فتحي الشقاقي

ولد فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة، في الرابع من كانون ثاني/ يناير عام 1951، لأسرة فلسطينية لاجئة تعود جذورها إلى قرية زرنوقة المُهجَّرة قضاء الرملة المحتل، وهو متزوج وله ولدان وبنت. درس المرحلتين الأساسية والثانوية في رفح، وحصل على الثانوية العامة في الفرع العلمي من مدرسة بئر السبع الثانوية للبنين عام 1968، ونال درجة الدبلوم في الرياضيات والعلوم من كلية بيرزيت عام 1970، ودرجة البكالوريوس في الطب من كلية الطب في جامعة الزقازيق في مصر عام 1981. عمل مدرِّسًا في المدرسة النظامية ومدرسة دار الأيتام في مدينة القدس المحتلة لمدة أربع سنوات، وعمل طبيبًا في مستشفى أوغستا فكتوريا “المطلع” في المدينة المقدَّسة لمدة سنتين، ثم افتتح عيادة خاصة لطب الأطفال في قطاع غزة.
انخرط الشقاقي في النشاط السياسي مذ كان طالبًا في المدرسة، وتأثر بالتيار الناصري، حيث كان من أنصار الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، لكنَّه انضم لجماعة الإخوان المسلمين بُعيد نكسة عام 1967، وشارك في فعالياتها الدعوية والاجتماعية والتربوية، والتصق بالشيخ أحمد ياسين، وزامل عددًا من الكوادر الشابة في الجماعة مثل موسى أبو مرزوق وأحمد يوسف، وقد كلَّفه الشيخ الياسين بالإشراف على شباب الإخوان الغزيين المتواجدين في رام الله. خالط أثناء عمله في الضفة الغربية بين عامي (1969-1974) عددًا من الرموز التاريخية لجماعة الإخوان في فلسطين مثل القياديَيْن سعيد بلال (نابلس)، وحسن القيق (القدس).
كان الشقاقي ما يزال من كوادر جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين، حين قاد “حراكًا فكريًا” داخل المجموعات الطلابية الفلسطينية في الجامعات المصرية، ضم عشرات الطلبة، تطور إلى شكل من أشكال التجمع، أَطلقتْ عليه بعض الأدبيات “الطلائع الإسلامية”. شكَّلت “الطلائع الإسلامية” النواة الأساسية لحركة الجهاد الإسلامي. بدأت الحركة نشاطاتها الميدانية داخل فلسطين منذ النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين، مع عودة الشقاقي إلى فلسطين، عبر القيام بعدد من العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين، وقد ساهمت هذه العمليات في تحفيز الإسلاميين الفلسطينيين نحو الانخراط الشامل في النضال الوطني لتحرير فلسطين الذي أصبح واقعًا عمليَّاً مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عام 1987.
اختير الشقاقي أمينًا عامًا للحركة، وكان له بصماته في تطوير البنى التنظيمية لها، لا سيما في خارج فلسطين، وقد عقدت الحركة مؤتمرها الأول عام 1992 في إحدى الدول العربية، وفي وقت لاحق اعتمدت الحركة السادس من تشرين أول/ أكتوبر عام 1987 تاريخًا لانطلاقتها.
تأثر الشقاقي بسيرة الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، والأب الروحي للإسلاميين الحركيين، وبالشيخ عز الدين القسام الذي قاد تجربة عسكرية مبكِّرة ضد البريطانيين والحركة الصهيونية، وبالخميني الذي أطاح بالشاه في إيران عام 1979. أعجب الشقاقي بالثورة الإيرانية، وسعى لتطوير علاقة حركته بطهران وتمتينها، الأمر الذي انعكس على حضوره على الصعيدين العربي والإسلامي، وعلى قدرته في نقل حركته إلى مربع الجماهيرية، باستثناء قطاع غزة التي حظيت فيه بحضورٍ لافت.
عُرف الشقاقي بمواقفه الجذرية تجاه القضية الفلسطينية وثوابتها وتطوراتها، فرفض مشاريع التسوية، لا سيما اتفاق أوسلو، ورفض مشاركة حركته في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وعمل على الانفتاح على القوى الفلسطينية الإسلامية والوطنية، فشارك في تجمع الفصائل العشر المعارض للتسوية والذي تشكل في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو، ونادى بضرورة تخلي منظمة التحرير عن اعترافها بدولة الاحتلال وقبولها بحل الدولتين، وعمل على تفعيل المقاومة المسلحة لحركته، التي بدأت في أمانته العامة استخدام أسلوب العمليات الاستشهادية ضد الاحتلال منذ عام 1993، كما انفتح الشقاقي على مختلف التيارات الإسلامية وغير الإسلامية في الوطن العربي المؤيدة لفلسطين والراغبة في الانتصار لها، وشارك في عدة لقاءات في هذا الشأن.
اهتم الشقاقي بالجانب التنظيري، خصوصًا فيما يتعلق بالإسلام وفلسطين، وكان متأثرًا بعدد من المفكرين المسلمين مثل سيد قطب ومالك بن نبي وتوفيق الطيب وكذا بعض المشايخ والدعاة مثل الشيخ محمد الغزالي، كما أنَّه تأثر بكتابات بعض المفكرين والمؤرخين من خارج الدائرة الإسلامية مثل ألبرت حوراني وهشام شرابي، وكوَّن صداقات مع مجموعة من المفكرين والكُتَّاب والنشطاء العرب، وكان لكل ذلك أثره الكبيرة على رؤاه الفكرية والسياسية وخياراته الميدانية.
سعى الشقاقي لتطوير أطروحاته النظرية بمرور الوقت، مع الاهتمام الكبير بالجانب العملي المتعلق بمقاومة الاحتلال، وقد عُرف في الأوساط الفلسطينية والعربية الثقافية بكونه مفكرًا إسلاميًا. كان يكتب أحيانًا بأسماء مستعارة مثل عز الدين الفارس وإسلام محمود. ردَّد في محاضراته وخطاباته وكتاباته عددًا من المقولات الرئيسة مثل: القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية المعاصرة، والتي استلهمها من كتابات حسن البنا وتوفيق الطيب. كتب ما يزيد عن أربعة وعشرين دراسة، وعدد من المقالات والكراسات، وشارك في ندوات ومحاضرات ومؤتمرات، وأدلى بمئة وخمسة عشر تصريحًا ومقابلة صحفية، وكانت أولى مقابلاته مع صحيفة الخليج عام 1989.
أشرف أثناء أمانته العامة للجهاد على إصدار عدد من المجلات مثل مجلة المختار الإسلامي، وصحيفة الاستقلال عام 1994، ومن أشهر كتيباته المنشورة: “الخميني.. الحل الإسلامي والبديل” (1979)، و”الشيعة والسنة: ضجة مفتعلة ومؤسفة”، و” مركزية فلسطين والمشروع الإسلامي المعاصر لماذا وكيف؟ ” (كتبَ مسودته داخل سجن النقب الصحراوي ونُشر عام 1989). جُمعت أدبيات الشقاقي لاحقًا في كتاب من مجلدين تحت عنوان “رحلة الدم الذي هزم السيف” (1997).
عانى الشقاقي في مسيرة حياته، فقد عاش سنوات اللجوء القاسية، حين سكن مخيم الشاطئ في غزة، ثم انتقل مع أسرته للعيش في مخيم الشابورة في رفح، وتعرض للاعتقال على يد السلطات المصرية مرتين بين الأعوام (1979-1980)، وضيَّقت عليه سلطات الاحتلال، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية عام 1983، واعتقلته لأول مرة في نفس العام، ثم أعادت اعتقاله عام 1986، وحكمت عليه محاكم الاحتلال بالسجن الفعلي لمدة أربع سنوات فعلي وخمس سنوات مع وقف التنفيذ، وقد اتهمته محاكم الاحتلال بارتباطه بأنشطة عسكرية، والتحريض ضد الاحتلال الإسرائيلي، ونقل أسلحة إلى قطاع غزة، وقام الاحتلال بإبعاده إلى جنوب لبنان قبل انتهاء مدة محكوميته، وذلك في السابع عشر من آب/ أغسطس عام 1988. استقر بعد إبعاده في العاصمة السورية دمشق، وزار عواصم عربية وإسلامية.
اغتاله الموساد الصهيوني في مالطا في السادس والعشرين من تشرين أول / أكتوبر عام 1995، ودُفن في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك في سوريا.

المصادر والمراجع:

  1. أبو حشيش، رياض. “الشهيد فتحي الشقاقي ودوره في القضية الفلسطينية (1371-1416ه) / (1951-1995)” رسالة دكتوراه غير منشورة. جامعة أم درمان، الخرطوم، 2010.
  2. أبو عمرو، زياد. “الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة: الإخوان المسلمون؛ الجهاد الإسلامي”. عكا: دار الأسوار، 1989.
  3. أحمد، رفعت سيد (أعداد). “رحلة الدم الذي هزم السيف: الأعمال الكاملة (في مجلدين)”. القاهرة: مركز يافا للدراسات والأبحاث، 1997.
  4. زواوي، خالد علي. “سوسيولوجيا الإسلام المقاتل في فلسطين: حركة الجهاد الإسلامي نموذجًا”. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026.
  5. هيئة جائزة سليمان عرار للفكر والثقافة. “الموسوعة الفلسطينية الميسرة”. عمان: أروقة للدراسات والنشر، ط2، 2013.
اظهر المزيد

مركز رؤية للتنمية السياسية

يسعى المركز أن يكون مرجعية مختصة في قضايا التنمية السياسية وصناعة القرار، ومساهماً في تعزيز قيم الديمقراطية والوسطية. 11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى