نفتالي بينت: ظاهرة عابرة أم تحول في النظام السياسي والاصطفاف الأيدولوجي في إسرائيل؟

منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وما تبعها من توسع للحرب وامتدادها جغرافيا وزمنيا، أخذ المشهد في إسرائيل يشهد تحولات وتقلبات سياسية، تمثلت بتفكك أحزاب وتراجع قوة أخرى وصعود أحزاب وشخصيات أخرى في استطلاعات الرأي. وذلك في ظل أزمة سياسية مستمرة وحالة استعصاء، سابقة على الحرب، تعيق حتى اللحظة أفق تشكل ائتلاف حاكم مستقر في الانتخابات المقبلة. في وسط تلك التقلبات والتحولات يبرز نفتالي بينت، على نحو خاص، كمرشح منافس لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، وكزعيم حزب ممكن التشكل ينافس الليكود.
تتناول هذه الورقة ظاهرة نفتالي بينت بوصفها مدخلًا لتحليل تحولات النظام الحزبي الإسرائيلي وديناميات اليمين المعاصر. وتنطلق من إشكالية مفادها: كيف أمكن لزعيم حزب صغير، حاز سبعة مقاعد فقط، أن يصل إلى رئاسة الحكومة في 2021 في نظام برلماني متشظٍّ؟ ولماذا يعود اليوم ليتقدم في استطلاعات الرأي في ظل خروجه من المشهد السياسي كلية عقب تفكك حكومة بينيت – لابيد 2022؟
بناءً على ذلك، تهدف الورقة إلى قراءة ظاهرة بينت من خلال ثلاثة مسارات بنيوية مترابطة: تفكك اليمين وإعادة اصطفافه في ظل أزمة قيادة ممتدة، وانتقال نموذج القيادة من الزعيم الكاريزمي المهيمن إلى نموذج براغماتي قادر على إدارة التناقضات دون إعلان قطيعة فكرية، وطبيعة النظام البرلماني القائم على التمثيل النسبي، الذي يمنح الأحزاب الصغيرة وزنًا تفاوضيًا مضاعفًا في لحظات الانسداد.
انطلاقًا من ذلك، تستند الورقة إلى مقاربة شخصنة السياسة الحزبية، التي تفسّر انتقال مركز الثقل من الحزب إلى القائد، وإلى تحليل البراغماتية داخل التيار القومي–الديني، حيث يُعاد تغليف الثوابت الأيديولوجية بخطاب إداري يركّز على الحوكمة والاستقرار. وبهذا المعنى، تُفهم ظاهرة بينت بوصفها إعادة ترتيب للقيادة داخل اليمين الإسرائيلي، لا خروجًا عنه.
الخلفيّة الأيديولوجيّة والمسار السياسي
إذا كان السياق البنيوي قد أتاح صعود نفتالي بينت، فإن فهم موقعه داخله يقتضي العودة إلى خلفيته الفكرية ومساره السياسي. ينتمي بينت إلى التيار القومي–الديني في “إسرائيل”، الذي يجمع بين المرجعية الدينية الصهيونية والمشروع الاستيطاني بوصفه التزامًا عقائديًا–قوميًا. ويرى هذا التيار في الضفة الغربية جزءًا من “أرض إسرائيل”، ويرفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، مفضلًا مقاربة تقوم على إدارة الصراع وتعميق السيطرة الميدانية بدل السعي إلى تسوية سياسية شاملة. هذه المرتكزات شكلت الإطار الفكري الثابت لتموضع بينت داخل اليمين.
بدأ دخوله المباشر إلى مراكز القرار حين عُين مديرًا لمكتب نتنياهو بين عامي 2006 و2008، خلال فترة وجود نتنياهو في المعارضة. أتاحت له هذه التجربة الاطّلاع على آليات صنع القرار وبناء الشبكات السياسية داخل معسكر اليمين، قبل أن تتوتر العلاقة بين الرجلين لاحقًا.
صعد بينت إلى قيادة حزب البيت اليهودي عام 2012، وهو حزب يمثل التيار القومي–الديني والمستوطنين، ويُعد الامتداد السياسي التاريخي لحزب “المفدال” الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي ممثلًا للصهيونية الدينية. في انتخابات 2013 حصل الحزب بقيادة بينت على 12 مقعدًا في الكنيست، ليصبح قوة وازنة داخل اليمين، مستندًا إلى قاعدة اجتماعية تضم المستوطنين، والشرائح الدينية–الوطنية، وجزءًا من اليمين المحافظ غير الحريدي.
لاحقًا، ومع تصاعد التنافس داخل المعسكر، شارك بينت في تشكيل تحالف “يمينا” عام 2019، الذي ضم أحزابًا قومية–دينية متعددة، منها “البيت اليهودي”، و”الاتحاد الوطني–تكوما”، و”اليمين الجديد” الذي أسسه بينت وأييليت شاكيد. عكس هذا التحالف محاولة لإعادة تجميع قوى الصهيونية الدينية في إطار انتخابي مرن، قادر على توسيع القاعدة خارج الدائرة الدينية الصرفة. وفي انتخابات 2021 حصلت القائمة على سبعة مقاعد فقط، إلا أنّ طبيعة النظام البرلماني جعلتها لاعبًا مرجّحًا في لحظة الانسداد السياسي.
إلى جانب مرجعيته الأيديولوجية، يتميز بينت بخلفية اقتصادية–تكنولوجية غير نمطية في السياسة الإسرائيلية. فقد أسس شركة في مجال الأمن السيبراني (Cyota) وباعها عام 2005 بمبلغ كبير قُدر بعشرات الملايين من الدولارات، ما منحه استقلالية مالية ومكانة رجل أعمال ناجح. هذا البعد عزز صورته كقائد إداري ذي خلفية ريادية، وأسهم في تقديم نموذج يميني يجمع بين الصرامة الفكرية والخطاب المؤسسي القائم على الكفاءة والنجاعة.
وعلى هذا الأساس، يتداخل البعد البنيوي مع البعد الشخصي في تفسير ظاهرة بينت؛ إذ تزامنت أزمة القيادة والتفكك داخل معسكر اليمين مع بروز شخصية تمتلك مرجعية قومية–دينية راسخة، لكنها قادرة في الوقت ذاته على إعادة تسويق هذه المرجعية بخطاب إداري براغماتي معاصر. هذا التفاعل بين السياق والأداة القيادية هو ما أتاح له التحول من شريك ضمن المعسكر إلى منافس على قيادته، من دون أن يغادر الإطار الأيديولوجي الذي ينتمي إليه.
من الهامش إلى الحكم – هندسة إسقاط نتنياهو وحدود البراغماتيّة
لم يكن انتقال نفتالي بينت إلى رئاسة الحكومة عام 2021 نتاج صعود انتخابي تقليدي، بل جاء في سياق استعصاء سياسي غير مسبوق. ففي انتخابات الكنيست الـ 24 (آذار/مارس 2021)، حصل حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو على 30 مقعدًا، بينما بلغ مجموع الأحزاب المصنفة ضمن كتلة نتنياهو نحو 52 مقعدًا، في مقابل معسكر مناوئ متقارب عدديًا، من دون أن يتمكن أي طرف من بلوغ عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
كانت قائمة يمينا برئاسة بينت قد حصلت على سبعة مقاعد فقط، وتصنّف تلقائيا على تحالف اليمين. ومع أن يمينا لم تحصل إلا على 7 مقاعد من 120، فإن طبيعة النظام البرلماني النسبي جعلت هذا الرقم المحدود عنصرًا مرجحًا حاسمًا. إذ إنّ بقاء يمينا ضمن تحالف نتنياهو كان يمكن أن يقرّب الكتلة اليمينية من الأغلبية، أما انتقاله إلى المعسكر المقابل فكان كفيلًا بتمكينه من تشكيل ائتلاف بديل، لا سيما وأنه اعتمد على القائمة العربية الموحدة التي أضافت مقاعد لائتلاف المعارضة من خارج الأحزاب الصهيونية.
لم تكن قوة بينت في حجمه الانتخابي، بل في موقعه الوسيط داخل معسكرات منقسمة. إذ يشكّل صعود بينت إلى رئاسة الحكومة عام 2021، لحظة كاشفة لبنية النظام الحزبي الإسرائيلي، أكثر مما يمثّل حدثًا شخصيًا استثنائيًا. فقد جاء وصوله في ظل انسداد سياسي غير مسبوق، تجلّى في أربع جولات انتخابية متتالية بين 2019 و2021، عكست عجز المعسكرات عن إنتاج أغلبية مستقرة. ومع تعمّق الأزمة، تحوّل التنافس من صراع برامج إلى استقطاب شخصاني تمحور حول استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم، بحيث أصبحت المواقف منه معيار الاصطفاف المركزي داخل النظام، متقدمة على الانقسامات الأيديولوجية التقليدية.
صحيح أنّ بينت لم يكن أوّل من تمرّد على نتنياهو، فقد سبقه جدعون ساعر الذي انشق عن الليكود وأسس حزب “أمل جديد”، متموضعًا منذ البداية في المعسكر المناوئ. إلا أنّ الفارق الجوهري تمثل في أنّ ساعر أعلن قطيعته مبكرًا، بينما جاء انتقال بينت لاحقًا بعد مفاوضات مطوّلة، ما جعله يبدو تحوّلًا مفاجئًا داخل اليمين التقليدي. فخروجه من الاصطفاف التلقائي خلف نتنياهو هو ما أتاح للمعسكر المناوئ بلوغ 61 مقعدًا، الأمر الذي جعل رئاسة الحكومة الثمن السياسي الطبيعي لضمان انضمامه، حتى قبل يائير لابيد الذي كان يمتلك عددًا أكبر من المقاعد.
على هذا الأساس تشكلت “حكومة التغيير” كائتلاف غير متجانس ضم أحزابًا من اليمين القومي إلى الوسط واليسار الصهيوني، إضافة إلى القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، في سابقة تمثلت في الدور الحاسم لحزب عربي في تثبيت ائتلاف حكومي. لم يكن هذا التحالف تعبيرًا عن تقارب فكري، بل هندسة سياسية هدفت إلى كسر احتكار نتنياهو للسلطة.
غير أنّ هذا الترتيب كشف سريعًا حدود البراغماتية التي أتاحت تشكيله. فقد جمع الائتلاف أطرافًا متباينة جذريًا في تموضعها الأيديولوجي، من يمينا ذات الخلفية القومية–الدينية المؤيدة لتوسيع الاستيطان ورفض الدولة الفلسطينية، إلى أحزاب وسطية مثل “يش عتيد” و”كحول لافان”، وأحزاب يسارية صهيونية كـ”ميرتس” و”العمل”، إضافة إلى القائمة العربية الموحدة التي تمثل جمهورًا فلسطينيًا في الداخل. لم تكن التناقضات شكليّة، بل مسّت قضايا بنيوية تتعلق بطبيعة الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وسياسات الاستيطان، وتشريعات الهوية والدين والدولة، ومكانة المواطنين العرب في النظام السياسي.
ولتفادي تفكك الائتلاف، جرى اعتماد سياسة “تجميد الخلافات”، أي تأجيل الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مسألة الضم، وتوسيع الاستيطان واسع النطاق، والإصلاحات الدستورية، وقوانين العلاقة بين الدين والدولة، مقابل التركيز على تمرير الموازنة واستعادة انتظام عمل المؤسسات. غير أنّ إدارة التناقضات لم تُنتج أرضية أيديولوجية مشتركة، بل وفرت تسوية انتقالية هشة.
في هذا السياق، شكل انتقال بينت إلى تحالف ضم قوى من الوسط واليسار، وإدخال القائمة الموحدة في معادلة الحكم، صدمة لقطاع واسع من قاعدته القومية–الدينية. لم تكن الصدمة ناجمة عن مراجعة فكرية صريحة، بل عن خروجه من كتلة نتنياهو والتحالف مع معسكر عُرف سياسيًا بوصفه “معسكر التغيير”. ومن هنا تبلورت سردية “الخيانة”، بوصفها تعبيرًا عن كسر منطق الولاء الشخصي الذي تماهت فيه زعامة اليمين مع شخص نتنياهو، أكثر من كونها اعتراضًا على تحوّل أيديولوجي فعلي.
وهكذا أظهرت التجربة أن البراغماتية قادرة على كسر الجمود السياسي وإعادة توزيع القيادة، لكنها تظل محدودة في سياق يقوم على استقطاب هوياتي عميق وشخصنة حادة للصراع، حيث يُعاد إنتاج الانقسام البنيوي حتى داخل الائتلافات العابرة للمعسكرات.
ما بعد الحكم – السقوط والاعتزال وإعادة التموضع
لم يدم الائتلاف الذي قاده نفتالي بينت طويلًا، غير أنّ انهياره لم يكن نتيجة هشاشة بنيوية عامة فحسب، بل جاء عبر سلسلة تطورات داخلية كشفت عمق التصدع في حزب يمينا نفسه. فقد شكل إعلان رئيسة الائتلاف عيديت سيلمان في نيسان/أبريل 2022 انسحابها من الحكومة لحظة مفصلية، إذ فقد الائتلاف أغلبيته البرلمانية الضيقة. اللافت أنّ الانشقاق جاء من داخل حزب بينت، لا من القائمة العربية الموحدة أو من الأحزاب اليسارية كما كانت تتوقع المعارضة، ما عكس أزمة تمثيل داخل القاعدة القومية–الدينية التي انتمى إليها بينت.
توالت بعدها مظاهر التفكك داخل يمينا، مع تراجع الانضباط الحزبي وتزايد الضغوط على أعضائه، وصولًا إلى اهتزاز داخل الدائرة المقربة من بينت نفسه، تمثل في استقالة مستشارته السياسية شيمريت منير ومدير مكتبه تال غان تسفي. لم يكن الانهيار إذن حدثًا منفردًا، بل نتيجة تصدّع تدريجي أصاب الحزب الذي شكّل ركيزة صعوده. ومع تعمّق الشرخ، بات واضحًا أن إعادة توزيع القيادة داخل المعسكر لم تُنتج إعادة تموضع مستقرًا داخل قاعدته الأصلية.
في حزيران/يونيو 2022، أعلن بينت عدم ترشحه في الانتخابات اللاحقة وانسحابه من رئاسة الحزب، ما مثل خروجًا رسميًا من السباق الانتخابي. لم يكن القرار اعتزالًا نهائيًا للحياة السياسية بقدر ما كان انسحابًا تكتيكيًا من لحظة استنزاف حادة. فقد جنّبه هذا الخيار خوض انتخابات في ظل تفكك حزبه وتراجع قاعدته، وأتاح له الحفاظ على رصيده السياسي بعيدًا عن هزيمة محتملة. في المقابل، تُركت أييليت شاكيد لإدارة ما تبقى من يمينا، قبل أن يتلاشى الحزب عمليًا في الانتخابات التالية، وينحاز لاحقًا إلى صفوف المعارضة.
ومع ذلك، لم يخرج بينت من الحكم دون رصيد. فعلى الرغم من قصر فترة ولايته، سعى إلى ترسيخ صورة “رجل الدولة” القادر على إدارة ملفات دولية معقدة. برز ذلك في وساطته بين موسكو وكييف في الأسابيع الأولى للحرب الروسية–الأوكرانية، وفي تكثيف التعاون مع دول “اتفاقيات أبراهام“، وهي المرحلة التي وُصفت في الخطاب الرسمي الإسرائيلي بأنها “ثورة دبلوماسية”. هذا البعد منح بينت مادة سياسية يمكن توظيفها لاحقًا لإثبات أنه لم يكن مجرد شريك ظرفي في إسقاط نتنياهو، بل قائدًا مارس الحكم فعليًا.
من هنا يمكن فهم عودته إلى صدارة استطلاعات الرأي بعد فترة الابتعاد. فالانسحاب أخرجه من معادلة الاستقطاب المباشر، وأعاد تقديمه بوصفه بديلًا يمينيًا أقل صدامية وأكثر مؤسسية. لم تمثل مرحلة ما بعد الحكم قطيعة مع مساره السابق، بل امتدادًا لعملية إعادة التموضع داخل المعسكر ذاته، والخروج عند لحظة التفكك، والعودة حين تتجدد الحاجة إلى بديل لا يغادر الثوابت الأيديولوجية، لكنه يعد بإدارة مختلفة للقيادة.
وبذلك، يتحول سقوط الحكومة من نهاية لمسار سياسي إلى محطة انتقالية في صراع أوسع على تعريف من يقود اليمين وكيف يُدار، في نظام لا تزال فيه الشخصنة والأزمة البنيوية عنصرين حاكمين لمسار الزعامة.
الحرب وعودة بينت إلى المنافسة على رئاسة الحكومة
لم تبدأ عودة اسم نفتالي بينت إلى الواجهة فور اعتزاله السياسي، بل ارتبطت بسياق مفصلي تمثل في اندلاع الحرب على غزة وما تبعها من هزّة عميقة في صورة القيادة السياسية والأمنية في “إسرائيل”. ففي أعقاب الحرب، ومع تصاعد الانتقادات للأداء الحكومي وتراجع الثقة بمؤسسات القرار، عاد اسم بينت ليظهر بقوة في استطلاعات الرأي، التي منحته في بعض السيناريوهات عددًا من المقاعد يناهز أو يوازي حزب الليكود، رغم أنه لم يعلن رسميًا حتى الآن تشكيل حزب جديد أو خوض الانتخابات بقائمة. هذا المعطى بحد ذاته دال، إذ إنّ جمهورًا معتبرًا يمنح ثقته الافتراضية لحزب لم يتشكّل بعد، ما يعكس بحثًا عن بديل داخل الفضاء اليميني.
لا يمكن تفسير هذه الظاهرة فقط بإرهاق الجمهور من الاستقطاب المزمن، بل أيضًا بطبيعة اللحظة الأمنية. فالمجتمع الإسرائيلي، في ظل الحرب، يميل إلى خيارات ذات طابع أمني–يميني، لكن من دون أن تكون مرتبطة مباشرة بإخفاقات المرحلة الراهنة. هنا تحديدًا يستفيد بينت من موقعه خارج المنظومة السياسية أثناء الحرب، فهو لم يكن عضو كنيست حينها حتى، ولم يشارك في الحكومة، ولم يدخل حكومة الوحدة الوطنية، ولم يتحمل مسؤولية مباشرة عن القرارات أو الإخفاقات التي أحاطت بالحرب. في المقابل، فإنّ معظم الطيف السياسي – من نتنياهو إلى غانتس وبن غفير وسموتريتش – كان جزءًا من النظام الحاكم أو من معادلاته، ما حمّله قدرًا من المسؤولية في نظر الرأي العام.
من زاوية الخريطة الحزبية، لا تبدو المقاعد التي تمنحها الاستطلاعات لبينت قادمة من معسكر اليسار، بل في معظمها من داخل الفضاء اليميني–الأمني نفسه، جزء من ناخبي الليكود المترددين، وشريحة من جمهور “معسكر الدولة” الباحثين عن يمين أمني غير تصادمي، وأصوات احتجاجية على نتنياهو لا ترغب في الانتقال إلى يسار صريح. هذا يفسر أيضًا لماذا لا يستفيد يائير لابيد بالمستوى ذاته، فالمزاج العام في لحظة الحرب لا يتجه نحو بديل وسطي–ليبرالي، بل نحو يمين يُنظر إليه على أنه أكثر كفاءة وأقل شعبوية.
إلى جانب ذلك، فكما ذكرنا آنفًا، راكم بينت خلال فترة رئاسته للحكومة رصيدًا سياسيًا يمكنه توظيفه في عودته الحالية للحلبة السياسية. فرغم قصر مدة ولايته، مكّنه موقعه في رئاسة الحكومة من تثبيت صورته كرجل دولة مستقل، لا كمجرد امتداد أو تابع لنتنياهو كما كان يشاع عنه. وقد أشرنا سابقًا إلى بعض ملامح هذا الرصيد، إذ إنّ تلك التجربة القصيرة، الكثيفة على مستوى القرار والمسؤولية، أسهمت في ترسيخ صورة قيادية تتجاوز حجمه الحزبي المحدود آنذاك، وتمنحه اليوم شرعية تنافسية لا يستند فيها إلى الخطاب فقط، بل إلى تجربة حكم فعلية.
في خطابه الحالي، يحرص بينت على توجيه رسائل مزدوجة داخل المعسكر اليميني. فهو ينتقد أداء الحكومة، ويهاجم بعض رموز اليمين المتطرف، مثل إيتمار بن غفير، من زاوية “عدم الجدية” أو الفوضوية، لكنه لا يغلق باب الشراكة المستقبلية معهم. كما يهاجم القائمة العربية الموحدة، رغم أنه اعتمد عليها سابقًا في تثبيت ائتلافه. هذا التوازن يعكس محاولة واضحة لاحتلال المساحة الواقعة بين الليكود والصهيونية الدينية، ويمين أيديولوجي في المرجعية، إداري في الأسلوب، ومسؤول في إدارة الدولة.
بهذا المعنى، فإن عودة بينت لا تعبر عن تحول أيديولوجي عميق في المجتمع الإسرائيلي، بقدر ما تعكس إعادة اصطفاف داخل اليمين نفسه، في ظل أزمة قيادة وثقة. إنها عودة تُبنى على ثلاثة عناصر مترابطة، وفراغ قيادي نسبي في معسكر نتنياهو، موقع شخصي خارج دائرة المسؤولية عن الحرب، ورصيد سابق كرئيس حكومة مكّنه من الانتقال من صورة “شريك صغير” إلى منافس محتمل على الزعامة.
الخاتمة
تتضح “ظاهرة بينت” ليس فقط من انتقاله من زعيم حزب صغير إلى رئاسة الحكومة، بل من قدرته على العودة، بعد خروجه الكامل من الحلبة السياسية، ليصبح منافسًا متقدمًا في استطلاعات الرأي. في السياق الإسرائيلي، حيث تقوم الحكومات على ائتلافات هشّة، ويمنح النظام النسبي الأحزاب الصغيرة وزنًا تفاوضيًا يفوق حجمها العددي، يمكن نظريًا أن يصل حزب بسبعة مقاعد إلى رئاسة الحكومة. غير أن الجمع بين هذه اللحظة وعودته لاحقًا من خارج المنظومة الحزبية يجعل حالته أقرب إلى ظاهرة سياسية مرتبطة بمرحلة أزمة.
تكشف هذه الحالة ثلاثة عناصر بنيوية: طبيعة النظام الائتلافي الذي يمنح الأحزاب الوسيطة دورًا حاسمًا، وحالة الاستعصاء السياسي وتكرار الانتخابات، وأزمة قيادة داخل اليمين ترافقت مع تآكل الثقة بالنخبة الحاكمة وصعوبة بروز بدائل مستقرة. في هذا السياق، لم يكن صعود بينت تعبيرًا عن تحول أيديولوجي، بل عن إعادة توزيع للزعامة داخل المعسكر. وعليه، فإن “ظاهرة بينت” تعكس تحول مركز الصراع في “إسرائيل” من سؤال الهوية الأيديولوجية إلى سؤال القيادة وإدارة المعسكر، وترتبط ببنية النظام الائتلافي وأزماته أكثر مما تعبّر عن نشوء مشروع فكري جديد.



