السير في حقل الألغام: المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة

برز في 4 أيار/مايو 2026 تصريح للسفير الأمريكي في بيروت، ميشال عيسى، دعا فيه إلى التعامل مع فكرة عقد لقاء مباشر بين جوزاف عون وبنيامين نتنياهو باعتبارها خطوة “غير تنازلية ولا خاسرة للبنان”. ولم يقتصر التصريح على تطبيع فكرة اللقاء سياسيًا، وإنما قدّم إطارًا عمليًا لعقده في واشنطن بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بعد بيان للسفارة الأمريكية في بيروت في 30 أبريل، حثّ على اللقاء المباشر وربطَ المسار بضمانات سيادية ودعم اقتصادي وإعادة إعمار، مؤكّدًا أن “وقت التردد انتهى”. ويأتي هذا ضمن دفع أمريكي متواصل لفتح مسار تفاوضي مباشر بين الطرفين، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان بلا تثبيت فعلي للهدنة، ما يضع فكرة اللقاء المباشر في قلب النقاش اللبناني المنقسم حول جدوى التفاوض وشروطه وتداعياته.
وعليه، تتناول الورقة هذا المسار من حيث الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وتفاعلات الداخل اللبناني وانقسامه حوله، مع العودة إلى التجربة اللبنانية السابقة في التفاوض مع إسرائيل، لفهم حدود هذا المسار وإمكاناته ضمن السياق السياسي والإقليمي الراهن.
مسار الدفع الأمريكي نحو التفاوض اللبناني مع إسرائيل
بدأ الحديث عن التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل يتصاعد منذ إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة في 8 أبريل، وما أثاره من جدل حول نطاقه الإقليمي. فقد أكدت طهران شمول لبنان في الاتفاق بعد إصرارها على إدراج الجبهة اللبنانية في مفاوضاتها مع واشنطن، في حين حرصت إسرائيل وواشنطن على نفي هذا الربط المباشر؛ إذ أعلن نتنياهو في اليوم نفسه أن التهدئة بين واشنطن وطهران “لا تشمل لبنان”، رغم تأكيدات باكستان (الوسيط) بأن وقف إطلاق النار يشمله، وقد ترافق هذا النفي مع شن إسرائيل أكثر من 100 غارة على لبنان في هجوم وصف بأنه الأعنف منذ اجتياح عام 1982.
غير أن هذا التباين سرعان ما تزامن مع انتقال سريع إلى طرح مسار تفاوضي لبناني–إسرائيلي، مع إعلان نتنياهو في اليوم التالي، 9 أبريل، استعداده لبدء مفاوضات مباشرة مع لبنان “في أقرب وقت ممكن”، قبل أن تشهد واشنطن في 14 أبريل أول لقاء رسمي بين سفيري لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، جرى خلاله بحث وقف إطلاق النار وطرح إمكانية الانتقال إلى مفاوضات مباشرة. وفي 16 أبريل، أعلن دونالد ترامب بدء هدنة في لبنان لمدة عشرة أيام، بالتزامن مع طرحه فكرة توجيه دعوة إلى جوزاف عون وبنيامين نتنياهو لعقد لقاء في البيت الأبيض، قبل أن يعلن في 23 أبريل تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية عقب جولة ثانية من المحادثات بين السفراء في واشنطن.
ويتقدّم مسار التفاوض اليوم نحو بلورة جولة ثالثة من المحادثات في واشنطن منتصف مايو، تُطرح بوصفها استكمالًا للاتصالات السابقة الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ضمن مسار يتجه تدريجيًا نحو نقاش أوسع حول صيغة العلاقة بين الطرفين برعاية أمريكية مباشرة، دون أن يصل حتى الآن إلى إطار تفاوضي مكتمل أو محطة حاسمة. ويترافق هذا المسار مع تكثيف التحركات الأمريكية عبر القنوات الدبلوماسية في بيروت، حيث جرى نقل رسائل سياسية متكررة تدفع نحو اختبار إمكانية اللقاء المباشر بين القيادتين. وقد تمثل ذلك بوضوح في بيان السفارة الأمريكية في بيروت، وما تلاه من تصريحات السفير الأمريكي لدى بيروت التي ثبّتت مقترحًا لعقد لقاء يجمع عون ونتنياهو في واشنطن.
وفي هذا السياق، بدا الدفع نحو التفاوض جزءًا من مسعًى لتقديم التهدئة كنتيجة لمسار تفاوضي ناشئ بين لبنان وإسرائيل، وليس نتيجة تفاهمات فرضتها طهران، رغم المبادرات اللبنانية السابقة التي أبدت استعدادًا للتفاوض المباشر برعاية دولية. إذ طرح الرئيس جوزاف عون في نوفمبر 2025، ثم في مارس 2026 مبادرات تضمنت وقفًا لإطلاق النار، وانسحابًا إسرائيليًا، ودعمًا للجيش اللبناني، مقابل إطلاق مسار تفاوضي مباشر حول الترتيبات الأمنية والحدودية، غير أن تلك المبادرات ظلت دون استجابة سياسية حتى لحظة وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. لذا، تصرّ إسرائيل على إظهار أنّ التهدئة الإقليمية غير ملزمة لها على الجبهة اللبنانية، عبر مواصلة هجماتها العسكرية وتدمير القرى الحدودية وتهجير سكانها، بالتوازي مع إنشاء “الخط الأصفر” الذي ضم مناطق واسعة في الجنوب، والتعامل معه كمنطقة عازلة و”خط دفاع أمامي”، دون أن يتحول وقف إطلاق النار إلى استقرار فعلي؛ ما أبقى الحالة ما بين التصعيد المنضبط والتهدئة غير المكتملة.
ماذا تريد الولايات المتحدة وإسرائيل من هذا المسار؟
يتجاوز الدفع الأمريكي نحو إدخال لبنان في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل إطار تثبيت التهدئة في الجنوب، ويعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الطرفين ضمن ترتيبات سياسية وأمنية تُدار أمريكيًا، بما يعيد تعريف موقع لبنان داخل التوازنات الإقليمية. وهو ما يظهر عبر مجموعة أهداف مترابطة تتحرك واشنطن لتحقيقها من خلال هذا المسار، تتمثّل بالآتي:
أولًا، تسعى واشنطن إلى تثبيت نموذج يربط الأمن بالاقتصاد، والتهدئة بالالتزام السياسي، وأي دعم مالي أو إعادة إعمار بقبول قواعد جديدة في الجنوب اللبناني. وضمن هذه المقاربة، يوضع لبنان أمام معادلة الاستقرار مقابل الانخراط في مسار تفاوضي، فيما يتحول اللقاء المباشر إلى أداة ضغط تنقل المسار إلى التزام سياسي علني يصعب التراجع اللبناني عنه لاحقًا.
ثانيًا، يرتبط هذا المسار بمحاولة فصل ساحات الاشتباك داخل محور المقاومة، عبر فصل التفاوض اللبناني–الإسرائيلي عن مسار مفاوضات إسلام أباد بين واشنطن وطهران، بما يحدّ من قدرة إيران على إدارة ترابط الجبهات ضمن شبكة ضغط إقليمية واحدة، ويمنح واشنطن فرصة للترويج لتحقيق أحد أهدافها المعلنة من عدوانها على إيران، والمتعلق بإضعاف شبكة نفوذها الإقليمي ووقف دعمها لحلفائها. لكن، هذا المسار الأمريكي-الإسرائيلي يواجه مباشرة بالموقف الإيراني، الذي يدفع باتجاه إبقاء لبنان ضمن معادلة إقليمية مترابطة تقوم على أن أي تفاهم مع الولايات المتحدة يجب أن يشمل الساحة اللبنانية ضمنه.
ثالثًا، لا يبدو أن الولايات المتحدة تتعامل مع اللقاء بوصفه هدفًا نهائيًا، بل بوصفه نقطة تحول لكسر حاجز سياسي قائم منذ عقود، بما يسمح بدمج لبنان تدريجيًا في بنية تفاوضية قد تطول. إذ يشكّل الانخراط اللبناني في مناخ تفاوضي مع إسرائيل، حتى دون التوصل إلى اتفاق نهائي، اختراقًا سياسيًا ينسجم مع التحولات التي تسعى واشنطن إلى تكريسها إقليميًا، الأمر الذي يجعل الملف اللبناني بيئة مواتية لإعلان نجاح سياسي وربطه ضمنيًا بمسارات أوسع، من بينها إعادة تنشيط مسار التطبيع واتفاقات أبراهام.
في المقابل، تبدو إسرائيل معنية بهذا المسار؛ كونه يمنحها شرعية سياسية دون تقديم تنازلات مسبقة. إذ يبدأ التفاوض الإسرائيلي من موقع ما بعد الإنجاز العسكري، ويتعامل معه لا بوصفه مسار تسوية، بل كأداة لتثبيت نتائج القوة العسكرية على الأرض، وتحويلها إلى ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد، تُقدَّم إنجازًا داخليًّا لحكومة نتنياهو في ظل اقتراب الانتخابات.
ومن هذا المنطلق، يُفهم استمرار الهجمات بعد إعلان الهدنة بوصفه جزءًا من آليات إدارة التفاوض نفسها، حيث يجري التفاوض تحت وطأة الضغط العسكري بهدف تكريس ما فُرض ميدانيًا وتوسيعه في الوقت نفسه. ولذا، تدفع إسرائيل نحو ترتيبات تشمل نزع سلاح حزب الله والمساعدة فيه، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يضمن تثبيت مناطق عازلة أو فرض قيود ميدانية دائمة. وهنا، تكتسب تصريحات نتنياهو في 27 أبريل، التي أكد فيها أن “حرية العمل في إحباط التهديدات الفورية أو الناشئة هي جوهر الاتفاق مع واشنطن وحكومة لبنان” دلالةً مباشرة على هذا التصور، إذ تعكس ربط أي تفاوض باستمرار اليد العسكرية المفتوحة.
في هذا الإطار، تبرز الأهمية الإستراتيجية للقاء المباشر بين عون ونتنياهو بوصفه قيمة سياسية تتجاوز نتائجه العملية. فلا تكمُن أهميته لإسرائيل في التفاوض بحد ذاته، وإنما في الاعتراف الضمني الذي ينتجه، لأنه يحوّل ما فُرض عسكريًا (رغم غياب الحسم/النصر الكامل) إلى واقع قابل للاعتراف السياسي، بالتوازي مع زيادة الضغط الداخلي على حزب الله في ظل الانقسام الداخلي حول ملف السلاح. كما أن مجرد ظهور قيادة لبنانية في لقاء علني مع نتنياهو ينقل العلاقة من حالة العداء الرسمي إلى مستوى تفاوض سياسي مباشر، حتى في غياب اتفاق نهائي.
وتتضاعف هذه الرمزية في ظل الضغوط الدولية على نتنياهو بعد حرب غزة والاتهامات المرتبطة بالإبادة، ومع استمرار المواجهة مع إيران وتداعياتها الإقليمية. لذلك يصبح أي لقاء مباشر مع طرف عربي ما يزال في حالة صراع رسمي مع إسرائيل عنصرًا في محاولة إعادة إنتاج شرعية سياسية ودبلوماسية، وإظهار القدرة على فرض مسارات تفاوضية رغم العزلة والضغط. ضمن هذا المنطق، يتحول اللقاء إلى جزء من معركة سردية أوسع تقوم على إبراز قدرة القوة العسكرية على إنتاج تحولات سياسية، ودفع الخصوم إلى التفاوض تحت الضغط.
انقسام الموقف اللبناني حول المفاوضات
يصطدم المسار المطروح نحو التفاوض أو اللقاء المباشر مع إسرائيل بالواقع اللبناني الداخلي، حيث يغيب موقف موحّد قادر على تحمّل كلفة هذا الانتقال مع استمرار العدوان الإسرائيلي، والانقسام حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل. وفي هذا السياق، يكشف الموقف الرسمي عن محاولة لإدارة هذا التناقض بدل حسمه. فالدولة لا ترفض التفاوض بالكامل، لكنها غير قادرة على تبنّيه بالشكل المطروح خارجيًا من دون غطاء داخلي. وقد ظهر ذلك في موقف الرئيس عون الذي ربط أي مسار تفاوضي “بوقف الأعمال العسكرية وبدء مفاوضات تنهي الوضع القائم في الجنوب”، كما صرّح في 8 مايو في تكرارٍ لردّه على تصريحات السفير الأمريكي في 5 مايو حين ربط أي لقاء مباشر “باتفاق أمني ووقف الاعتداءات الإسرائيلية”. وعبّر رئيس الحكومة نواف سلام في 6 مايو عن الاتجاه نفسه باعتبار الحديث عن لقاء مع نتنياهو “سابقًا لأوانه ويتطلب تحضيرًا واتفاقًا مسبقًا على مخرجاته”. وهو ما يأتي في ظل غياب الحصول على ضمانات أمريكية، وتأكيد السفير الأمريكي على أن بدء المفاوضات لا يعني توقف إسرائيل عن هجماتها، فإسرائيل وواشنطن تفصلان ما بين المسار السياسي و”الحرب على حزب الله”.
يعكس هذا الحذر الرسمي محاولة لتأجيل الانخراط الكامل في المسار وتثبيت شرط ميداني يسبق القرار السياسي، بما يحمي الدولة من كُلفه المحتملة داخليًا في ظل استمرار العدوان، لكن مع إبقاء الباب مفتوحًا للقاء دون الذهاب إليه فعليًا. فالدولة تتحرك تحت ضغط مزدوج؛ ما بين الحاجة إلى التهدئة والانفتاح الاقتصادي، مقابل الخشية من تفجير الانقسام الداخلي، ما يجعل موقفها أقرب إلى إدارة الوقت من دون القدرة على رفض المسار أو تبنّيه بالكامل.
في المقابل، يتمسك حزب الله بموقع مناهض لمنطق التفاوض، مؤكّدًا رفضه “القطعي” لأي مسار مباشر، ومعلنًا الاستمرار في المواجهة. ويستند هذا الموقف إلى عاملين أساسيين: التجربة السابقة بعد اتفاق عام 2024، واستمرار الهجمات العسكرية رغم التهدئة المعلنة حاليًا. إذ ينظر الحزب إلى التفاوض باعتباره امتدادًا للضغط العسكري الإسرائيلي، في ظل السعي الإسرائيلي إلى تحويل نتائج القوة الميدانية إلى ترتيبات سياسية وأمنية دائمة. لذلك يصبح رفض التفاوض جزءًا من معادلة الردع، لأن أي انتقال إلى تفاوض مباشر في ظل استمرار العمليات العسكرية يُقرأ بوصفه تثبيتًا للوقائع التي تحاول “إسرائيل” فرضها بالقوة. وبالتوازي مع ذلك، جاء موقف نبيه بري في 4 مايو الرافض للمفاوضات “تحت النار” ليؤكد غياب توافق داخلي، حتى داخل البنية السياسية الرسمية، حول توقيت التفاوض وشروطه.
ضمن هذا المشهد، تتبلور معادلة ازدواج سيادي فعلي؛ الدولة تمتلك الشرعية التمثيلية، فيما يمتلك حزب الله قدرة التأثير في القرار الأمني والميداني، ما ينتج تعطيلًا مستمرًا في إنتاج قرار موحد حول قضايا الحرب والسلم والتفاوض.
طريق محفوف بالمخاطر
يفرض أي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل كلفًا داخلية تتجاوز التفاوض نفسه، لأنه يلامس ملفات لم تُحسم أصلًا داخل البنية اللبنانية، وفي مقدمتها سلاح حزب الله، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحدود القرار السيادي للدولة ضمن نظام يقوم على توازنات سياسية وطائفية معقّدة. لذلك، تحمل أي تفاهمات محتملة للتفاوض تداعيات على الدولة اللبنانية بفعل الخلاف حول شرعيتها وإمكان تطبيقها، في ظل ارتباطها بالاشتراطات الإسرائيلية المتعلقة بالترتيبات الأمنية في الجنوب ومستقبل سلاح حزب الله. فبينما يتمسك الحزب بسلاحه باعتباره عنصر الردع الأساسي في مواجهة إسرائيل، فضلًا عن كونه “شأنًا لبنانيًا داخليًّا”، تنظر إليه قوى سياسية أخرى باعتباره جزءًا من أزمة السيادة ووحدة القرار، ما يجعل هذا الملف مركز الكُلفة السياسية لأي انخراط تفاوضي محتمل. ضمن هذا الواقع، يتشكل في الداخل اللبناني مساران متقابلان تجاه التفاوض. الأول يدفع نحو الانخراط في المسار المطروح باعتباره فرصة لوقف الحرب وفتح باب إعادة الإعمار والدعم الدولي، والثاني يتعامل معه بوصفه تنازلًا وأداة ضغط لإعادة تشكيل التوازن الداخلي قسرًا.
وتزداد المخاطر بفعل البنية الطائفية المتجذرة للنظام اللبناني. إذ يشكل الثنائي الشيعي (“حزب الله”-حركة أمل) امتدادًا اجتماعيًا واسعًا داخل المجتمع اللبناني، ما يحوّل أي مقاربة لنزع السلاح بحسب المنظور الإسرائيلي إلى أزمة تمسّ التوازنات الداخلية والاستقرار السياسي، وتفرض انعكاسات مجتمعية. إن دفع الدولة إلى مواجهة مباشرة مع “حزب الله” والطائفة الشيعية بذريعة تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة ونزع السلاح، يهدف بالدرجة الأولى إلى استكمال أهداف الحرب سياسيًا بعد تعثر إسرائيل في فرضها ميدانيًا. كما يتجاوز الانقسام حول السلاح وتطبيع العلاقة مع إسرائيل البيئة الشيعية، إذ تتقاطع معه قوى وأوساط سياسية واجتماعية تتبنى سردية المقاومة، وترى أن التجربة التاريخية أثبتت أن السلاح هو الذي صاغ معادلة الردع، وفرض الانسحاب على إسرائيل، في مقابل فشل الاتفاقيات السابقة والحالية في تحقيق ذلك.
وعليه، يهدد الانتقال إلى تفاوض مباشر في ظل استمرار العمليات العسكرية بتوسيع الانقسام داخل مؤسسات الدولة ذاتها، بما يطال الحكومة والمؤسسة العسكرية والتوازنات الطائفية نفسها. إذ إنّ غياب وقف إطلاق نار مستقر، بالتوازي مع الحديث عن التفاوض، يخلق تناقضًا دائمًا بين الوقائع الميدانية (من تدمير ونسف ونزوح واحتلال أراضٍ) وما يُطرح سياسيًا، بحيث يمنح أي تصعيد القدرة على تعطيل المسار أو إعادة خلط شروطه. إضافة إلى أنّ أي محاولة لفرض ترتيبات أمنية تمسّ ملف السلاح قد تدفع نحو احتكاكات سياسية وميدانية تضع البلاد أمام خطر انفجار داخلي واسع، قد يهدد بحرب أهلية.
لهذا تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن حسم موقعها النهائي من هذا المسار؛ فهي لا تملك القدرة على الذهاب إلى تفاوض مباشر من دون غطاء داخلي، كما لا تستطيع رفضه بالكامل تحت ضغط الواقع الخارجي. ونتيجة ذلك، يبقى أي مسار تفاوضي محتمل محكومًا بالهشاشة وإن بدأ، لأنه يظل مهددًا بالانهيار عند أول اختبار سياسي أو ميداني. لِذا، يبقى التفاوض المباشر خيارًا مطروحًا نظريًا، إلا أنّه يظل غير قابل للتحقق العملي في غياب توافق داخلي. وعليه، لم يعد السؤال الجوهريّ هو: متى يبدأ التفاوض بلقاء مباشر؟ بل أصبح: هل يوجد –أصلًا- قرار لبناني قادر على تحمّل كُلفته والاستمرار فيه؟
ختامًا
تُظهر التجربة اللبنانية الممتدة مع إسرائيل أنّ العلاقة بين الطرفين لم تنتج في أي مرحلة تسوية مستقرة ومكتملة، بل بقيت تتحرك بين محطات تفاوض محدودة، واتفاقات أمنية جزئية، وحروب متكررة، انتهت في معظمها إلى واحدة من ثلاث نتائج: فشل سياسي، أو انسحاب أحادي، أو تهدئة مؤقتة بإدارة خارجية.
تمثّلت أولى هذه المحطّات في محاولة لإنتاج اتفاق سياسي–أمني مباشر برعاية أمريكية في اتفاق 17 أيار 1983، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وقد مثّل محاولة لإعادة صياغة العلاقة عبر ترتيبات شاملة، لكنه انهار قبل أن يدخل حيّز التنفيذ بفعل الاحتلال العسكري والانقسام الداخلي والرفض الإقليمي، وانتهى إلى إلغائه عام 1984. وقد رسّخت هذه التجربة مبكرًا معادلة مفادها أن التفاوض في ظل اختلال ميزان القوة والانقسام الداخلي لن يقود إلى تسوية، وسيعيد إنتاج الأزمة داخليًا.
في عام 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان أحاديًا بلا اتفاق سياسي، في محطة أعادت تشكيل الصراع بينهما. إذ لم تنتج تسوية أو سلامًا، وإنما أنتجت وضعًا جديدًا يقوم على حدود غير مستقرة، تُدار بقواعد اشتباك غير مكتوبة قائمة على الردع المتبادل، بما يبقي احتمال التصعيد قائمًا. ثم جاءت حرب 2006 التي انتهت بقرار 1701، الذي أوقف العمليات العسكرية وأدخل الجنوب في إطار دولي عبر قوات دولية وترتيبات مراقبة حدودية، دون أن يُنتج تسوية سياسية، بما أبقى الجنوب ضمن حالة الاستقرار الهش أمام أي تصعيد. أما مؤخرًا، فقد أثبتت تجربة اتفاق نوفمبر 2024 فشل الالتزام الإسرائيلي بمتطلبات تنفيذ “وقف عملياتها والانسحاب التدريجي”.
في ضوء ذلك، يظهر أن ما يجري اليوم لا يخرج عن السياق التاريخي نفسه، لكنه يتحرك ضمن شروط أكثر تعقيدًا في ظل ثلاثة عناصر غير مستقرة: تصعيد ميداني مستمر في الجنوب؛ وانقسام داخلي؛ وضغط خارجي يربط التفاوض بترتيبات أمنية واقتصادية أوسع. كما تتكرر ثلاث سمات أساسية عند الربط بين التاريخ والحاضر؛ وهي أنّ التفاوض يأتي دائمًا في ظل اختلال ميزان القوة؛ ولا يهدف لتحقيق تسوية نهائية بقدر ما يعيد إنتاج شكل جديد من الصراع؛ كما يصطدم بالبنية الداخلية اللبنانية المنقسمة. لذلك، لا يشكل تاريخ التفاوض اللبناني مرجعًا للماضي بقدر ما يشكّل إطارًا يحدد سقف الممكن السياسي في اللحظة الراهنة، حيث يصطدم أي مسار يتجاوز منطق إدارة الصراع بالبنية نفسها التي أعادت إنتاج هذا الصراع لعقود. كما أنّ التفاوض المطروح اليوم يتجاوز الإطار اللبناني–الإسرائيلي ليصبح محكومًا بمعادلات ترتبط بمنظومة الردع الإقليمي، وبصراع أوسع بين مقاربة تسعى إلى فصل ساحات الاشتباك، وأخرى تدفع نحو إبقاء ترابطها وتأكيد وحدتها.



