“الخط الأصفر” في نسخته اللبنانيّة: إسرائيل إلى “الوحل اللبناني” مجدّدًا!

أعلن الاحتلال الإسرائيلي في 18 أبريل/نيسان 2026 اعتماد ما سمّاه “الخط الأصفر” داخل جنوب لبنان، بوصفه نطاقًا عملياتيًا تُحدَّد بموجبه مناطق انتشار قواته والتعامل مع أي اقتراب منها باعتباره تهديدًا مباشرًا. وترافق الإعلان مع نشر خريطة عسكرية تُظهر امتداد الخط داخل مناطق شمال الخط الأزرق، وعمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات، بما يشمل عشرات القرى والبلدات الحدودية، ويمنع عودة سكان نحو 55 منها، ضمن ما وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه “خط دفاع أمامي”. ويأتي ذلك بالتزامن مع دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان، بوساطة أمريكية، عقب أسابيع من تصعيد بدأ بالتزامن مع العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في مارس 2026. ورغم الهدنة، تستمر الضربات الإسرائيلية ويتعهد “حزب الله” بالرد، ما يعكس هشاشة التهدئة كما في اتفاق نوفمبر 2024. إلا أنّ هذه الخطوة تكتسب أهمية لكونها الاستخدام الرسمي الأول لمصطلح “الخط الأصفر” في الساحة اللبنانية، بعد ظهوره سابقًا في قطاع غزة كأداة للفصل والسيطرة الميدانية.

في هذا الإطار، تتناول هذه الورقة سياق تشكّل “الخط الأصفر”، بصيغته اللبنانية، لفهم موقعه ضمن ديناميات الحرب والهدنة، ومن ثَمَّ تحلل أهدافه، وتستشرف حدوده وإمكانات تحوله إلى واقع دائم بالاستناد إلى التجربة التاريخية الطويلة للاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، مع الأخذ بعين الاعتبار التحول في البيئات الإقليمية والداخلية والعملياتية التي ترافق مخطط “المنطقة العازلة” الراهن.

من الهدنة الهشّة إلى عودة الاشتباك

تعود الجبهة اللبنانية اليوم إلى حالة اشتباك مباشر أعادت تشكيلها التطورات التي بدأت مع اتساع المواجهة في مارس 2026، حين استأنف “حزب الله” عملياته ضد أهداف إسرائيلية ردًا على استمرار الضربات داخل لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار-نوفمبر 2024، وعلى التصعيد الإقليمي المرتبط بالعدوان على إيران. ويأتي ذلك نتيجةً لمسار ظل محكومًا بهدنة هشّة لأكثر من عام، في ظل اتفاق لم ينجح في تثبيت وقف فعلي للعمليات مع مواصلة إسرائيل تنفيذ ضربات جوية والإبقاء على وجود عسكري في نقاط حدودية متقدمة، والسيطرة على خمسة مواقع في الجنوب، في خرقٍ مباشر لتفاهمات التهدئة تحت ذريعة سياسة الردع ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.

في المقابل، التزم “حزب الله” خلال تلك المرحلة بسياسة ضبط الرد وامتنع عمليًا عن تنفيذ هجمات مباشرة رغم استمرار الخروقات، رابطًا ذلك بإطار الهدنة لكن مع إبقاء خيار الرد قائمًا. وقد استغلت إسرائيل هذا الواقع لفرض مقاربة تقوم على ضغط عسكري مستمر دون الانزلاق إلى حرب واسعة، في ظل رهان إسرائيليّ على أن الحزب خرج من حرب 2023–2024 أكثر إنهاكًا وتفككًا، وأن استمرار هذا النمط سيؤدي إلى استمرار استنزاف بنيته العسكرية والقيادية، وإضعافه ميدانيًا، والحد من قدرته على الرد وإعادة التموضع جنوبًا، بالتوازي مع مسار الجيش اللبناني في حصر السلاح شمال نهر الليطاني.

غير أن هذا الرهان تعرض لاختبار حاسم حين أعاد “حزب الله” تفعيل الجبهة اللبنانية بصورة مباشرة، مُنهيًا عمليًا مرحلة الجمود النسبي من طرفه، بما يكشف أن امتناعه السابق عن الرد لم يكن خروجًا من معادلة المواجهة أو انسحابًا من الاشتباك، وإنما إدارة محسوبة للتوقيت وسقف الرد، وفق ظروف داخلية وإقليمية. كما أظهر ذلك أن سياسة الضغط العسكري الإسرائيلي المتواصل لم تنجح في إضعاف “حزب الله” تمامًا، أو إنهاء تسليحه وقدراته العسكرية وخاصة في جنوب الليطاني، ولا في فصل أو تحييد الجبهة اللبنانية التي عادت للمواجهة مع تغير البيئة الإقليمية.

في هذا السياق التصاعدي، عُقد في 14 أبريل/نيسان لقاء بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء، أعقبه التوصل إلى مذكرة تفاهم أولية بوساطة أمريكية، طُرحت من خلالها هدنة جديدة في محاولة لتهيئة مسار تفاوضي أوسع بين الجانبين. وجاء ذلك أيضًا في سياق ضغوط إيرانية لإدراج الجبهة اللبنانية ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار ومسار التفاوض مع واشنطن. غير أن هذه الهدنة لم تُترجم إلى وقف فعلي للعمليات؛ ففي الواقع، استمرت إسرائيل في تنفيذ ضرباتها، بينما أكد حزب الله حقّه في الرد المشروع عليها. كما نصّت المذكرة على أنّ: “إسرائيل تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية. ولن تعيق الهدنة هذا الحق”، وهو ما يجعل سيناريو عودة التصعيد قائمًا.

ضمن هذا السياق، يبرز إعلان “الخط الأصفر” في جنوب لبنان كأداة تنظيم ميداني نشأت داخل بيئة قتال وهدنة في آن واحد؛ أي بوصفه نتاجًا مباشرًا لبيئة عملياتية لم تستقر على وقف إطلاق نار فعلي ولا على حرب مفتوحة، ما يجعله جزءًا من إدارة حرب مستمرة تتبدل أشكالها دون أن تتوقف فعليًا.

الخط الأصفر بين المرجعيّات الدولية والواقع العملياتي

  1. هندسة الخطوط بين القانوني والتشغيلي

يأتي إدخال “الخط الأصفر” في جنوب لبنان ضمن سياق طويل من إدارة إسرائيل للحدود مع لبنان، يقوم على التوتر بين ثبات المرجعيات الدولية وتحول الواقع الميداني. فمنذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، تشكّل المشهد الحدودي حول “الخط الأزرق” الذي رسمته الأمم المتحدة للتحقق من الانسحاب تنفيذًا لقرار مجلس الأمن 425، مع التأكيد على أنه لا يُعد حدودًا دولية، بل “خط انسحاب” تقني مؤقت هدفه ضبط وقف إطلاق النار ومنع الاحتكاك، على أن يبقى ترسيم الحدود النهائية خاضعًا للتفاوض بين الطرفين.

لاحقًا، أُعيد تثبيت دوره ضمن القرار 1701 بعد حرب 2006 بوصفه إطارًا لوقف الأعمال العدائية، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” جنوب نهر الليطاني. ورغم كونه المرجعية الرسمية لخط التماس، بقي “الخط الأزرق” إطارًا قانونيًا أكثر منه أداة ضبط ميداني مستقرة، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة الدورية إلى استمرار تسجيل خروقات إسرائيلية برية وجوية، إضافة إلى وجود 13 نقطة خلاف حدودية غير محسومة على امتداد الخط.

في هذا السياق، يأتي “الخط الأصفر” ليُضيف بذلك طبقة عملياتية فوق الإطار الدولي القائم. وينتج عن ذلك مستويان متوازيان: مستوى قانوني أممي يتمثل في “الخط الأزرق” كحد مرجعي معتمد، ومستوى عملياتي فعلي مفروض بالقوة، يُدار ميدانيًا وفق ذرائع واعتبارات أمنية إسرائيلية، بحيث يُعاد تشكيل عمق جنوب لبنان، عبر مفهوم “خط الدفاع الأمامي”، كمجالٍ تتدرج داخله درجات السيطرة النارية والبرية، بين انتشار مباشر، ومناطق إخلاء ونزوح قسري، ومناطق استهداف وتدمير. وتظهر هذه البنية في الخريطة المعلنة، حيث يمتد “الخط الأصفر” بشكل متعرج داخل مناطق تشمل عشرات القرى والبلدات الحدودية الجنوبية، بما يعني إدراج مساحات سكنية واسعة ضمن تصنيفات أمنية جديدة.

ولم يقتصر “الخط الأصفر” على المجال البري، إذ أظهرت الخريطة الإسرائيلية المعلنة نطاقًا بحريًا موازيًا تحت مسمى “منطقة دفاع أمامي بحرية”، يمتد قبالة الساحل الجنوبي اللبناني، بما يعكس محاولة لتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية من البر إلى البحر. ويضيف هذا الامتداد بُعدًا إستراتيجيًا يتعلق بالمساحات البحرية القريبة من مناطق الغاز والطاقة، ويفرض وقائع ميدانية جديدة تخدم أهداف الاحتلال، وتضغط على لبنان اقتصاديًا وسياديًا.

بالتالي، تتجلى وظيفة هذا الخط، بالنسبة إلى موقعه من خط الانسحاب الفاصل، في إزاحة “الخط الأزرق” من موقعه التشغيلي من دون إلغائه قانونيًا، عبر فرض واقع ميداني موازٍ يُستخدم مرجعًا فعليًا للحركة والاشتباك المفتوح، بما يمنح إسرائيل هامشًا إضافيًا لتبرير تحركاتها حتى في سياق الهدنة أو خفض التصعيد، بما يشمل عمقًا جغرافيًا إضافيًا داخل الأراضي اللبنانية. كما تُنشئ إسرائيل بذلك مرجعية تشغيلية مرنة قابلة للتعديل السريع، بحيث يمكن توسيع “الخط الأصفر” أو إعادة رسمه وفق متغيرات ميدانية تُفرض بالقوة العسكرية، وتُبرّر وفق ما تروج له إسرائيل تحت توصيفات التهديد أو الاستباق والوقاية العملياتية.

  1. الوظيفة العملياتية للخط الأصفر وحدود النموذج

يرتبط الخط الأصفر بمسار عملياتي إسرائيلي ممتد منذ بدء المواجهة في أكتوبر2023 وتحوّل نمط الاشتباك، وهو ما عكسه توسّع نطاق الاستهداف الإسرائيلي ضمن خطاب يربط العمليات بهدف “إزالة التهديدات” و”نزع سلاح حزب الله”. لذا، يبدو “الخط الأصفر” أقرب إلى محاولة لإضفاء صيغة تنظيمية على واقع ميداني قائم أصلًا، ويرتبط بمسارين عملياتيين تسعى إسرائيل إلى تثبيتهما ميدانيًا منذ أكثر من عامين.

يتمثل المسار الأول في استمرار محاولة إعادة تشكيل البنية والجغرافيا العسكرية لحزب الله، عبر الضغط العسكري المتواصل الذي يستهدف شبكات التمركز والإمداد والقيادة، والدفع التدريجي نحو إعادة التموضع في العمق، لتثبيت تحويل الاشتباك من مواجهة حدودية خطية إلى حالة انتشار أوسع وأكثر تشتيتًا، انسجامًا مع هدف إنشاء فراغ عملياتي أمامي، يدار بمنطق ما يُشار إليه إسرائيليًا “بالمنطقة العازلة”.

أما المسار الثاني، فيتمثل في تعطيل المجال المدني وإضعاف الاستقرار السكاني في المناطق الحدودية. وقد تبلور هذا النمط منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، عبر تحويل بعض القرى والبلدات إلى بيئة عالية المخاطر نتيجة الاستهداف الجوي والبري وأوامر الإخلاء ومنع العودة قسرًا. إلا أن مستجدّه الأساسي يتمثل في ربطه بتصنيف خرائطي يمنحه طابعًا تنظيميًّا. وبذلك، لا تتطلب السيطرة الفعلية احتلالًا مباشرًا (مُعلنًا) بقدر ما تتطلب تعطيلًا مستمرًا للمكان، يتجسد فعليًا بالإزاحة الديموغرافية عبر تفكيك شروط الإقامة المستقرة كما تعكسها موجات النزوح المتكررة. وهو ما يأخذ طابع مشروع تهجير فعلي، من خلال تفجير مرافق السكن والخدمات، وتهديم القرى الحدودية كما تعهد مؤخرًا وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، على غرار ما أسماه “نموذج رفح وبيت حانون”.

وعليه، تحاول إسرائيل عبر هذين المسارين جعل أجزاء واسعة من جنوب لبنان أقل قابلية للاستقرار المدني أو للتمركز العسكري المقابل، من خلال إنشاء نطاق ضغط أمني داخل الأراضي اللبنانية، بما يسمح بإدارة مستوى من الاشتباك المنخفض أو المتوسط، دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب شاملة ومفتوحة.

وإلى جانب هذه الأهداف العملياتية، يبرز هدف داخلي يتمثل في إنتاج صورة نصر قابلة للتسويق “داخل إسرائيل”، ولا سيما أمام سكان الشمال الذين تعرضوا لاضطراب أمني واسع منذ اندلاع الحرب. فبعد تجربة غزة، برز في الخطاب الإسرائيلي ميل إلى اعتبار أدوات السيطرة الميدانية، كالمناطق العازلة، إنجازًا أمنيًا يمكن تسويقه حتى في غياب حسم سياسي أو عسكري شامل. ومنه، قد يكتسب “الخط الأصفر” جاذبية سياسية داخلية لأنه يوحي بإعادة فرض السيطرة وإبعاد التهديد عن الحدود الشمالية، ويرتبط بفكرة التوسع، لا سيما مع استمرار وجود معضلة إسرائيلية في التعامل مع “حزب الله” الذي لا يزال يحاول فرض معادلته في الاشتباكات الراهنة. غير أن هذه الجاذبية النظرية تصطدم بفوارق جوهرية بين غزّة ولبنان. ففي غزّة، جرت العمليات داخل مساحة محاصرة ومغلقة جغرافيًا، وعالية الكثافة السكانية، ما أتاح لإسرائيل إمكانية أوسع لفرض تقسيمات داخلية للمجال، واستخدام “الخط الأصفر” لترسيخ أمر واقع نشأ عن ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، حيث سيطرت إسرائيل بعده على نحو 58% من مساحة قطاع غزة ضمن المنطقة الواقعة شرق هذا الخط، مع استمرار تحريكه وتوسيع مناطق الخطر المحاذية. أما جنوب لبنان، فهو جزء من دولة ذات سيادة معترف بها دوليًا، ويخضع لتوازنات قانونية وسياسية مختلفة، إضافة إلى وجود الجيش اللبناني، وقوات الأمم المتحدة (اليونيفيل)، وتنظيم مسلح يمتلك دورًا سياسيًا وعمقًا جغرافيًا وبنية انتشار أوسع من النطاق الحدودي المباشر، ما يحدّ من إمكانية إعادة التقسيم المباشر أو فرض ترتيبات دائمة بسهولة.

لهذا السبب، فإن ما يمكن فرضه في غزة لا يُنسخ بسهولة في لبنان، لأن إسرائيل تواجه ساحة متعددة الأطراف، تتداخل فيها الدولة والقوى المحلية والفاعلون الدوليون والحسابات الإقليمية. حيث يزداد هذا التعقيد لارتباط الساحة اللبنانية بتوازنات إقليمية أوسع، كمسارات التفاوض أو التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل أي محاولة لعزل الجبهة اللبنانية عن سياقها الخارجي محدودة الفاعلية وصعبة التثبيت على المدى الطويل. وعليه، لا يبدو “الخط الأصفر” أكثر من كونه محاولة لاختبار حدود إدارة الضغط والإنجاز العملياتي المؤقت، داخل بيئة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والإقليمية والسياسية.

التجارب السابقة وحدود النماذج الأمنية

يمثّل “الخط الأصفر” امتدادًا لمسار التدخل الإسرائيلي الذي تكررت فيه محاولات فرض ترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية على مدى عقود. بدءًا من “عملية الليطاني” عام 1978، حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان وصولًا إلى نهر الليطاني، قبل أن تنسحب لاحقًا بموجب القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. غير أن هذه المحطة لم تُنهِ حالة النزاع، وإنما بقي فيها الجنوب ساحة مفتوحة للاحتكاك والتدخلات العسكرية.

توسّع هذا المسار مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي وصل إلى بيروت، قبل أن تبدأ إسرائيل بإعادة تموضع قواتها تدريجيًا باتجاه الجنوب، حيث استقرت بحلول عام 1985 وحتى عام 2000 فيما عُرف “بـالمنطقة الأمنية” أو “الحزام الأمني” ، وهو شريط داخل الأراضي اللبنانية بعمق وصل في بعض المناطق إلى نحو 20 كيلومترًا، أداره الجيش الإسرائيلي بالاعتماد على ميليشيا محلية حليفة عُرفت باسم “جيش لبنان الجنوبي” أو “جيش لحد”.

قدّم الحزام الأمني حينها نموذجًا أقل كلفة من الاحتلال المباشر وأكثر استدامة، إلا أن تطوراته الميدانية أثبتت تحوله تدريجيًا إلى مساحة استنزاف مفتوحة في ظل ارتفاع الخسائر وتآكل القدرة على تحقيق حسم. فمنذ منتصف الثمانينيات وحتى عام 2000، شهد الشريط الأمني اشتباكًا، منخفض الكثافة لكنه مستمر، مع مجموعات مقاومة لبنانية، على رأسها حزب الله، الذي برز تدريجيًا فاعلًا رئيسًا في استهداف القوات الإسرائيلية ومواقع جيش لحد داخل المنطقة.

تحت ضغط هذه المعادلة، اتخذت إسرائيل في مايو2000 قرار الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان، ونُفّذ سريعًا دون اتفاق سياسي مباشر مع الدولة اللبنانية. إلا أن الانسحاب كشف حدود النموذج السابق، إذ انهار “جيش لبنان الجنوبي” بسرعة فتفككت البنية المحلية التي ارتكز إليها الحزام الأمني، ودخل حزب الله إلى معظم المناطق التي كانت خاضعة له. وبذلك، انتقل الصراع إلى صيغة جديدة قائمة على الردع المتبادل والاشتباكات الحدودية المتقطعة، وقد تجلّى هذا لاحقًا في حرب تموز 2006، التي شكّلت محاولة إسرائيلية أخرى لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، إلا أن “حزب الله” تمكن من إجبار الاحتلال على الانسحاب. تبعه صدور القرار 1701 الذي ساهم في خفض مستوى المواجهة المفتوحة لفترات طويلة، لكن دون فرض حلول أو إنهاء الدور المقاوم لحزب الله.

وعليه، يتضح أن التجربة الإسرائيلية في جنوب لبنان لم تكن مسارًا تراكميًا ناجحًا لبناء السيطرة، بل سلسلة محاولات لإنتاج ترتيبات أمنية جزئية داخل بيئة شديدة التعقيد، انتهت في كل مرة إلى استنزاف طويل أو انسحاب دون تسوية نهائية. وفي النموذج الحالي، تعيد إسرائيل عبر “الخط الأصفر” إنشاء نطاق أمني داخلي على غرار “الحزام الأمني”، وهو الترتيب الذي بدأ مؤقتًا وانتهى إلى واقع استمر نحو خمسة عشر عامًا، إلا أنّ استدعاء التجربة يفرض قدرًا من الحذر في قراءة الخطاب الإسرائيلي الحالي. إذ يبقى هذا النموذج مشروطًا باستدامة الردع ومنع تطوير أدوات ووسائل اختراق ومقاومة مضادة، فالتجربة السابقة لا تزال حاضرة داخل النقاش الإسرائيلي ذاته بوصفها تجربة استنزاف طويلة انتهت بالانسحاب عام 2000، بعد تحوّل الجنوب اللبناني إلى ما وُصف داخل الإعلام والبحث الإسرائيليين بـ”المستنقع أو الوحل اللبناني”، في إشارة إلى الكلفة البشرية والسياسية لاستمرار البقاء العسكري هناك.

ومن ثمّ، فإن الدرس الأبرز لا يتمثل في نجاح نماذج السيطرة، بل في ارتفاع كلفتها التشغيلية مع الزمن وتآكل قدرتها على الاستمرار، بدلًا من إنتاج استقرار طويل الأمد أو تفكيك الفاعل العسكري المقابل. فكلما طال أمد الترتيب الأمني، تراجعت فعاليته وازدادت أعباؤه السياسية والعسكرية. وبذلك، يتراكم في جنوب لبنان نموذج أقرب إلى “إدارة كلفة متصاعدة” منه إلى سيطرة مستقرة، تُعاد فيه صياغة أدوات السيطرة مع كل مرحلة، من دون القدرة على تحويل الإنجاز العسكري المؤقت إلى واقع دائم أو استقرار نهائي.

الخاتمة

تُقدَّم حالة “الخط الأصفر” في جنوب لبنان بوصفها تعبيرًا عن تحوّل أوسع في المقاربة الإسرائيلية للمنطقة العازلة منذ أكتوبر 2023، حيث لم تعد هذه المقاربة تقتصر على إدارة الاشتباك أو إبعاده عن الحدود، بل باتت تتجه نحو إعادة تشكيل المجال نفسه عبر ربط البعد الأمني بالبعد السكاني، بما يشمل دفع السكان إلى النزوح ومنع عودتهم، لإحداث تهجير يتيح التحكم بالمجال الحدودي بشكل مباشر. ويُعدّ هذا تحوّلًا نوعيًا مقارنة بالنماذج السابقة التي سمحت ببقاء السكان مع إدارة أمنية غير مباشرة، كما في سياسات “الجدار الطيب” والممرات الإنسانية خلال مراحل سابقة من العلاقة مع جنوب لبنان (ما بعد 1976)، حيث كان يتم كسب ولاء شرائح من السكان عبر إدارتهم اقتصاديًا وأمنيًا ضمن حدود الصراع.

كما يأتي “الخط الأصفر” في سياق انتقال إسرائيلي ما بعد 2023 من منطق إدارة الصراع إلى منطق السعي إلى حسمه من الجذور، عبر تفريغ البيئة الحاضنة وإعادة تعريف وظيفة المنطقة العازلة بوصفها مجالًا بلا سكان فعليين أو قابلية للاستقرار. غير أن هذا النموذج يطرح كلفة عالية على المستوى اللبناني، إذ يفاقم الأزمات الإنسانية، ويعزز من الانقسامات المحلية والتوترات الداخلية.

وفي المقابل، لا يقل هذا التحول خطورة على إسرائيل نفسها، إذ إنه يقوّض إمكان إنتاج أي تفاهمات سياسية أو أمنية مستقرة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، ويجعل من فكرة التسوية ذاتها أكثر تعقيدًا في ظل استهداف البنية السكانية وارتباطها الهوياتي والسياسي. وهو ما ينعكس في تاريخ التجربة اللبنانية أيضًا، حيث إن أي مسار تفاوضي لم يكن منفصلًا عن توازنات وتمثّلات داخلية هشة، وتجارب سابقة انتهت إلى انهياره أو اغتيال القائمين عليه لبنانيًّا، وإدامة الصراع بالتبعية.

ميدانيًا، لم يُترجم هذا التحول إلى استقرار عملياتي. إذ واصل “حزب الله” استهداف القوات الإسرائيلية داخل نطاق المنطقة العازلة، مستخدمًا وسائل هجومية جديدة من بينها الطائرات المسيّرة من نوع FPV، ما أظهر حدود القدرة على تثبيت واقع أمني مستقر أو فرض عزل فعلي للميدان. في المقابل، تبدو البيئة الحالية محكومة بهشاشة عالية، حيث تتداخل الضربات المتبادلة مع انعدام استقرار سياسي وأمني، ما يجعل أي ترتيب قائم عرضة للانهيار السريع.

وبذلك، يبدو “الخط الأصفر” جزءًا من مقاربة أشمل تتسم برفع سقف الاستخدام الأمني إلى حدود قصوى، من دون امتلاك القدرة على تحويل هذا التوسع إلى استقرار سياسي دائم. وفي المحصلة، تعكس الجبهة اللبنانية اليوم حالة توازن هش، حيث تتقاطع حدود القوة العسكرية مع قيود سياسية وعملياتية تجعل أي مسار قائم قابلًا للتفكك في أي لحظة، في ظل غياب أفق واضح لصيغة أمنية سياسية قابلة للاستمرار أو الحسم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى