إسرائيل الورديّة: كيف توظّف إسرائيل مسيرة المثليين لتلميع صورتها الدوليّة؟

لا تكاد التغطية الإعلامية الإسرائيلية الموجهة إلى الخارج تخلو من إظهار تل أبيب في صورة المدينة المنفتحة والليبرالية التي تتسع لمختلف أنماط الحياة والهويات الفردية. وفي هذا السياق، تحظى مسيرة المثليين (الشذوذ الجنسي) السنوية باهتمام سياسي وإعلامي يتجاوز كونها فعالية اجتماعية أو مطلبية. ورغم أن هذه الظاهرة وما يرتبط بها من أفكار وسلوكيات تتعارض مع المرجعية الدينية والقيمية التي ينطلق منها كاتب هذه السطور، فإن تناولها هنا لا يهدف إلى مناقشتها من هذا الجانب، بل إلى تحليل كيفية توظيفها في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي.
تحولت هذه المسيرة خلال العقود الأخيرة إلى أحد أبرز الرموز التي تستثمرها إسرائيل في بناء صورتها الدولية وتسويق نفسها باعتبارها دولة حديثة ومنفتحة تنتمي إلى المنظومة الليبرالية الغربية. غير أن أهمية هذه القضية لا تكمن في الحدث ذاته بقدر ما تكمن في السياق الذي يجري توظيفه فيه، ولا سيما في ظل التراجع المتزايد في صورة إسرائيل عالميًا منذ الحرب على غزة، وتصاعد الانتقادات الموجهة إليها في ملفات حقوق الإنسان والاحتلال والاستيطان.
ومن هنا تهدف هذه القراءة إلى تناول مسيرة المثليين بوصفها نموذجًا لفهم آليات إدارة الصورة الإسرائيلية في الخارج، وعلاقتها بأزمة الشرعية المتنامية التي تواجهها إسرائيل، وما تكشفه من تناقضات داخلية وازدواجية في الخطاب الموجَّه إلى جماهير مختلفة في الغرب.
مسيرة المثليين كأداة لتسويق صورة إسرائيل دوليًا
نالت مسيرة المثليين التي أُقيمت في تل أبيب يوم 12 حزيران/يونيو 2026 اهتمامًا إعلاميًا إسرائيليًا واسعًا، ولا سيّما في عدد من وسائل الإعلام العبرية المركزية مثل “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” و”معاريف” و”والا“. وجاءت المسيرة في الذكرى الثامنة والعشرين لانطلاق هذا التقليد السنوي الذي بدأ عام 1998، بعد أن أُلغيت فعاليات العام السابق جرّاء الظروف الأمنية والحرب مع إيران. وتحرص وسائل الإعلام الإسرائيلية على تقديم هذه الفعاليات باعتبارها مناسبة للتأكيد على قيم المساواة والقبول والتعددية.
لم تعد المسيرة مجرد فعالية اجتماعية مرتبطة بهذه الفئة، بل تحولت إلى حدث سياسي وإعلامي يحمل دلالات تتجاوز حدوده المحلية. ولم يكن اختيار تل أبيب مركزًا لهذا الحدث من فراغ، إذ تقدّم المدينة منذ عقود بوصفها الحاضنة الأبرز للتيارات الليبرالية والعلمانية في إسرائيل، بما يجعلها منصة مناسبة لتسويق صورة محددة عن الدولة والمجتمع أمام الرأي العام الغربي.
وفي هذا الإطار، لا تقتصر أهمية المسيرة على مضمونها الاجتماعي، بل تكمن في الوظيفة السياسية والإعلامية التي تؤديها. فالمؤسسات الرسمية، ووسائل الإعلام، وشركات السياحة تتعامل معها باعتبارها فرصة لإظهار إسرائيل جزءًا من المنظومة الليبرالية الغربية، والتأكيد على قيم الحرية الفردية والتعددية وحقوق الأقليات. وبذلك تتحول المسيرة إلى إحدى أدوات القوة الناعمة التي تُستخدم لتعزيز جاذبية إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. وفي هذا السياق تُبرز إسرائيل نفسها باعتبارها مجتمعًا منفتحًا يختلف عن محيطه الإقليمي، أو حسب الخطاب الإسرائيلي “واحة الديمقراطية والليبرالية”، و”الفيلا” التي في الغابة. وتُقدم فعاليات مثل مسيرة المثليين في تل أبيب باعتبارها دليلًا على هذا الانفتاح وانتماء الدولة إلى المنظومة القيمية الغربية الحديثة. ولا يقتصر الأمر على التغطية الإعلامية، بل يتجسد أيضًا في حملات رسمية تروج لتل أبيب وجهةً عالمية للمثليين، وعنوانًا للانفتاح الاجتماعي في الشرق الأوسط.
ويكتسب هذا التوظيف أهمية خاصة في ظل الانتقادات السياسية والحقوقية المتزايدة التي تواجهها إسرائيل بسبب سياساتها تجاه الفلسطينيين. فبينما يتركز جانب كبير من الجدل الدولي حول قضايا الاحتلال والحرب والاستيطان والتمييز، يجري إبراز مشاهد المسيرات والاحتفالات المرتبطة بالمثليين لتقديم سردية مختلفة تركز على الحريات الفردية والانفتاح الاجتماعي. ومن هنا ظهر مفهوم “الغسيل الوردي” (Pinkwashing)، الذي يستخدمه منتقدو إسرائيل لوصف توظيف هذه القضية في تحسين صورة الدولة، وتخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليها في ملفات أخرى أكثر حساسية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو المسيرة مجرد حدث اجتماعي أو ثقافي، بقدر ما تمثل جزءًا من إستراتيجية أوسع تهدف إلى بناء صورة إسرائيل كدولة حديثة ومنفتحة تنتمي إلى الفضاء الليبرالي الغربي، وتوظيف هذه الصورة في التستر على انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة التي ترتكبها منذ عقود.
أزمة الصورة الإسرائيلية بعد إبادة غزة
إذا كانت مسيرة المثليين تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة التي توظفها إسرائيل لتحسين صورتها في الخارج، فإن فهم أهمية هذا التوظيف يقتضي النظر إلى السياق الذي جاءت فيه في هذا العام تحديدًا. فحرب الإبادة الجماعية على غزة، وما رافقها من مشاهد الدمار الهائل والأعداد الكبيرة من الضحايا، والاتهامات المتزايدة بانتهاك حقوق الإنسان، أدت إلى تآكل ملموس في صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ولا سيّما في الدول الغربية التي شكلت تاريخيًا أبرز ركائز الدعم السياسي والإعلامي لها.
وقد انعكس ذلك في استطلاعات الرأي والنقاشات السياسية والإعلامية التي أظهرت تراجع مستويات التأييد لإسرائيل، خاصة بين فئات الشباب والناخبين ذوي التوجهات الليبرالية. كما برزت خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاج واسعة في الجامعات الأمريكية والأوروبية، رافقتها مطالبات بمقاطعة المؤسسات الإسرائيلية ووقف الدعم المقدم لها، إلى جانب تصاعد الانتقادات الصادرة عن منظمات حقوقية دولية وشخصيات أكاديمية وإعلامية مؤثرة.
ولم تقتصر هذه التحولات على الشارع أو الأوساط الأكاديمية، بل امتدت إلى الساحة السياسية الأمريكية نفسها، حيث برزت فجوات متزايدة في المواقف داخل الحزب الديمقراطي، خاصة بين الأجيال الشابة والتيارات التقدمية التي باتت أكثر استعدادًا لانتقاد السياسات الإسرائيلية من الأجيال السابقة. وقد جعل ذلك من قضايا حقوق الإنسان والتمييز والعدالة موضوعًا مركزيًا في النقاش المتعلق بإسرائيل داخل قطاعات كانت تُعد في الماضي أقرب إلى تبني الرواية الإسرائيلية.
ولا يقتصر الحديث عن تراجع صورة إسرائيل على التقديرات والتحليلات السياسية، بل ينعكس أيضًا في الخطوات العملية التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لمواجهة هذا التراجع. فقد كشفت صحيفة هآرتس في حزيران/يونيو 2026 أن إسرائيل رفعت إنفاقها على حملات التأثير الإعلامي والدعائي في الولايات المتحدة إلى أكثر من 40 مليون دولار سنويًا، مع توسيع البرامج الموجهة إلى الجمهور الجمهوري المسيحي والمحافظ. ويكتسب هذا الرقم دلالة خاصة إذا ما قورن بحجم الانتقادات غير المسبوقة التي تواجهها إسرائيل في الإعلام والجامعات والمؤسسات الحقوقية الغربية منذ حرب غزة. كما جاءت هذه الخطوة في ظل معطيات أظهرت تراجعًا ملحوظًا في مستويات التأييد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك بين الجمهوريين والشباب الذين شكّلوا –تقليديًا- إحدى أهم قواعد الدعم لها.
وفي الوقت الذي تتستر فيه إسرائيل خلف مسيرة المثليين وغيرها من القضايا المرتبطة بالحريات الفردية، تتواصل الانتقادات الدولية الموجهة إليها بسبب استمرار الإبادة الجماعية في غزة وسياسات الاحتلال والاستيطان، فضلًا عن الاعتداءات المتكررة التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين ونشطاء أجانب وإسرائيليين في الضفة الغربية، إلى جانب الجدل المتصاعد حول مشاريع وقوانين يطرحها اليمين الإسرائيلي، وتمس حقوق الإنسان والحريات العامة. من جانب آخر هناك انتقادات واسعة على تكرار الاعتداءات على دور العبادة والرموز الدينية المسيحية، والانتهاكات المرتبطة بالمسجد الأقصى، بما في ذلك اقتحامات المستوطنين المتكررة وفرض القيود على وصول المصلين إليه في مناسبات مختلفة، باعتبارها مؤشرات تتعارض مع الصورة التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها عن نفسها في الخارج. ومن هذا المنطلق، تنظر قطاعات متزايدة من الرأي العام الغربي إلى هذه الحملات الإعلامية بعين أكثر نقدية، وترى أن منظومة حقوق الإنسان والحريات الدينية لا يمكن التعامل معها بصورة انتقائية، وأن التركيز على بعض القضايا الحقوقية لا يلغي الأسئلة المطروحة بشأن ملفات أخرى أكثر إلحاحًا وحضورًا في النقاش الدولي.
وقد تكون هذه الإستراتيجية أكثر فاعلية في مراحل سابقة، عندما كانت صورة إسرائيل في الغرب أقل تعرضًا للاهتزاز. أما اليوم، وفي ظل حجم الجدل الحقوقي والسياسي المحيط بها، فإن قدرتها على تحقيق الأثر ذاته تبدو موضع شك متزايد، خاصة لدى الأجيال الشابة والتيارات التقدمية التي باتت أكثر ميلًا إلى ربط مختلف قضايا الحقوق والحريات ضمن إطار واحد غير قابل للتجزئة.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بقدرة إسرائيل على تسويق هذه الصورة، بل بمدى قدرتها على إقناع جمهور بات أكثر حساسية تجاه التناقضات بين الخطاب الليبرالي والممارسة السياسية على أرض الواقع.
بين التناقض الداخلي وتعدد الرسائل الخارجية
بينما تسعى إسرائيل من خلال مسيرة المثليين، وغيرها من القضايا المرتبطة بالحريات الفردية إلى ترسيخ صورتها دولةً منفتحةً وليبراليةً في الوعي الغربي، فإن المشهد السياسي والاجتماعي داخلها يكشف واقعًا أكثر تعقيدًا وأقل انسجامًا مع هذه الصورة. فمنذ عقود، وخصوصًا خلال السنوات الأخيرة، يشهد النظام السياسي الإسرائيلي صعودًا متواصلًا للأحزاب الدينية والقومية والاستيطانية، التي انتقلت من موقع الشريك الثانوي في الحكومات إلى موقع التأثير المباشر في رسم السياسات العامة، وتحديد أولويات الدولة.
ويظهر أثر هذا التحول في مجالات تتجاوز السياسة والأمن إلى قضايا الهوية والثقافة والتعليم والأسرة والعلاقة بين الدين والدولة. ففي الوقت الذي تحرص فيه إسرائيل على تقديم نفسها للعالم باعتبارها نموذجًا للتعددية والانفتاح، تتزايد قوة التيارات الدينية والقومية التي ترى في الدولة مشروعًا يهوديًا ذا طابع ديني وقومي أكثر وضوحًا. وقد انعكس ذلك في مواقفها من العديد من القضايا الاجتماعية والثقافية، وفي تحفظها على بعض القيم الليبرالية التي يجري إبرازها في الخطاب الموجه إلى الخارج.
وتبرز هذه المفارقة بصورة أوضح عند النظر إلى الخطاب الصادر عن بعض القيادات السياسية والدينية المتنفذة، التي لا تخفي رفضها للعديد من القضايا المرتبطة بالحريات الفردية أو إعادة تعريف الأسرة والهوية الجندرية. إذ عبّرت شخصيات قيادية في أحزاب مشاركة في الحكم، مثل بتسلئيل سموتريتش، عن مواقف معارضة للمثليين وحقوقهم، الأمر الذي يعكس حضور هذه التوجهات داخل مراكز صنع القرار نفسها، لا في هوامش الحياة السياسية الإسرائيلية.
ولا يقتصر هذا التناقض على الواقع الداخلي فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الخطاب الذي توجهه إسرائيل إلى جماهير مختلفة في الغرب. فعند مخاطبة الأوساط الليبرالية في أوروبا وأمريكا الشمالية، يجري التركيز على قضايا الحريات الفردية وحقوق الأقليات والمساواة والتعددية الثقافية، وتُقدم فعاليات مثل مسيرة المثليين باعتبارها دليلًا على انتماء إسرائيل إلى المنظومة القيمية الغربية الحديثة. وفي المقابل، يتخذ الخطاب الموجه إلى الأوساط المسيحية المحافظة، ولا سيّما التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة، مسارًا مختلفًا يركز على الرواية الدينية والتاريخية، والمكانة التوراتية للأرض المقدسة، والروابط اليهودية – المسيحية، والدفاع عن القيم التقليدية.
ولا تقتصر هذه الازدواجية على قضية المثلية وحدها، بل تظهر في ملفات أخرى عديدة. فعندما تخاطب إسرائيل الأوساط الليبرالية الغربية تبرز مكانة المرأة في الحياة العامة، والتقدم التكنولوجي، وحرية الصحافة، باعتبارها مؤشرات على حداثة المجتمع الإسرائيلي. أما عند مخاطبة الأوساط المحافظة، فيجري التركيز على منظومة صراع الحضارات والإسلاموفوبيا، والأبعاد والرموز الدينية والتاريخية والهوياتية للصراع في المنطقة، لما تحمله هذه العناصر من دلالات تلقى صدى واسعًا لدى تلك الجماهير.
وتتجلى هذه البراغماتية كذلك في طبيعة التحالفات التي تسعى إسرائيل إلى بنائها. فهي تحرص على استقطاب قطاعات ليبرالية ترى في قضايا التعددية وحقوق الأقليات معيارًا للحكم على الدول. ولكن في الوقت ذاته طورت خلال العقود الأخيرة علاقات وثيقة مع قوى وأحزاب قومية ومحافظة في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، رغم أن بعض هذه القوى تتبنى مواقف متحفظة تجاه كثير من القيم الليبرالية التي تُبرزها إسرائيل في خطابها الموجه إلى جمهور آخر.
خاتمة
في المحصلة، كلما ازدادت الفجوة بين الصورة التي يجري تسويقها إسرائيليًا وبين الوقائع المرتبطة بالحرب والاحتلال والاستيطان والانتهاكات الحقوقية، ازدادت صعوبة إقناع قطاعات من الرأي العام الغربي بهذه السردية. ولهذا لم يعد النقاش يدور حول مضمون الرسالة وحده، بل حول مدى انسجامها مع السياسات والممارسات التي تُنسب إلى إسرائيل على أرض الواقع.
ومن ثم، لا يبدو الخطاب الإسرائيلي متمسكًا بمنظومة فكرية واحدة بقدر ما يبدو سعيًا مستمرًا إلى توظيف الرسائل الأكثر تأثيرًا في كل جمهور على حدة. فالقيم التي تُقدم باعتبارها مصدر قوة وجاذبية أمام الجمهور الليبرالي قد لا تكون هي نفسها التي يجري إبرازها أمام الجمهور المحافظ، والعكس صحيح. ومن هنا، تبدو مسيرة المثليين أقل تعبيرًا عن صورة إسرائيلية موحدة، وأكثر تعبيرًا عن محاولة مستمرة لإدارة الانطباعات، وكسب الشرعية والتأييد في مرحلة تواجه فيها إسرائيل واحدة من أكثر أزمات الصورة تعقيدًا منذ عقود.



