صَلاح خلف “أبو إياد”

ولد صلاح مصباح عبد الله خلف في حي المنشية في مدينة يافا المحتلة في الحادي والثلاثين من آب/ أغسطس عام 1933، لأسرة مهاجرة من غزة إلى يافا مطلع عشرينيات القرن العشرين، وهو متزوج وله ثلاثة أولاد وثلاث بنات. درس المرحلة الأساسية في مدرسة المروانية في يافا، ودرس المرحلة الثانوية في مدرسة الشافعي الثانوية، وحصل منها على الثانوية العامة عام 1951، ونال “الشهادة العالية” في اللغة العربية من كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر في مصر عام 1957، و”الشهادة العالمية” مع الإجازة في التدريس من الجامعة نفسها عام 1959.

عمل مدرِّسًا في مدرسة الزهراء الثانوية للبنات، ثمَّ في مدرسة خالد بن الوليد قرب مخيم النصيرات في قطاع غزة، ثمَ في مدرسة الدعية الثانوية في الكويت بين عامي (1959-1967).

بدأ مشواره الوطني في فترة مبكرة من حياته، إذ انتسب وهو في الثانية عشرة من عمره إلى فرع الأحداث في منظمة النجادة قبل عام 1948، وانضم لجماعة الاخوان المسلمين وانخرط في نشاطاتها في قطاع غزة، وكان عضوًا في “كتيبة الحق” وهي تشكيل عسكري تابع للإخوان عمل على تدريب الشباب في قطاع غزة، وانتخب عضوًا في رابطة الطلبة الفلسطينيين أثناء دراسته في جامعة الأزهر في السنة الدراسية “1952-1953)، ضمن قائمة انتخابية طلابية كان للإخوان المسلمين فيها الثقل الأكبر، وأصبح رئيسًا للرابطة عام 1956، وقد مثَّلها ضمن وفود زارت عدة دول في الوطن العربي والعالم.

أقام علاقات جيدة مع جمال عبد الناصر منذ النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، وتوطدت في الستينيات، وتطوع في قوات المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وكان من العناصر التي حرست الجسور في القاهرة خلال العدوان.

 انضم للنواة التأسيسية لحركة فتح عند وصوله الكويت عام 1959، وكان يشارك في تحرير مجلة نداء الحياة- فلسطيننا التي عبَّرت عن فلسفة وأهداف ومواقف حركة فتح، وكان عضوًا في أول لجنة تنظيمية لفتح في الكويت والتي تشكلت عام 1964. ترك وظيفته في التدريس وتفرَّغ تنظيميًا في الحركة عام 1967، وتولى مع آخرين من كوادرها إجراء الاتصالات الخارجية وجمع الأموال لصالح الكفاح المسلح الذي أطلقته الحركة في تلك المرحلة. حضر معركة الكرامة عام 1968.

زار ضمن مهمات رسمية للحركة عددًا من الدول العربية: مثل مصر والسودان وليبيا والسعودية، ودول أخرى في آسيا مثل: الصين وفيتنام. أسندت له مهمة تشكيل جهاز حركة فتح الأمني” الرصد الثوري” مستعينًا بالمخابرات المصرية، وتولى إدارة جهاز شؤون الأردن بين الأعوام (1971-1973)، ونُسب إليه تشكيل منظمة أيلول الأسود بعد أحداث أيلول عام 1970، والتي استهدفت عددًا من خصوم المنظمة لا سيما خصومها في الساحة الأردنية، كما في اغتيال رئيس وزراء الأردن الأسبق وصفي التل في القاهرة عام 1971، وقد أقدمت هذه المنظمة على تنفيذ عدد من العمليات ضد المصالح الصهيونية في العالم مثل عملية ميونخ الشهيرة عام 1972.

عُيِّن أبو إياد عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1971، وترأس استخبارات منظمة التحرير فيما عُرف في حينه بـ “جهاز الأمن الموحد” عام 1973، وقد استدعاه رئيس مصر أنور السادات ليكون حاضرًا في غرفة العمليات المشتركة لحرب أكتوبر 1973.

لعب دورًا مركزيًا في تنظيم العلاقة بين فصائل منظمة التحرير وباقي مكونات المشهد السياسي اللبناني في سبعينيات القرن العشرين، وكان له دور بارز في مواجهة الانشقاقات داخل فتح خصوصًا انشقاق القيادي الفتحاوي صبري البنا ” أبو نضال” عام 1974، وقد سمح له مركزه في المنظمة في إقامة علاقات مع العديد من الأجهزة الأمنية في العالم.   

كان أبو أياد من أهم منظري الحركة الوطنية، وقد ترك بصماته على الكثير من مقولات منظمة التحرير ومقولات حركة فتح خصوصًا تلك التي تتعلق بالاستراتيجيات والبرامج السياسية، مثل فكرتي “الدولة الفلسطينية الديمقراطية”، و”عدم التدخل في شؤون الدول العربية”، وتميَّز عن غيره من قادتها بمعارضته لدخول صدام حسين الكويت، وبحماسه لمشروع الدولة الفلسطينية على جزء من فلسطين.

كتب أبو إياد حول فلسطين وقضيتها العديد من المقالات في الصحف والمجلات، وأجريت معه العديد من اللقاءات الصحفية في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وكان مواظبًا على إلقاء المحاضرات والخطابات في أغلب الدول التي كان يزورها، وترك عددًا كبيرًا من التسجيلات المحفوظة في أرشيفات المؤسسات البحثية والجامعات، خاصة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي عمل على إتاحة أرشيفه للباحثين والمهتمين ضمن مشروع “ذاكرة فلسطين”.

أخرج أبو إياد عددًا من الأعمال المسرحية منها:” أيام مجيدة”(1958)، و”كفاح شعب”، بالإضافة إلى كتابه الشهير ” فلسطيني بلا هوية” (1978)، الذي طُبع أكثر من مرة. كُتبت عن أبي إياد عدة دراسات وأبحاث وكتب منها: ” أبو إياد صلاح خلف: صفحات مجهولة في حياته” (1991)، و”مسارات صعبة الحركة الوطنية في سيرة صلاح خلف 1933-1971″ (2025).

تعرض أبو إياد لنقد من كوادر سياسية وفكرية فلسطينية داخل حركة فتح وخارجها بعيد أحداث أيلول عام 1970، حيث حمَّله البعض جزءًا من المسؤولية عن آليات إدارة أزمة الصدام مع النظام الأردني، الأمر الذي ساهم لاحقًا في استقالته من جهاز شؤون الأردن، كما انتقده البعض للجوء منظمة أيلول الأسود لسياسة الاغتيالات لخصومها العرب واستهداف المصالح الصهيونية خارج فلسطين الأمر الذي كان له تداعيات سلبية على سمعة منظمة التحرير، وأخيرًا انتقد لتأييده المبكر لمسار التسوية والتصالح مع المشروع الصهيوني.   

عانى أبو أبو أياد من الاحتلال البريطاني والصهيوني، فقد حكم عليه الإنجليز وهو ما يزال صغيرًا بالسجن عام مع وقف التنفيذ، فكان يراجع مخفر الشرطة مرة كل أسبوع، واضطر للهجرة مع أسرته من يافا إلى غزة في الثالث عشر من أيار/ مايو عام 1948 مع اشتداد معارك حرب عام 1948، كما تعرض للمضايقات من أكثر من نظام عربي، حيث اعتقل في مصر عام 1952 وعام 1954، ومُنع من السفر للخارج عام 1955، ومُنع من زيارة القاهرة بين عامي (1957-1960)، ولما سمحت له السلطات المصرية بالسفر إلى الكويت، أرسلته من غزة إلى مطار القاهرة مكبَّلًاـ وظل كذلك حتى دخل الطائرة التي ستُقلُّه إلى الكويت،  واعتقل أيضًا في الأردن أثناء أحداث أيلول عام 1970، وكان في بيروت أثناء حصارها من قبل جيش الاحتلال عام 1982، واضطر لمغادرتها مع القوات الفلسطينية إثر احتلالها، وتعرض لأكثر من محاولة اغتيال، لكنه نجا منها، إلى أن اغتيل في تونس على يد حمزة أبو زيد العنصر السري في جماعة أبو نضال في الرابع عشر من كانون ثاني / يناير عام 1991، واغتيل معه القياديان في الأمن الفلسطيني هايل عبد الحميد “أبو الهول” (عضو في اللجنة المركزية لفتح) وفخري العمري “أبو محمد”، وتم دفن الثلاثة في مقبرة للشهداء في تونس، فيما أعدم الجاني في وقت لاحق. 

المصادر والمراجع

  1. صايغ، يزيد. “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة الحركة الوطنية الفلسطينية (1949-1993)”، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2002.
  2. صلاح خلف ” فلسطيني بلا هوية، لقاءات مع الكاتب الفرنسي أريك رولو”. الكويت: دار كاظمة، 1978.
  3. معين الطاهر ومنى عوض الله. “مسارات صعبة الحركة الوطنية الفلسطينية في سيرة صلاح خلف (1933-1971)”، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025.
  4. “الموسوعة الفلسطينية”. القسم العام، المجلد الثالث، دمشق: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984.
اظهر المزيد

مركز رؤية للتنمية السياسية

يسعى المركز أن يكون مرجعية مختصة في قضايا التنمية السياسية وصناعة القرار، ومساهماً في تعزيز قيم الديمقراطية والوسطية. 11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى