يهود أمريكا وإسرائيل: علاقة إستراتيجية متينة تشهد تراجعًا
ملف: أمريكا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر والإبادة (6)

تشكّل العلاقة بين إسرائيل واليهود الأمريكيين أحد المداخل المهمة لفهم طبيعة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، نظرًا إلى تداخل الروابط التاريخية والهوياتية مع المصالح السياسية والمؤسسية التي ترسّخت على مدى عقود. وتأتي هذه الورقة، وهي السادسة ضمن سلسلة الأوراق التي ترصد مؤشرات التحول في ركائز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية في سياق ما بعد حرب الإبادة على غزّة، لتبحث في التحولات التي طرأت على موقع اليهود الأمريكيين في هذه العلاقة، وما تكشفه الحرب وتداعياتها عن طبيعة الارتباط بإسرائيل وحدوده. وتتناول الورقة أدوار المؤسسات اليهودية الأمريكية ومواردها السياسية والمالية، إلى جانب التباينات داخل المجتمع اليهودي الأمريكي في مواقفه من إسرائيل وسياساتها، بهدف فهم مدى انعكاس هذه التحولات على استمرارية الروابط المؤسسية والاجتماعية التي شكّلت أحد مرتكزات العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية.
اليهود الأمريكيون: ركيزة إستراتيجية للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية
-
المجتمع اليهودي الأمريكي في الحسابات الإستراتيجية الإسرائيلية
يمثل اليهود الأمريكيون أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، إذ تُقدّر أعدادهم بنحو 7.5 ملايين شخص (نحو 3% من مجموع السكان) وفق تقديرات مركزPew التي تعتمد تعريفًا واسعًا للهوية اليهودية يشمل الانتماء الديني والهوية الثقافية أو العائلية. وعلى الرغم من محدودية حجمهم العددي، فقد ارتبط حضورهم بأهمية سياسية ومؤسسية كبيرة داخل الولايات المتحدة، عبر شبكة واسعة من المنظمات المرتبطة بقضايا يهودية وإسرائيلية. وتنبع أهمية هذا المجتمع في سياق العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من تداخل موقعه داخل الدولة الحليفة الأهم لإسرائيل مع ما تمتلكه مؤسساته وشبكاته من موارد تنظيمية وسياسية ومالية واجتماعية.
ولذلك، نظرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى يهود الولايات المتحدة بوصفهم أحد الأصول الإستراتيجية في السياسة الإسرائيلية، حيث يصف معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) وجود مجتمع يهودي أمريكي قوي ومؤيد لإسرائيل بأنه “أصل إستراتيجي حيوي” “لدولة إسرائيل”، بما يعكس الأهمية التي توليها المؤسسة الإسرائيلية للحفاظ على قوة العلاقة معهم.
وقد تناولت دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عام 2019 إسهام المجتمع اليهودي الأمريكي في الأمن القومي الإسرائيلي، مؤكدةً الأهمية الإستراتيجية للعلاقة بين المجتمعين اليهوديين في إسرائيل والولايات المتحدة، وما يترتب على تراجع الارتباط بينهما من تداعيات محتملة على أمن إسرائيل ومستقبلها. وفي سياق متصل، أدرجت مذكرة نشرها المعهد عام 2020 العزلة الدولية ومقاطعة إسرائيل ضمن خمسة سيناريوهات للتهديد الوجودي المحتمل للدولة، وأشار أحد فصولها إلى أن العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة والروابط مع يهود العالم أسهمت في الحفاظ على الدعم الدولي لإسرائيل ومواجهة محاولات مقاطعتها. ذلك ما يضع العلاقة مع اليهود الأمريكيين ضمن شبكة أوسع من الروابط التي تتناولها الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلية عند بحث أمن إسرائيل ومكانتها الدولية.
-
البنية المؤسسية والموارد السياسية والمالية
ترسخت العلاقة بين إسرائيل واليهود الأمريكيين، بعد قيام دولة الاحتلال عام 1948، من خلال عمل عدد من المؤسسات اليهودية الأمريكية التي وسّعت أجنداتها لتشمل قضايا مرتبطة بمكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة. فقد لعبت مؤسسات كانت تعمل أصلًا في مجالات الدفاع عن اليهود الأمريكيين ومواجهة معاداة السامية، مثل اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، ورابطة مكافحة التشهير (ADL)، أدوارًا في متابعة قضايا ذات صلة بالعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، والتأثير في النقاش العام الأمريكي حول إسرائيل.
ثم تأسس “مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى” في خمسينيات القرن العشرين، وتطوّر ليصبح إطارًا تنسيقيًا يضم عددًا من المنظمات اليهودية الأمريكية، وركز ضمن مهامه المعلنة على تعزيز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية ومناقشة القضايا التي تمس أمن إسرائيل ومكانتها الدولية، وأصبح لاحقًا إحدى القنوات المنتظمة للتواصل بين المسؤولين الإسرائيليين وقيادات المنظمات اليهودية الأمريكية. حيث يُنظّم المؤتمر بعثات قيادية إلى إسرائيل تتيح لقياداته لقاء رئيس الحكومة ومسؤولين إسرائيليين آخرين، كما تُوثّق بياناته لقاءات مع رؤساء حكومات إسرائيليين، من بينهم بنيامين نتنياهو عام 2016 ويائير لابيد عام 2022، وتوثّق اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) لقاءات بين قياداتها ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في عامي 2016 و2017، تناولت قضايا شملت العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية والروابط بين إسرائيل واليهود في الشتات.
كما تسهم المؤسسات والشبكات اليهودية الأمريكية في دعم إسرائيل عبر موارد تتجاوز المناصرة السياسية، لتشمل التمويل الخيري للفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية، فضلًا عن الروابط الثقافية والاجتماعية التي تسهم في تشكيل المجتمع الإسرائيلي. ويشير تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي صدر عام 2026 إلى أن هذه الإسهامات، إلى جانب شبكات المناصرة التي تعمل على تعزيز التأييد لإسرائيل في الأوساط الدبلوماسية والأمنية الأمريكية، تجعل المجتمع اليهودي الأمريكي موردًا إستراتيجيًا للأمن القومي الإسرائيلي.
ويظهر حجم التمويل في استجابة اتحادات اليهود في أمريكا الشمالية للحرب التي بدأت في أكتوبر 2023؛ إذ أفادت الاتحادات بأنها جمعت 833 مليون دولار، وخصصت 433 مليون دولار منها لـ520 منظمة إسرائيلية، وفق بياناتها حتى يونيو 2024. وشملت مجالات التمويل المعلنة توفير الاحتياجات الأساسية “للإيواء، والخدمات الطبية، والدعم النفسي، إلى جانب المساعدة الاقتصادية”.
كما تطور النشاط السياسي المؤيد لإسرائيل عبر منظمات ضغط متخصصة، كان أبرزها (AIPAC) التي اعتمدت اسمها الحالي عام 1959، ثم توسعت أدواتها السياسية لاحقًا عبر أذرع انتخابية مثل AIPAC PAC (تأسس عام 2021) وUnited Democracy Project (تأسس عام 2022). إذ ارتبط حضور إسرائيل في السياسة الأمريكية بشبكات من المانحين والمنظمات السياسية المؤيدة لها، التي أصبحت هذه المنظمات جزءًا من منظومة الإنفاق الانتخابي الأمريكي. ووفق بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC) أنفق (UDP) أكثر من 54 مليون دولار خلال دورة 2024 الانتخابية، أكثر من 31 مليون دولار منها كان إنفاقًا مستقلًا، مع تركيز كبير على الانتخابات التمهيدية للكونغرس. ويعكس ذلك انتقال بعض أدوات دعم إسرائيل من المجال المؤسسي التقليدي إلى المجال الانتخابي المباشر.
ورغم ما سبق، تطرح هذه الموارد المؤسسية سؤالًا عن العلاقة بين قوة المنظمات التي تعمل على تعزيز الصلة بإسرائيل ومدى تمثيلها لتوجهات المجتمع اليهودي الأمريكي. فوجود مؤسسات تمتلك موارد مالية وسياسية كبيرة لا يعني بالضرورة أن مواقفها تعبّر عن مجمل اليهود الأمريكيين، أو أن قدرتها على التأثير في السياسة الأمريكية تعكس درجة التوافق داخل المجتمع بشأن السياسات الإسرائيلية، كما يتبين أدناه.
اليهود الأمريكيون بعد حرب الإبادة على غزّة: استمرار الارتباط وتعدد المواقف
-
استطلاعات الرأي وفق متغيرات الحزب والجيل والدين
شكّلت تلك البنية المؤسسية، التي تطورت عبر عقود من التفاعل بين إسرائيل واليهود الأمريكيين، إحدى أكثر ركائز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية استقرارًا. إلا أن هذا الاستقرار لم يعد يعني تجانسًا في المواقف داخل المجتمع اليهودي الأمريكي. فمع اتساع الانقسامات الحزبية والجيلية والدينية كما أشارت الأوراق السابقة، أصبحت المواقف الأمريكية تجاه إسرائيل أكثر تنوعًا مما افترضته الأدبيات التقليدية، دون أن يعني ذلك تراجع أهمية إسرائيل لدى اليهود الأمريكيين. فقد أظهر استطلاع اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) لعام 2024 أن 85% من اليهود الأمريكيين اعتبروا الدعم الأمريكي لإسرائيل بعد “هجمات 7 أكتوبر” مهمًا، 60% منهم وصفه بأنه “مهم جدًا”. كما قال 45% إن شعورهم بالارتباط بإسرائيل ازداد بعدها، مقابل 19% قالوا إنه تراجع.
لكن هذا الارتباط لم يعد يعني تأييدًا متطابقًا للحكومة الإسرائيلية، حيث تظهر التباينات بصورة أوضح عند النظر إلى الانتماء الحزبي. فوفقًا لاستطلاع Pew لعام 2024 بلغت نسبة اليهود الجمهوريين وذوي الميول الجمهورية الذين يحملون نظرة إيجابية تجاه الحكومة الإسرائيلية 85% مقابل 41% بين اليهود الديمقراطيين وذوي الميول الديمقراطية. وفي المقابل، عبّر 52% من اليهود الديمقراطيين عن نظرة إيجابية تجاه الشعب الفلسطيني، مقارنة بـ20% بين اليهود الجمهوريين.
وتبرز التحولات بصورة أوضح عند النظر إلى العامل الجيلي داخل المجتمع اليهودي الأمريكي. فقد تبين أن اليهود الأصغر سنًا كانوا أكثر نقدًا للحكومة الإسرائيلية مقارنة بالأجيال الأكبر؛ إذ قال 45% فقط من اليهود الأمريكيين تحت سن 35 عامًا إن لديهم نظرة إيجابية تجاه الحكومة الإسرائيلية، مقابل 53% لديهم نظرة سلبية. وفي المقابل، بلغت النظرة الإيجابية تجاه الحكومة الإسرائيلية 64% بين اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عامًا، وهي الفئة العمرية الوحيدة التي سجلت أغلبية إيجابية. كما أشار التقرير إلى أن اليهود الأصغر سنًا كانوا أقل إيجابية تجاه الشعب الإسرائيلي، وأكثر ميلًا إلى تبني مواقف مختلفة تجاه “أطراف الصراع” مقارنة بالأجيال الأكبر، بما يعكس اتساع الفجوة الجيلية في تقييم السياسات الإسرائيلية، مع استمرار الارتباط العام بإسرائيل.
كما امتدت الاختلافات إلى التدين وطريقة إدراج إسرائيل ضمن الهوية اليهودية. فقد أظهرت نتائج استطلاع نشره مركز (NORC) عام 2026، أن 52% من اليهود المتدينين يرون أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة كانت مبررة، مقابل 21% فقط بين اليهود العلمانيين. كما قال 48% من اليهود المتدينين إن دعم إسرائيل يشكل جزءًا أساسيًا من هويتهم اليهودية، مقارنة بـ12% فقط بين اليهود العلمانيين، بينما عبّر 40% من المتدينين عن ارتباط عاطفي قوي بإسرائيل، مقابل 11% فقط بين العلمانيين.
وفي الوقت نفسه، أشار 55% من اليهود الأمريكيين إلى أنهم شعروا بالإساءة بسبب نقاشات مرتبطة بإسرائيل، وهو ما يعكس أن النقاش حول إسرائيل بعد حرب غزّة أصبح مجالًا تتقاطع فيه المواقف السياسية مع تصورات الهوية اليهودية والانتماء الديني، وأن الاختلافات داخل المجتمع لا تتعلق فقط بتقييم حدث عسكري أو حكومة بعينها، وإنما تمتد إلى موقع إسرائيل في تعريف الذات اليهودية لدى بعض أفراده.
-
الهوية والتمثيل والتعبئة السياسية وحدود الارتباط
تتجاوز التحولات في مواقف اليهود الأمريكيين مسألة التأييد السياسي للحكومة الإسرائيلية، لتطال طبيعة العلاقة التي تسعى إسرائيل إلى إقامتها مع اليهود خارج حدودها. فمنذ تأسيس الكيان، عرّفت إسرائيل نفسها بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، وهو تصور يربط هويتها الوطنية بعلاقتها باليهود في الشتات، وخصوصًا في الولايات المتحدة، ويمنح هذه العلاقة أبعادًا تتصل بالهوية الوطنية ومكانة إسرائيل الدولية. ويكتسب هذا التصور سندًا قانونيًا في قانون أساس “إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي”، الذي أقرّه الكنيست في يوليو 2018.
فإلى جانب تعريف إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، ينص البند/المادة السادسة على أن تعمل الدولة في الشتات لتعزيز الصلة بينها وبين أفراد الشعب اليهودي، وأن تسهم في الحفاظ على تراثهم الثقافي والتاريخي والديني. وهو ما يكرّس العلاقة مع اليهود خارج إسرائيل ضمن الإطار القانوني لهوية الدولة ووظائفها المعلنة، ويمنحها مكانة تتجاوز الروابط الاجتماعية والثقافية لتشمل التزامًا منصوصًا عليه في قانون. غير أن النص القانوني يحدد التزام دولة الاحتلال المعلن، ولا يثبت وحده وجود توافق بين اليهود في الشتات والسياسات التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية. وتبرز الفجوة المحتملة بين التصور القانوني وواقع العلاقة في دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي نُشرت في أكتوبر 2026، ترى أن الصراع، ولا سيما تداعيات حرب غزة، بات يؤثر بصورة متزايدة في الحياة اليومية للمجتمعات اليهودية خارج إسرائيل. ويرصد الباحثان تعمّق الانقسامات داخل هذه المجتمعات، وتراجع قدرة بعض مؤسساتها على تمثيلها والتأثير السياسي باسمها، إلى جانب تصاعد الضغوط التي تواجهها في المجتمعات التي تعيش فيها.
وتظهر التباينات في المواقف من خلال أشكال التعبئة السياسية التي تتخذها جماعات يهودية أمريكية معارضة للحرب على غزة أو للسياسات الإسرائيلية، وتطالب بتغيير دور الولايات المتحدة في دعم إسرائيل. ففي أكتوبر 2023، نظّمت منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام” احتجاجًا داخل محطة غراند سنترال في نيويورك، طالب المشاركون اليهود فيه بوقف إطلاق النار، ورفعوا شعارات يرفضون فيها أن تُنفَّذ السياسات الإسرائيلية باسمهم. وفي يناير 2024، احتجّ نحو 36 حاخامًا وطالبًا في الدراسات الحاخامية داخل مقر الأمم المتحدة، مطالبين بوقف إطلاق النار وداعين الإدارة الأمريكية إلى الكف عن تعطيل ذلك باستخدامها لحق النقض.
ثم في يوليو 2024، اعتقلت شرطة مبنى الكابيتول نحو 200 متظاهر يهودي من أصل 400 خلال احتجاج نظمته “الصوت اليهودي من أجل السلام” داخل أحد مباني الكونغرس، رفضًا للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل وتنفيذ “الفظائع” في غزة باسمهم، وذلك قبيل خطاب بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس. وتُظهر هذه التحركات وجود جماعات يهودية أمريكية تستخدم هويتها الدينية والاجتماعية في التعبير عن مواقف ناقدة للحرب والسياسات الإسرائيلية، وتطرح تساؤلات بشأن الجهات التي تمثل مواقف اليهود الأمريكيين، وحدود قدرة المؤسسات المؤيدة لإسرائيل على التعبير عن المجتمع اليهودي بوصفه كتلة متجانسة.
كما ظهرت مؤشرات أخرى على هذا التعدد في الانتخابات البلدية لمدينة نيويورك عام 2025، حين فاز زهران ممداني، المعروف بانتقاده للسياسات الإسرائيلية، بمنصب عمدة المدينة. فوفق استطلاع رأي الناخبين، حصل ممداني على نحو 33% من أصوات الناخبين اليهود، وهي نتيجة لا تشير إلى تحول شامل في مواقف اليهود الأمريكيين لأنها تخص ناخبي مدينة واحدة، كما أن الاستطلاع لا يثبت أن الموقف من إسرائيل كان العامل الحاسم في تصويت هؤلاء لممداني. ومع ذلك، فإن حصوله على تأييد نحو ثلث الناخبين اليهود يشير إلى أن انتقاد السياسات الإسرائيلية لم يمنع مرشحًا يتبنى هذه المواقف من استقطاب شريحة منهم. وهذا ما يثير التساؤل حول افتراض التطابق أو التوافق التلقائي بين الهوية اليهودية والتأييد السياسي لإسرائيل، أو بين هذا التأييد ودعم سياسات حكومتها.
الخاتمة
يتضح من قراءة المؤشرات السابقة، أن التباين داخل المجتمع اليهودي الأمريكي يتخذ أشكالًا متعددة، تمتد من الاحتجاج المنظم إلى الاختيار الانتخابي، وتنعكس في التنافس على تحديد طبيعة العلاقة بإسرائيل والجهات التي تعبّر عن مواقف اليهود الأمريكيين. وعليه، تتمثل المسألة المركزية في استمرار أهمية المجتمع اليهودي الأمريكي ضمن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، لكن بالتوازي مع اتساع التعدد في مواقفه وتصوراته عن إسرائيل. أي أنّ هذه القاعدة أصبحت أقل تجانسًا، وأكثر تعبيرًا عن التنوع السياسي والاجتماعي القائم داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
فالموارد المؤسسية والمالية والسياسية التي توفرها بعض المنظمات لا تعني وجود موقف موحد لدى المجتمع الذي تنشط داخله، كما أن استمرار الارتباط بإسرائيل لا يستلزم تأييد حكومتها أو سياساتها بصورة متطابقة. وبناء على ذلك، يكشف هذا التمييز عن علاقة تتسم باستمرار الروابط المؤسسية من جهة، وتزايد التباينات الحزبية والجيلية والدينية والسياسية من جهة أخرى، بما يجعل مسألة تمثيل اليهود الأمريكيين وحدود التوافق بينهم وبين السياسات الإسرائيلية جزءًا أساسيًا من فهم مستقبل هذه العلاقة.
إذ يرصد تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي صدر عام 2026 تحولات في المجتمع اليهودي الأمريكي قد تؤثر في طبيعة علاقته بإسرائيل، وقدرته على مواصلة إسهاماته المؤسسية والسياسية. ويشير إلى تراجع المشاركة في بعض المؤسسات اليهودية المنظمة، وتقلص قوائم المانحين، وانخفاض المشاركة في البرامج التعليمية والتجريبية التي تتيح للشباب اليهود زيارة إسرائيل، فضلًا عن تصاعد الانقسامات بشأن السياسات الإسرائيلية، ولا سيما الحرب على غزة. ويرصد التقرير كذلك تراجع الارتباط العاطفي بإسرائيل، خصوصًا لدى الأجيال الأصغر سنًا، وتزايد الاستقطاب بين التيارات اليمينية والليبرالية داخل شبكات المناصرة المؤيدة لإسرائيل، بما قد يحدّ من قدرتها الإجمالية على التأثير السياسي. ويخلص إلى أن استمرار هذه الاتجاهات قد ينعكس على تدفقات التمويل الخيري، وشبكات العلاقات التي تسهم في تطور إسرائيل العلمي والصناعي، وقدرتها على الحفاظ على الدعم الأمريكي ومكانتها الدولية.
وعليه، تبين هذه الورقة أن التحول في العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية لا يقتصر على تبدّل اتجاهات الرأي العام الأمريكي أو إعادة تشكيل أدوات الضغط السياسي. فقد بدأ التغيير يمتد أيضًا إلى البنية الاجتماعية (الإنجيليون واليهود الأمريكيون) التي حملت هذه العلاقة لعقود، وهو ما يتضح في تغير بنيتها الداخلية وآليات عملها، مما يوحي بأن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية تشهد تغيرات على مستوى قواعدها الاجتماعية والسياسية معًا، أكثر من كونها تواجه تحولًا في مستوى التأييد وحده. فالاستقرار الذي ميّز هذه الركيزة تاريخيًا لم يعد قائمًا بالدرجة نفسها.
- الإنجيليّون الأمريكيّون بعد الإبادة: تصدّعات في جدار الولاء المطلق لإسرائيل
- هل فقد اللوبي الإسرائيليّ تأثيره في السياسة الأمريكيّة؟
- إسرائيل في الانتخابات الأمريكيّة: تحوّل العلاقة من التوافق إلى المنافسة السياسية
- إسرائيل في الكونغرس الأمريكي: دعم متناقص وانقسام حزبي
- إسرائيل في استطلاعات الرأي الأمريكية: نظرة سلبية وانقسام حزبي وتباعد جيلي ومصالح متعارضة



