هل ستحرّر مسيّرات حزب الله جنوب لبنان؟

يواصل “حزب الله”، بنمط شبه يوميّ، نشر مشاهد توثق عمليات استهداف تنفذها مسيّرات (FPV) المزودة بتقنية الألياف الضوئية (Fiber-Optic) ضدّ أهداف إسرائيلية في جنوب لبنان، عبر بث بصري متصل من لحظة الإطلاق حتى الإصابة، يتيح تتبع مسار الطيران والتحكم ودقة الضرب لحظيًا. وقد أصبحت هذه التسجيلات جزءًا ثابتًا من المشهد اليومي للجبهة، مع تصاعد وتيرة العمليات واتساعها في بلدات الجنوب المختلفة، وفي محيط قلعة شقيف التي أعلن جيش الاحتلال السيطرة عليها نهاية مايو. وبالتوازي مع ذلك، بدأ ذلك ينعكس بوضوح في الخطاب الإسرائيلي الرسمي والعسكري مع تصاعد صعوبة التعامل مع هذا النمط من المسيّرات التي توصف بأنها “تهديد مركزيّ” في الجبهة الشمالية، كما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
لكن هذا التحول يتجاوز الجبهة اللبنانية نفسها. فمسيّرات (FPV)، ثم نموذج (Fiber-Optic FPV) الذي برز استخدامه في لبنان منذ أبريل 2026، تمثل امتدادًا لمسار تشكلت ملامحه الأبرز في الحرب الروسية–الأوكرانية قبل انتقال خبراته التقنية والتشغيلية إلى ساحات أخرى. ومن هنا، تقرأ الورقة هذا التطور بوصفه انتقالًا لنموذج اشتباك جديد جرى تكييفه داخل شروط مواجهة مختلفة، عبر تتبع تطور هذا السلاح ومميزاته لفهم أسباب حضوره في جنوب لبنان بعد ساحات دونباس وكورسك، وما الذي يكشفه ذلك عن حدود التفوق التكنولوجي الإسرائيلي داخل الجبهة البرية القريبة. مع طرح سؤال: كيف تؤثر هذه المسيرات، التي يطلق عليها حزب الله “محلقات أبابيل الانقضاضية”، في طبيعة المواجهة مع جيش الاحتلال وسيطرته على أجزاء من الأراضي اللبنانية؟
الحرب الروسية–الأوكرانية: مختبر صعود مسيرّات (FPV)
شهدت الحرب الروسية–الأوكرانية منذ 2022 تحولًا تدريجيًا في استخدام المسيّرات؛ إذ انتقلت من أدوار الاستطلاع وتوجيه النيران إلى أداة محورية في الاستهداف المباشر داخل الجبهة عبر مسيّرات الرؤية من منظور الشخص الأول ((First-person view (FPV)، التي استُخدمت ضدّ المدرعات وآليات الإمداد والنقل ومواقع المشاة ونقاط التمركز والقيادة ضمن نطاق الجبهة القريبة. وقد ارتبط انتشارها بانخفاض كلفتها وإمكانية إنتاجها محليًا، وطبيعة خطوط الاشتباك الثابتة نسبيًا.
تزامن انتشار هذه المسيرات مع تصاعد الحرب الإلكترونية بين الطرفين، خاصةً أنظمة التشويش التي حدّت من فعالية مسيّرات (FPV) التقليدية المعتمدة على الاتصال اللاسلكي الذي يسهل تعطيل الاتصال بينها وبين المشغّل. وفي هذا السياق، ظهر منذ عام 2024 نموذج (Fiber-Optic FPV) الذي يعتمد على نقل الإشارة عبر كابل ألياف ضوئية (رفيع جدًا)، يربط المسيّرة بالمشغّل مباشرةً دون الاعتماد على موجات الراديو ونظام (GPS)، ما أعاد رفع فعالية (FPV) داخل البيئات المشبعة بالتشويش عبر الحفاظ على الاتصال والتحكم اللحظي حتى الإصابة.
وقد أثّر هذا التطور التقني على طبيعة الجبهة البرية وإدارة الحركة داخلها. فمع ارتفاع كثافة الرصد والاستهداف، تقلص هامش الحركة غير المرصود، وأصبحت الآليات والأفراد عرضة للاستهداف خلال وقت قصير من رصد ظهورها داخل المجال المكشوف. ومن هنا برز في أوكرانيا مفهوم “المناطق القاتلة”(Kill Zones)، حيث تحولت مساحات واسعة قرب خطوط القتال إلى بيئات استنزاف دائم أثرت على حركة الإمداد للقوات الروسية، وقيّدت استخدام الدبابات والمدرعات، ورفعت كُلفة التقدم الميداني وخفضت قيمة التحشدات العسكرية الكبيرة. ولذلك، تحولت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى مختبر عالمي أعاد صياغة العلاقة بين الكلفة والسيطرة على الجبهة البرية، عبر مسيّرات (FPV) بوصفها إحدى أكثر أدوات الحرب الحديثة تأثيرًا في استنزاف الجيوش الثقيلة، وتقليص هامش حركتها وسيطرتها على الأرض.
أبابيل حزب الله في جنوب لبنان
سادت بعد اتفاق وقف الأعمال القتالية في نوفمبر 2024 تقديرات إسرائيلية بأن حزب الله دخل مرحلة إنهاك بنيوي نتيجة الاغتيالات والاختراقات، واستهداف سلاسل الإمداد ومخازن السلاح ومنصات الإطلاق والبنية القيادية والميدانية للحزب، مما عزز الاعتقاد بتراجع قدرته العملياتية وانحسار فعله العسكري. وقد ترسخت تلك الفرضية ومع استمرار الهجمات الإسرائيلية وعمليات التوغل بعد الاتفاق من دون رد مقابل، وتصاعد الضغوط الداخلية المرتبطة بسلاح الحزب إلى جانب تحركات الجيش اللبناني التي قيدت حضوره وبنيته العسكرية جنوب الليطاني. غير أن عودته إلى القتال بعد 2 مارس 2026 ورفضه العودة لما قبل ذلك، أدت إلى انهيار تلك الفرضية، بعد أن ظهر تدريجيًا أن فترة التراجع خلال الأشهر الخمسة عشر كانت مساحة لإعادة التكيّف وبناء القدرات أكثر من كونها مرحلة جمود. وقد ظهر أحد أبرز مؤشرات هذا التحول في طبيعة الأداة الهجومية التي يستخدمها لأول مرة، إذ برزت مسيّرات (FPV) بوصفها مركز الثقل الجديد في عملياته.
ففي الأسابيع الأولى بعد عودة القتال، ظهر نمط عملياتي محدود يعتمد على مسيرات (FPV) استُخدمت في مهام استهداف مباشرة ضد آليات ودبابات، بدأت مع عملية استهداف دبابة ميركافا في 25 مارس، تلتها في 28 مارس عملية البياضة التي استهدفت ناقلتي جند وآلية بالأسلوب ذاته. وقد قُرئ هذا الاستخدام الأولي بوصفه تهديدًا تكتيكيًا محدودًا، غير أن منتصف أبريل مثّل نقطة انعطاف مهمة مع ظهور مؤشرات على إدخال نمط (Fiber-Optic FPV)، الذي يتجاوز أنظمة التشويش الإسرائيلية. ففي 14 أبريل نقلت هيئة البث الإسرائيلية نبأ إطلاق حزب الله نحو 40 مسيّرة باتجاه “كريات شمونة”، جرى اعتراض جزء منها، بينما أُشير إلى وجود مسيّرة بصرية لم يتم رصدها، وهو ما ارتبط لاحقًا بالانتقال إلى تقنية الألياف الضوئية، وهذا ما يؤكّد أن العمليات المحدودة كانت أقرب إلى مرحلة اختبار ميداني لقدرات الاشتباك البصري المباشر ضمن نطاقات ضيّقة.
ومنذ تلك المرحلة، لم يقتصر التحول على البُعد التقني وبدأ ينعكس على نمط الاستخدام نفسه. فخلال فترة زمنية قصيرة، ولا سيما بعد الهدنة المعلنة في منتصف أبريل التي رفضها الحزب في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي، انتقلت عمليات مسيرات الألياف الضوئية من استخدام متفرق ومحدود إلى وتيرة أكثر كثافة وانتظامًا خلال الاشتباكات اليومية. إذ ذكرت تقديرات إسرائيلية نُشرت في مايو إطلاق نحو 160 مسيّرة منذ أوائل مارس، 90 منها مرتبطة بالألياف الضوئية، إلى جانب وجود نحو 100 مشغّل متخصص ضمن وحدة المسيّرات. ورغم أن هذا المستوى يبقى أدنى بكثير من الخبرات التي راكمتها الجبهتان الروسية والأوكرانية، فإن سرعة التحول خلال أسابيع محدودة توحي بمحاولة حزب الله استيعاب نموذج قتالي جديد أكثر من مجرد إدخال سلاح إضافي.
ترافقت هذه النقلة مع توسع في تكتيك الاستهداف نفسه، من ضرب أهداف مفردة إلى تنفيذ هجمات متتابعة على الهدف نفسه أو داخل مجاله العملياتي، مع تنويع الأهداف بين الجنود، والآليات، وناقلات الجند، والدبابات، ونقاط التمركز. من ذلك عملية الطيبة في 26 أبريل، والتي تضمنت استهدافًا أوليًا لقوة مشاة، أعقبه استهداف ثانٍ لمروحية الإجلاء في الموقع نفسه ما أسفر عن قتيل وستّ إصابات. بينما سُجّل في 14 مايو تطور إضافي مع تنفيذ هجوم مركب قرب “كريات شمونة” بأربع مسيّرات استهدفت آليات عسكرية تباعًا، حيث أظهرت التسجيلات إصابة أو إعطاب آليتين على الأقل.
ثم جرى مع نهاية مايو وبداية يونيو الجاري إدخال تقنيات الرؤية الليلية، لتضيف طبقة جديدة من التعقيد بكسر افتراض التفوق الإسرائيلي في التحكم الليلي بالمجال العملياتي. ففي 31 مايو سُجل أول هجوم معلن بمسيّرات مزودة بقدرات تشغيل ليلية استهدف قوة إسرائيلية قرب محيط قلعة شقيف وأدى إلى مقتل جندي، وفي اليوم التالي تكرر النمط في هجوم آخر أدى إلى مقتل جندي من وحدة ماجلان. ومع توالي عمليات الاستهداف الليلي المصوّرة خلال يونيو، بدأت تقديرات إسرائيلية تتحدث عن تجاوز فرضية الجيش السابقة حول أن هذا النوع من المسيّرات يواجه قيودًا تشغيلية في الليل، وأنها لم تكن مزودة بأنظمة تصوير حراري تسمح بتتبع الأهداف ليلًا.
يبدو أن المؤشر الأهم الذي التقطته المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال هذا المسار هو سرعة التعلّم العملياتي وتطوير القدرة التشغيلية التي راكمها حزب الله خلال فترة زمنية قصيرة. إذ تحدث مسؤولون عسكريون إسرائيليون عن “منحنى متصاعد” في أداء المشغلين، ودقة الاقتراب، وإدارة مسار الضربة بسرعة ما بين زمن الرصد والتنفيذ كما تُظهر التسجيلات المنشورة تباعًا. وذلك بعد أن كانت التقديرات الإسرائيلية تشير إلى وجود صعوبات لدى الحزب في تشغيل المسيّرات وتحديد الأهداف بدقة في المراحل الأولى من بدء استخدامها.
المعضلة الإسرائيلية في مواجهة مسيّرات (FPV)
انعكس تطور استخدام المسيّرات تدريجيًا على القراءة الإسرائيلية للجبهة، وخاصة على نمط الانتشار الميداني لقوات الاحتلال بدفعها نحو تقليص عدد الآليات العسكرية، وتعديل مسارات الحركة، ومحاولات رفع مستوى الحماية الميدانية للجنود والآليات بالاعتماد على وسائل دفاع مرتجلة وبدائية للإعاقة، كتعليق الشباك فوق المواقع والمعدات ومحاولة إسقاط المسيّرة بالنار المباشرة فور رؤيتها، وذلك بالتزامن من تصاعد طبيعة التهديد في التقدير العسكري.
ففي 2 يونيو، أشارت صحيفة “معاريف” إلى قدرة هذه المسيّرات على اختراق دروع دبابات “ميركافا” وناقلات “نميرا”، فيما ذكرت “يديعوت أحرونوت” توجه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص استخدام المعدات الثقيلة نتيجة ارتفاع مستوى تهديد المسيرات. كما نقلت “القناة 12 الإسرائيلية” أنّ “حزب الله عاد لفرض معادلات ميدانية وأن إسرائيل لا تحقق ردعًا واضحًا في الشمال”، وكانت قد أفادت “هيئة البث الإسرائيلية” في 18 مايو بأن مسيّرات حزب الله تحدّ من نحو 80% من حرية عمليات الجيش الإسرائيلي.
إلى ذلك، فمن الناحية العملياتية يواجه الاحتلال معضلة في التعامل مع هذا النوع من المسيرات من نواح عدة:
أولًا: طبيعة الجبهة نفسها، حيث تتحرك القوات البرية ضمن نطاق جغرافي مكشوف ومحدود نسبيًا، ما يجعل أي عنصر جوي منخفض الارتفاع قادرًا على الوصول إلى الأهداف مع دخولها المجال البصري للمسيرة ومشغلّها. فضلًا عن كونها أصلًا بيئة حاضنة ومؤسسة للمقاومة التي تمتلك القدرة على ممارسة تكتيكات حرب العصابات على أرضها.
ثانيًا: بنية الدفاع القائمة، والتي طُورت أساسًا لمواجهة صواريخ وقذائف ومسيّرات تعتمد على إشارات يمكن اعتراضها وإحباطها بالتشويش بعد رصدها، بينما يقدم نموذج الألياف الضوئية مسارًا غير قابل لذلك.
ثالثًا: الدور الإعلامي لهذا النوع من المسيرات، والتي تعمل كأداة تنتج “صورة الإصابة” بدل “إعلان الإصابة”- التي طالما نفتها إسرائيل للتغطية على خسائرها-، حيث يتحول الدليل البصري الفوري إلى عنصر في تشكيل الرواية، ويصبح نجاح العملية مرتبطًا بانتشار الفيديو بقدر ما يرتبط بالأثر الميداني، بسبب تأثيره النفسي والدعائي.
بهذا المعنى، تعمل هذه المسيّرات كأداة تعيد تعريف كُلفة الحرب ومفهوم القوة لدى الفاعلين من غير الدول، كونها تؤثر على حدود القدرة العسكرية والتكنولوجية داخل بيئات الحرب اللامتماثلة بين الدولة والفاعل المسلح. فإسرائيل تمتلك تفوقًا جويًا وإلكترونيًا، لكن هذه المسيرات تسمح للحزب بامتلاك قدرة هجومية دقيقة بتكلفة منخفضة (300 دولار تقريبًا) قادرة على استهداف دبابات أو تجمعات بكلفة أقل بكثير من الصواريخ التقليدية، وأكثر احتمالية للنجاح في ظلّ قدرتها على تجاوز أنظمة الرصد والدفاع.
ولذلك، بدأ الخطاب الإسرائيلي الحديث علنًا عن وجود أزمة دفاعية لمواجهة المسيّرات والحاجة إلى أدوات جديدة في ظل قصور التشويش الإلكتروني أمام الألياف الضوئية. حيث أعلن الرئيس التنفيذي لأكبر شركة دفاع إسرائيلية (Elbit Systems) في 26 مايو، أن الشركة تعمل على تطوير وسائل جديدة تشمل حلولًا ليزرية وأنظمة طاقة موجهة. بينما أشارت “معاريف” في 3 يونيو إلى أنها معركة معقدة “لم يتم التوصل بعد إلى حل تكنولوجي وعملياتي كامل لها”، وهو ما يؤكده غياب أي تقنيات حاسمة للمواجهة حتى الآن استنادًا إلى تجربة الحرب الروسية-الأوكرانية. في حين كانت قد أشارت عدّة تقارير إسرائيلية خلال مواجهات 2024 إلى ضرورة تطوير استجابات للتهديدات الناشئة من المسيّرات، لأن أنظمة الدفاع الجوي التقليدية والحرب الإلكترونية غير كافية أمام مسيّرات (FPV) التي قد يستخدمها الحزب.
في المقابل، لا يعني هذا التحول أن مسيرات الألياف الضوئية تمثل تفوقًا حاسمًا لأن تأثيرها يظل مرتبطًا بمدى قصير واستمرارية التحكم البشري، وضمان وسائل الإمداد أو حماية التصنيع المحلي واستمراريته. ورغم قدرتها على تجاوز التشويش، إلا أنها تضيف قيودًا مادية على السرعة والمدى والمناورة في ظل احتمالات تعرض الكابل للقطع أو الاصطدام بعائق أثناء الطيران.
ختامًا: هل سينسحب الاحتلال تحت ضربات أبابيل؟
دخلت إسرائيل حرب تموز 2006 بالاستناد إلى الجمع بين التفوق الجوي والتقدم البري المدرع لتجاوز الليطاني وتثبيت منطقة عازلة في الجنوب، لكن المرحلة الأخيرة من تلك الحرب والتي عُرفت إسرائيليًا باسم عملية “تغيير الاتجاه 11” في أغسطس 2006، دفعت هذا التصور إلى اختبار ميداني مختلف. إذ تعرضت وحدات الاحتلال المتقدمة لخسائر كبيرة في الجنود والآليات المدرعة عرفت حينها “بمجزرة الميركافا” في معارك وادي حجير أثناء العملية الهجومية، حيث تعرضت الدبابات لكمائن حزب الله الذي استخدم حينها صواريخ الكورنيت المضادة للدروع، ليغير مسار المواجهة ويحقق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ بعد ثلاثة أيام فقط من هذا الاستنزاف بعد بدء العملية.
اليوم، بعد عقدين، يعود السؤال نفسه حول أزمة الدبابة الحديثة في حسم مصير المواجهة. فإذا كانت صواريخ الكورنيت قد فرضت إعادة النظر في بقاء المدرعة داخل مدى النيران المباشرة، فإن مسيرات الألياف الضوئية التي بدأت تُعرّف بالنقاش العام بأنها مسيرات مطاردة و”صيد الجنود” قد تدفع أيضًا إلى إعادة النظر في الحركة نفسها وفي تقدم ونقل القوات، وفي قيمة التمركز الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة، فضلًا عن كونها نجحت أيضًا في تجاوز نظام الحماية النشط “تروفي” (Trophy)المثبت على الميركافا واستهدافها باكتشاف نقاط الضعف مرةً أخرى.
لذلك فإن استمرار المنحى التصاعدي في الاستخدام مع استمرار ظهور مفاجآت تشغيلية جديدة في طبيعة الاستهداف، قد يفتح المجال أمام مرحلة أكثر تطورًا. فالحرب الروسية–الأوكرانية أظهرت قدرة انتقال بعض نماذج المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية إلى مديات وصلت في بعض الحالات إلى نحو 65 كم، إلى جانب تطور أنماط الإطلاق الجماعي والعمل على شكل أسراب.
وفي الحالة اللبنانية، فإن الانتقال السريع إلى هجمات مركبة ومتعددة على الهدف نفسه يوحي بإمكانية تطور أسلوب الإشباع النيراني الجوي منخفض الارتفاع، بما قد يسمح مستقبلًا باستهداف متزامن لنقاط السيطرة والتمركز وخطوط الحركة، أو الوصول إلى مدى يتجاوز القدرة التشغيلية الحالية المحصورة بين (10-20 كم). كما أن قدرات الرصد والتصوير اللحظي التي توفرها هذه المسيّرات قد تتجاوز كونها وظيفة مستقلة بحد ذاتها لتوظّف كأداة تمكين لأسلحة أخرى عبر كشف الأهداف وتوجيه النيران وتنفيذ ضربات مزدوجة الأداة ومتتابعة. بناءً عليه، فإذا اتجه هذا المسار إلى مزيد من الكثافة والتراكم، فقد يحيل جنوب لبنان إلى بيئة شبيهة بما شهدته أوكرانيا، حيث تحولت إلى “منطقة قتل” أصبحت الحركة والتمركز والتقدم فيها أكثر كلفة واستنزافًا. ويبدو أن حزب الله يحاول استيعاب هذا التحول الذي تعيشه الحروب البرية الحديثة بوتيرة متسارعة.
فالقيمة العملياتية لهذه المسيّرات إن استمرت ضمن هذا المنحى التصاعدي في مقابل فشل مواجهتها، لا ترتبط بالحسم السريع وإنما بفرض نمط استنزاف يقوم على إبطاء التقدم البري، وجعل جيش الاحتلال في حالة مستمرة من إعادة التموضع، بما يحدّ من قدرته على تحقيق هدفه في تثبيت وجود مستقر أو تحويل السيطرة الحالية إلى واقع ميداني دائم. وهي معادلة قد تعيد صياغة شكل الجبهة ومصير الحرب، لا سيما إذا بقي الملف اللبناني حاضرًا ضمن التفاهمات الإقليمية الأوسع بين واشنطن وطهران.
وعليه، قد لا يحتاج حزب الله إلى 18 عامًا ليحقق الانسحاب الإسرائيلي كما جرى في تجربة الانسحاب عام 2000. فرغم أن سقف الأهداف الإسرائيلية الحالية قد يدفع نحو بقاء أطول زمنيًا، إلا أنه سيكون أكثر كلفة عملياتيًا على المدى القريب إذا استمر نمط الاستنزاف بالتوسع. لا سيما وأنّ طبيعة البيئة العسكرية الحالية تبدو مختلفة من حيث سرعة التعلم العملياتي، وكثافة النيران الدقيقة، والتأثير الفوري للصورة والضغط الإعلامي على الاحتلال الذي يضطر يوميًا إلى تأكيد قتلاه.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل تغير السياقات المرافقة، إذ لا تتطابق تجربة الاستنزاف الطويلة التي سبقت انسحاب عام 2000 مع الواقع الحالي؛ فبيئة الجنوب اليوم تختلف جذريًا عن تلك المرحلة. إذ إن التدمير الواسع وتهجير سكان الجنوب يجعلان شروط حرب العصابات التقليدية أكثر تعقيدًا، لكنهما في المقابل يقللان الحاجة إلى الاحتكاك الطويل، ويتيحان المجال أمام هذا النمط الجديد من الاستنزاف كون المساحة أكثر انكشافًا بصريًا وتتيح القدرة على مراقبة الطرق، وخطوط الحركة والإمداد، ونقاط التمركز، بصورة أفضل نسبيًا، وهو ما يقترب جزئيًا من بعض دروس أوكرانيا حيث أصبحت الحركة نفسها مكلفة تحت المراقبة الجوية المستمرة.



