الجبهة الثامنة: حرب إسرائيل على الأمم المتّحدة

يُنقل عن بن غوريون، تعبيره اليديشي “Um-Shmum” )الأمم المتحدة لا شيء) الذي أطلقه عام 1955، تجسيدًا لازدرائه للأمم المتحدة والاستخفاف بقراراتها، وتأكيدًا على مقولته بأن “شجاعة اليهود هي التي أسست الدولة وليس قرارات الأمم المتحدة الفارغة”. ولم يكن هذا الموقف عابرًا، بل ظل يتردد مرارًا على ألسنة الساسة والمؤرخين والباحثين منذ ذلك التاريخ. ولم يقتصر حضور هذا التعبير الساخر على الأدبيات السياسية فحسب، بل امتد إلى إنتاجٍ سينمائي وثائقي، حيث تناول الفيلم السينمائي “Um-Shmum: Seven Hours to Death” (المنتج عام 2011) تطور العلاقة الإسرائيلية بالأمم المتحدة من منظور بن غوريون الساخر.

ولا يختلف الواقع الراهن كثيرًا عن محطات تاريخية سابقة، سواء في عام 1955 حين كانت إسرائيل تستعد لاحتلال قطاع غزة، أو في حرب 2006 حين قصفت ملاجئ ومقرات دولية. ويمتد هذا السلوك في سلسلة متصاعدة من الانتهاكات للقوانين والقرارات الدولية منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي تُوّجت بشن إسرائيل حملة دعائية ضد الأمم المتحدة ومؤسساتها، وصف خلالها وزير الخارجية الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” الأمم المتحدة بأنها “الجبهة الثامنة” التي يحاربون عليها.

وفي ضوء ذلك، تسعى هذه المادة إلى تفكيك الموقف الإسرائيلي الشامل من المنظمة الدولية الأم، من لحظة السعي نحو الشرعية إلى تحولات العلاقة من التوظيف إلى التوتر وحتى العداء المنهجي الذي تصاعد بُعيد السابع من أكتوبر. وهو عداء تجسّد في محاولات دؤوبة لتقويض شرعية المنظمة، والتشكيك في نزاهة منهجيتها، وإعادة تأطيرها دوليًا بوصفها كيانًا (معاديًا ولاساميًا). ويهدف هذا التتبع لكشف طبيعة العلاقة بين القوة والقانون في السياسة الدولية، وكيف يُمكن للأولى أن تخلق استثناءً بنيويًا داخل البنية القانونية الدولية، تُتيح لها انتهاكًا بلا عواقب، وحصانةً مهندسة تُفرغ المنظومة القانونية الدولية من قوتها.

سعي الحركة الصهيونيّة إلى الشرعيّة الدوليّة

منذ اللحظة الأولى أدركت الحركة الصهيونية بأن مشروعًا استيطانيًا في قلب العالم العربي لا يمكن له أن يصمد بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى سندٍ قانوني دولي يجعله أمرًا واقعًا لا يمكن للتاريخ التراجع عنه، لذا كان من قرارات المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، “اتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني”، وذلك انعكاسًا لرؤية هيرتزل في كتابه “الدولة اليهودية”، الذي طرح فيه أهمية تحويل المسألة اليهودية إلى مشكلة سياسيةٍ دولية، تجتمع فيها كل الأمم “المتحضرة” لمناقشتها وإيجاد حلٍ لها، بمعاونة من الحكومات المعنية.

تزامن ذلك مع مسارات شرعنة مختلفة كان من أولها؛ الحصول على وعد بلفور عام 1917، الذي صدر عن وزير الخارجية البريطاني، ولم يكن ملزمًا قانونيًا في حينها، إلا أنه وفّر الدعم السياسي الدولي للمشروع الصهيوني، عندما اكتسب صيغة قانونية رسمية بإدماجه في صك الانتداب البريطاني الصادر عن عصبة الأمم عام 1922.

يُضاف إلى ذلك، إنشاء شبكة مؤسسات متكاملة تؤدي وظائف دولةٍ ناشئة، بما عُرف ببنية “الدولة قبل الدولة“، شملت مؤسسات مالية وعسكرية وتعليمية وإدارية مستقلة عن السكان الفلسطينيين، وعن إدارة الانتداب البريطاني نفسه.

ما إن انتهت النكبة عام 1949 بقيامٍ فعلي للدولة، وبإعلان استقلالٍ انتقى نصوص قرار التقسيم 181، واصفًا إسرائيل بأنها “أمينة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، حتى حشد الكيان الجديد جهوده سعيًا لعضوية كاملة في الأمم المتحدة، مقدمًا طلبًا في مارس/آذار 1949 إلى مجلس الأمن، بعد أقل من سنة على التهجير والنكبة.

ولم يكن هذا الحراك السريع نحو الشرعية الدولية -والذي تُوّج بالاعتراف بإسرائيل دولةً كاملة العضوية في الأمم المتحدة نتاج الانتصار العسكري فقط، بل جاء -على غرار قرار 181- تتويجًا لسياسية متدرجة. فقد ارتكز هذا المسار على اكتمال الاحتلال العسكري عام 1948، وتحول المجتمع الاستيطاني إلى دولةٍ جاهزة لإدارة شؤونها، فضلًا عن المناورة التي قادتها الوكالة اليهودية بتقديم نفسها للأمم المتحدة طرفًا قبل قرار التقسيم مقابل الرفض العربي. ويبرز هنا دور مهندس الدبلوماسية الإسرائيلية المبكرة “موشيه شاريت”، الذي أطلق حملة مكثفة لإقناع الدول بأن إسرائيل دولة مؤسسات مستقرة، تلتزم بميثاق الأمم المتحدة، وقادرة على لعب أدوارٍ مهمة داخل النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، وجمَع تأييد كلٍ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، مع بقائه تحت المظلة الأممية في الوقت ذاته، مستغلًا سرديّة “المسؤولية الأخلاقية” للغرب لتعويض اليهود بتأمين دولةٍ آمنةٍ لهم بعد الهولوكوست.

أما النقطة الحاسمة في هذه الحملة، فهي التعهد السياسي والقانوني الإسرائيلي بقبولها لحلول الأمم المتحدة لقضيتي اللاجئين والقدس واحترامها للقرارات المرتبطة بهما، ما جعل قرار الجمعية العامة مستندًا لهذا التعهد، لتحصل على عضويتها الكاملة في 11 مايو/أيار 1949، إثر الإقرار بأنها “دولة محبة للسلام، تقبل دون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وتتعهد بأن تحترمها منذ اليوم الذي تصبح فيه عضوًا في الأمم المتحدة”!

وهكذا دخلت “الدولة المحبة للسلام” بوابة الأمم المتحدة، وأصبحت الدولة التاسعة والخمسين التي انضمت إلى المنظمة منذ تأسيسها عام 1945، لتبدأ العلاقة منذ ذلك الحين بسلسلة تقلبات وتحولات، تتكئ فيها إسرائيل على المنظمة الدولية حينًا لتأكيد شرعيتها، وتضعها في حينٍ آخر في خانة الخصوم ومعادي السامية.

علاقة شائكة منذ البداية

لم تكد إسرائيل تضع قدمها على عتبة الأمم المتحدة، حتى تحولت استفادتها من التنافس الأمريكي السوفيتي لخسارة في مكاسبها الأممية، خاصة بعد إعادة الاصطفاف إبان الحرب الباردة، ما جعلها جزءًا من المحور الأمريكي وأفقدها دعم الاتحاد السوفيتي. ومع تغير هيكلية الأمم المتحدة ووصول عدد أعضائها لأكثر من 100 بنهاية الخمسينيات، معظمهم من دول ما بعد الاستعمار في إفريقيا وآسيا، وجدت إسرائيل نفسها أمام معضلة التهميش في مقابل تصدر القضية الفلسطينية سُلم أولويات مجموعتي إفريقيا وآسيا اللتين لم تقبل فيهما إسرائيل.

كانت المواجهة الأولى عام 1956، حين اتخذت الأمم المتحدة موقفًا رافضًا للعدوان الثلاثي على مصر، وتحركت ضد فيتو كل من بريطانيا وفرنسا بإنشاء أول قوة طوارئ دولية فعلية لتجاوز شلل مجلس الأمن، لتُصدر الجمعية العامة في جلسةٍ طارئة قرارات بوقفٍ فوريٍ لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسية، واحترام سيادة مصر. ورغم أن المنظمة أقرت تسهيل الملاحة الاسرائيلية في خليج العقبة، وعدم إغلاق مضيقي تيران وصنافير في وجهها، إلا أن إسرائيل -ولاسيما رئيس وزرائها بن غوريون- هاجمت المنظمة بعنف. وفي مرحلةٍ لاحقة، اتخذ بن غوريون قرارًا بنقل مكاتب الوزارات الحكومية إلى القدس، تحديًا لمبادرة الجمعية العامة لتدويل القدس، قائلًا لموشيه شاريت: (إذا ما وُضعنا أمام خيار مغادرة القدس أو مغادرة الأمم المتحدة، فإننا نفضل مغادرة الأمم المتحدة).

بالنسبة لإسرائيل، كان الخروج من كل مواجهة عسكرية يعني الاصطدام بمواقف أممية أكثر صرامة وسلبية تجاهها، وبقرارات معارضة لمطامحها. وتجلّى هذا المسار بوضوح في أعقاب حرب 1967، حين وجدت إسرائيل نفسها أمام مواجهة القرار 242، وتوالت الصدمات الدبلوماسية بعد ذلك، إذ اعترفت الجمعية العامة في القرار 2535 لعام 1970 بـ”الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني” وحقه في تقرير المصير. وفي عام 1974، جاء القرار رقم 3210 ليمثّل اختراقًا سياسيًّا لافتًا بدعوة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية “ياسر عرفات” لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة، مع منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب في جميع مؤسسات الأمم المتحدة. فيما شكّل القرار 3379 الصادر في نوفمبر 1975 نقطة تحوّل رئيسة في تدهور العلاقات بين إسرائيل والأمم المتحدة، حيث نصّ على أن “الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”.

السياسة الاستباقية منذ التسعينيات

ومع مطلع التسعينيات، شهدت علاقة إسرائيل بالأمم المتحدة تحوّلًا لافتًا فرضته المتغيرات السياسية المتسارعة، وفي مقدّمتها تفكك الاتحاد السوفيتي وصعود الولايات المتحدة قوةً عُظمى وحيدة. وقد انعكس هذا الاختلال في موازين القوى على الصعيد الدبلوماسي بالتزامن مع مؤتمر مدريد للسلام، الذي اشترطت إسرائيل للمشاركة فيه إلغاء القرار 3379 المتعلق بتعريف الصهيونية كشكلٍ من أشكال العنصرية. وتكرّس هذا الانفراج الأممي بفضل سلسلة اتفاقيات السلام التي وُقّعت لاحقًا مع الجانبين الفلسطيني والأردني، وما رافقها من حملات واسعة لتطبيع العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية والإفريقية والآسيوية.

نتيجة هذه المتغيرات توجهت السياسة الإسرائيلية لزيادة فاعليتها في الأمم المتحدة، لكن المفصل الحاسم كان بعد عام 2000، إذ استطاعت إسرائيل الالتفاف على رفض المجموعتين الآسيوية والإفريقية لها، لتصبح عضوًا في مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى (الولايات المتحدة، كندا، استراليا، نيوزيلندا). وقد ترافق ذلك مع اتباع إسرائيل ما أطلقت عليه: “السياسة الاستباقية نحو الانخراط في الأمم المتحدة”. فوفقًا ليارون سلمان[1]، الباحث الإسرائيلي في العلاقات الدولية، فقد حددت إسرائيل ثلاث إستراتيجيات لاختراق الأمم المتحدة ضمن سياستها الاستباقية منذ عام 2000؛ أولاها: المشاركة في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. وثانيها: الحصول على مناصب رئيسة داخل مؤسسات الأمم المتحدة. وثالثها: السعي للتأثير على أنماط التصويت في الجمعية العامة.

ففي الإستراتيجية الأولى استخدمت قدراتها التكنولوجية في مجالات أنظمة الري بالتنقيط وتطوير الطاقة الشمسية، والإدارة الاقتصادية وتقديم المساعدات الاقتصادية لدول العالم الثالث. أما على صعيد المناصب، فخلال 19 عامًا فقط نجحت إسرائيل في تصدير 103 إسرائيليين لمناصب حساسة ورفيعة في الأمم المتحدة، منها اختيار “دان جيلرمان” ممثلًا لمجموعة العمل العالمية، و”دون بروسور” للمنصب نفسه عام 2012، و”داني دانون”، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، للعمل نائبًا لرئيس الجمعية العامة عام 2016. وأما على صعيد التأثير على التصويت فتتركز الإستراتيجية على رفع نسبة الامتناع عن التصويت أو الغياب بدلًا من تحويل أنماط التصويت لصالح إسرائيل مباشرة، وذلك من خلال التركيز على الدول الإفريقية والدول النامية في آسيا وأمريكا اللاتينية عبر العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية ومشاريع التنمية المشتركة.

ورغم أن هذه الإستراتيجية نجحت مع بعض الدول الإفريقية واللاتينية، إلا أن اكتفاءها بالامتناع أو الغياب بديلًا عن التصويت لمصلحة إسرائيل يعكس محدودية التأثير الإسرائيلي، لا سيما أن الجمعية العامة أقرت ما بين عامي (2015- 2019) 94 قرارًا مناهضًا لإسرائيل. كما يصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقارير دورية منذ عام 2006 حول “حالة حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى”، راصدًا الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. يُضاف إلى ذلك تقرير اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) الصادر في أكتوبر 2016، الذي يُشكك في الروابط بين اليهودية وحائط البراق، وتقرير مايو 2017، الذي ينفي السيادة الإسرائيلية على القدس.

لكن هذا لا يعني بالنسبة لإسرائيل الانسحاب من الأمم المتحدة، أو التخلي عن النهج الاستباقي للانخراط في مؤسساتها. يُعبر دان جيلرمان، السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة، عن هذه الرؤية بالقول: “إن أي قرارٍ من جانب إسرائيل بالانسحاب أو عدم الانضمام إلى الهيئات المختلفة من شأنه أن يخدم معارضي إسرائيل، الذين سيملؤون الفراغ الذي ستتركه إسرائيل عاجلًا أم آجلًا، وسيعملون ضدها بحريةٍ أكبر، الأمم المتحدة ساحة مهمة، وهي برلمان العالم، وفرصة لإظهار إسرائيل الحقيقية وإقامة علاقات مع دول العالم”.

في هذا السياق، اعتمدت علاقة إسرائيل بالأمم المتحدة على دورٍ أساسي للولايات المتحدة، تمثّل في الضغط على الدول وممثليها، وتوجيه صياغة القرارات، والاستخدام المتكرر لحق النقض “”الفيتو”. فمنذ أكتوبر 2023 حتى نهاية عام 2025، طُرح في مجلس الأمن 11 مشروع قرار يتعلق بغزة، ويطالب بوقف إطلاق نارٍ فوري، وتمكين وصول المساعدات، ووقف إطلاق النار في رمضان، ورفع الحصار، مُرر منها ثلاثة قرارات فقط، تُطالب بزيادة المساعدات الإنسانية والهدنة بامتناعٍ أمريكي، أما البقية فوقف الفيتو الأمريكي في وجهها.

لم يقتصر دور الولايات المتحدة، تاريخيًّا، على تأمين الحصانة عبر الفيتو -الذي استخدمته 51 مرة في مجلس الأمن لصالحها منذ تأسيس الأمم المتحدة- بل امتد إلى طبيعة الحصانة التي أرستها، إذ تعدّ واشنطن صاحبة أكبر عددٍ من الفيتوات التي أجهضت قرارات تنتقد إسرائيل مقارنةً بأي عضو دائم آخر. وقد استُخدم نحو ثلث هذه الفيتوات تحديدًا لمنع صدور قرارات تتعلق بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أو بالانتهاكات بحق الفلسطينيين، ما جعل من الفيتو الأمريكي درع حماية تقطع به الصلة بين انتهاك القانون الدولي وأي عواقب قانونية على إسرائيل.

في عام 2002، تحول الفيتو إلى سياسة ممنهجة وفق “مبدأ نيغروبونتي”، حين أعلن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة “جون نيغروبونتي” الشروط الأمريكية المسبقة لقبول أي قرار في مجلس الأمن يتعلق بالنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، من بينها وجوب إدانة صريحة للإرهاب الفلسطيني بالاسم، وعدم المطالبة بانسحاب إسرائيلي دون ربطه بالشروط الأمنية، ما وفر لإسرائيل ضمانة مؤسسية مستدامة تجعل مجلس الأمن عاجزًا عن اتخاذ أي إجراء إلزامي بحقها، بغض النظر عن طبيعة فعلها.

تكرس هذا الأمر في حقبة ترامب الثانية، عندما تحول الدور الأمريكي من توفير غطاءٍ وحصانة، إلى مشاركة نشطة في نزع شرعية المؤسسات الدولية التي تحاول محاسبة إسرائيل وتفكيكها، وذلك عندما أصدر ترامب في فبراير 2025 مرسومًا تنفيذيًا يفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، سبقه بأسابيع تصويت مجلس النواب الأمريكي على تشريع يفرض عقوبات على المحكمة.

الصدام بعد السابع من أكتوبر

دخلت العلاقة مرحلة أكثر حدة بُعيد السابع من أكتوبر 2023، في ظلّ حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ اعتمدت السياسة الإسرائيلية إستراتيجية محددة في التعامل مع الأمم المتحدة وهيئاتها، تمثلت في فرض سقف خطاب دولي لا تقبل بأقل منه من قبل الجهات الدولية والأممية. ويرتكز هذا الخطاب على طلب التعاطف الدائم، والموافقة الضمنية على جرائمها العسكرية، وتبرير نتائج أعمالها، فضلًا عن التشكيك في أي انتهاكات تُكشف عبر تصنيفها حوادث فردية أو من مصادر فلسطينية. غير أن موقف الأمم المتحدة من العملية جاء سلبيًا وفق النظرة الإسرائيلية، فلم يستجب مجلس الأمن للطلب الإسرائيلي بـ “إدانة جرائم حرب حماس، بشكل لا لبس فيه، وتلقي إسرائيل دعمًا قويًا للدفاع عن نفسها”، لا سيما في ظل الموقف الروسي والصيني الداعي إلى “ـوقف فوري للقتال وإجراء مفاوضات هادفة”، واعتبار أحداث السابع من أكتوبر ناتجة جزئيًّا عن “قضايا لم يتم حلها”.

ثم جاء موقف الأمين العام للأمم المتحدة ليثير غضب إسرائيل، فبالرغم من إدانته لعملية السابع من أكتوبر، إلا أن تذكيره بأنها “لم تأت من فراغ”، وأن الفلسطينيين عانوا من “احتلال قمعي” طوال عقود، فضلًا عن إشارته إلى أن إسرائيل ارتكبت “انتهاكات ضد القانون الإنساني الدولي في غزة”، أشعل موجة ردود فعل إسرائيلية غاضبة. وعلى إثر ذلك اعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية أن غوتريتش “تجاوز الخط الأحمر”، بينما طالب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، جلعاد إردان، باستقالته الفورية، معلنًا أن الحكومة الإسرائيلية سترفض منح تأشيرات لممثلي الأمم المتحدة. وتوّجت هذه الإجراءات بإعلان وزير الخارجية كاتس في أكتوبر 2024، اعتبار الأمين العام أنطونيو “شخصًا غير مرغوب فيه”، كما وصفه بأنه “وصمة عار في تاريخ المنظمة”.

تطور الوضع لاحقًا عبر الاتهامات الإسرائيلية للأونروا، بمشاركة عددٍ من موظفيها في السابع من أكتوبر وعلاقات عددٍ آخر بفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، ما أدى إلى سلسلة قرارات وتشريعات إسرائيلية انتهت إلى قطع العلاقات مع الأونروا، وإنهاء عملها داخل “إسرائيل” والقدس.

في العام نفسه، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح 7 قرارات تُطالب بوقف إطلاق نارٍ فوري، وترقية مكانة فلسطين إلى دولة كاملة العضوية، والمطالبة بإنهاء الاحتلال، ودعم الأونروا، وإحالة الالتزامات الإسرائيلية تجاه الأونروا إلى محكمة العدل الدولية، والمطالبة بفتح كل المعابر. استمرت إسرائيل بدورها في المعارضة لقرارات الأمم المتحدة، وتصاعدت هجماتها بحق الموظفين الدوليين، ومنعت المقررة الخاصة “فرانشيسكا ألبانيز” من دخول الأراضي المحتلة، واستمر سعيها لوأد الأونروا في غزة والضفة الغربية.

في مرحلةٍ لاحقة، تجاوزت إسرائيل حدود الخطاب نحو اتخاذ خطوات على الأرض، إذ أجبر إقرار الكنيست حظر عمل الأونروا أفراد المنظمة على إخلاء مقرها في القدس الشرقية، بعد طرد موظفيها الدوليين. ثم توسع ذلك في لبنان عندما طال استهدافها قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني، بالإضافة إلى استمرار منع المنظمات الدولية من دخول قطاع غزة، وتقييد دورها الإغاثي والتوثيقي والتشكيك المتواصل بتقاريرها وأرقامها.

خاتمة

في المحصلة، يتراوح السلوك الإسرائيلي تجاه الأمم المتحدة بين “الدولة العضو في المنظمة الدولية” و”المواجهة بين الدولة التي تدافع عن وجودها والمنظومة الدولية المنحازة للدول الكارهة لها”، وهو ما عبر عنه نتنياهو في خطابه في الأمم المتحدة عام 2024، بالقول: “إن المنظمة انحازت ضد إسرائيل، وإنها ما لم تقم بمعالجة هذا الوضع المعادي للسامية فإن أصحاب المبادئ في جميع أنحاء العالم سينظرون إلى الأمم المتحدة على أنها مهزلة”.

وفقًا لهذه المقاربة، لا تكتفي إسرائيل برفض القرارات الأممية، بل تقلب المنطق القانوني لصالحها، إذ تقدم نفسها ضحية للمنظومة القانونية الدولية، من خلال اتهامها بأنها “أداة في يد محور إيران” أو “ذراع قانوني لحماس”، وأن ردودها تعكس “مسارًا ممتدًا لعقود من السعي لتدمير إسرائيل ونزع شرعيتها وتطبيق معايير مزدوجة بحقها”، وهي الإستراتيجية التي يتبناها فريق أكاديمي وسياسي إسرائيلي وأمريكي يطالب بمحاسبة الأمم المتحدة. ويتخذ لتطبيقها أشكالًا عدة، من قبيل؛ سياسة نزع الشرعية عن بعض مؤسسات الأمم المتحدة، والطعن في حياد تقاريرها وآلياتها القانونية ومصادر بياناتها، والتركيز على الرهائن الإسرائيليين، وحق إسرائيل في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وفق ذلك، فإن ما يمكن تصوره من قطيعة بين الأمم المتحدة وإسرائيل ليس أمرًا بنيويًا بالضرورة، بل يقتصر على هيئات بعينها في الأمم المتحدة، أو يرتبط بقرارات تخرج عن القدرة الإسرائيلية على الضبط (عبر الفيتو الأمريكي) أو السيطرة (عبر المساعدات التنموية). ويندرج في هذا الإطار موقف الأمم المتحدة من الحرب على لبنان عام 2006، وتبنيها لقرار تحقيق لجنة جولدستون في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2011، أو المساعي الفلسطينية للحصول على العضوية الكاملة. وهي قضايا طالما شكلت أزمة بين إسرائيل والأمم المتحدة، ولكن رغم ذلك تظل الأمم المتحدة ساحة مهمة للدبلوماسية الإسرائيلية، تجد في أروقتها مساحة لتأكيد وجودها، ومنافسة الفلسطينيين ومؤيديهم على فرض السردية.


[1] Salman, Yaron & Assessment, Strategic. (2020). The UN and Israel: From Confrontation to Participation. 23.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى