إسرائيل وأثيوبيا: شراكة لمواجهة مصر وتركيا

شكّلت الزيارة الرسميّة للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أديس أبابا، في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 2026، منعطفًا إستراتيجيًّا في مسار إعادة رسم الخارطة الإقليميّة لإسرائيل في القرن الإفريقي. إذ جاءت الزيارة -وهي الأولى لرئيسٍ إسرائيليّ منذ سنوات- في سياقٍ مشحونٍ بتحوّلات متسارعة، استُهلّت بالاعتراف الإسرائيلي بإقليم “صومالي لاند” في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وتكرّست بإعلان بنيامين نتنياهو عن تحالف سداسيّ يمتدّ “من الهند إلى كوش”. وبهذا، تبرز إثيوبيا عنصرًا محوريًّا في منظومة أوسع، تُعيد إسرائيل من خلالها تعريف مجالها الحيويّ خارج حدود الشرق الأوسط التقليديّة. وقد وصف البيان الإسرائيلي الرسمي إثيوبيا بأنّها “شريك إستراتيجيّ طويل الأمد”، في لغة تتجاوز إطار التعاون التقني المألوف، لتعلن عن تدشين ركيزة جيوسياسيّة جديدة في القرن الإفريقي.

تهدف هذه الورقة إلى قراءة مسار العلاقات الإسرائيليّة الإثيوبيّة بوصفه جزءًا من إعادة تموضع إسرائيليّ شامل بعد حرب غزّة، وذلك من منطلق طرح تساؤلين مركزيين: لماذا تحتلّ إثيوبيا موقعًا مركزيًّا في الحسابات الإسرائيليّة الراهنة؟ وما الذي يحكم هوامش هذه الشراكة في بيئة إقليميّة يتقاطع فيها التنافس التركي، والقلق المصري، والطموح الإثيوبي نفسه في الخروج من “سجن الجغرافيا”؟

الجذور التاريخيّة للعلاقات الإسرائيليّة الإثيوبيّة

لا يمكن فهم الانخراط الإسرائيلي الراهن في إثيوبيا بمعزلٍ عن مسار تاريخيّ راسخٍ يعود إلى خمسينيّات القرن الماضي، حين أرسى ديفيد بن غوريون ما عُرف بـ “عقيدة الأطراف” أو “عقيدة المحيط”، التي تقوم على بناء تحالفاتٍ مع فواعل غير عربيّة تقع على أطراف المجال الحيويّ لخصوم إسرائيل، بهدف تطويقهم وإنشاء بدائل للعزلة الإقليميّة. وقد شكّلت إثيوبيا، إلى جانب تركيا وإيران الشاه، الأضلاع الثلاثة لهذا الحزام؛ إذ افتتحت إسرائيل قنصليّتها في أديس أبابا عام 1956، وانخرطت في تدريب الجيش الإثيوبي في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، فيما وصف شمعون بيريس الروابط بين البلدين حينها بأنّها تحمل طابعًا “رومانسيًّا”.

إلا أنّ سقوط سيلاسي عام 1974، وصعود النظام العسكري الموالي للاتحاد السوفييتي، أحدث قطيعةً دبلوماسيّةً سرعان ما التفّت عليها إسرائيل عبر قناةٍ موازية قوامها طائفة بيتا إسرائيل (يهود الفلاشا)، الذين نُقلوا في عمليّتي موسى (1984) وسليمان (1991) إلى الأراضي المحتلّة، ليتشكّل اليوم مجتمعٌ يضمّ نحو 170 ألف إثيوبيّ يهوديّ داخل “إسرائيل”. فهذه العمليّات لم تكن محض عملٍ إنسانيّ كما قُدّمت، بل شكّلت رأس جسرٍ استخباراتيّ وسياسيّ احتفظت “إسرائيل” من خلاله بعمقٍ رمزيٍّ وبشريٍّ داخل إثيوبيا، جرى توظيفه لاحقًا مدخلًا لإعادة بناء العلاقات بعد 1991، حين استعيدت القنوات الدبلوماسيّة الرسميّة مع النظام الجديد في أديس أبابا.

استدعى توطيدُ هذه القنوات المُستعادة تنويع أدواتها، فانخرطت إسرائيل عبر وكالة ماشاف في برامج تعاونٍ تقنيٍّ في الزراعة وإدارة المياه، قُدِّمت في ظاهرها باعتبارها مبادرات تنمويّة، غير أنّ رسوخها المؤسسيّ يكشف وظيفةً أعمق.[1] وقد بلغ هذا الانخراط ذروةً ملموسةً سنة 2005 حين وقّعت ماشاف مع إثيوبيا والوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة برنامجًا مشتركًا بقيمة مليونٍ ومائتَي ألف دولار لنقل التكنولوجيا الزراعيّة، قبل أن تتحوّل هذه البرامج تدريجيًّا إلى أداةٍ دبلوماسيّةٍ للحفاظ على حسن النيّة الإثيوبيّ. وحين صار سدُّ النهضة مشروعًا قوميًّا إثيوبيًّا بامتياز، وجدت إسرائيل نفسها شريكةً في منشأةٍ إستراتيجيّةٍ تتشابك عندها تهديدات الأمن المائي المصري مع طموحات أديس أبابا. ولم يكن ذلك وليدَ سعىٍ مباشرٍ فحسب، بل نتيجةً حتميةً لتلك القنوات التي شرعت الجالية اليهودية في فتحها ثم تولّت “ماشاف” ترسيخها وتطويرها، حتى أوصلت الدور الإسرائيلي إلى هذا العمق الإستراتيجي.

يكشف هذا المسار أنّ الإرث التاريخيّ ليس مجرّد ذاكرةٍ مشتركةٍ تُضفي دفئًا على العلاقات الدبلوماسيّة، بل هو البنية التي جعلت الانخراط الأمنيّ والتكنولوجيّ الراهن ممكنًا بتكلفةٍ مؤسسيّةٍ أقلّ بكثير ممّا يتطلّبه بناء شراكةٍ مماثلةٍ من الصفر؛ ولذلك تُفضّل “إسرائيل” البوّابة الإثيوبيّة على غيرها في القارة، لا لأنّ أديس أبابا تشاركها الرؤية تجاه “التهديدات الإقليميّة”، بل لأنّ عقودًا من التشابك المجتمعيّ والمؤسسيّ أنتجت رابطًا يتعذّر تفكيكه بسهولة، ولعلّ هذا ما أكّده السفير الإسرائيلي الأسبق في إثيوبيا أفراهام نيغوسي سنة 2025، إذ لخّص الأمر بالقول إنّ بين البلدين “تحدّياتٍ مشتركةً وأعداءً مشتركين.”

وعليه، لا تمثّل الشراكة الراهنة سياقًا منعزلًا، بل استعادةً لنمطٍ إسرائيليّ راسخٍ يقوم على استثمار الكيانات غير العربيّة؛ لبناء أدوات تأثير تتجاوز المحيط الإقليمي المباشر. وما يجري في الوقت الراهن هو إعادة تفعيلٍ معاصرةٍ لهذه العقيدة في مرحلة ما بعد 2023، بعد أن فرضت حرب الإبادة الجماعية على غزّة، وامتداداتها في البحر الأحمر، إعادةَ ترتيبٍ لأولويّات “التهديد” والتحالفات لدى “إسرائيل”.

إثيوبيا كركيزة في إعادة التموضع الإسرائيلي

جاءت حرب الإبادة الجماعية على غزّة ودخول جماعة أنصار الله (الحوثيين) على خطّ الاشتباك في البحر الأحمر منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، لتكشف عن هشاشةٍ بنيويّةٍ في المقاربة الأمنيّة الإسرائيليّة تجاه جنوبها البحري. ومع عجز “إسرائيل” عن ردع الحوثيين رغم سلسلة الضربات الجويّة، فرضت جغرافيا باب المندب وخليج عدن نفسها بوصفها جبهةً مفتوحةً تتصل مباشرةً بأمن الملاحة وخطوط التجارة الدوليّة. وفي هذا الإطار، برز القرن الإفريقي وإثيوبيا تحديدًا بوصفها أكبر قوّة ديموغرافيّة واقتصاديّة فيه بوصفه مجالًا حيويًّا جديدًا لإسناد الحضور الإسرائيلي خارج نطاق جبهاتها الأمنيّة المعتادة. إذ تسعى “إسرائيل” لتعميق تعاونها مع إثيوبيا وحضورها في منطقة القرن الإفريقي لتحقيق عدة مصالح، أبرزها:

أولًا: تطويق جماعة أنصار الله في اليمن

تُقدّم إثيوبيا لإسرائيل عمقًا استخباراتيًّا ولوجستيًّا مكمّلًا للاعتراف بصومالي لاند؛ إذ تتموضع الدولتان على الضفة الغربية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، بما يتيح المجال لتطويق الساحل اليمني من الجنوب، وتأمين بنية للرصد والإنذار المبكر ضدّ الحوثيين. وقد كشف تقرير صادر عن موقع The Cradle عن انخراطٍ صامتٍ للعاصمة أديس أبابا في محور رباعيّ يضمّ إسرائيل والإمارات والهند وإثيوبيا، يعمل على تأمين نقاط الاختناق البحريّة في خليج عدن ومضيق باب المندب، وعلى بناء بديلٍ لمبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة في شرق إفريقيا.

ثانيًا: احتواء النفوذ التركي في القرن الإفريقي

يكتسب التقارب الإسرائيلي الإثيوبي بُعدًا إضافيًّا حين يُقرأ في ضوء التنافس المتصاعد مع تركيا. فمنذ عام 2011، راكمت أنقرة نفوذًا مركّبًا في الصومال منذ عام 2011، توّجته بإنشاء قاعدة تركسوم العسكريّة عام 2017 وتدريب الجيش الصومالي لمواجهة حركة الشباب، وبتوقيع اتفاقية أمنية شاملة مع مقديشو عام 2024. في المقابل، حافظت تركيا على علاقات وثيقة مع أديس أبابا، إذ ارتفع حجم استثماراتها في إثيوبيا إلى ما يتجاوز 2.5 مليار دولار، مع تدفّق متواصل للمسيّرات التركيّة التي وظّفتها أديس أبابا في حرب تيغراي.

في هذا الإطار، لا يمثّل الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند مدخلًا إلى القرن الإفريقي فحسب، بل محاولةً لتقويض بوّابة النفوذ التركي عبر الالتفاف على مقديشو من بوابة هرجيسا، وعبر تعميق الشراكة مع أديس أبابا. وقد جاءت زيارة أردوغان إلى إثيوبيا في 17 شباط/ فبراير 2026 -وهي الأولى منذ أحد عشر عامًا- قبل أسبوعٍ واحدٍ من وصول هرتسوغ، فيما يشبه السباق الدبلوماسيّ المكشوف على موقع أديس أبابا، حيث حذّر أردوغان من أنّ “الاعتراف بصومالي لاند لا يخدم أحدًا”، وأنّ القرن الإفريقي “ينبغي ألّا يتحوّل إلى ساحةٍ لصراع القوى الأجنبيّة”. ويكشف هذا المشهد أنّ إثيوبيا أصبحت إحدى “خواصر النفوذ التركي” التي تعمل “إسرائيل” على الضغط عليها، في ظل السعي الإسرائيلي لتطويق النفوذ التركي.

ثالثًا: الاعتراف بـ”صومالي لاند” وتلاقي المصالح إثيوبيا

يُمثّل ملفّ صومالي لاند الاختبار الأوضح لمركزيّة إثيوبيا في الحسابات الإسرائيليّة. فبعد أن أبرمت أديس أبابا مذكّرة التفاهم الشهيرة مع هرجيسا في كانون الثاني/ يناير 2024، التي فتحت بابًا لاعتراف إثيوبي محتملٍ مقابل منفذ بحري في ميناء بربرة، تعثّر المسار بفعل ردّ الفعل الصومالي والإقليمي الحاد. ويأتي الاعتراف الإسرائيلي ليُعيد إحياء المسار، ليس بوصفه بديلًا عن الاعتراف الإثيوبي، بل إطارًا تشجيعيًّا يُحفّز أديس أبابا على المضيّ في خطوتها متى رأت أنّ الكلفة الإقليميّة أصبحت محتملة.

رابعًا: التأثير الدبلوماسي على منظمة الاتحاد الإفريقي

لا تقتصر أهميّة إثيوبيا في الحسابات الإسرائيليّة على موقعها الجغرافيّ فحسب، بل تمتدُّ أيضًا إلى كونها مقرّ منظمة الاتحاد الإفريقيّ. ويجعل ذلك من أديس أبابا بوَّابةً مؤسسيّةً مهمّة في جهود إسرائيل لتقليل عزلتها الدبلوماسيّة داخل القارّة الإفريقيّة. فقد سعت إسرائيل مرارًا للحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقيّ، لكنّها واجهت معارضةً شديدةً من سبع دول إفريقيّة وعربيّة. وفي يوليو/تموز 2021، منح رئيس مفوَّضيّة الاتحاد الإفريقيّ موسى فكي محمد “إسرائيل” صفة المراقب بشكل أحاديّ، إلا أن هذا القرار أثار انقسامًا كبيرًا داخل المنظَّمة، ودفع العديد من الدول إلى المطالبة بإلغائه، أو تعليقه؛ بسبب السياسات الإسرائيليّة تجاه الفلسطينيِّين. وفي فبراير/شباط 2024، علَّق الاتحاد الإفريقيّ هذه الصفة بشكل نهائيّ تقريبًا بعد حملة مستمرّة. يشير هذا الجدل الطويل إلى أن “إسرائيل” تنظر إلى الاتحاد الإفريقيّ ككتلة ذات وزن عدديٍّ وتأثير سياسي في النظام الدوليّ، وتحاول من خلاله الحصول على دعم تصويتيّ في المنظّمات الدوليّة، أو على الأقلِّ تخفيف انحيازه التقليديِّ إلى جانب القضيّة الفلسطينيّة.

ولذلك، تكتسب إثيوبيا أهميتها لدى “إسرائيل” لأنها تستضيف المؤسّسة القارّية، وتوفّر المجال العملي للتأثير الدبلوماسي، والضغط، وإدارة العلاقات مع البيروقراطيّة الإفريقيّة والنخب السياسيّة المتمركزة في أديس أبابا. لكنّ وظيفة إثيوبيا هنا تظلّ وظيفة “ممرّ” أكثر من كونها “ضامنًا”؛ إذ لا تستطيع وحدها تغيير البنية السياسية الأوسع داخل القارة، حيث تظل فلسطين وغزة عائقًا أمام أي انفتاح أفريقي شامل على “إسرائيل”.

المصالح الإثيوبيّة: حسابات الخروج من سجن الجغرافيا

لا تمضي إثيوبيا في هذه الشراكة مدفوعةً بضغطٍ خارجيّ، بل باعتبارها امتدادًا لأجندةٍ داخليّة بلورها رئيس الوزراء آبي أحمد منذ عام 2023، حين طرح الوصول إلى البحر الأحمر بوصفه “ضرورةً وجوديّة” لبلدٍ حبيسٍ ومعتبرًا بلاده أسيرةً للجغرافيا. هذا الخروج من “سجن الجغرافيا” لا يُختزل في مطلبٍ اقتصاديّ صرف، بل يتصل بإعادة تعريف المكانة الإثيوبيّة في الإقليم، وتحويل مسألة الوصول إلى البحر من ملفّ خدماتيّ إلى مسألة سيادة ونفوذ. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، لم تتوقف منذ ذلك الحين عن النظر إلى هذا الفقدان باعتباره اختلالًا بنيويًّا في قدرتها على الحركة الإقليميّة. وقد قدّرت تحاليل أنّ اعتمادها شبه الكامل على جيبوتي يفرض عليها كلفةً اقتصاديّةً وسياسيّةً مرتفعة، فيما جرى تقديم الوصول إلى البحر داخل الخطاب الإثيوبي الرسمي بوصفه حاجة “وجوديّة” لدولةٍ يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، وتسعى إلى التحوّل إلى قوّةٍ صناعيّة وتجاريّة كبرى في شرق إفريقيا. وقد جدّد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد هذا التأطير في خطابه أمام البرلمان في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، مؤكدًا أن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر يُعد ضرورة حتمية ووجودية.

ولا يخفى أنّ هذا التأطير ذاته يلتقي وظيفيًّا مع الهدف الإسرائيلي القائم على “شرعنة الحضور خارج الحدود”. في هذا الإطار، تبدو الشراكة مع “إسرائيل” مناسبة لأديس أبابا، ليس لأنّها تمنحها منفذًا مباشرًا إلى البحر، بل لأنّها توفِّر لها أدوات ضغط إضافية في منطقة معقَّدة تتشابك فيها قضايا الموانئ والاعترافات والسيادة البحرية. فقد سعت إثيوبيا في كانون الثاني/ يناير 2024 إلى توقيع مذكرة تفاهم مع صومالي لاند، للحصول على منفذ بحري في ميناء بربرة مقابل الاعتراف باستقلال الإقليم. لكنّ هذه المذكرة واجهت رفضًا قويًّا من الصومال الاتحادي والعديد من الدول الإقليمية، وخاصة مصر. ثم جاء الاعتراف الإسرائيلي بـ”صومالي لاند” في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025 ليُعزز الموقف الإثيوبيّ؛ إذ أصبحت إسرائيل أول دولة في العالم تعترف رسميًّا بصومالي لاند كدولة مستقلة ذات سيادة. وبهذا، ساهمت في تثبيت وضع الكيان المنفصل دبلوماسيًّا.

ولا يقتصر الأمر على البعد البحري؛ إذ تجد إثيوبيا في هذا التقارب أيضًا فرصةً لتنويع شبكة داعميها الخارجيين في لحظةٍ إقليميّةٍ مضطربة، بدل الارتهان لطرف واحد. فقد أظهرت خبرة القرن الإفريقي خلال العقد الأخير أنّ الدول المحليّة لا تتعامل مع الفاعلين الخارجيين بوصفهم رعاةً حصريين، بل بوصفهم موارد متنافسة يمكن توظيفها لتحسين الموقع التفاوضي وتعظيم المكاسب. ومن هذه الزاوية، تنخرط أديس أبابا مع “إسرائيل” دون أن تتخلّى عن قنواتها مع تركيا أو الإمارات أو غيرهما؛ لأنها تدرك أنّ القيمة الحقيقيّة لهذه العلاقة تكمن في إضافتها إلى سلة البدائل، لا في تحويلها إلى اصطفافٍ مغلق. فالمصالح الاقتصاديّة والأمنيّة والإستراتيجيّة هي العامل المحرِّك الأساسي لهذه السياسة الخارجيَّة المتوازنة، حيث تسعى أديس أبابا إلى تنويع شركائها لتحقيق أكبر قدر من الفائدة دون الاعتماد على طرف واحد. وعلى الرغم من نقاط الالتقاء في ملفات الاستثمار والأمن في القرن الإفريقي، إلا أنّ المسارين الإماراتي والإسرائيلي في المنطقة يظلان متمايزين في طبيعتهما وأولوياتهما، إذ يتحرك كلّ طرف وفق أجندة خاصة ورؤية إستراتيجية تفرضها مصالحه الذاتية، وإن تقاطعت المصالح أحيانًا في سياقاتٍ أمنية أو اقتصادية محددة. فالإمارات تركِّز بشكل أساسي على الاستثمارات الاقتصاديَّة الكبيرة والموانئ والدعم المالي، بينما تركِّز إسرائيل على التعاون التقني والزراعي والأمني.

عوائق الشراكة الإثيوبيّة الإسرائيليّة

تصطدم الاندفاعة الإسرائيليّة نحو إثيوبيا بالمصالح الحيوية لمصر. فالقاهرة تنظر أصلًا إلى سدّ النهضة الأثيوبي بوصفه تهديدًا وجوديًا يمسّ جوهر أمنها المائي، إذ تعتمد على النيل في نحو 90% من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما ترى في سيطرة إثيوبيا على تدفّقات النهر مصدرًا محتملًا لإعادة توزيع النفوذ في حوض النيل لمصلحتها. وحين يُضاف إلى ذلك حضورٌ إسرائيليّ متزايد في محيط إثيوبيا، واهتمامٌ بالبحر الأحمر وبالقرن الإفريقي، فإنّ التهديد لمصر يصبح مزدوجًا؛ مائيًّا من جهة، وبحريًّا إقليميًّا من جهة أخرى.

ولهذا، لا تملك “إسرائيل” هامشًا مفتوحًا لتحويل إثيوبيا إلى حليفٍ صلبٍ على حساب مصر. فالعلاقة مع القاهرة، رغم ما يشوبها من توترات كامنة، ما تزال من ركائز البيئة الإستراتيجية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، سواء من زاوية اتفاقية السلام، أو دور مصر في غزّة، أو موقعها في ترتيبات شرق المتوسط والبحر الأحمر، إضافة إلى الثقل السياسي والعسكري لمصر. ومن ثمّ، فإنّ أيّ انخراطٍ إسرائيليّ حول سدّ النهضة أو في دوائر النفوذ الإثيوبيّة لا بدّ أن يبقى دون العتبة التي قد تدفع القاهرة إلى إعادة تقييم علاقتها مع إسرائيل تقييمًا جذريًّا. فقد استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس الصوماليّ حسن شيخ محمود في القاهرة، عقب السعي الإثيوبي للاعتراف بأرض الصومال، في  21 كانون الثاني/ يناير 2024، وأعلن صراحةً أنّ: “مصر لن تسمح لأيّ أحد بتهديد الصومال أو المساس بأمنه”، معتبرًا الاتفاق بين إثيوبيا وصومالي لاند خطرًا مباشرًا على الاستقرار الإقليميّ. وهذا يعني أنّ مصر ترى في التحرُّكات الإثيوبيّة تهديدًا حقيقيًّا لأمنها القوميّ، وهو المنظارُ ذاتُه الذي تُقاسُ به التحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، لا سيّما الاعتراف باستقلال أرض الصومال، إذ تتقاطعُ هذه التحركات في مآلاتها النهائية مع ذات المخاطر التي تسعى القاهرةُ لدرئها.

يبرز إلى جانب العائق المصري عاملٌ آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في الحضور التركي المتجذّر في محيط إثيوبيا والقرن الإفريقي. فأنقرة لم تدخل المنطقة حديثًا، بل راكمت فيها خلال العقد الأخير حضورًا اقتصاديًّا وأمنيًّا وسياسيًّا متشابكًا، خاصةً في الصومال، حيث جمعت بين التنمية والبنى التحتيّة والتدريب العسكري والدور السياسي. وقد نبّهت دراسةٌ صادرة عن معهد “كلينجينديل” الهولندي إلى أنّ جاذبيّة الدور التركي في القرن الإفريقي لم تقم فقط على الأدوات الصلبة، بل أيضًا على قدرته على الظهور كفاعلٍ سريع وفعّال وقليل الأعباء السياسيّة.

من هذا المنظور، لا تدخل “إسرائيل” إلى إثيوبيا في فراغ، بل في مساحةٍ سبق أن تموضع فيها لاعبون يملكون قدرةً على التعطيل والموازنة. غير أنّ “إسرائيل” تعيد تموضعها في هذه المنطقة في المرحلة الحالية في ظل سعيها لتطويق الحضور التركي من جانب، ومن جانب آخر للضغط على مصر، في ظل توتر العلاقات الراهن، عبر استهداف مصالحها الحيوية ومجالات أمنها القومي التقليدية. فبينما تسعى قوى إقليمية كتركيا ومصر وغيرها، إلى كبح جماح تحركاتها وفرض قيود على قدرتها على المناورة، تحاول هي في المقابل تطويق نفوذ تلك القوى، والتأثير في مصالحها الحيوية داخل هذه المناطق.

خاتمة

في ظل تصادم العلاقة الإسرائيلية مع الاعتبارات والمصالح المصرية والتركية، تجد إثيوبيا نفسها أكثر ميلًا إلى “سياسة التحوّطمنها إلىسياسة الاصطفاف“. فهي تدرك أنّ قيمتها الإستراتيجية ترتفع كلما بقيت قادرةً على مخاطبة محاور متنافسة في آنٍ واحد، والحصول من كلّ طرف على ما تحتاجه دون الارتهان له. وقد أظهرت تجارب القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة أنّ الفاعلين المحليين، ومن ضمنهم إثيوبيا، أتقنوا استخدام التنافس الخليجي والتركي والدولي لتعظيم المكاسب الماليّة والأمنيّة والسياسيّة. ومن ثمّ، فإنّ أديس أبابا لن تجد مصلحةً في التحوّل إلى جزءٍ صريحٍ من محورٍ سداسي على غرار ما يصرح به نتنياهو، بقدر ما ستفضّل إبقاء العلاقة في حدودها الوظيفيّة: مفيدة، ومفتوحة، وقابلة للتوسّع عند الحاجة، لكن من دون التزاماتٍ تلقائيّةٍ تُقيّد قدرتها على المناورة.

وعليه، لا ينبغي فهم الحفاوة الإثيوبيّة بالتقارب مع “إسرائيل” على أنّها قبولٌ بالرؤية الإسرائيليّة الكاملة للتهديدات في المنطقة، ولا سيما تجاه تركيا أو مصر أو حتى ترتيبات البحر الأحمر. فإثيوبيا تتحرك من منطلقاتها الخاصة: البحر، والمكانة، والاستقلالية، وتخفيف الاعتماد على المنافذ والوسطاء. أمّا “إسرائيل”، فتقرأ العلاقة ضمن سرديةٍ أوسع لإعادة تموضعها بعد حرب الإبادة الجماعية على غزّة، وتوسيع مجالها الحيوي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومن هنا ينشأ التفاوت البنيوي داخل الشراكة: تقاطعٌ في المصالح، نعم، لكن دون تطابقٍ في التصورات أو الأولويات. وهذا ما يضع حدودًا موضوعية على إمكانية تطور علاقات إسرائيل وأثيوبيا، أو التحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي عمومًا، بما لا يصب في تحقيق الأهداف الإسرائيلية الشاملة.


[1] ماشاف هي الوكالة الإسرائيليّة للتعاون الدولي، وهي جزء من وزارة الخارجية الإسرائيليّة. تأسست في عام 1958 بهدف تقديم الدعم الفني والإنمائي للدول النامية، وذلك عبر تنفيذ برامج تدريبية ومشاريع تنموية متنوعة. هذه الوظيفة الأعمق تتمثل في جعل إسرائيل شريكًا أساسيًا في العلاقات الإستراتيجية طويلة الأمد مع الدول الإفريقيّة، وبالتالي استخدام هذه الشراكات التنموية لتأمين مكانة دبلوماسية وأمنية، خصوصًا في القضايا الحساسة مثل الأمن المائي وتطوير البنية التحتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى