مناورة بدر 2026: هل ستندلع الحرب بين مصر وإسرائيل

في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان 2026، اختتم الجيش المصري المرحلة الرئيسة من “مناورة بدر 2026” بالذخيرة الحية، بمشاركة وحدات من الجيش الثالث الميداني المتمركز بمحافظة السويس، متضمنةً دبابات وطائرات ومروحيات هجومية. وسرعان ما أثارت هذه المناورة جدلًا واسعًا داخل إسرائيل، تجلّى بوضوح في مقال نشره اللواء الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك في صحيفة معاريف بالتزامُن مع ختام المناورات، حذّر فيه مما اعتبره استعدادًا مصريًّا للحرب ضد تل أبيب، متهمًا القاهرة بانتهاك معاهدة السلام.

تنطلق هذه الورقة من قراءة المناورة وما رافقها من خطاب إسرائيليّ ليس بوصفها حدثًا عسكريًا معزولًا، وإنما حلقة في مسار أوسع تُعيد فيه إسرائيل تعريف بيئة التهديدات الإقليمية؛ إذ بات يُدرَج في هذه البيئة فاعلون جدد، وفي مقدمتهم مصر باعتبارها “العقدة العربيّة” التي لم تنجح إسرائيل في احتوائها. ومن هنا، يصبح السؤال المركزي: لماذا يجري تضخيم مناورة مشروعة قانونيًا ومُنسَّقة مسبقًا، وما الوظائف التي يؤدّيها هذا التضخيم داخل البنية السياسية والإستراتيجية الإسرائيليّة الراهنة؟

مناورة “بدر 2026” في الخطاب الإسرائيليّ

تحتاج قراءة مناورة بدر 2026 إلى التمييز بين بُعدها العملياتي وبُعدها الرمزي. فعلى المستوى العملياتي، نُفِّذَت المناورة بالذخيرة الحيّة بمشاركة آلاف الجنود من الجيش الثالث الميداني، الذي يتمركز جزئيًا في شبه جزيرة سيناء، وشملت دبابات وقوّات خاصة من الصاعقة والمظلات، ومروحيات وطائرات حربية في مسرح صحراوي مفتوح، حضرها وزير الدفاع المصريّ الفريق أشرف زاهر، الذي أكد أنّ “القوات المسلّحة قادرة على حماية الوطن وصون مقدّساته”. أمّا على المستوى الرمزي، فقد جرت المناورة في توقيتٍ بالغ الحساسية، يتقاطع فيه ذكرى تحرير سيناء في 25 نيسان/أبريل، مع اللحظة الإقليمية التي أعقبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، وتفاقم التوتّرات بالشرق الأوسط جرّاء حالة عدم اليقين السائدة لا سيّما مع عدم عجز واشنطن وتل أبيب عن صياغة نهاية للحرب.

ضمن هذا الإطار، تصبح المناورة في القراءة الإسرائيليّة رسالة مزدوجة؛ رسالة جاهزية عسكرية إلى الداخل المصريّ، ورسالة ردع إقليمية على خلفية تنامي القلق المصريّ من المشاريع الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء، وذلك علاوة على أنها تأتي ضمن مسار متواصل لخطاب إسرائيلي موجه ضد مصر. فقد شَهِدَ الخطاب الإسرائيليّ تجاه مصر منذ نهاية عام 2023 تحوّلًا تراكميًا، انتقل خلاله من إدارة احتكاكات قطاعية إلى بناء سرديّة بنيوية حول تهديد مصري ناشئ. وتقوم هذه السردية على ركائز ثلاث: التضخيم الكمّي للحضور العسكري المصريّ في سيناء، والتضخيم النوعي لطبيعة البنى التحتية المُقامة، ثمّ التأويل المتنامي للأنشطة المصريّة بوصفها استعدادًا لحرب استباقية.

فعلى المستوى الكمّي، تروّج التقديرات الإسرائيلية لرقم 40 ألف جندي مصري متمركز بصورة دائمة في شبه جزيرة سيناء، مع منظومات دفاع جوي بعيدة المدى من طراز HQ-9B في مناطق كانت محظورة سابقًا. أمّا على المستوى النوعي، فيشير المسؤولون الإسرائيليون إلى توسعة مدارج المطارات في سيناء بما يُتيح استقبال طائرات مقاتلة، وإنشاء منشآت تحت الأرض يُشتبه في إمكانية استخدامها لتخزين الصواريخ، رغم اعترافهم بعدم وجود أيّ دليل فعليّ على ذلك. وعلى المستوى التأويلي، يُعاد تقديم هذه التطورات بوصفها عبورًا تدريجيًا للعتبة الدفاعية نحو بناء قدرة هجومية.

غير أنّ تفكيك هذه السردية يكشف عن فجوة واضحة بين المعطيات والاستنتاجات. فالسفيرة الإسرائيليّة في مصر سابقًا أميرة أرون تُقرّ بأنّ الالتزام بمعاهدة السلام يُلغي عمليًا الدافع المصريّ لشنّ حربٍ على إسرائيل، وتربط الحضور العسكري المصريّ في سيناء بثلاثة دوافع رئيسة: مكافحة الإرهاب في شمال سيناء، ومواجهة التهديدات القادمة من ليبيا والسودان، وتنفيذ مشروع تنموي شامل يربط شبه الجزيرة بوادي النيل. بل إن الأوساط البحثية الإسرائيليّة ذاتها ليست على رأي واحد في هذا الشأن؛ فهناك قراءات نقديّة للخطاب الإسرائيليّ تنفي تناقض المبالغات الإسرائيليّة الأمر الذي يكشف أن ما يُقدَّم بوصفه تقديرًا استخباراتيًا موضوعيًا ليس في حقيقته سوى موقف في صراع داخلي على تعريف التهديد.

الذاكرة التاريخية في خدمة الحاضر السياسي

في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان 2026، نُشِرَ للواء الإسرائيليّ المتقاعد إسحاق بريك مقالًا في صحيفة معاريف يُحذِّر فيه من أنّ “مصر تنتهك معاهدة السلام بشكل صارخ، وتُعدّ جيشها لحربٍ ضد إسرائيل”، مستدعيًا في حجّته حرب أكتوبر 1973 بوصفها “الذاكرة المؤسِّسة” للخداع الإستراتيجي. يستحضر بريك أنّ الجيش المصريّ نفَّذ قبل تلك الحرب إحدى وعشرين مناورة على الضفة الغربية لقناة السويس، اعتاد الاحتلال على رتابتها، قبل أن تتحوّل المناورة الثانية والعشرون إلى حرب العبور والتحرير. ثم يُقيم قياسًا موازيًا مع حركة حماس؛ إذ يرى أن حماس اتّبعت الأسلوب ذاته قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أجرت مناورات عسكرية قرب الحدود فيما كانت إسرائيل مخدَّرة بقناعة أن ما يهمّ حماس هو التنمية الاقتصادية لا الحرب. وعلى هذا الأساس يتساءل بريك: “ألا يذكّركم هذا بكيف خدعنا المصريّون في حرب يوم الغفران؟ وألا يذكّركم بكيف أوقعتنا حماس في الفخ قبل السابع من أكتوبر؟”.

يأتي مقال بريك في توقيتٍ غير اعتباطي، إذ يتزامن مع اختتام الجيش المصريّ في 29 أبريل/نيسان 2026 المرحلة الرئيسة من مناورة بدر 2026، التي شاركت فيها وحدات من الجيش الثالث الميداني المتمركز في السويس، بمشاركة دبابات وطائرات ومروحيات هجومية، ووُصفت إسرائيليًا بأنها أُجريت على بعد نحو مئة متر من السياج الحدودي. غير أن سرديّة “الانتهاك الصارخ” تسقط تمامًا أمام الحقائق القانونية والميدانية؛ وهو ما فككته الباحثة نورهان العباسي في قراءتها التحليلية الصادرة عن مركز رع للدراسات الاستراتيجية؛ فلقد أوضحت أن الملحق الأمني للمعاهدة يُجيز صراحةً إجراء مثل هذه التدريبات شريطة الإخطار والتنسيق المسبق، وهو ما تحقق فعليًا في مناورة بدر 2026. ويتأكد ذلك بإقرار الجيش الإسرائيلي ذاته بعِلمه المسبق وتعاطيه الفني مع مجريات المناورة. يتسق ذلك أيضًا مع ما نفاه خبراء عسكريون مصريون مؤكدين أن المناورة جرت على بُعد عشرات الكيلومترات عن الحدود، وأن أي تدريبات بهذا الحجم في المنطقة “ج” تعلم بها قوات حفظ السلام الدولية واللجنة الأمنية المشتركة العاملة بين الطرفين، وأن القلق الإسرائيليّ المُعلَن لا يعدو كونه توظيفًا انتخابيًا داخليًا قبيل استحقاقات أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

ومن الجدير بالذكر أن القياس الذي يُقيمه بريك بين مناورات 1973 والمناورات المصريّة الراهنة يتخطّى اختلافات بنيوية جوهرية دون أن يعالجها؛ ففي 1973 لم تكن ثمّة معاهدة سلام، ولا آلية تنسيق ثنائية، ولا قوة مراقبة دولية، ولا تشابكات اقتصادية مثل صفقة الغاز التي وقّعتها إسرائيل مع مصر بقيمة 35 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأوّل 2025.

بالتالي، يؤدّي الاستدعاء التاريخي وظيفة سياسية مزدوجة؛ إذ يُعيد تنشيط مخزون الخوف الوجودي داخل المجتمع الإسرائيلي بعد صدمة 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ويُسقِطه على فاعل إقليمي جديد، وفي الوقت نفسه يُحوّل مناورة عسكرية مصريّة مشروعة إلى مؤشر تهديد يستدعي الردع والاحتواء. وضمن هذا السياق، لا يقتصر الخطاب الإسرائيليّ على إدارة قلق ظرفي، بل يُنتج تأطيرًا أمنيًا أيديولوجيًا يعيد تعريف مصر من شريك في كامب ديفيد إلى فاعل مُراقَب بوصفه تهديدًا محتملًا، في إطار إعادة رسم أوسع لخريطة التهديدات الإقليمية التي توسّعت بعد حرب غزة لتشمل تركيا وإيران وصولًا إلى مصر.

محددات المقاربة المصريّة إزاء السلوك الإسرائيليّ

في مقابل السردية الإسرائيليّة، تكشف قراءة الواقع المصريّ عن صورة مغايرة جذريًا. فالقاهرة تتحرّك في بيئة محكومة بضغوط اقتصادية، حيث تتراجع إيرادات قناة السويس بفعل الاضطرابات في الشرق الأوسط. في هذا السياق، يبدو منطق التحضير لحربٍ هجومية متعارضًا مع البنية الاقتصادية الراهنة، الذي تُمثّل العلاقة مع دول الخليج، والولايات المتحدة، والمؤسسات المالية الدولية، خطّ بقائه الاقتصادي.

أمّا التعزيزات العسكرية في سيناء، فإنّها تُقرأ بصورة أكثر اتساقًا في إطار ثلاثي: مكافحة الإرهاب الذي ضرب شبه الجزيرة لسنوات، التحوّط من التهديد الوجودي الذي يمثله مشروع التهجير الإسرائيليّ للفلسطينيين، ومواكبة الإستراتيجيّة المصريّة في القرن الإفريقي لتأمين أمن النيل والممرات البحرية. فلقد عززت القاهرة قواتها على الحدود مع غزّة؛ معتبرةً أيّ تدفق للاجئين الفلسطينيين تهديدًا لأمنها القومي. كما أنّ تنوّع مصادر السلاح المصريّ، وتوجّه القاهرة نحو شراء أسلحة من فرنسا وألمانيا وإيطاليا، يأتي في إطار سياسة تنويع لا في إطار تأهّب لحربٍ مباشرة.

في موازاة هذه السردية المضادّة، تتموضع القاهرة رسميًا في منطقة وسطى دقيقة بمقاربة عقلانية إزاء السلوك الإسرائيليّ، تجمع بين رفع سقف الخطاب السياسي والإبقاء على البنية القانونية للمعاهدة قائمة. فقد شكّل وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي إسرائيل “بالعدو” في كلمته أمام القمة العربية الإسلامية في الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025 لحظةَ انعطاف في الخطاب الرسمي المصريّ، إذ يعد أوّل استخدام لهذا التوصيف منذ زيارة الرئيس محمد أنور السادات للكنيست عام 1977، وفق ما أكّده رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان الذي وصف الأمر بأنّ له “دلالات بالغة الأهمية”؛ لأنّ “العدو وحده هو من يُهدّد الأمن القومي، لا الصديق”. وحذّر الرئيس السيسي الإسرائيليين أنفسهم بقوله “أن ما يحدث حاليًا يُعرقل مستقبل السلام، ويُجهض فرص أيّ اتفاقيات سلام جديدة، بل ويُقوّض القائم منها”. فيما يكشف تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال أنّ القاهرة درست خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع تل أبيب، دون قطع كامل للعلاقات، إلى جانب رفض اعتماد السفير الإسرائيليّ الجديد لدى القاهرة أوري روتمان في مؤشّر إضافي على البرود الدبلوماسي المُتعمَّد.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قراءة هذه التحوّلات بدورها تستوجب التمييز بين مستوى الخطاب ومستوى البنية القانونية للمعاهدة. فمن الناحية القانونية، لا تتضمّن معاهدة 1979 بنودًا صريحة تُجيز لأيّ من الطرفين الانسحاب الأحادي أو إيقاف العمل بها، وأيّ تحرّك في هذا الاتجاه يخضع لقواعد القانون الدولي ومبدأ “تغيّر الظروف الجوهرية” الذي سبق أن استخدمته القاهرة في الانسحاب من معاهدة 1936 مع بريطانيا. إلا أنّ المسار المصريّ الراهن لا يتجه نحو هذا الخيار الأقصى، وإنّما نحو ما يوصَف بالمعاهدة المُعاد ضبطها بالأمر الواقع عبر تفعيل بند “إعادة النظر في ترتيبات الأمن” المنصوص عليه في المادة الرابعة من المعاهدة، وتوسيع هامش الحضور العسكري في سيناء بعلم منظومة المراقبة الدولية، مع توظيف الاحتلال الإسرائيلي لمحور صلاح الدين (فيلادلفيا) الواقع داخل المنطقة (د) بوصفه الخرق الإسرائيليّ الفعلي للبروتوكول الأمني الملحق بالمعاهدة.

ضمن هذا الإطار، القاهرة لا تتجه نحو إلغاء المعاهدة، نظرًا لما تمثّله من ركيزة لعلاقتها بواشنطن ومنظومة الأمن الإقليمي، ولأنّ الاحتلال نفسه عازف عن فتح جبهة ثالثة مع أقوى جيش عربي بعد حرب استنزفت قدراته في غزّة ولبنان كما أنّ الوضع الاقتصادي المصريّ يحول دون أيّ مغامرة بمواجهة عسكرية مباشرة قد تستتبع دعمًا أمريكيًا فوريًا للاحتلال. كما أنّ ذلك لا يعني استمرار السلام البارد بصيغته السابقة، بل انتقاله إلى مرحلة السلام المتجمّد، تتقلّص فيها مظاهر التطبيع، وتتراجع الزيارات الرسمية؛ إذ لم تُسجَّل أيّ مكالمة هاتفية معلنة بين الرئيس السيسي ونتنياهو منذ يونيو/حزيران 2023 ويُعاد فيها تعريف المعاهدة وظيفيًا من إطار شراكة إلى إطار إدارة عداء مُقنَّن.

أمّا على صعيد احتمالية الانزلاق إلى صراع سياسي مفتوح خلال المرحلة المقبلة، فتُرجَّح قراءتنا للسياق الراهن أنّ الطرفين يُديران بالفعل توترًا تحت سقف المعاهدة، لا فوقها. فالدولة المصريّة تسعى لإبقاء أوراق ضغطها في إطار قانوني سيادي (مناورات، حضور عسكري، خطاب سياسي حادّ، دعوة لقوّة عربية مشتركة) فيما يسعى الاحتلال عبر سرديّة التهديد المصريّ إلى إعادة فرض شروط أكثر تقييدًا على هذه الأوراق ذاتها. وفي مفترق الطريقين، يبقى السيناريو الأخطر مرتبطًا بثلاثة محفّزات قابلة لتغيير الظروف الجوهرية للمعاهدة وهما تنفيذ أيّ مخطط فعلي للتهجير القسري نحو شبه جزيرة سيناء، أو توسيع رقعة العمليات الإسرائيليّة في محور صلاح الدين، أو تحوّل الضغط الأمريكي بدفعٍ من سرديّة بريك ومن يدور في فلكه إلى مطالب رسمية بتقليص الحضور المصريّ في سيناء. عند أيّ من هذه المحفّزات، ربما ينتقل النقاش من إدارة التوتر إلى اختبار حقيقي لبنية المعاهدة، وعندها وحدها تصبح المسارات القانونية من إعادة نظر إلى إيقاف عمل إلى انسحاب خيارات قابلة للتفعيل، لا مجرد أدوات ضغط نظرية.

كيف نفهم الخطاب الإسرائيليّ ضد مصر؟

لا يمكن فهم تصاعد سرديّة التهديد المصريّ بمعزل عن إعادة التموضع الإسرائيليّ في المنطقة بعد حرب الإبادة في غزّة. فبعد أن استُهلِك محور المقاومة نسبيًا، وأُعيد تأطير تركيا بوصفها تهديدًا، يأتي الدور على القاهرة باعتبارها العقدة العربية الكبرى التي لم تتمكن إسرائيل من احتوائها سياسيًا منذ حرب غزّة، برغم استمرار اتفاقية كامب ديفيد. ومن هنا يتّخذ تضخيم التهديد المصريّ وظيفة إستراتيجيّة ثلاثية الأبعاد:

في البُعد الأول، يهدف الخطاب الإسرائيليّ إلى إعادة هندسة معاهدة السلام نفسها، عبر تقديم إسرائيل بوصفها الطرف المُتسامح الذي قبل بانتهاكات مصريّة متراكمة، تستوجب اليوم تدخّلًا أمريكيًا لإعادة ضبط الوضع. وقد تُرجم ذلك في طلب نتنياهو من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وذلك في أيلول/سبتمبر 2025، الضغط على القاهرة لتقليص حضورها العسكري في شبه جزيرة سيناء.

في البُعد الثاني، يؤدّي تضخيم التهديد المصريّ وظيفة احتواء استباقية في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكّل محاور وتحالفات. فإذا كان التحالف الإسرائيليّ اليوناني القبرصي يسعى إلى تطويق تركيا في شرق المتوسط، وإذا كان الاعتراف بأرض الصومال يُمثّل أداة التفاف على النفوذ التركي في القرن الإفريقيّ، فإنّ مصر تبقى الفاعل الأكبر القادر على تعطيل هذه الترتيبات؛ نظرًا لموقعها على البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس. ومن هنا، فإنّ إنتاج صورة مصر المُهدِّدة يبدو أنه يخدم هدفًا مفاده؛ تبرير الاعتراف الإسرائيليّ بأرض الصومال بوصفه ردًّا على “الدور المصريّ كدولة ارتكاز في الشرق الأوسط”.

في البُعد الثالث، يخدم الخطاب الإسرائيليّ أهدافًا داخلية تتعلّق بصياغة صورة النصر بعد حرب الإبادة في غزّة ومؤخرًا الحرب على إيران. فبعد إخفاق إسقاط النظام الإيراني، يبدو أن الخطاب الرسمي يحتاج إلى تجديد خريطة الخطر والتسويق لها؛ لضمان فرص البقاء السياسي لا سيّما مع اقتراب الانتخابات. ومن هنا يصبح استدعاء بريك لذاكرة 1973 توظيفًا سياسيًا داخليًا قبل أن يكون تحذيرًا إستراتيجيًا، إذ يُعيد إنتاج الإحساس بالإحاطة بالخطر بوصفه وقودًا لتماسك الجبهة الداخلية.

الخاتمة

يبدو الخطاب الإسرائيليّ حول نيّات القاهرة الحربية أقرب إلى إسقاط نيّات الاحتلال الصهيوني نفسه على الطرف المقابل. فمِن السعي إلى التهجير، إلى التعدّي على المعاهدة عبر الاجتياحات في محور صلاح الدين ومعبر رفح، إلى ابتزاز القاهرة عبر ملفات الغاز والمياه، يبدو الاحتلال هو الطرف الذي يقوّض أُسس السلام، فيما يُعاد تقديم الفعل الدفاعي المصريّ بوصفه فعلًا هجوميًا. وهذه واحدة من أبرز سمات الخطاب الإسرائيليّ؛ عبر قلب أدوار المعتدي والمعتدى عليه، وتحويل أيّ سلوك دفاعي إقليمي إلى إنذار مبكّر لتهديد وجودي.

وفي المحصّلة، يتضح أن ما يجري على الجبهة المصريّة حلقة في مسار أوسع لإعادة هندسة المجال الإقليمي، لا يكتفي فيه الاحتلال بتحييد “التهديدات” القائمة، بل يعمل على منع تشكُّل أيّ قوة إقليمية قادرة على التأثير في موازين ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول. والمفارقة أنّ هذا النمط ذاته هو ما يدفع تلك القوى بما فيها مصر إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، فيُنتج الاحتلال بنفسه التهديد الذي يدّعي مواجهته، ويُعيد إنتاج بيئة الصراع.

أمام هذا السلوك الإسرائيليّ تستهدف مصر توجيه رسائل تمسّ الوعي الإسرائيليّ بشكل مباشر، سواء من خلال رمزية بعض عناصر المناورة مثل الطائرات الشراعية، أو في مناسبات تدريبية سابقة كخروج قوات من أنفاق تحت الأرض، أو دراسة معدات عسكرية مثل دبابة الميركافا. وبرغم أن هذه العناصر تظل ذات طابع تدريبي في جوهرها، تنبع من اعتبارات مصريّة أخرى، من بينها الاستفادة العسكرية من دروس الحروب الجارية في الإقليم، والتكيف مع التحوّلات العميقة في أنماط الحروب الحديثة، فإنها تُحدث في الوعي الإسرائيليّ حالة من القلق لارتباطها بأحداث السابع من أكتوبر وما تلاه من مواجهات عسكرية.

وعليه، فإن مصر تسعى إلى إيصال رسالة ردع واضحة مفادها أن أي تفكير في العبث بالأمن القومي المصري أو محاولة فرض وقائع جديدة مثل مسألة تهجير سكان غزة إلى سيناء، لن يمر دون رد. وكأن الرسالة الضمنية تشير إلى أن السياق الحالي لا يشبه 1956 أو 1967 حين تمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال سيناء خلال أيام، وأن هذا الزمن قد انتهى، وأن أي مواجهة مستقبلية لن تكون سيناء فيها “نزهة” عسكرية، بل ستكون مقبرة للغزاة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى