كيف يقرأ المحلّلون الإسرائيليّون الحرب على إيران: بين الإنجاز التكتيكيّ وغياب البعد الإستراتيجيّ

يرسم هذا التقرير خريطة مسحيّة للآراء الإسرائيليّة حول الحرب على إيران، من خلال قراءة منهجيّة لقاعدة بيانات تضمّ 242 مقالة رأي نُشرت في 20 مصدرًا إسرائيليًا خلال الفترة من 28 فبراير إلى 11 مارس 2026. تشمل قاعدة البيانات آراءً تمثّل، إلى حد كبير، كامل الطيف الأيديولوجي الإسرائيلي، من المعسكر الديني-الصهيوني الممثّل بقناة 7 وسروغيم وكيكار هشبات، مرورًا بالوسط المتمثّل في يديعوت أحرونوت ومعاريف، وصولًا إلى اليسار النقدي في هآرتس وسيحا مكوميت. يُهيمن المعسكر اليميني-الديني على نحو 46% من حجم قاعدة البيانات، فيما لا يتجاوز نصيب الأصوات النقدية 11%.
على مستوى الأطر التحليليّة المهيمنة على المواد، يُقرأ التباين في الخطاب الإسرائيلي بوصفه شأنًا أمنيًا-عسكريًا بالدرجة الأولى (39.3% من المقالات)، يليه البعد السياسي الداخلي (31.4%) حيث تُوظَّف الحرب في معارك الائتلاف، والمعارضة والتجنيد والانتخابات. يحضر البعد الاقتصادي في 14.5% من المقالات مدفوعًا بأسعار النفط وانهيار البورصة وتكاليف الحرب. ويتصاعد التأطير الديني-الحضاري إلى 11.6%. أمّا الغياب الأبرز فهو الإطار الإنساني الذي لا يتجاوز 0.8% من المقالات؛ أي أنّ الخطاب الإسرائيلي يكاد يستبعد كليًا السؤال عن الكلفة البشرية للحرب على المدنيين الإيرانيين، وهو غياب يكشف عن حدود الرؤية التحليلية بقدر ما يكشف عن مضامينها.

يكشف تحليل الارتباط بين الفواعل عن أنماط سياسية دالّة، فالارتباطات الأقوى ضمن قاعدة البيانات تبرز بين بهلوي (رمز المعارضة الإيرانية) وويتكوف (مبعوث ترامب للصفقات)، مما يعني أن الخطاب الإسرائيلي يربط مسار التفاوض الأمريكي بالمعارضة، أي أنّ “الصفقة” و”تغيير النظام” يُناقشان بوصفهما مسارين متلازمين لا متعارضين. كذلك يقترن ذكر الأكراد دائمًا بتركيا وأردوغان، وهو ما يعكس وعيًا إسرائيليًا بأنّ أي رهان على الورقة الكردية في إيران سيصطدم بالفيتو التركي. أما الارتباط الآخر فيتمثل في خامنئي-مجتبى، حيث لا يُذكر اغتيال الأب إلا مقرونًا بسؤال الوراثة والخلافة، مما يشير إلى أنّ الخطاب الإسرائيلي يقرأ عملية الاغتيال لا بوصفها نقطة نهاية، بل نقطة انطلاق لأزمة خلافة مفتوحة.

ملاحظة: تم إعداد هذا التحليل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، الآراء الموثقة في التقرير هي الآراء التمثيلية.
الخلاصات والاستنتاجات العامة:
تؤدي قراءة تلك القاعدة الكبيرة من البيانات إلى الخلوص إلى مجموعة من الاستنتاجات والخلاصات العامة التي تعكس القضايا العامة في الإعلام ومراكز الأبحاث العبرية على النحو التالي:
- يكشف الخطاب الإسرائيلي عن فجوة بين الإجماع على الإنجاز التكتيكي، المتمثّل في نجاح العملية، وبين الانقسام حول قدرتها على تحقيق أهدافها الإستراتيجية المُعلنة، وهي فجوة تتّسع مع مرور الأيّام، لا تضيق.
- يتشكّل خطّ التصدّع المركزي حول ثنائية الصمود مقابل الواقعية: المعسكر اليميني يطالب بالصبر، بينما يحذّر المعسكر الوسطي-الأمني من عوائد هامشية متناقصة، وضغوط أمريكية متصاعدة.
- تشكل إمكانية تراجع ترامب أكثر المخاوف الإستراتيجية حضورًا، ممّا يشير إلى أنّ السؤال الأكثر إلحاحًا لدى النخبة الإسرائيلية ليس ما يحدث في إيران، بل ما يحدث في واشنطن.
- يمثل اختزال الإيرانيين في ثنائية مؤيّد للنظام أو ممتنّ للقصف نقطة عمياء في الخطاب الإسرائيلي.
- يتبنى التيار الديني-الأيديولوجي رؤية تأويلية متكاملة تعالج الحرب باعتبارها حدثًا خلاصيًّا لا سياسيًّا، وهذا الإطار ليس هامشيًّا، بل يستند إلى نسبة كبيرة من حجم قاعدة البيانات، ويتقاطع مع الخطاب العسكري والسياسي في مواضع عديدة.
- ترى التحليلات أن الحرس الثوري هو العمود الفقري للنظام، وما دام قائمًا فإنّ القصف الجوي وحده لا يُنتج تغييرًا سياسيًا، بصرف النظر عن حجم التدمير.
- تتّجه المعطيات نحو واحد من سيناريوهين: صفقة ترامبية مبكرة تُبقي النظام مهترئًا لكنّه قائمٌ مع رفع الحصار تدريجيًا مقابل تنازلات نووية وصاروخية، أو إطالة مفتوحة للحملة تُراكم الكلفة الاقتصادية والسياسية.
- يُشير تركيز الخطاب على “الشرق الأوسط الجديد” مع غياب شبه تامّ لتحليل اليوم التالي لانهيار النظام، إن حدث، إلى أنّ المستوى السياسي الإسرائيلي يركّز على الانتصار التكتيكي من غير استعداد كافٍ لإدارة تداعياته الإستراتيجية.
- قد تتصاعد تكاليف الحرب إلى حدّ يفرض وقفها بقرار أمريكي أحادي.
استعراض القراءات والتحليلات
1- الحرب ومنطقها الإستراتيجيّ
يتّفق الكتّاب الإسرائيليون عبر مختلف الطيف السياسي على أنّ الحرب تجاوزت التوقّعات الأوّلية من حيث النطاق والوتيرة، لاسيّما في الأسبوع الأوّل. غير أنّ ثلاثة خطوط صدع تشقّ هذا الإجماع: أوّلًا، ما إذا كان التدمير التكتيكي يُترجم إلى إنجاز إستراتيجي أم يمثّل عوائد هامشية؛ ثانيًا، ما إذا كان الإنجاز الاستخباراتي، أي اغتيال خامنئي، هو القصّة الحقيقية التي تطغى على الحملة الجوية المستمرّة؛ ثالثًا، التوتّر المتنامي بين التأطير اليميني للنجاح التاريخي شبه المعجز وبين التقييم الأكثر حذرًا من المؤسّسة الأمنية التي ترصد شقوقًا لم تؤدِّ إلى انهيار في النظام الإيراني.
إذ يُؤطّر الاتّجاه اليميني الحرب بوصفها حدثًا حضاريًا غيّر وجه تاريخ الشرق الأوسط. حاول د. أساف ملاخ في قناة 7 إثبات ذلك من خلال قائمة من عشرة إنجازات تشمل تصفية خامنئي، وتعميق التحالف الأمريكي-الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة، مستشهدًا بوثائق البنتاغون الإستراتيجية التي تصف إسرائيل بالشريك الإستراتيجي الرئيس، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي مع إسرائيل في قمّة “النظام العالمي الجديد”. وبنى موقفه على أنّ السابع من أكتوبر أوجد حتميّة تاريخية، وأنّ العملية حقّقتها.
يُقرّ الاتّجاه الثاني بالإنجازات العسكرية الكبيرة، لكنّه يحذّر من أنّ الحملات الجوّية وحدها لا تستطيع إحداث تغيير في النظام. أشار رون بن يشاي في يديعوت أحرونوت استنادًا إلى إحاطة من المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية، إلى أنّ الصورة العسكرية “جيّدة بل جيّدة جدًا”. وأوضح أنّ أنظمة الكشف للدفاع الجوي الإيراني قُمعت في الأيّام الخمسة أو الستّة الأولى، ودُمّرت مئات منصّات إطلاق الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وأنّ إيران لم تعد قادرة على إطلاق رشقات، بل صواريخ فردية فقط. لكنّه أكّد صراحةً أنّ تغيير النظام لن يكون فوريًّا على الأرجح.
ذهب عوفر شيلح، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي والعضو السابق في الكنيست، إلى إثبات أنّ الإنجازات باتت تحقّق “عوائد هامشية متناقصة” لأنّ الأهداف النوعيّة ضُربت بالفعل. وشكّك في القدرة على إسقاط “نظام منظّم للغاية رغم كونه قاتلًا وعدوانيًا”. ورأى أنّ الإنجاز الرئيس هو استنزاف القدرات، وضربة لأسس النظام ستُجبره، حتى لو بقي، على التركيز على ذاته، ممّا سيُقلّص عدوانيته النووية والإقليمية لفترة طويلة. تقرير القناة 13 أكّد أنّ انهيار النظام غير مؤكّد لدى الدوائر السياسية الإسرائيلية، وأنّه لم تصل إشارة من ترامب بشأن نهاية وشيكة للحملة.
لا تخلو الآراء من أصوات تطعن في المنطق الإستراتيجي الذي أدى إلى الحرب برمّته، خاصة تلك الأصوات المحسوبة على اليسار والوسط. تساءل سامي بيرتس في هآرتس عمّا إذا كان ترامب ونتنياهو يطلبان من الشعب الإيراني إنجاز ما عجزت عنه آلاف الأطنان من القنابل، مستحضرًا فشل إسرائيل ذاتها في تغيير الأنظمة بالقوّة العسكرية. كما حذر ران أديلست في معاريف من أنّ إسرائيل بعد عامين ونصف من القتال تخاطر بالانضمام إلى نادي الدول المختلّة وظيفيًا.. وطرحت هآرتس ملاحظة مثيرة: “كان لدى إيران شخص واحد يمنع الأسلحة النووية وقد قتلناه”، في إشارة إلى فتوى خامنئي المُبلّغ عنها ضدّ الأسلحة النووية، ممّا يشي بخطأ قرار الحرب وإدارتها.
حاول بوعز ليبرمان في قناة 7 إثبات أنّ ثلاثة عقود من نبوءات الانهيار للمجتمع الإسرائيلي تحت حرب إقليمية تبدّدت: الاقتصاد لم ينهر، والمجتمع لم يتفكّك، والأطفال يضحكون في الشوارع بين إنذار وآخر.
وصفت أمّ لطفل عمره عامان في سروغيم مفارقة الحكومة التي تأمر بالعودة للعمل لكنّها تُبقي دور الحضانة مغلقة: “تطبيع الجنون لا الصمود”. ورأت الدكتورة دانا أمير عبر سيحا مكوميت أنّ عامين ونصف من الحرب المتواصلة حوّلا المواطنين إلى “فئران مختبر في مكان إيواء نفسي” فاقدين للقدرة على التفكير المستقلّ.
2- سؤال النظام: الاغتيال والخلافة واحتمالات الانهيار
تتقاطع في هذا المحور الآراء المتعلقة باغتيال خامنئي، وتعيين ابنه مجتبى خلفًا له مع التساؤل حول قدرة النظام على البقاء. يسلط هذا المحور الضوء على خمسة أبعاد متمايزة: المرونة الهيكلية للنظام بازدواجيته المؤسّسية بين الجهاز المدني وجهاز الثورة؛ وقدرة المعارضة؛ والعامل الكردي والأقلّيات الإثنية؛ ومستقبل الحرس الثوري بين التصدّع أو التماسك؛ والبُعد الزمني وما إذا كانت الحرب تُهيّئ لانهيار قريب أم لتآكل طويل الأمد.
على صعيد الخلافة، أشار راز زيمت، خبير إيران في معهد دراسات الأمن القومي عبر يديعوت أحرونوت إلى أنّ صحيفة “هم-ميهان” الإصلاحية نشرت عام 2022 مقالًا بعنوان “ضدّ الحكم السلالي” مستشهدة بتصريحات خامنئي نفسه المتكرّرة ضدّ التوريث. ووصف مجتبى بأنه ذو خبرة إدارية واسعة ويعمل من خلف الكواليس، ما يؤشّر على توجهاته السياسية تدخّله في انتخابات 2005، حين نقل تأييده من قاليباف إلى أحمدي نجاد لأنّ الأوّل “معتدل أكثر ممّا ينبغي تجاه الغرب”؛ كما كان لديه سلطة وسيطرة على الوصول إلى والده؛ ونفوذٌ على الحرس الثوري رغم خبرة عسكرية محدودة؛ وإدارة مزعومة لشبكات غسيل أموال تموّل عمليات الحرس. وخلص إلى أنّ تعيينه تم على الأرجح بتيسير من الحرس الثوري.
حول سؤال انهيار النظام، يتبلور إجماع واسع على أنّ القوّة الجوية وحدها لا تستطيع إسقاط النظام، وأنّ المعارضة الإيرانية مشتّتة لدرجة تمنعها من الإمساك بالسلطة فورًا، وأنّ الحرس الثوري يظلّ المتغيّر الحاسم. لكنّ المواقف تتباين بحدّة فيما يتجاوز ذلك.
يؤكد أفي غرينتسايغ في قناة 7 ضرورة الصبر والابتعاد عن التوقّعات غير الواقعية، بالنسبة إليه، تمثل إيران قوّة تاريخيّة من 90 مليون نسمة ومساحتها تسعة أضعاف سورية، ويملك نظامها مئات الآلاف من عناصر الحرس والباسيج يقاتلون من أجل حياتهم، مع غياب تامّ لمعارضة مسلّحة قبل هذا الأسبوع. لذا فمن غير الممكن أن ينهار النظام بين عشية وضحاها. يعارض الكاتب الحديث عن إستراتيجية الخروج، بالنسبة إليه، تأتي إستراتيجية الخروج حين تتحقّق الأهداف أو يُتخلّى عنها. من جانب آخر، أشار وزراء في الحكومة عبر أخبار كان إلى أنّ تغيير النظام قد يستغرق نحو عام واحد، وأنّ مركز الثقل سينتقل إلى الساحة المدنية.
في المقابل، قدّمت سارة ليرخ زيلبربرغ، من برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي ومنتدى دفورا، أطروحة عبر موقع “دبار”: “ما دام الحرس الثوري واقفًا على قدميه، لن يكون هناك تغيير في إيران”. وأوضحت أنّ مأساة المعارضة الإيرانية تكمن في أنّ معظمها خارج إيران منذ سنوات. نجح الخميني من المنفى لأنّه امتلك شبكة داخلية ضخمة؛ معارضة اليوم لا تملك ذلك. منظّمة مجاهدي خلق مكروهة داخليًا لتحالفها مع صدام في حرب الثمانينيات. ولم يُظهر بهلوي قدرة تنظيميّة فعليّة قطّ. وتشير أيضًا إلى أنّ النظام يتمتّع بدعم حقيقي يتراوح بين 20 و30%، بالإضافة إلى أن ملايين الأشخاص يعتمدون على شبكة المحسوبيّة فيه، إذ يمثّل الحرس الثوري إمبراطورية اقتصادية ومؤسّسات ومشاريع خصخصة لصالح موالي النظام.
يقدر البروفيسور مئير ليتفاك، حجم الحرس الثوري بنحو 200 ألف عنصر يعيلون ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص عبر شبكة المحسوبية. ويخلص إلى أنّ إيران ليست سورية حيث نخبة محدودة فوق سكّان معادين، ولا تركيا حيث قاعدة شعبية عريضة، بل شيء بينهما، ولذلك لن يكون الانهيار مفاجئًا.
حاول تحليل في ميدا إثبات أنّ “الأمر لن يحدث بدون الجيش الإيراني”، مميّزًا بين الجيش النظامي (الأرتيش) والحرس الثوري. واستند إلى إطار “الازدواجية المؤسّسية”، حيث يؤدّي قطع رأس واحد إلى نموّ اثنين آخرين. وخلص إلى أنّ أي انقلاب داخلي لجيش النظام لن يكون ممكنًا إلا في حال واحد، إذا استنتج الجيش النظامي أنّ النظام يعرّض الدولة للخطر.
أثار تحليل في ميدا البُعد الكردي والإثني، راسمًا خريطة “حلقة الأطراف” الإيرانية: الأكراد في الشمال الغربي، والأذريون في الشمال، والعرب في خوزستان في الجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب الشرقي. ورأى أنّ الميليشيات الكردية مُجرّبة قتاليًا من حروب داعش وقد تُحدث تأثير الدومينو. لكنّ تحليل سروغيم حذّر بشدّة من دعم الانفصاليين، مشيرًا إلى أنّ الشعب الإيراني، حتى المعادي للنظام، متّحد في حبّ وطنه التاريخي، وأنّ دعم إسرائيل لتفكيك إيران سيحوّل صورتها بين عشيّة وضحاها من “منقذة وصديقة” إلى “عدوّة الوطن”.
تتأرجح التغطية الإسرائيلية للمجتمع الإيراني بين قطبين متنافرين، ويصوّر القطب المهيمن في الإعلام اليميني والوسطي المواطنين الإيرانيين ممتنّين للضربات ومتحفّزين للانتفاضة. حدّدت دانا شماخ في يديعوت أحرونوت أربعة أسباب لمحدودية الاحتجاجات الداخلية: ضبابية الحرب، وانقطاع الاتّصالات، والبقاء تحت القصف، والخوف من “الوحش الجريح” أي الباسيج المسلّح في الشوارع. ونقل تقرير معاريف عن الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي أوريت بيرلوف شهادات من داخل إيران: “أصوات الهجمات تمنح المرء قوّة للعيش. خوفي الوحيد أن تتوقّف الأصوات ونبقى وحدنا مع هؤلاء المجرمين”.
يمثّل صوت مهدي محمّديان في ميكوميت، الناشط السياسي الإيراني الذي أمضى 9 سنوات في سجون النظام واعتُقل مؤخّرًا لتوقيعه رسالة ضدّ خامنئي، موقفًا متناقضًا يتبنّاه جزئيًّا القطب الإسرائيلي الآخر من الخطاب، وهو خطاب غير متفائل كثيرًا: “سعيد بأنّ ظالمي شعبي قُتلوا، حزين لأنّ أجانب غزوا بلدي”. ويؤكد على خشيته أن تجلب الولايات المتحدة الدمار لإيران كما فعلت في العراق وأفغانستان. وأوضح الصحفي الإيراني هومان ماجد عبر بودكاست هآرتس أنّه ” لا بديل حقيقي للنظام رغم كره الجميع له. فالمجتمع يعتمد عليه. والملايين يعتمدون عليه في معيشتهم”. وتساءل البروفيسور ليئور شتيرنفلد من جامعة بنسلفانيا عبر سيحا مكوميت: “موت خامنئي يفتح احتمالات كثيرة؛ الديمقراطية أقلّها ترجيحًا”.
يطرح اتّجاه آخر مسار التفاوض بديلًا عن تغيير النظام. حاول العقيد احتياط ليئور لوتان من جامعة رايخمان عبر يديعوت أحرونوت إثبات أنّ ثمّة نهايتين ممكنتين فقط: استبدال النظام أو اتّفاق يحفظه. ورأى أنّ إيران تستطيع التنازل عن الملفّ النووي والصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء؛ لأنّها أدوات إستراتيجية تخدم بقاء النظام لا غايات في حدّ ذاتها. وقدّم مفهوم “التقية” كأداة إستراتيجية: يمكن للنظام توقيع اتّفاقات لا ينوي الالتزام بها. والتحدّي الحقيقي هو صياغة “اتّفاق-فعال لا اتّفاق-ستارة”: تُحفّز إيران على التوقيع اليوم، بينما تهيّئ لتفكيك النظام مستقبلًا.
3- التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وتباين الأهداف
تكشف الآراء عن أنّ إسرائيل وأمريكا تريدان أشياء مختلفة من هذه الحرب، والساعة تسير بإيقاع مختلف لكلّ منهما. تسعى إسرائيل لتغيير النظام أو على الأقلّ تحييد التهديد النووي والباليستي والوكلاء بشكل دائم. ويسعى ترامب لانتصار مرئي وقابل للتسويق يمكن إعلانه سريعًا قبل أن تتصاعد التكاليف الاقتصادية.
يُؤطّر اتجاه ترامب بوصفه عبقريًا إستراتيجيًا ينفّذ نموذجًا ثوريًا جديدًا لتغيير الأنظمة. فقد وصف المحامي تامير دورتل في قناة 7 العملية بأنّها “شركة ترامب الناشئة: تغيير نظام بالتحكّم عن بُعد من دون خدمة عملاء”. تدمير الأصول الإستراتيجية من الجوّ، وخنق اقتصادي، وتدمير البنية التحتية للسيطرة عبر الحرب السيبرانية، مع رفض نشر قوّات برّية. إذا أراد الإيرانيون الحرّية، يقومون بالعمل الميداني بأنفسهم. هذه “سوق حرّة” لتغيير الأنظمة.
وحاول د. نسيم كاتس في معاريف إثبات أنّ تصريحات ترامب المتناقضة ظاهريًا، “استسلام كامل” و”سينتهي سريعًا”، ليست ارتباكًا، بل “عقيدة إرباك مفاهيمي” متعمّدة على غرار “نظرية الرجل المجنون” لنيكسون، تُصيب صنّاع القرار في طهران بالشلل.
بينما يحذّر اتجاه آخر من أنّ الوقت يعمل ضدّ إسرائيل. حاول إلداد شافيط في يديعوت أحرونوت إثبات أنّ السؤال الكبير ليس عدد الأهداف المدمّرة، بل ما يُعدّ نصرًا ومن يُعرّفه. لإسرائيل، النصر يعني تغييرًا إستراتيجيًا عميقًا. لترامب، قد يعني نتيجة تبدو كبيرة وتُسوّق جيّدًا للجمهور الأمريكي، حتى لو كانت جزئية.
وحذّر ميمي بير في يديعوت من تكرار النمط حيث تضرب أمريكا بقوّة ثمّ تتوقّف قبل الإنهاء، مشيرًا إلى سابقة الحوثيين وسابقة حرب الاثني عشر يومًا حين أمر ترامب نتنياهو بإعادة الطائرات في منتصف المهمّة. وطرح البروفيسور إيران يشيف من جامعة تل أبيب ومدرسة لندن للاقتصاد عبر هآرتس نظرية “تاكو” (ترامب يتراجع دائمًا)، التي صاغها معلّق الفايننشال تايمز روبرت آرمسترونغ، مشيرًا إلى أنّ الضغوط الاقتصادية، والنفط بسعر 107 دولارات للبرميل، وانتخابات التجديد النصفي، وكأس العالم في يونيو، قد تدفع ترامب لصفقة قبل تحقيق إسرائيل أهدافها الكبرى.
4- التفاعلات الإقليمية والدولية
يرصد الخطاب الإسرائيلي تحوّلًا ملموسًا في مواقف العالم العربي؛ إذ أشار المركز الأورشليمي إلى تأرجح التفاعلات العربية بين الرضا عن إضعاف إيران، والخوف من الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية. وفي هذا السياق، رسم د. مايكل براك عبر موقع “دبار“ خريطة للنقاش الدائر في الإعلام العربي، مراوحًا بين من يستشرف الفرص الإستراتيجيّة ومن يخشى التبعات. بيد أنّ اللحظة الفاصلة، بحسب عدة تحليلات، تمثلت في المواجهة الإيرانيّة المباشرة مع جيرانها من الدول السنيّة؛ حيث أدّى استهداف السعودية والبحرين والكويت والإمارات وقطر إلى تقويض مصداقية “محور المقاومة” وفق تحليل ميدا.على صعيد الشرعية القانونية الدولية، يبرز هذا المحور بغيابه اللافت عن أروقة النقاش أكثر من كونه موضوعًا للبحث؛ إذ سعى د. شوكي فريدمان من معهد سياسة الشعب اليهودي لإثبات أنّ الهجوم واجبٌ وحقٌّ لا تستطيع أيّ قاعدة دولية دحضه. وفي ذات السياق، حلّل موقع بريسبكتيفا القانون الدولي بوصفه “توصيات” تفتقر إلى آليات التنفيذ الفعّالة؛ لذا تخلو المصادر المستعرضة من أي طرح يطعن في شرعيّة الهجوم من منظور قانونيّ نقديّ. أمّا الصمت الأوروبي الشامل، فقد حلّله كاتب في قناة 7 بوصفه مزيجًا من العجز والنفاق.
5- الإطار الديني-الأيديولوجيّ: بوريم والإسقاطات التوراتيّة
يوجد هذا المحور بالكامل تقريبًا داخل المنظومة الإعلامية الدينية-الصهيونية في قناة 7 وسروغيم حصرًا، ويمثّل إطارًا تأويليًّا متماسكًا يقرأ الحرب عبر عدسة رواية عيد بوريم: خامنئي هو هامان، والتوقيت في شهر آذار العبري دليل على العناية الإلهية، والعملية تحقيق لمبدأ “من يقوم لإبادتك، بادر أنت أوّلًا”. لا يحتوي هذا المحور على خلاف داخلي البتّة؛ إنّه عدسة تفسيرية موحّدة لا مناظرة.
تعيد “مجلّة دورنا” (مجلّة جيلنا) للحاخام داني لفي كتابة كاملة لسفر أستير بالعبرية التوراتيّة، وتحاول إسقاط السرد التوراتي على الأحداث. وبموجب هذه القراءة، يتحوّل خامنئي إلى الشرّير الذي “أحاط شعب إسرائيل بحلقة من نار”، ويصبح السابع من أكتوبر مرسوم الإبادة، وتغدو عملية زئير الأسد لحظة الانقلاب. يتضمّن النصّ فصولًا وآياتٍ على النمط التوراتي، مع التدخّل الإلهي وسقوط جيوش الوكلاء ووعد الخلاص.
وصف الحاخام يوسف تسفي ريمون العملية بأنّها “بداية المعجزة” التي ستُنقش في حوليّات الأمّة، مشيرًا إلى أنّه لم يُسقط طيّار واحد ولم يُقتل جندي واحد. وربط يوسي أحيمئير الحرب بوصية بنتسيون نتنياهو في خطابه الشهير وهو ابن المئة عام عن الخطر الوجودي الإيراني، واصفًا العملية بتحقيق وصية الأب على يد الابن. كما حاول الحاخام حاغاي لوندين إسقاط “الصفات الثلاث عشرة للرحمة” على مراحل الحرب، وتتبّع مناحيم رحط رمزية الأسد من التوراة عبر الأدب الحاخامي وصولًا إلى أسماء عمليات الجيش الإسرائيلي.
بناءً على ذلك، تبرز شريحة من المجتمع الإسرائيلي تعالج الحرب عبر مقولات لاهوتية-عنائية، حيث يتداخل المقدّس بالسياسي، والعسكري بالخلاصي، في نسيج واحد لا تمايز فيه.
6- رؤية ما بعد الحرب والسياسة الداخلية
يرى كتّاب قناة 7 وميدا الحرب بوصفها لشرق أوسط جديد يتمحور حول إسرائيل. حيث حدّد المحامي مايكل شباربر في قناة 7 أربعة أبعاد لهذا التحوّل: تحوّل المكانة الإستراتيجية لإسرائيل من الدفاعية إلى تشكيل النظام، وتعميق التحالف مع واشنطن، وانكشاف هشاشة المحور الإيراني، وانفتاح فرص اقتصادية وتقنية مستحدثة. وفي سياق متصل، رأى تحليل ميدا أنّ ردّ إيران على جيرانها السنّة كان “خطأ إستراتيجيًا” من طرفها يفتح فرصة غير مسبوقة لتحالف إقليمي جديد على غرار الناتو بين إسرائيل والدول العربية. ووصف كوبي إليراز في قناة 7 اللحظة بعودة “تأثير حرب الأيّام الستّة” إلى الشرق الأوسط؛ من حيث الرهبة والاحترام والاعتراف بالقوّة الإسرائيلية.
على النقيض من ذلك، حذّر تحليل يديعوت أحرونوت من أنّ إسرائيل تقترب من نمط تاريخيّ مألوف: فبعد النجاحات العسكرية المبهرة في حرب الأيّام الستّة وحرب لبنان 1982، تأتي مرحلة معقّدة غالبًا ما تنتهي “بالتورّط من فرط التمدّد والأوهام الضارّة”. واستشهد التحليل بدروس حرب غزّة الأخيرة: إنجازات مبهرة لكنّ إسرائيل أصرّت على إطالة القتال وانزلقت إلى أوهام تفريغ غزّة من الفلسطينيين. ورأى البروفيسور إيلي بوده من معهد متفيم أنّ “الشرق الأوسط الجديد يترك إسرائيل خلفه”: الدول الإقليمية تسعى لإعادة ترتيب مرنة تتجاوز الخطوط القديمة، ولا ترى إيران بالضرورة تهديدًا مركزيًّا. واقترح أودي سيغال في القناة 13 إطارًا يربط اتّفاقيتي لبنان وإيران في حزمة واحدة: نزع سلاح كامل لجنوب لبنان من أسلحة غير الجيش اللبناني، ولجنة رقابة دولية بصلاحيات فعلية، وإغلاق مسار الأسلحة عبر سورية، ووقف تخصيب فوق 5%، وإزالة فيزيائية لكلّ اليورانيوم المخصّب من إيران، واعتماد نظام تفتيش مفاجئ “في أيّ مكان وأيّ وقت”، وآلية تفعيل تلقائي للعقوبات بلا فيتو.
خلاصة
يكشف هذا التقرير المسحي أنّ الخطاب الإسرائيلي حول الحرب على إيران يقف عند مفترق بين إجماع على نجاح العملية تكتيكيّا وانقسام إستراتيجي عميق حول معناها ومآلاتها. فبينما يحتفي المعسكر اليميني والديني بلحظة خلاصيّة تاريخية ويطالب بالصبر حتى انهيار النظام، يحذّر المعسكر الأمني والوسطي من عوائد متناقصة، وتكاليف متصاعدة، وهشاشة الرهان على إرادة ترامب المتقلّبة. يعاني الخطاب الإسرائيلي حول الحرب من فجوات مركزية مثل تغييب تعقيدات اليوم التالي، واختزال المجتمع الإيراني في ثنائيّات مبسّطة لا تصمد أمام الواقع.
إنّ الفجوة بين النشوة التكتيكيّة والضبابيّة الإستراتيجية، وبين خطاب الشرق الأوسط الجديد وغياب أيّ خارطة طريق لإدارته، تشير إلى أنّ إسرائيل قد تكون في طور تكرار نمط تاريخيّ: وهو انتصار عسكري مبهر يعقبه تورّط طويل الأمد ناجم عن فرط الثقة، وغياب الرؤية السياسيّة الشاملة.



