 7% في المرحلة السابعة. ويعكس هذا الانحدار بشكل رئيس انتقال مركز ثقل العمليات العسكرية من قطاع غزة إلى جبهات أخرى.

وخلال الأشهر الأولى، برز “بينيت” صوتاً دبلوماسياً مؤثّراً على الساحة الدولية مقارنة بالمسؤولين الإسرائيليين، وحصدت تغريدته الأعلى تفاعلاً في المجموع كله (52,031 إعجاباً، 5.8 مليون مشاهدة)، والتي سعى فيها إلى ترسيخ سرديةٍ تُصوّر الفلسطينيين الطرف المعتدي، مبرراً الحرب بأن إسرائيل انسحبت بالكامل من قطاع غزة عام 2005:

In the Palestinian state in Gaza there was no Israeli occupation whatsoever. Not one inch. We handed the keys over to the Palestinians.”
في الدولة الفلسطينية في غزة لم يكن هناك أي احتلال إسرائيلي على الإطلاق. ولا شبر واحد. سلّمنا المفاتيح للفلسطينيين.”

ركّز لابيد مبكراً على الأسرى كأولوية مطلقة، ففي أبريل 2024 طرح ثمانية بنود بديلة، في مقدمتها “المهمة الأكثر إلحاحاً: صفقة رهائن”. وخلال المرحلة الخامسة، هاجم “نتنياهو” قائلاً: “اكتشفت الآن أن حالة الرهائن صعبة؟ ألم تكن تعرف قبل ذلك؟ لقد كان مكتوباً في تقارير المخابرات التي وُضعت على مكتبك”. أما “بينيت” فقد تعامل مع ملف الحرب على قطاع غزة من منظور إستراتيجي، فرحّب بالسيطرة على محور “فيلادلفيا”، واصفاً هذه الخطوة بأنها مؤشر على بدء نفاد أسلحة حماس وذخائرها.

في المرحلتين الخامسة والسادسة تقاطع خطابهما حول ما عُرف بـ “فضيحة قطر”، إذ أشار “بينيت” إلى القضية واصفاً إياها بأنها اختراق قطري لـ “قدس أقداس الأمن الإسرائيلي”، ليعود لاحقاً ويصفها بأنها أخطر حادثة خيانة في تاريخ إسرائيل. ومن ناحيته، حاول “لابيد” استثمار الفضيحة بالطريقة ذاتها، لكن عبر تأطير سياسي يجرد “نتنياهو” من الأهلية لقيادة إسرائيل.

ثالثاً: اليمين ونتنياهو والائتلاف

يشكل هذا الملف نقطة تباين جوهرية بين الخطابين، إذ يشكل 21.8% من مجمل خطاب “لابيد”، في مقابل 7.1% فقط لدى “بينيت”، بفارق يصل إلى 14.7 نقطة مئوية. ويميل “لابيد” إلى مهاجمة اليمين الحاكم بوصفه معارضاً رئيساً، في حين ينتقد “بينيت” أداء “نتنياهو” ولكن من منظور يقع داخل المعسكر اليميني.

وقد عمد “لابيد” إلى ربط فشل الحرب بشخص “نتنياهو” على نحو منهجي ومستمر منذ المراحل الأولى، إذ كتب في فبراير 2024 منتقداً:

אם אתה ראש הממשלה במשך 15 שנה, ובמשמרת שלך נרצחים 1,200 ישראליםאז אתה אשם. אין מישהו אחר
إذا كنت رئيس الحكومة طوال 15 عاماً، وفي عهدك قُتل 1,200 إسرائيليفأنت المذنب. لا أحد غيرك.”

وعلى النقيض من ذلك، اتخذ “بينيت” موقفاً مركباً، فخلال المرحلة الأولى تجنب تقريباً توجيه أي انتقاد علني لشخص “نتنياهو”، إذ لم تتجاوز نسبة الهجوم في خطابه 2.7% فقط. بيد أن هذه النسبة بدأت تتصاعد تدريجياً، لتصل إلى ذروتها بنحو 12.8% في المرحلة السابعة. وكان المنعطف الجوهري في هذا التحول التصاعدي هو تصريحه في مارس 2025:

מר נתניהו נושא באחריות העליונה למחדל הנורא בתולדות ישראל, והיה צריך להתפטר מזמן
السيد نتنياهو يتحمل المسؤولية العليا عن الإخفاق الأفدح في تاريخ إسرائيل، وكان ينبغي له أن يستقيل منذ زمن.”

تجلى الفارق الأكبر في أبريل 2026، حيث أعاد “بينيت” تعريف اليمين:

קואליציית נתניהודרעיסמוטריץ זה לא ימין. אני ימיןמנסים לשטוף לציבור את המוח, למחוק את המשמעות האמיתית של ימין
ائتلاف نتنياهودرعيسموتريتش ليس اليمين. أنا اليمينيحاولون غسل دماغ الجمهور ومحو المعنى الحقيقي لليمين.”

خلاصة القول، يهاجم “لابيد” معسكر اليمين بوصفه منظومة سياسية متكاملة، في الوقت الذي يميز فيه “بينيت” بين ما يراه “يميناً  حقيقياً يمثله هو”، و”يميناً مختطفاً” يمثله “نتنياهو”.

رابعاً: العلمانية وتجنيد الحريديم

يستأثر ملف العلمانية وتجنيد “الحريديم” بنسبة 16.8% من مجمل خطاب “لابيد”، و14.6% من خطاب “بينيت”، وهو الملف الوحيد الذي سجّل وزنه الإحصائي تصاعداً مستمراً لدى كليهما، إذ ارتفع من نحو 11% في المرحلة الأولى، ليصل إلى ذروته في المرحلة السابعة بنسبة 19% عند “لابيد”، و17% عند “بينيت”. ويعود هذا الارتفاع المطرد إلى أن ظروف الحرب الراهنة قد حوّلت قضية التجنيد من مجرّد سجالٍ مدني وقانوني داخلي، إلى مسألة أمنية وجودية تمسّ عمق المجتمع الإسرائيلي.

وقد ربط “لابيد” في مارس 2024 انخفاض شعبية حزبه بموقفه المبدئي من ملف التجنيد، إذ صرّح قائلاً: “اخترنا ذلك لأن القيم ليست للأيام التي يكون فيها كل شيء على ما يرام، بل للأيام الأصعب”. وفي فبراير 2025، عاد وصاغ القضية بطريقة أكثر وضوحاً بقوله: “العنوان الصحيح ليس “حريدي اعتُقل في المطار” بل “فارٌّ من الخدمة العسكرية اعتُقل في المطار”، فهو لم يُعتقل لأنه حريدي بل لأنه لم يؤدِّ واجبه الأساسي”.

أما “بينيت” فقد كتب في أكتوبر 2024:

חוק ההשתמטות הוא חוק שדגל שחור מתנוסס מעליו. מי שירים יד בעדו, פשוט מוכר את חיילי צהל
قانون التهرب من التجنيد هو قانون يرفرف فوقه علم أسود. من يرفع يده لصالحه، فهو ببساطة يبيع جنود الجيش الإسرائيلي.”

وخلال المرحلة السابعة، تحوّل هذا الملف إلى قاسمٍ مشتركٍ شبه كلي بين الطرفين، وأصبح -على الأرجح- ركيزةً تأسيسية لصياغة خطاب التحالف الانتخابي المرتقب. وبينما يربط كلاهما بين مسألة الإعفاء من التجنيد واستنزاف قدرات جنود الاحتياط، يبرز التباين في زوايا المعالجة، إذ يقدمه “بينيت” من زاوية “الأمن القومي”، في حين يطرحه “لابيد” من منظور “المساواة والعدالة”.

خامساً: لبنان وحزب الله

يخصص “بينيت” 10.4% من خطابه لملف لبنان، في مقابل 4.7% عند “لابيد”. وقد اتسع هذا الفارق بشكل كبير في المرحلة الرابعة الممتدة بين(سبتمبر-ديسمبر 2024)، حين بلغ 18.9% عند “بينيت” مقابل 5.6% فقط عند “لابيد”.

قدم “بينيت” في سبتمبر 2024 سياقاً تاريخياً يعبر عن خطاب يبرّر الحرب: “غادرت إسرائيل لبنان قبل 24 عاماً. منذ ذلك الحين هاجمنا حزب الله مراراً بلا أي سبب… أطلق أكثر من 8,000 صاروخ على إسرائيل خلال 11 شهراً”. ولاحقاً وجه اتهاماً بتوصيف ما سمّاه نظام “غرفة الصواريخ” في المنازل الشيعية في لبنان، مستعيداً في هذا السياق تجربته كقائد سرية في مواجهة حزب الله.

أما “لابيد” فقد تعامل مع الملف اللبناني بشكل أساسي من منظور تداعياته على الجبهة الداخلية، مركزاً على مصير مهجّري الشمال، ومنتقداً عجز الحكومة عن إعادتهم. وفي مارس 2026، كتب مستنكراً مقتل أربعة جنود في جنوب لبنان، بالتزامن مع محاولة “بن غفير” فتح زجاجة “شمبانيا” داخل الكنيست. وبذلك، يوظف “لابيد” الساحة اللبنانية أداة للمناكفة السياسية التي تخدم رسالته الموجهة للداخل، في حين يوظّف “بينيت” الخطاب ذاته كآلية لتعزيز الذات، بهدف إبراز دوره القيادي واهتمامه بقضايا الأمن.

سادساً: إيران والبرنامج النووي

ويستأثر الملف الإيراني بنسبة 4.0% من مجمل خطاب “بينيت”، في مقابل 2.6% من خطاب “لابيد”. ويتعامل “بينيت” مع إيران بوصفها قضية أمنية محورية تستدعي تصوراً إستراتيجياً، في حين يدمجها “لابيد” في سياق المناكفة السياسية الموجهة ضد “نتنياهو”.

وقد حصدت التغريدة الأعلى تفاعلاً في ملف إيران (54,336 إعجاباً) لـ”بينيت” في أكتوبر 2024، عقب الهجوم الصاروخي الإيراني، إذ كتب فيها:

Israel has now its greatest opportunity in 50 years to change the face of the Middle East… We must act now to destroy Iran’s nuclear program.”
أمام إسرائيل الآن أعظم فرصة لها منذ 50 عاماً لتغيير وجه الشرق الأوسطيجب أن نتحرك الآن لتدمير البرنامج النووي الإيراني.”

في يونيو 2025، حين ضربت إسرائيل البرنامج النووي الإيراني، كتب “بينيت” مخاطباً الشعب الإيراني مباشرة: “وقتكم الآن. حرروا أنفسكم من دكتاتوريكم القساة”، وحصدت هذه التغريدة (48,770 إعجاباً). أما “لابيد” فاختزل الموقف في قوله: “إسرائيل تستهدف البرنامج النووي الإيراني. الإيرانيون يستهدفون المدنيين الإسرائيليين. هذا كل الفرق”.

في المرحلة السابعة، ارتفع وزن إيران عند “لابيد” من قرابة الصفر إلى 7.8%، وهو تحول لافت يعكس دخول الملف الإيراني في الخطاب الانتخابي، فكتب في يناير 2026: “أوصي قادة إيران بمراقبة ما يحدث في فنزويلا”.

سابعاً: الضفة الغربية

يخصص “بينيت” نسبة 4.8% من خطابه لملف الضفة الغربية، في مقابل 2.2% فقط لدى “لابيد”. ويتناول “بينيت” هذا الملف من منظور أمني واستيطاني، مستخدماً المسمى التوراتي “يهودا والسامرة”، في حين يتعامل “لابيد” من منظور التكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة عليه.

وفي هذا السياق، استشهد “بينيت” في يونيو 2024 بنتائج استطلاعات الرأي الفلسطينية قائلاً: “67% من الفلسطينيين يؤيدون هجوم 7 أكتوبر”. وعلى النقيض من ذلك، يرى “لابيد” ملف الضفة من زاوية مغايرة، إذ حذّر في أغسطس 2025 من التداعيات المستقبلية بقوله: “إن الاتجاه الذي يسير فيه الكابينت سيقودنا إلى السيطرة على مليوني فلسطيني مما يضطرنا لتمويل خدمات الكهرباء والماء لهم، وبناء مدارس ومستشفيات من أموال المواطنين الإسرائيليين”.

يعكس خطاب “لابيد” حول الضفة الغربية موقفاً يجمع فيه بين معارضة الضم ورفض الاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية في آن واحد. وفي نوفمبر 2024 طرح رؤيته المتكاملة تحت عنوان نظام إقليمي جديدتضمنت صراحةً:

סדר אזורי חדש. ועידה בריאד, נורמליזציה עם סעודיה, לא לסיפוח יוש
نظام إقليمي جديد. مؤتمر في الرياض، تطبيع مع السعودية، لا لضم يهودا والسامرة.”

وفي السياق ذاته، وصف “لابيد الحكومة الحالية بأنها تطيل الحرب دون حاجة بسبب مشكلات رئيس الحكومة السياسية، وبسبب أوهام الضم والعودة إلى غزة لدى الجناح المسيحاني“. أما بشأن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، فقد وصف “لابيد اعتراف بريطانيا وأستراليا وكندا بأنه:

ההכרה החד צדדית של בריטניה, אוסטרליה וקנדה במדינה פלסטינית היא אסון מדיני, זה צעד גרוע ופרס לטרור
الاعتراف الأحادي من بريطانيا وأستراليا وكندا بدولة فلسطينية كارثة دبلوماسية، خطوة سيئة ومكافأة للإرهاب.”

كما هاجم لابيد عنف المستوطنين المتطرفين بشكل متكرر، واصفاً إياه بأنه وصمة عار على دولة إسرائيل والشعب اليهودي، مطالباً الجيش باستعادة النظام في الضفة رغم ضغط الوزراء في الحكومة للتغاضي“.

ثامناً: الموضوعات الثانوية

العزلة الدولية

تحمل هذه القضية نسبة 2.2% من مجمل خطاب “لابيد”، و2.0% لدى “بينيت”، ولكن وفق تأطير خطابي سياقي مختلف؛ إذ وصف “بينيت” في يناير 2024 محاكمة إسرائيل أمام محكمة لاهاي بأنها “قضية درايفوس في القرن الحادي والعشرين”. وفي مايو 2024 قال إن محكمة العدل الدولية قدمت لكل منظمة إرهابية “الطريقة المثالية للإفلات من العقاب”.

أما “لابيد” فقد ربط العزلة بفشل الحكومة، إذ كتب معلّقاً على اعتراف النرويج وإسبانيا وأيرلندا بدولة فلسطينية بأنه قرار “مُخزٍ، لكنه ليس نتاج أزمة، بل نتاج فشل دبلوماسي غير مسبوق”.

التطبيع

ويحضر ملف التطبيع بوزن هامشي في خطاب كلا السياسيين، إذ لا يتجاوز نحو 1%، بيد أنّ “لابيد” يربطه بشكل أوضح بالبديل السياسي، إذ طرح في نوفمبر 2024 رؤيته لبناء نظام إقليمي جديد، يعتمد على: عقد مؤتمر في الرياض، وإنجاز التطبيع مع السعودية، في مقابل رفض ضم الضفة الغربية. أما “بينيت” فقد انتقد في مايو 2025 العجز الحكومي أمام التحولات الإقليمية، فكتب محذّراَ: “قطر توقع صفقة تريليون دولار مع أمريكا، وتركيا تحصل على طائرات (F-35)، والحكومة في حالة شلل”.

حل الدولتين والضم

يحمل هذان الملفان أقل الأوزان النسبية في المجموع التحليلي العام، إذ يتراوح حجماهما الإحصائي بين (0.2%-0.6%)، الأمر الذي يؤكد أن حل الدولتين لا يشكل جزءاً فاعلاً من خطاب أي منهما بعد السابع من أكتوبر، بل يقتصر حضوره فقط في سياق الرد على الاعترافات الدولية المتصاعدة.

وفي هذا الإطار، صرّح “بينيت” بمعارضته الصريحة لإقامة دولة فلسطينية؛ إذ وصف في يوليو 2025 اعتراف الرئيس الفرنسي “ماكرون” بالدولة الفلسطينية بأنه “انهيار أخلاقي يكافئ القتل الجماعي”. وفي المقابل، فضح “لابيد” في ديسمبر 2024 ما وصفه بمناورة “سموتريتش” قائلاً: “إنّه لا يدفع حقيقةً نحو الضم بل يبيع صفقة وهمية: إعفاء من التجنيد مقابل ضم”.

فلسطينيو الداخل

ينال هذا الملف ما نسبته 1.9% من مجمل خطاب “بينيت”، في مقابل 0.9% لدى لابيد. ومن الملاحظ أن وزن هذا الملف لدى “بينيت” يرتفع في مرحلة الانتخابات ليصل إلى 3.6%، إذ يربطه بخطابه حول “الأمن الشخصي” ومكافحة الجريمة في النقب. وفي إطار تعزيز هذا التوجه الخطابي، كتب “بينيت” في نوفمبر 2023 تدوينة أشاد فيها بالمقدم “سلمان حبقة” الدرزي، مسلطاً الضوء على أبعاد التشارك بين الدروز واليهود. أما “لابيد” فيتناول هذا الملف من زاوية فشل الحكومة في توفير الأمن الشخصي، إذ صرّح قائلاً: “على الحكومة أن تكف عن التعامل مع مشكلات عرب إسرائيل بوصفها منفصلة عن أزمات الدولة ككل”.

الخلاصات

1. يُستشف من المجموع التحليلي أن الخطابين يتكاملان أكثر مما يتنافسان، إذ يركز “لابيد” على أبعاد السياسة الداخلية والمناكفة الصارخة ضد الائتلاف الحاكم، في حين ينصبّ اهتمام “بينيت” أكثر على الوضع الأمني والصورة.

2. وفقاً لمسار الخطاب، انتقل “بينيت” من موقع رئيس حكومة سابق يقدم خبرة عسكرية، إلى موقع منافس يميني يعيد تعريف اليمين ذاته؛ وهو تحوّل رُصدت ملامحه الأولى في المرحلة الخامسة، قبل أن تتسارع وتيرته بوضوح خلال المرحلتين السادسة والسابعة.

3. تشير جملةٌ من المؤشرات إلى أن قضية تجنيد “الحريديم” تشكل قاسماً أيديولوجياً بين الخطابين، إذ يتماثل موقف الطرفين إزاءها بشكل شبه كلي، وإن اختلف منطلق المعالجة، حيث يطرحها “لابيد” من أفق المساواة المدنية، بينما يرتكز عليها “بينيت” كضرورةٍ حتمية لتعزيز القدرة العسكرية.

4. يُلاحظ أن حل الدولتين وضم الضفة لا يشكلان جزءاً فاعلاً من خطاب أي منهما (أقل من 1% مجتمعين)؛ هذا الغياب يحمل دلالة حول أولوية التطلعات السياسية.

5. إذا صحت هذه القراءة في مجملها، فإن التحالف بين “لابيد” و”بينيت” ليس زواج مصلحة فحسب، بل يعكس بنية خطابية تكاملية يشغل فيها كل منهما المساحة التي يغيب عنها الآخر، وهو ما قد يمنحهما ميزة في مواجهة “نتنياهو” الذي يتعين عليه ملء كل هذه المساحات وحده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى