التحريض على الأطبّاء الفلسطينيّين في “رمبام”: هل التعايش العربي الإسرائيلي ممكن؟

 بدأت القضية في مطلع آب 2026، بعد نقل أربعة جنود إسرائيليين أصيبوا بجروح خطيرة في لبنان إلى مستشفى “رمبام” في حيفا. وبعد أيام، نشر دافيد شخترمان، شقيق أحد الجنود، منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي وجّه فيه اتهامات قاسية إلى الطاقم الذي عمل في قسم العناية المركزة، مدعيًا أن أفراد العائلة مُنعوا من الدخول إلى القسم، وأن شقيقه والجنود الآخرين لم يحصلوا على الطعام والماء بالسرعة المطلوبة، وأن شقيقه عومل بخشونة أثناء تحريكه في السرير. لكن الشكوى لم تقتصر على أداء الطاقم أو طريقة تعامله مع المصابين، إذ شدد شخترمان على أن المناوبة كانت تضم طاقمًا “ناطقًا بالعربية”، لتدخل هوية العاملين ولغتهم في صلب الرواية التي انتشرت لاحقًا في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

وسرعان ما انتقلت القضية من شكوى عائلة إلى المجال السياسي، فقد طالب وزير الأمن يسرائيل كاتس الجيش بفحص الادعاءات، في حين انضم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى السجال، تزامنًا مع حملة تحريض واسعة على منصات التواصل وضعت الطواقم الطبية العربية موضع اتهام. في المقابل، أعلنت إدارة “رمبام”، بعد فحص ما جرى، رفضها الادعاءات بشأن معاملة غير لائقة للجنود. وأوضحت مديرة المستشفى، د. ميخال مكل، أن المناوبة كانت مختلطة وضمت أطباء وممرضين عربًا ويهودًا، وأن أحد الممرضين العرب الذين تعرضوا للهجوم يخدم بنفسه في قوات الاحتياط، مؤكدة أن الهوية القومية للعاملين ليست معيارًا في عمل المستشفى.

وأثارت الحملة ردود فعل داخل الجهاز الطبي الإسرائيلي. فقد اعتبرت الجمعية الإسرائيلية للجراحة أن تحويل حادثة طبية إلى مواجهة بين اليهود والعرب، واستخدام هوية الأطباء والممرضين أداة للهجوم السياسي والجماهيري، أمر “خطير وعنصري”. كما أعلن رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية دعمه للأطباء والعاملين العرب، مشيرًا إلى أن فحص إدارة “رمبام” لم يجد أساسًا للاتهامات الموجهة إليهم، وصدرت مواقف مشابهة عن جمعيات طبية ومديري مستشفيات آخرين.

وتكمن دلالة الحادثة في انتقال الشكوى من إطارها المهني إلى سياق تُدرَج فيه الهوية القومية للعاملين ضمن دائرة الشبهة. فمع أن للمريض أو ذويه كفالة الاعتراض على مستوى الرعاية والمطالبة بتقصي أي تقصير، إلا أن اتخاذ عروبة الطاقم ولغته مستندًا لتفسير ما جرى ينقل القضية إلى مسارٍ آخر.

ومن هذا المنطلق، تشكل حادثة “رمبام” مدخلًا لفهم مسألة أوسع تتصل بحجم حضور الأطباء الفلسطينيين داخل الجهاز الصحي، ومكانتهم فيه، وما يطرأ عليها من تحوّلات. إذ تتناول هذه المقالة الحادثة لبحث واقع هؤلاء الأطباء والتطورات التي شهدها وجودهم، إلى جانب ما يواجهونه من تحريض وعقبات، مستعرضةً الجدل القائم حول صلة هذا الحضور بمسارات الاندماج والأسرلة، وصولًا إلى فحص حدود نموذج “التعايش” الذي طالما قُدم الجهاز الصحي مثالًا عليه.

حضور عربي واسع في الجهاز الصحي الإسرائيلي

لفهم دلالة التحريض الذي أعقب حادثة “رمبام”، لا بد من التوقف عند حجم الحضور الفلسطيني في الجهاز الصحي الإسرائيلي. فقد شهدت العقود الأخيرة ارتفاعًا واضحًا في أعداد الأطباء والممرضين والصيادلة وأطباء الأسنان العرب، حتى أصبحوا جزءًا أساسيًا من القوى العاملة في المستشفيات، وصناديق المرضى، والعيادات، والصيدليات.

وتظهر معطيات وزارة الصحة الإسرائيلية حجم هذا التحول، ففي حين لم تتجاوز نسبة الأطباء العرب 7% عام 1990 ممن هم دون سن السابعة والستين، ارتفعت هذه النسبة لتسجل نحو 16% في عام 2020.

ومؤكِدةً هذا المسار المتصاعد، أظهرت دراسة حديثة تستند إلى بيانات عام 2023 اتساع تمثيل العرب في المهن الصحية، إذ بلغت نسبتهم نحو 25% من الأطباء، و27% من طواقم التمريض وأطباء الأسنان، ونحو 49% من الصيادلة. كما ارتفعت نسبة العرب بين الحاصلين الجدد على تراخيص مزاولة الطب بصورة لافتة خلال العقد الأخير. وفي أحدث إحصائية عرضتها وزارة الصحة أمام لجنة الصحة في الكنيست في آذار 2026، بلغ عدد الأطباء العرب والدروز (دون سن الستين) العاملين في الجهاز الصحي نحو 11 ألف طبيب، مقابل نحو 20 ألف طبيب يهودي.

ويرتبط هذا الحضور المتنامي بإقبال واسع في المجتمع العربي على دراسة الطب والمهن الصحية، بما في ذلك الدراسة خارج “إسرائيل”. وهي ظاهرة لا ينفرد بها العرب وحدهم، إذ يعتمد الجهاز الصحي الإسرائيلي اعتمادًا كبيرًا على الخريجين من الخارج. فقد أشار بنك إسرائيل إلى أن 58% من الأطباء العاملين في إسرائيل عام 2020 تلقوا تعليمهم الطبي خارج البلاد، وتعود غالبية هذه النسبة إلى إسرائيليين سافروا للدراسة في الخارج بسبب محدودية المقاعد وارتفاع شروط القبول في كليات الطب الإسرائيلية. وفي حالة الطلاب العرب، تشير معطيات نقابة الأطباء الإسرائيلية إلى أنهم شكلوا 9.7% فقط من طلاب الطب في الجامعات الإسرائيلية في السنة الدراسية 2023-2024، وهي نسبة أدنى بكثير من نسبتهم السكانية.

وقد جعل اتساع هذا الحضور الجهاز الصحي يُقدم في الخطاب الإسرائيلي نموذجًا للعمل المشترك و”التعايش”. فعقب أحداث “هبّة الكرامة” في أيار 2021، أصدر أطباء ومسؤولون عرب ويهود في الجهاز الصحي رسالة مشتركة أكدوا فيها أن العمل المشترك داخل المستشفيات والعيادات يمثل واقعًا يوميًا، ودعوا إلى نقل هذا النموذج إلى المجتمع الإسرائيلي الأوسع. وفي السياق نفسه، تحدث رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية، البروفيسور تسيون حغاي، عن الجهاز الصحي باعتباره نموذجًا للمساواة والتعايش، مشيرًا إلى أن الأطباء العرب لا يعملون في مواقع هامشية فحسب، بل يتولون أيضًا إدارة وحدات وأقسام ومؤسسات طبية.

وتشير دراسة حديثة لبروس روزن وسامي ميعاري حول تمثيل العرب في المهن الصحية إلى أن هذه المهن أصبحت مسارًا مهمًا للحراك الاجتماعي والاقتصادي للعرب، ووفرت فرصًا للتقدم المهني وتوسيع الطبقة الوسطى. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب مهم من الحضور الفلسطيني في الجهاز الصحي في سياق التعليم والعمل والحراك المهني، من دون افتراض أن العمل داخل مؤسسة إسرائيلية يعني بالضرورة اندماجًا سياسيًا أو هوياتيًا.

ظاهرة تاريخيّة ولكنها تصاعدت بعد 7 أكتوبر

لم يبدأ التحريض والشك تجاه الأطباء العرب مع السابع من أكتوبر. ففي نيسان 2016، أثارت رفيتال سموتريتش، زوجة بتسلئيل سموتريتش، جدلًا واسعًا عندما قالت إنها لا تفضّل أن يشرف طبيب عربي على ولادتها، وإنها تريد وجود أيدٍ يهودية فقط حول طفلها لحظة ولادته. ولم تكن أهمية التصريح في موقف شخصي لمريضة فحسب، بل في صدوره في سياق نقاش سياسي أوسع آنذاك حول الفصل بين العرب واليهود في أقسام الولادة، وفي إظهار أن الهوية القومية للطبيب يمكن أن تصبح معيارًا في قبول علاجه أو رفضه. وكان سموتريتش بنفسه قد انضم لدعم موقف زوجته والتأكيد على ضرورة فصل العرب عن اليهود في المشافي وغرف الولادة.

وتحمل الحادثة مفارقة لافتة بعد سنوات، إذ نُقل ابن سموتريتش، بنيامين حبرون، بعد إصابته خلال مشاركته في الحرب على لبنان، إلى “المركز الطبي للجليل” في نهاريا لتلقي العلاج، وهو مستشفى حكومي يديره منذ سنوات الطبيب العربي د. مسعد برهوم. وبخلاف مواقفه المعلنة، لم يُبدِ سموتريتش وعائلته أي اعتراض على هوية الأطباء، ولم يطالبوا ببديل يهودي، بل على العكس توجه سموتريتش بالشكر للمركز ومديره العربي. وهو سلوكٌ لم يُفسَّر باعتباره تحولًا في توجهاته العنصرية، بل قُرئ بوصفه دليلًا على ازدواجية معاييره فور اصطدامه بالضرورة والمصلحة الشخصية.

وظهرت حالة أخرى أكثر ارتباطًا بالملاحقة المهنية في أواخر عام 2022، عندما تعرض د. أحمد رسلان محاجنة، وهو طبيب من أم الفحم كان يتخصص في جراحة القلب والصدر في مستشفى “هداسا عين كارم”، لحملة إعلامية وسياسية بعد اتهامه بتقديم طعام وحلوى لفتى فلسطيني معتقل كان يتلقى العلاج في المستشفى، وإبداء التعاطف معه. واتجهت إدارة المستشفى بداية إلى فصله، فيما نفى محاجنة الاتهامات واعترضت نقابة الأطباء الإسرائيلية على الإجراءات المتخذة بحقه، قبل أن يتراجع المستشفى لاحقًا عن الاتهامات ويعود الطبيب إلى عمله.

وتكتسب هذه الشواهد أهميتها من كونها تؤكّد أن مظاهر الشك القومي اليهودي والمساس بالأطباء العرب على خلفية هويتهم أو مواقف منسوبة إليهم ليست وليدة اللحظة، بل سبقت الحرب الحالية. غير أنّ ما أعقب السابع من أكتوبر مثّل تحولًا في حجم الظاهرة وحدتها. فقد جاء ذلك ضمن مناخ إسرائيلي أوسع من الملاحقة على خلفية التعبير عن المواقف المتعلقة بالحرب على غزة، شمل الجامعات وأماكن العمل والفضاء العام. ووصل الأمر، في إحدى الحالات، إلى تجمع إسرائيليين أمام مساكن طلاب عرب في كلية نتانيا وسط هتافات عنصرية.

انتقلت هذه الأجواء سريعًا إلى الجهاز الصحي. ففي الأسابيع الأولى للحرب، قالت لجنة المتابعة لشؤون الصحة في المجتمع العربي إن نحو 50 طبيبًا وعاملًا عربيًا في الجهاز الصحي تعرضوا للفصل أو لعقوبات وإجراءات مختلفة على خلفية مواقف أو منشورات نُسبت إليهم. كما ظهرت حالات لمرضى رفضوا تلقي العلاج من أطباء أو ممرضين عرب، أو وُجهت فيها اتهامات إلى عاملين عرب بتأييد “حماس”. وفي هذا السياق، تقدم دراسة الباحثة غادة مجادلة، “أصوات مكتومة وفضاءات معسكرة: الأطباء الفلسطينيون في المستشفيات الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر”، الصادرة عن مدى الكرمل في شباط 2025، معالجة أوسع لهذه المرحلة. وترصد الدراسة، من خلال مقابلات مع أطباء فلسطينيين، حالات من الملاحقة والإجراءات التأديبية والإسكات، إلى جانب أثر المناخ العام في دفع عاملين إلى الرقابة الذاتية والحذر من التعبير عن آرائهم داخل أماكن العمل. كما تذهب الدراسة إلى أن الجهاز الصحي لا يعمل بمعزل عن السياق السياسي والحربي الأوسع، وأن أحداث ما بعد السابع من أكتوبر أظهرت بصورة أوضح تداخل هذا السياق مع بيئة العمل الطبي.

وتعزز هذه الصورة نتائج تقرير نشرته منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” في نيسان 2026، استنادًا إلى نحو عام من البحث والمقابلات والشهادات. فقد وثق التقرير عشرات جلسات الاستماع والاستيضاح في 15 مستشفى على الأقل وفي صناديق المرضى الأربعة، على خلفية تعبيرات مرتبطة بالحرب، بما في ذلك حالات تعلقت بمشاركة منشور أو وضع علامة إعجاب أو تغيير صورة الحساب. كما تحدث عن الخوف والرقابة الذاتية والضغوط التي تعرض لها عاملون فلسطينيون داخل بيئة العمل.

من ملاحقة التعبير إلى التشكيك في الطبيب العربي

لم يقتصر التصعيد الذي أعقب السابع من أكتوبر على إبقاء الشبهة مرهونةً بما يقوله الطبيب الفلسطيني أو ينشره، بل تجاوز ذلك إلى تعالي أصوات تشكّك في أهليته المهنية، وفي إمكانية الوثوق به داخل المستشفيات. ومن أبرز هذه الحالات تصريحات الحاخام مئير شموئيلي في كانون الأول 2023، الذي نشر مقطعًا تحت عنوان “لا نشغّل أعداء في المستشفى”، واتهم فيه أطباء وعاملين عربًا بتعمد إيذاء المرضى والجنود اليهود. وإثر موجة التنديد الواسعة التي أثارتها هذه الادّعاءات، وافقت النيابة على فتح تحقيق معه بشبهة التحريض على العنصرية، فيما حذر رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية من أن مثل هذا الخطاب يسيء إلى مجموعة كاملة من العاملين ويقوض ثقة الجمهور بالجهاز الصحي. وفي تموز/يوليو 2026، عاد شموئيلي واعتذر عن تصريحاته، وقال إن الأطباء العرب يعملون يوميًا على إنقاذ حياة الناس.

وظهر خطاب أكثر مباشرة في تصريحات للحاخام يتسحاق حي زاغا، الذي دعا إلى إخضاع الأطباء والصيادلة والممرضين العرب لـ”تصنيف أمني”، مدعيًا أن الطبيب العربي قد “يخوض الحرب من موقعه الطبي”، حتى من خلال ممارسات تتعلق بالتعقيم وسلامة العلاج. ووصل في خطابه إلى اعتبار الخطر المفترض من الطبيب العربي أشد من الصاروخ الإيراني، لأن المريض يكون بين يديه. وتكمن دلالة هذا الخطاب في أنه لا يربط الشبهة بتصرف محدد صدر عن طبيب بعينه، وإنما ينقلها إلى العامل العربي نفسه، ويضع أمانته المهنية موضع شك مسبق بسبب هويته.

ولم يقتصر هذا الخطاب على أصوات دينية أو شعبية. ففي آذار 2026، قالت ممثلة لوزارة الصحة خلال نقاش في لجنة الصحة في الكنيست إن في الأردن والسلطة الفلسطينية عددًا من كليات الطب الجيدة التي ينبغي الحفاظ على خريجيها داخل الجهاز الصحي. ورد عضو الكنيست موشيه سعادة من حزب الليكود على ذلك بوصف جامعتي النجاح والقدس بأنهما مؤسستان “حمساويتان”، وتعهد بالعمل تشريعيًا على إلغاء تراخيص خريجيهما وعدم الاعتراف مستقبلًا بالشهادات الصادرة عنهما.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين هذا الخطاب وبين النقاش المهني القائم فعلًا حول خريجي بعض الجامعات في الخارج. فهناك قضايا تتعلق بمستوى بعض برامج التعليم الطبي، وساعات التدريب العملي، واللغة الطبية، ومعايير الترخيص، إلى جانب عوائق مهنية وبنيوية قد تؤثر في فرص الخريجين في بدء التخصص. وتشير دراسة لمعهد بروكديل إلى عوامل مرتبطة بمكان الدراسة ومسار التأهيل والاندماج في الجهاز الصحي. ولكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل النقاش من تطبيق معايير مهنية موحدة على الخريجين إلى تعميم الشبهة عليهم بسبب الجامعة التي درسوا فيها أو هويتها السياسية المفترضة.

عوائق مهنيّة ومؤسسيّة

إلى جانب حملات التحريض والتشكيك، تواجه فئات من الأطباء والعاملين العرب عوائق مهنية تحدُّ من فرص الالتحاق بالقطاع الصحي أو التدرج الوظيفي فيه. وتتجاوز هذه العقبات في تعقيدها مظاهر التحريض المباشر، لكونها تتصل بخلل هيكلي تتداخل فيه سياسات التخطيط ونقص الوظائف والتدريب ومكان الدراسة ومعايير الترخيص، إلى جانب تساؤلات حول مدى تحقق تكافؤ الفرص بين العرب واليهود.

وتتجسد هذه الأزمة بحدة أكبر لدى فئة الأطباء العرب الشباب الساعين لنيل فرص التخصص؛ ففي حين يُعاني القطاع الصحي نقصًا حادًا في الكوادر الطبية، لاسيما في المناطق الطرفية، أظهرت معطيات وزارة الصحة لعام 2024 وجود 9,558 طبيبًا غير متخصصين وغير منخرطين في مسارات تخصص، يشكل أبناء المجتمع العربي نحو نصفهم. وكشف تحقيق نشره موقع “واي نت” في أيار 2026 عن أطباء عرب حصلوا على تراخيص مزاولة المهنة وأنهوا سنة الامتياز، لكنهم لم يجدوا أماكن للتخصص، واضطر بعضهم إلى العمل في مجالات أخرى، فيما بدأ آخرون التفكير في الهجرة. وفي المقابل، تعزو وزارة الصحة جانبًا من المشكلة إلى نقص أماكن التخصص وإلى عوائق لدى بعض خريجي الجامعات في الخارج، من بينها اللغة العبرية الطبية، والتعرف المحدود إلى الجهاز الصحي الإسرائيلي.

وتشير دراسة لمعهد بروكديل، أُجريت بطلب من وزارة الصحة، إلى وجود فجوة واضحة في سرعة الدخول إلى التخصص. فبحسب الدراسة، يبدأ أكثر من 90% من الأطباء اليهود الذين درسوا في الخارج التخصص خلال خمس سنوات من الحصول على الترخيص، في حين تبلغ النسبة بين الأطباء العرب الذين درسوا في الخارج نحو 71%.

ومع أن هذه الفجوة لا تثبت في حد ذاتها وجود تمييز مباشر، إذ يشير البحث إلى مجموعة من العوامل التي تؤثر في فرص بدء التخصص، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تفاوت يستحق التوقف عنده، خصوصًا في ظل العدد الكبير من الأطباء العرب الذين ينتظرون دخول مسارات التخصص.

وتظهر إشكالية أخرى في حالة تقنيي التصوير الطبي العرب. فبعد التطبيق الكامل للتنظيم الجديد للمهنة، فقد عدد من العاملين الذين درسوا في جامعات فلسطينية قدرتهم على مواصلة العمل، بمن فيهم أشخاص أمضوا سنوات داخل الجهاز الصحي. وبحسب تحقيق نشرته “هآرتس”، تضم مجموعة للمتضررين من التنظيم الجديد نحو 500 تقني، فيما تحدث أحد ممثليهم عن فصل ما لا يقل عن 120 عاملًا من المستشفيات العامة، إلى جانب آخرين فقدوا أعمالهم في مراكز التصوير.

ولا يتعلق الخلاف هنا بمبدأ تنظيم المهنة ووضع معايير للتأهيل، وهو أمر يؤيده حتى بعض المتضررين من القانون، بل بطريقة تطبيق هذه المعايير على أشخاص عملوا سنوات داخل الجهاز. فبعض خريجي المؤسسات التي لم تعد إسرائيل تعترف بها لم يُتح لهم حتى مسار امتحان يمكنهم من إثبات كفاءتهم، بينما أشار مهنيون داخل الجهاز إلى أن التنظيم ألحق الضرر أيضًا بعاملين ذوي خبرة. ونقل تحقيق “هآرتس” عن مسؤول في وزارة الصحة إقراره بأن التطبيق ذهب في بعض جوانبه “خطوة أبعد مما ينبغي”، وأن الوزارة تبحث إمكان إدخال تعديلات تمنح مرونة أكبر لبعض العاملين.

حدود  أنموذج “التعايش” في الجهاز الصحي

تضع الحالات السابقة الخطاب الذي يقدم الجهاز الصحي الإسرائيلي نموذجًا للعمل المشترك و”التعايش” بين العرب واليهود أمام اختبار أكثر تعقيدًا. فالحضور المهني الواسع للفلسطينيين، والعمل اليومي المشترك داخل المستشفيات والعيادات، لم يمنعا انتقال أجواء الصراع والشك والتحريض إلى المؤسسات الصحية، وخصوصًا منذ السابع من أكتوبر. وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن الحديث عن العمل المشترك مجرد صورة دعائية، فهو واقع قائم بالفعل، كما يظهر في حجم الحضور العربي وتولي أطباء عرب مواقع مهنية وإدارية متقدمة.

المشكلة، إذن، ليست في وجود هذا العمل المشترك، بل في حدود قدرته على تجاوز الاعتبارات السياسية عندما يحتدم الصراع. وتشير دراسة روزن وميعاري إلى أن المؤسسات الصحية ليست محصنة من التوترات العربية اليهودية في فترات التصعيد، وأن الحرب بعد السابع من أكتوبر انعكست أيضًا على العلاقات داخل أماكن العمل. وما عرضناه من حالات الملاحقة والرقابة الذاتية والتشكيك في الأطباء العرب يوضح كيف يمكن أن تعود الهوية القومية إلى الواجهة، حتى داخل مجال يقوم في عمله اليومي على درجة عالية من التعاون المهني.

ومن زاوية فلسطينية، يساعد هذا الواقع أيضًا في وضع النقاش حول الاندماج والأسرلة في سياقه. فكما سبقت الإشارة، أصبحت المهن الصحية مسارًا مهمًا للحراك المهني والاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين في الداخل، وهو ما تؤكده دراسة روزن وميعاري. ولذلك، لا يكفي العمل داخل الجهاز الصحي الإسرائيلي، حتى لو كان واسعًا ومتقدمًا مهنيًا، للقول بوجود اندماج سياسي أو هوياتي. فالاندماج في سوق العمل والمؤسسات المهنية شيء، والموقف السياسي والهوية والانتماء القومي شيء آخر.

بل إن تجربة السنوات الأخيرة تكشف جانبًا آخر من هذه المسألة. فلو كان الاندماج المهني يعني بالضرورة ذوبان الفوارق القومية، لما عادت عروبة الطبيب أو لغته أو الجامعة الفلسطينية التي درس فيها إلى الظهور بهذه السرعة بوصفها عناصر للشبهة في أوقات الحرب. وهذا لا يعني أن كل طبيب فلسطيني يعيش تجربته المهنية بالطريقة نفسها، أو أن كل مؤسسة صحية تتعامل مع العاملين العرب بصورة واحدة، لكنه يشير إلى أن النجاح المهني والاندماج في سوق العمل لا يلغيان بالضرورة موقع الطبيب الفلسطيني داخل واقع سياسي وقومي أوسع.

في المحصلة، تجسد هذه المسألة النقطة المفصلية في تجربة القطاع الصحي، إذ لا يكمن التحدي في المفاضلة بين رؤيتين متناقضتين: إحداهما تختزل المنظومة في نموذجٍ مثالي لـ”التعايش”، والأخرى تختصرها في بنية قائمة كليًّا على العنصرية والتمييز.

فالواقع أكثر تعقيدًا، إذ يجمع بين حضور فلسطيني واسع وعمل مهني مشترك من جهة، وبين استمرار حدود سياسية وقومية تظهر بصورة أوضح في أوقات الأزمات من جهة أخرى. ومن هذه الزاوية، تصبح حادثة “رمبام” وغيرها من الحالات التي تناولناها اختبارًا لحدود نموذج “التعايش”، أكثر من كونها مجرد حوادث منفصلة عنه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى