لماذا تريد إسرائيل الهيمنة على البنتاغون الأمريكي؟

في لقاء 18 يونيو/حزيران 2026 مع ضباط الاحتياط في مستوطنة “ميجدال عوز” بالضفة الغربية المحتلة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تعزيز الاستقلالية في مجال التسليح، قائلًا: “أنا أريد استقلالية في التسلح… أُقدّر بعمق الدعم الذي حصلنا عليه… يجب أن نُنتج أسلحتنا بأنفسنا.” ولم يكن هذا الطرح منفصلًا عن سياق سابق؛ إذ سبق لنتنياهو، في سبتمبر/أيلول 2025، أن تحدث عن احتمال مواجهة إسرائيل “نوعًا من العزلة” قد يمتد لسنوات، داعيًا إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية تجعل إسرائيل “أثينا وسبارطة العظمى في آنٍ معًا”.
ويتسق هذا المسار مع ما طرحه وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق يوآف غالانت، الذي دعا إلى إعادة تعريف المساعدات الأمريكية لإسرائيل بوصفها استثمارًا مشتركًا لا منحةً، ضمن رؤية تمتد حتى عام 2048، تزامنًا مع الذكـرى المئوية لقيام إسرائيل. ومن ثم، تبدو العلاقة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية وكأنها تتحرك في مسارين متوازيين: أوّلهما خطاب سياسي يرفع شعار “الاستقلالية” في مجال التسليح، وثانيهما مسار مؤسسي يعمّق الاندماج الصناعي والتكنولوجي بين الجانبين. ومن هنا يثور التساؤل حول الوجهة الفعلية التي تتخذها هذه الشراكة، وما إذا كانت الطفرة التي سجلتها صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، والبالغة 19.2 مليار دولار عام 2025، تكفي لتفسير هذا الخطاب المزدوج، أم أن الأمر يعكس حسابات استراتيجية أوسع تتصل بإعادة صياغة أُسس العلاقة الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب مع اقتراب انتهاء العمل بمذكرة التفاهم العسكرية في عام 2028.
تأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك التحوّلات الهيكلية في الشراكة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية؛ بدءًا بتتبع التاريخ المالي والامتيازات الهيكلية للمساعدات العسكرية، مرورًا بتحليل الدوافع الإسرائيلية وراء طرح استقلالية السلاح، وصولًا إلى تفكيك الهندسة التشريعية للمادة 219/224 في الكونجرس ومخاطر الاندماج الفيدرالي، وانتهاءً بتقييم مدى قدرة إسرائيل على تقليص اعتمادها على المساعدات الأمريكية وحدود هذا التحوّل في ضوء تحوّلات البيئة الأمنية الدولية والثورة الدقيقة الثانية.
المسار المالي للمساعدات الأمريكية وامتيازاتها الهيكلية لإسرائيل
شَكَّلَت المساعدات العسكرية الأمريكية عبر تاريخ العلاقات بين واشنطن وتل أبيب الركيزة الأساسية لضمان الأمن القومي الإسرائيلي؛ حيث تحوّلت من مجرد أشكال محدودة للدعم الاقتصادي والإنساني في خمسينيات القرن الماضي إلى حزم تمويلية وعسكرية استراتيجية ضخمة. وقد شهدت هذه المساعدات قفزات تاريخية متتالية، بدءًا من أعقاب حرب 1967 حين ارتفعت بنسبة 450%، ثم بنسبة 800% بعد حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، وصولًا إلى توقيع مذكرات التفاهم الاستراتيجية الممتدة لسنوات. وتُوِّج هذا التمويل بحزمة المساعدات العشرية (2019–2028) بقيمة 38 مليار دولار، ناهيك بالمساعدات الاستثنائية العاجلة عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 لتعزيز المنظومات الدفاعية وتزويد إسرائيل بآلاف الأطنان من الذخائر الحيوية.
ولم تقتصر هذه المساعدات على البُعد المالي، بل اقترنت بامتيازات هيكلية فريدة لا تحظى بها أي دولة أخرى؛ أبرزها آلية المشتريات الخارجية (Off–Shore Procurement) التي سمحت لإسرائيل بصرف جزء من أموال المساعدات الأمريكية لشراء أسلحة وتطوير تقنيات داخل شركات الدفاع الإسرائيلية نفسها، إلى جانب آلية التحويل النقدي المباشر للخزينة دون رقابة مشروعات، وتمويل التدفق النقدي للصفقات طويلة الأجل.
مثَّلت تلك الامتيازات دورًا محوريًا في نمو الاقتصاد التكنولوجي الإسرائيلي؛ حيث أصبحت التكنولوجيا القاطرة الرئيسية للاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ يساهم قطاع الهايتك بنحو 19.7% من الناتج المحلي الإجمالي (ما يعادل 340 مليار شيكل)، ويستحوذ على 53% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية (نحو 73.5 مليار دولار). وتبيّن أن هذا النجاح يتأسس على الشبكة التكاملية الثلاثيّة بين المؤسّسة العسكريّة والأكاديميّة وقطاع الهايتك الإسرائيلي؛ حيث تُستغل وحدات الاستخبارات التكنولوجية وفي مقدّمتها وحدة 8200؛ لإعداد الكوادر وتأهيل النخب السيبرانية التي تنقل الخبرات العسكرية المباشرة إلى السوق المدني والتطبيقات عابرة القارات.
وتستند هذه الديناميكيّة إلى نموذج “الاستخدام المزدوج” الذي يُتيح تدفّق التكنولوجيا بين المختبرات العسكرية والأسراب الميدانية وبين الشركات التكنولوجية الناشئة، برعاية تمويلية حكومية وأمريكية مشتركة عبر برامج مثل صندوق (BIRD) وصناديق رأس المال الجريء التي تتجاوز استثماراتها 3 مليارات دولار سنويًا. وبفضل هذه الامتيازات، لم تَعُد المساعدات العسكرية الأمريكية مجرّد أداة لتمويل واردات الأسلحة، بل تحوّلت إلى دعم غير مباشر لنمو مجمّع الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الإسرائيليّة؛ حيث أتاحت آلية المشتريات الخارجية وآلية التحويل النقدي المباشر فرصةً لإسرائيل لتخصيص المليارات من الموازنة العامة للأبحاث والتطوير المحلي. هذا الاستثمار الذاتي المكتسَب أثمر عن ابتكار وتطوير أنظمة تسليح وحماية ورادارات فائقة التقدّم (مثل نظام تروفي لحماية الدبابات، وخوذات مقاتلات F-35، وأنظمة الليزر كالشعاع الحديدي، والذكاء الاصطناعي الميداني) التي تُختبر في الميدان لتتحوّل إلى منتجات جاهزة يُعيد الجيش الأمريكي شراءها دون تحمُّل تكاليف أبحاثها الأوّلية.
ومن الجدير بالذكر، فإن آلية المشتريات الخارجية تقترب من نهايتها؛ لأن مذكرة التفاهم الموقّعة عام 2016 نصّت صراحةً على تقليص حصّة هذه المشتريات تدريجيًا من نحو 26.3% من المنحة السنوية -أي ما يقارب 815 مليون دولار في السنة الماليّة 2019- حتى بلوغها الصفر في السنة المالية 2028. لم يكن ذلك تعديلًا محاسبيًا عارضًا، بل قرارًا سياسيًا اتّخذته إدارة باراك أوباما استنادًا إلى حجّتين؛ أن الصناعة الدفاعية الإسرائيلية بلغت من النضج ما يُغنيها عن الدعم المباشر، وأن دولارات التمويل العسكري الأجنبي يجب أن تُصرف داخل الولايات المتحدة لا في منافسة شركاتها.
الاستقلالية بوصفها ضرورة عملياتية: لماذا خرج خطاب السلاح المستقل الآن؟
لم يولَد خطاب “استقلالية السلاح” من فراغٍ سياسي، بل جاء تتويجًا لتضافر عاملين مترابطين، وهما: مراجعة داخلية كشفت هشاشة البنية الإنتاجية الإسرائيلية تحت ضغط الحرب الطويلة، وتحوّلات عميقة في الرأي العام والبيئة الحزبية الأمريكية تجاه استمرار الدعم العسكري غير المشروط. هذه التحوّلات التي بلغت مستويات غير مسبوقة منذ عقود شكّلت الدافع السياسي الأبرز لخروج الخطاب بهذا التوقيت والحِدة.
ففي ظل اقتراب انتهاء مذكرة التفاهم العسكرية عام 2028، وتصاعد المعارضة داخل الحزبين (اليسار التقدمي من جهة، وتيار أمريكا أوّلًا داخل حركة MAGA بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس من جهة أخرى)، أدرك صناع القرار في تل أبيب صعوبة تمرير حزمة مساعدات جديدة بنفس الشروط السابقة. لذا سعى نتنياهو إلى اتخاذ خطوة استباقية، معلنًا رغبته في تقليص المساعدات تدريجيًا والتحوّل من نموذج المنحة إلى المشاريع المشتركة؛ بما ينسجم مع عقيدة الأمن القومي الأمريكي التي تنص على أن الولايات المتحدة يجب أن تفعل أوّلًا وقبل كل شيء ما يخدم مصالحها.
بالإضافة إلى ذلك، سبق الخطاب السياسي تشخيص رقابي حدّد التبعية بوصفها خطرًا عملياتيًا لا مجرّد عبء اقتصادي. أوضح مراقب الدولة متانياهو إنغلمان أن فقدان الاستقلالية في إنتاج السلاح على مدى العقدين الماضيين قيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، بل “شكّل خطرًا على حياة المقاتلين”، إذ أدّى تفضيل شراء المواد الخام بأرخص الأسعار إلى تبعيّة لمورّدين أجانب فرض بعضهم لاحقًا قيودًا على التصدير، فيما لم تُستكمَل عملية رسم خرائط القدرات اللازمة للاستقلال الإنتاجي إلا في يناير/كانون الثاني 2025. على هذه الأرضية، انتقل الطرح من التشخيص الرقابي إلى مشروع وطني مُموّل؛ إذ أعلن نتنياهو في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأوّل 2025، من قاعدة “حتسريم” الجوية، خطّة بقيمة 350 مليار شيكل (نحو 110 مليارات دولار) على مدى عقد لبناء صناعة تسليح مستقلة، مستندًا إلى توصيات “لجنة ناغل” التي أوصت بقدرة هجينة بنسبة تقارب 70% هجومًا و30% دفاعًا، وشدّد رئيسها يعقوب ناغل على أن إسرائيل ينبغي ألّا تظلّ تابعة للولايات المتحدة في المركبات المدرّعة والطائرات المسيّرة، مع الإقرار بأن الاعتماد في الطائرات المقاتلة سيبقى قائمًا.
وقد تسارع تجسيد هذا التوجّه على الأرض؛ ففي 25 مارس/آذار 2026، اجتمع المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، مع الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، وهي: رفائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة (Rafael Advanced Defense Systems)، والصناعات الجوية الإسرائيلية (Israel Aerospace Industries – IAI)، وإلبيت سيستمز (Elbit Systems)، وتومير الحكومية (Tomer)، أكد خلاله أن تحقيق “استقلال الذخيرة” يُمثّل أولويةً إستراتيجية، وذلك في وقت تجاوزت فيه مشتريات وزارة الدفاع من الصناعات المحلية ثلاثة مليارات دولار منذ مطلع العام، بالتوازي مع استهلاك الحرب على إيران كميات ضخمة من الذخائر الجوية وصواريخ الاعتراض، بلغت أربعة أضعاف ما استُهلك في حرب يونيو/حزيران 2025.
ولم يبق هذا التوجُّه أسير الإعلانات العامّة، بل تحوّل إلى سلسلة تعاقدات متلاحقة رسمت خريطة الاستقلال المنشود في مياديـنه الثلاثة. ففي المجال البرّي، وقّعت وزارة الدفاع في 30 آذار/مارس 2026 صفقة تتجاوز 150 مليون شيكل مع “إلبيت سيستمز” لإقامة خط إنتاج محلي لقذائف المدفعية عيار 155 ملم، بالتوازي مع تسلُّم الجيش أولى منظومات المدفع ذاتي الحركة “روعيم”. وفي المجال الجوي، أُبرمت صفقتا ذخائر جوية مع الشركة ذاتها بقيمة 570 مليون شيكل في 27 كانون الثاني/يناير 2026، ثم 600 مليون شيكل في 22 نيسان/أبريل 2026 أعقاب الحرب الثانية على إيران. أما في منظومات الاعتراض، فقد سبق ذلك عقد متعدّد السنوات مع “رفائيل” في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لتوسيع إنتاج القبّة الحديدية، وأُعلن في 6 نيسان/أبريل 2026 عن رفع وتيرة إنتاج صواريخ “حيتس” (Arrow) بقيادة الصناعات الجوية الإسرائيلية، إلى جانب الدفع بمنظومة الليزر “الشعاع الحديدي” بنحو ملياري شيكل؛ وهو ما يعني، بحسب رصد معهد ألما، تجاوز المشتريات المحليّة تسعة مليارات شيكل في الربع الأوّل من عام 2026 وحده.
تكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن ما تصفه إسرائيل باستقلالية السلاح لا يستهدف بناء قدرة عسكرية مكتفية ذاتيًا بالمعنى المطلق، بقدر ما يسعى إلى معالجة نقاط الاختناق العملياتية التي كشفتها الحروب الأخيرة، ولا سيما في مجال الذخائر ومنظومات الاعتراض وسلاسل الإمداد. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن المشكلة الرئيسة امتلاك التكنولوجيا أو التمويل، وإنما ضمان استمرار تدفق الذخائر والمواد الخام في ظل تقلبات البيئة السياسية الدولية وما شهدته من قيود سابقة على التصدير.
وعليه، تنظر المؤسسة الأمنية إلى طرح استقلال التسليح بتحفظ؛ إذ يرى خبراء مثل اللواء (احتياط) إيلان بيران وعميكام نوركين أن الاستقلال الكامل في المنصات الثقيلة (طائرات مقاتلة أو غواصات) غير ممكن اقتصاديًا، وأن المزايا الحقيقية لإسرائيل تكمن في التقنيات المتقدمة والصواريخ والبرمجيات لا في محاولة إنتاج كل شيء محليًا. ويحذّر نوركين من أن الوصول إلى وضع تنتج فيه إسرائيل كل شيء بنفسها سيجرها إلى الأسفل، حيث ستُوجَّه موارد الدولة لإنتاج القنابل على حساب الصحة والتعليم والبنية التحتية المدنية. وقد أوضح أن: “الولايات المتحدة هي جزء من العمق الاستراتيجي لإسرائيل. وبدونها، لم تكن إسرائيل قادرة على إدارة ثلاث سنوات من الحرب”. وقد أضاف: “لا يجوز لنا أن ننظر باستخفاف ولو للحظة واحدة إلى أهمية المساعدات الأمريكية”.
ما دفع المؤسسة الأمنية إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقلالية باعتباره قدرة على مواصلة القتال حتى في حال تعثر الإمدادات الخارجية، مع الإبقاء على مسار التدرج والتحوّل نحو المشاريع المشتركة. ومن ثم، تبدو الاستقلالية هنا أداة لتعزيز حرية القرار العملياتي وتقليص قابلية العلاقة للمراجعة السياسية في واشنطن، لا مشروعًا لإعادة صياغة التحالفات الاستراتيجية من أساسها.
الهندسة التشريعية للمادة 219/224 ومخاطر الاندماج الفيدرالي
لم يكن إقرار مجلس النواب الأمريكي، في 23 يوليو/تموز 2026، لنسخته من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، والتي تضمنت المادة 219 (المعروفة سابقًا بالمادة 224)، بأغلبية ضئيلة بلغت 216 مقابل 212، حدثًا معزولًا؛ بل مثّل تتويجًا لمسار تشريعي بدأ في فبراير/شباط 2026، مع تقديم السيناتورين تيد بود وكيرستن جيليبراند قانون الإطار الأمريكي الإسرائيلي للتقنيات المتقدمة والبحث الموحّد والأمن المعزّز (FUTURES Act) في مجلس الشيوخ، أعقبه تقديم نسخة موازية في مجلس النواب من قبل النائبين دون ديفيس وروني جاكسون.
وبرغم تعثر المشروع داخل اللجان البرلمانية، نجحت مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) ومعهد الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، في تمرير معظم بنيته التشريعية ضمن المادة (224) من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA). ووفقًا لتحليل نشرته صحيفة الغارديان، يُمثّل هذا المسار التشريعي محاولة لترسيخ التعاون الدفاعي الأمريكي الإسرائيلي داخل البنية المؤسسية للبنتاغون، عبر نقل العلاقة تدريجيًا من إطار المساعدات والتمويل إلى إطار التكامل الصناعي والتكنولوجي طويل الأجل.
وتتجلى أهمية المادة أيضًا في استحداث منصب “الوكيل التنفيذي” داخل وزارة الدفاع الأمريكية. وبحسب النص التشريعي نفسه، يُكلَّف هذا الوكيل بمزامنة الجهود التعاونية بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ لتوسيع وتسريع البحث والتطوير والاختبار والتقييم والاندماج والتعاون الصناعي في مجال التكنولوجيا الدفاعية. وتشمل مهامه تحديد التقنيات المشتركة أو ذات الأصل الإسرائيلي ذات الفائدة العملياتية لإمكانية دمجها في أنظمة وبرامج التسليح الأمريكية، وضمان مبادرات بحثية مشتركة تشمل الحكومة والقطاع الخاص والأكاديميا، وتسهيل انتقال التقنيات من مرحلة البحث إلى مسارات الشراء والاستحواذ، وإنشاء أطر للشراكات المشتركة واتفاقيات الترخيص والإنتاج المشترك أو التصنيع داخل الولايات المتحدة مع الشركات الإسرائيلية. كما تغطي المبادرة مجالات واسعة تشمل أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، والتهديدات تحت الأرض، والدفاع الصاروخي والجوي، والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية والأنظمة المستقلة، والطاقة الموجهة، والحرب السيبرانية والإلكترونية، والتكنولوجيا الحيوية، والتصنيع الدفاعي.
وترى دراسة صادرة عن معهد كوينسي أن هذا المنصب، بما يتمتع به من صلاحيات تتجاوز الإدارات الأخرى في البنتاغون، قد يحد من مستويات الرقابة البيروقراطية المعتادة على نقل التكنولوجيا الدفاعية الحساسة. وبهذا المعنى، تُمثّل المادة تجسيدًا عمليًا للمسار الذي يسعى نتنياهو إليه، والمتمثل في تحويل العلاقة من نموذج المنحة إلى شراكة صناعية وتكنولوجية مدمجة داخل هيكل البنتاغون، بما يجعل التعاون أكثر رسوخًا وأقل عرضة للمراجعات السياسية السنوية.
إلى ذلك، يُبيّن تحليل أن هذا الاندماج يخلق فخًا استراتيجياً للجيش الأمريكي عبر ما يُعرف بـ “الارتهان العكسي”؛ فعندما تُصبح البرمجيات والمكونات الإسرائيلية مدمجة في الأسلحة الأمريكية المستقبلية، ستملك تل أبيب القدرة على التهديد بحجب التحديثات أو المكونات لابتزاز واشنطن إذا حاولت الأخيرة الضغط عليها سياسيًا. ويحذّر الخبراء عامةً من أن التراجع عن هذا الاندماج لاحقًا سيكون مكلفًا للغاية، مستحضرين تجربة إخراج تركيا من برنامج طائرات F-35 عام 2019، والتي تسببت في تأخير تسليم الطائرات وتكليف دافعي الضرائب الأمريكيين عشرات المليارات لإعادة ترتيب سلاسل التوريد.
هذه المخاطر دفعت أعضاءً في الكونجرس، من أمثال توماس ماسي ورو خانا وألكسندريا أورقاسيو كورتيز، إلى خوض معركة لرفض المادة، معتبرين بحسب ما وثّقه موقع نيوزويك أن دمج أجزاء من الجيش الأمريكي مع الجيش الإسرائيلي يُمثّل تهديدًا مباشرًا للسيادة والديمقراطية الأمريكية.
الخاتمة
لا يعكس خطاب الاستقلالية التسليحية توجهًا إسرائيليًا نحو فك الارتباط بالولايات المتحدة، بقدر ما يكشف عن محاولة لإعادة تنظيم هذا الارتباط على أُسس جديدة. وفي المقابل، لا تُمثّل التحركات التشريعية في الكونجرس مجرد تمديد للمساعدات بصيغتها التقليدية، وإنما تؤسس لانتقال تدريجي من علاقة تقوم على تحويل المنح وشراء السلاح الأمريكي، إلى شراكة أكثر تعقيدًا تقوم على دمج إسرائيل في القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية للولايات المتحدة.
أيضًا، قد لا يكون عام 2028 موعدًا لانتهاء الدعم العسكري الأمريكي، بقدر ما يُمثّل نقطة تحوّل في الكيفية التي تُدار بها الشراكة الدفاعية بين البلدين. فمع تزايد الضغوط السياسية والشعبية على المساعدات الخارجية، تسعى إسرائيل إلى تقليص قابلية العلاقة للمراجعة السياسية عبر تعميق اندماجها الصناعي والمؤسسي من خلال مشروعات مشتركة، وسلاسل توريد مترابطة، وتشريعات تجعل التعاون معها جزءًا من بنية الدفاع الأمريكية، لا مجرد التزام مالي دوري.
وفي هذا السياق، يتضح مدى قدرة إسرائيل على تقليص اعتمادها على المساعدات العسكرية الأمريكية؛ إذ رغم الخطاب السياسي المتصاعد حول بناء صناعة تسليح مستقلة، وخطة ميزانية الدفاع المقدرة بـ 350 مليار شيكل على مدى عقد، فإن طبيعة المنظومة الدفاعية والاقتصادية الإسرائيلية تحول دون تحقيق استقلال كامل. فالقطاع التكنولوجي والعسكري-الصناعي، الذي بات يُشكّل ركيزة بنيوية للناتج والصادرات، استفاد تاريخيًا من منظومة متشابكة من الإنفاق الدفاعي المحلي، والتكامل بين المؤسسة العسكرية والأكاديميا وقطاع الهايتك، والمساعدات والتعاون الأمريكيين؛ الأمر الذي يجعل أي محاولة جذرية لفك الارتباط عرضة لاضطرابات في سلاسل التوريد والتمويل والقدرة التشغيلية، خاصةً مع استمرار الاعتماد على المنصات الثقيلة الأمريكية.
وعليه، يبدو أن خطاب استقلالية التسلّح والفِطام عن المساعدات العسكرية الأمريكية، والتحول نحو مفهوم الشراكة التي هي أعمق وأجدى لإسرائيل من المساعدات، إنما هو خطاب تحايليّ لاستباق لحظة ستتوقف فيها تلك المساعدات، ولدمج إسرائيل عضويا في بنية المجمع العسكري والأمني الأمريكي، بما يعزلها عن التقلبات السياسية وآثارها المتوخاة.



