التقارب المصري التركي في شرق أوسط مضطرب: السياقات والآفاق

في الرابع من فبراير/شباط 2026، انعقد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا في القاهرة، برئاسة الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، وأُعلن خلاله عن توقيع نحو ثماني عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم تشمل مجالات الدفاع والاستثمار والصحة والزراعة، مع تثبيت سقف تجاري طموح يستهدف رفع حجم التبادل إلى خمسة عشر مليار دولار بحلول عام 2028. جاء ذلك امتدادًا لمسار بدأت ملامحه تتشكل منذ زيارة الرئيس أردوغان التاريخية إلى القاهرة في 14 فبراير/شباط 2024، التي وُصفت بأنّها لحظة “فتح صفحة جديدة” بعد قطيعة امتدت لأكثر من عقد، وزيارة الرئيس السيسي إلى أنقرة في 4 سبتمبر/أيلول 2024.

غير أنّ قراءة هذا المسار لا تستقيم بمعزل عن الإطار الإقليمي الأوسع الذي أعقب حرب الإبادة الجماعية على غزّة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من إعادة تشكُّل لخريطة التهديدات والتحالفات في الشرق الأوسط؛ إذ تصاعدت العدائية الإسرائيلية تجاه أنقرة بالتوازي مع تناميها تجاه القاهرة، وارتدّت تموضعات الفاعلَين، اللذين كانا على طرفي نقيض طيلة عقد كامل، إلى نقطة تقاطع موضوعية فرضتها وحدة الخصم وتشابُك الساحات. وليس أدلّ على ذلك من أن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي لم يتأخر في تسمية الأمر بصريح العبارة؛ إذ كتب “أوفير وينتر” في التاسع من فبراير/شباط 2026، أي بعد خمسة أيام من القمة، إن إسرائيل باتت “الغراء الرابط” بين القاهرة وأنقرة. ولا يخفى أن هذا الإقرار، الصادر عمّن كرّس بحثه لدراسة آليات تسويغ مصر لسلامها مع إسرائيل، ينطوي على اعتراف ضمني بأن السياسات الإسرائيلية تُسهم في توليد اصطفافات وعدائيات إقليمية جديدة.

وفي ضوء ما سبق، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك تحوّلات العلاقات المصرية التركية في ظل مساعي إعادة هندسة الإقليم؛ بدءًا بتتبع مسار الانتقال من القطيعة إلى البراغماتية، مرورًا بتحليل البنية العسكرية والأمنية لهذه الشراكة، وصولًا إلى قراءة وظيفتها العملية في إدارة بيئة التهديدات الممتدة من فلسطين إلى ليبيا والقرن الإفريقي وسوريا، وارتدادات الحرب على إيران، وانتهاءً باستشراف الآفاق المستقبلية لحدود هذه الشراكة في كبح المشروع الإسرائيلي لتغيير الشرق الأوسط.

من قطيعة 2013 إلى براغماتية ما بعد 2020

لا يُمكن فهم التقارب الراهن بمعزل عن سياق القطيعة التي حكمت العلاقات بين البلدين منذ يوليو/تموز 2013، حين تبنّت أنقرة موقفًا مناهضًا منذ ذلك الحين ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، واحتضنت قيادات من جماعة الإخوان المسلمين، واستضافت منصات إعلامية معارضة للنظام المصري. وفي المقابل، انتقلت القاهرة إلى تصنيف الدور التركي بوصفه عنصر تهديد مباشر لاستقرارها، وامتدّ هذا التنافر بدوره إلى ساحات إقليمية عدة.

بدأ المسار الانعطافي يـأخذ ملامحه في عام 2020 مع تبادل إشارات دبلوماسية، ثمّ في ربيع عام 2021 حين بادرت أنقرة إلى تقليص النشاط الإعلامي للجماعات المعارضة على أراضيها، وهو ما قُرئ في حينه بوصفه ثمنًا مدفوعًا للتطبيع مع القاهرة. حيث طُلِبَ من الإعلاميين المصريين المحسوبين على جماعة الإخوان إيقاف أنشطتهم بشكل نهائي. يكشف هذا التنازل، في طبقته العميقة، أنّ أنقرة قرأت بنفسها أنّ كلفة التمسك بأوراق 2013 لا تستقيم في ظل اضطراب علاقاتها الإقليمية؛ وهي قراءة جاءت متزامنة مع تحولٍ في موقعها داخل شرق المتوسط بعد أن وجدت نفسها خارج منتدى غاز شرق المتوسط الذي تأسس عام 2019. ثم جاءت المصافحة الشهيرة بين الرئيسين على هامش مونديال قطر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 لتُعلن دون بيانات رسمية أن الطريق بات مفتوحًا.

وعليه، فإنّ التحوّل الذي بدأ يتشكّل حينها لم يكن نتاج تطور في الرؤى الأيديولوجية بين الطرفين، بل نتاج إعادة تقدير محسوبة لاتجاه الكُلفة والعائد. ولعل ما يحكم هذه القراءة أن الانعطاف نحو إعادة العلاقات جاء متزامنًا مع لحظة ضغط اقتصادي حاد في البلدين معًا؛ إذ بلغ معدل التضخم في مصر نحو أربعين بالمئة عام 2023، فيما سجّلت تركيا في العام الذي سبقه أعلى معدلات تضخم منذ أربعة وعشرين عامًا وصلت إلى خمسة وثمانين بالمئة؛ وهو ما عكس أزمةً اقتصادية داخلية حادة في كلا البلدين، جعلت توسيع العلاقات الاقتصادية أولويةً وجودية لا خيارًا، لا سيّما بعد معاناتهما من الآثار الشديدة التي تسببت بها جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية الأوكرانية على التوالي.

على الرغم من القطيعة السياسية، لم تنقطع العلاقات التجارية بين البلدين؛ حيث ارتفع التبادل التجاري من 4.9 مليار دولار عام 2020 إلى 7.8 مليار عام 2022، ليستقر حول 6.8 مليار عام 2025. فالبراغماتية، في جوهرها، ليست فضيلةً سياسية مُختارة بل استجابة لضغوط لا تدع مجالًا للمناورة، وهو ما خلص إليه الباحث أحمد مرسي في موجز مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية حين أرجع عودة العلاقات بفعل تقاطع عاملين معًا لا أحدهما منفصلًا، وهما: الأزمة الاقتصادية الداخلية والتحوّلات الإقليمية.[1]

أعطت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ عام 2023، وما تلاها من أزمات واضطرابات في المنطقة، دفعة قوية للتقارب التركي المصري. ففي خضمّ العدوانية الإسرائيلية المُنفلتة من أي اعتبارات سياسية، لم يَعُد مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط مجرد خطاب سياسي، وتحديدًا منذ أن وقف نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملًا خريطة “الشرق الأوسط الجديد” ليُعلِن لاحقًا نيته تغيير الشرق الأوسط؛ فقد تحوّل هذا الخطاب إلى مشروع واقعي، قوامه التفوق العسكري الإسرائيلي بديلًا عن الاتفاقيات السياسية، وجعل تصفية القضية الفلسطينية شرطًا لإتمامه.

وقد تجلى هذا التحوّل في السلوك الإسرائيلي الذي بات يفرض تهديدات مشتركة على الدولتين؛ ففي ظل الخطاب الإسرائيلي المتصاعد الذي يروج لمواجهة مع ما يسمى المحور السني الناشئ، والذي تصوّر فيه تركيا باعتبارها إيران الجديدة، بالتوازي مع التهويل الإسرائيلي المتصاعد حول مواجهة مع مصر، المترافق مع التحذيرات من التقارب المصري التركي، وجد البلدان نفسيهما أمام تهديد مشترك يسعى لتقويض نفوذهما الإقليمي.

ترافق ذلك الخطاب مع خطوات سياسية إسرائيلية في مناطق مصالح حيوية لكلتا الدولتين. ففي منطقة القرن الإفريقي -وهي مجال حيوي وإستراتيجي لكل من القاهرة وأنقرة- بات العبث الإسرائيلي والتغلغل العسكري والاستخباراتي يمثّل تهديدًا مباشرًا لمصالح البلدين في الممرات المائية والأمن القومي الأفريقي، مما دفعهما لتنسيق مواقفهما بشكل غير مسبوق لحماية هذا المجال. وقد جاء السلوك العدواني الإسرائيلي، لا سيّما قصف العاصمة القطرية الدوحة في 9 سبتمبر/أيلول 2025، إشارة واضحة على انفلات إسرائيل من الضوابط الدبلوماسية كافة؛ الأمر الذي يضع مصر وتركيا أمام واقع يستدعي اليقظة والحذر.

علاوة على ذلك، تبرز الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران (فبراير- مايو 2026) عامل ضغط إضافي؛ إذ إنّ أي سيناريو يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني فعليًا سيجر بدوره كوارث وأزمات لا يمكن للمنطقة ككل تحمُّلها، فضلًا عما يعنيه ذلك من تكريس للهيمنة الإسرائيلية المطلقة وتعزيز نزعات الانفصال والتقسيم.

بنية الشراكة المصرية التركية

إذا كان عام 2020 قد شكَّل لحظة إعادة فتح القنوات، فإنّ المرحلة الممتدّة بين زيارة الرئيس أردوغان إلى القاهرة في فبراير/شباط 2024، والاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي في فبراير/شباط 2026، تمثّل لحظة تأطير مؤسسي لما كان حتى وقت قريب مجرّد توافقات ظرفيّة، وهي توافقات لا تُفتح عادة إلا بعد قدر من الثقة المؤسسية.

ويتضح ذلك في الإعلان عن صفقة دفاعية بقيمة 350 مليون دولار وقّعتها المؤسسة التركية للصناعات الميكانيكية والكيميائية مع وزارة الدفاع المصريّة في 5 فبراير/شباط 2026، تتضمّن إنشاء مصنع داخل مصر لإنتاج ذخائر مدفعية بعيدة المدى عيار 155 ملم، وذخائر خفيفة من عياري 7.62 و12.7 ملم، فضلًا عن تصدير منظومة الدفاع الجوي “تولغا”، إلى جانب مسارات مشتركة لإنتاج المسيّرات.

والأهم من قيمة الصفقة هو طبيعتها، فهي ليست عملية بيع جاهزة، بل توطين تكنولوجي يقتضي نقل خبرة وبناء سلاسل إمداد مشتركة، وهي خطوة لا تُقدِم عليها أيّ من الدولتين إلا في إطار قراءة طويلة الأمد للعلاقة. ويسبق هذه الصفقة أيضًا سياق ميداني أكثر دلالة، إذ كشف تقرير لوكالة رويترز في 3 فبراير/شباط 2026 عن نشر مصر مسيّرات تركية في مطارين على حدودها الجنوبيّة الغربية لأغراض تأمين الحدود وتنفيذ ضربات عسكرية، وذلك في وقت تتداول فيه وسائل إعلام منذ أغسطس/آب 2025 احتمالات انضمام مصر إلى مشروع المقاتلة الشبحية التركية من الجيل الخامس “قآن”. ويعكس ذلك انتقالًا من علاقة التبادل التجاري التقليدي إلى علاقة الشراكة الإنتاجية، التي تخلق بحكم طبيعتها شبكة مصالح يصعب تفكيكها.

وعلى المستوى العسكري المباشر، جاءت مناورات “بحر الصداقة 2025” في 23 سبتمبر/أيلول 2025 لتمثّل أول تدريب بحري مشترك بين البلدين منذ ثلاثة عشر عامًا، نُفِّذَ في شرق المتوسط بمشاركة وحدات بحرية وجوية وقوات خاصة من الطرفين. ولا تكتسب هذه المناورة دلالتها من حجمها العسكري المحدود، بل من رمزيّتها الجغرافية؛ فإجراؤها في المسرح ذاته الذي شكّل بؤرة الصدام الإستراتيجي بين القاهرة وأنقرة طوال العقد الماضي (شرق المتوسط)، قد يعني عمليًا أنّ الطرفين قرّرا تحييد هذه الجبهة، وإن بصورة وظيفية.

بيد أنّ الحدث الأكثر دلالةً جاء بعد أشهر، ففي منتصف أبريل/نيسان 2026، شاركت قوات خاصة مصرية وتركية في مناورات “فلينتلوك 2026” على الأرض الليبية، وذلك ضمن تدريب متعدد الجنسيات بقيادة أمريكية ضم إحدى عشرة دولة في مدينة سرت، وهذا الموقع يكفي دلالةً؛ فمن يستحضر أن هذه المدينة بعينها كانت في صيف 2020 الخط الذي أعلن عنده الرئيس السيسي أن أي تقدم تركي نحوه سيعني تدخلًا عسكريًا مباشرًا، يُدرك أن إجراء مناورات مشتركة على أرضها في عام 2026 ليس مجرد تطور ميداني، بل قياس لمسافة الطريق التي قطعها البلدان في أقل من ست سنوات.

الملفات الإقليمية في العلاقات المصرية التركية

تتشابك جملة من الملفات الإقليمية الممتدة من غزة إلى ليبيا، ومن القرن الإفريقي إلى سورية، لِتفرض على البلدين أحياناً منطقَ تنسيقٍ متبادل، إذ تتباين طبيعة العلاقات بينهما في هذه الساحات بين تقاطع حقيقي، وتنافس مكتوم، وإدارة مشتركة للخلاف. ومع ذلك، يدفعهما الاضطراب الإقليمي -الناجم عن السياسات الإسرائيلية العدوانية بشقيها العسكري والسياسي- إلى الالتقاء على أرضية مشتركة لتفكيك هذه الأزمات.

القضية الفلسطينية

اتخذت العلاقة بين القاهرة وأنقرة بُعدًا تنسيقيًا واضحًا في الملف الفلسطيني، إذ أكّد الطرفان في الإعلان المشترك للقمة الثانية رفض أيّ مساس باتفاق وقف إطلاق النار في غزّة، وضرورة تنفيذه بكامل مراحله. وقد صرّح الرئيس أردوغان بعد زيارته الأخيرة لمصر بأنّ تركيا “ستعمل مع مصر على ضمان تحقيق السلام وإعادة الإعمار في قطاع غزّة”. والجدير بالملاحظة أنّ هذا التنسيق لم يبق ثنائيًا، بل انخرط في إطار رباعي أوسع دافعه المشترك مواجهة التمدد الإسرائيلي وإدارة تداعيات حرب إيران؛ إذ يكشف تحليل أنّ مصر وتركيا والسعودية وباكستان أثبتت قدرتها على التأثير في إدارة ترامب، حين أسهمت في دفعها نحو وقف العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة في نهاية 2025، قبل أن تُرسّخ هذا التنسيق في ثلاثة اجتماعات وزارية متتالية عُقدت بين مارس/آذار وأبريل/نيسان 2026 في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا.

الساحة الليبية

تمثّل ليبيا الاختبار الأصعب لمتانة الشراكة، فالبلدان كانا على طرفي نقيض في الأزمة الليبية، حيث دعمت أنقرة حكومة طرابلس وأرسلت قوات عسكرية بموجب اتفاقية أمنية وبحرية وُقّعت في 2019، فيما دعمت القاهرة المعسكر الشرقي بقيادة المشير خليفة حفتر. وبرغم تحرّك البلدين باتجاه إدارة هذا الخلاف، فإنّ الاشتباك المؤسسي حول ترسيم الحدود البحرية تجدّد في 2025 أمام الأمم المتحدة، حين قدّمت القاهرة مذكرةً تعترض فيها على الحدود البحرية الليبية المُعلنة، باعتبار أنّها تتداخل مع حدودها الغربية ومع رؤيتها للجرف القاري، فضلًا عن تحرّكها لترسيم الحدود البحرية مع شرق ليبيا عبر تفاهماتٍ مع حفتر.

تجدر الإشارة إلى أنّ المذكرة المصرية الأخيرة المؤرّخة في 8 سبتمبر/أيلول 2025، والتي بعثت بها البعثة الدائمة لمصر إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لم تكتفِ بالاعتراض الشكلي، بل قامت على بنية حجاجية قانونية واضحة المعالم؛ إذ أكّدت القاهرة أنّ الحدود الخارجية للجرف القاري الليبي -كما أعلنت عنها طرابلس في مراسلتيها بتاريخ 27 مايو/أيار و20 يونيو/حزيران 2025- تتداخل مع حدودها البحرية الغربية، فيما تقع الحدود البحرية الشرقية المُعلنة بكاملها داخل المنطقة البحرية المصريّة؛ وهو ما تعتبره القاهرة انتهاكًا لسيادتها وحقوقها الثابتة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. والأهم أنّ المذكرة ذاتها امتدّت لتعارض صراحةً مذكرة التفاهم الموقّعة في 25 يونيو/حزيران 2025 بين المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، ومؤسسة البترول التركية، والتي رسمت ملامح مسوحات زلزالية ودراسات بحرية مشتركة معتبرةً إيّاها لاغية وعديمة الأثر القانوني، فضلًا عن تجديدها رفضها لمذكرتي التفاهم التركيتين-الليبيتين لعامي 2019 و2022، اللتين تعتبرهما القاهرة باطلتين أصلًا من حيث المنشأ القانوني. غير أنّ الحدث الأبعد دلالةً يتمثل في أنّ مجلس النواب الليبي في الشرق، الذي طالما رفض اتفاقية 2019 مع تركيا، بدأ منذ منتصف 2025 يُعيد النظر في موقفه، ويتجه نحو تشكيل لجنة لإعادة دراسة الاتفاقية؛ في سياق توسّع علني للعلاقات بين تركيا وحفتر.

تكشف هذه الواقعة أنّ عودة العلاقات لم تلغِ تنافس المصالح، بل أعادت تموضعه ضمن قنوات قانونية ودبلوماسية بدلًا من الوسائل الصدامية. وعليه، فإنّ ما يجري بين القاهرة وأنقرة في ليبيا أقرب إلى إدارة الخلاف بأدوات سيادية منه إلى تجاوزه فعليًا.

الساحة الإفريقية

تكتسب الساحة الإفريقية أهميةً متصاعدة، إذ يلتقي الطرفان في مواجهة التحديات الناشئة عن السياسة الإسرائيلية في القرن الإفريقي، خصوصًا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، والتنسيق الإسرائيلي الإثيوبي لا سيّما بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي “إسحاق هرتسوغ” إلى أديس أبابا في الخامس والعشرين من فبراير/شباط 2026. والأبلغ دلالةً أن هذه الزيارة جاءت بعد أسبوع واحد بالضبط من زيارة أردوغان لأديس أبابا، وهي الزيارة الأولى له منذ أحد عشر عامًا. وفي هذا التحوّل تحديدًا تكمن أهمية التنسيق المصري التركي في هذه الساحة؛ إذ كلّما تقاربت القاهرة وأنقرة حول ملفات القرن الإفريقي، ضاق هامش المناورة الإسرائيلي.

الملف السوري

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 أحد أبرز التداعيات الناجمة عن حرب الإبادة في غزّة. وعلى إثره، سارعت أنقرة لتثبيت نفوذها بصفتها داعمًا رئيسًا للحكومة الجديدة. وقد توّج هذا المسار بتوقيع اتفاقية تعاون عسكري واسعة في أنقرة بتاريخ 13 أغسطس/آب 2025 بين وزيرَي الدفاع التركي والسوري، قضت بتزويد دمشق بأنظمة أسلحة ووسائل لوجستية، فضلًا عن تدريب الجيش السوري الجديد وتقديم الاستشارات والدعم الفني له، إلى جانب برامج متخصصة في مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، والدفاع السيبراني، والهندسة العسكرية.

في حين تتبنى القاهرة مقاربةً حذرة تركز على وحدة الدولة السورية في ضوء سلطة الأمر الواقع الحالية.

انتقلت مصر تدريجيًا من تحفّظٍ شديد، كونها آخر الدول العربية تواصلًا مع الإدارة السورية الجديدة، إلى انخراط رسمي متدرّج، بدأ بتواصل وزيرَي الخارجية في 31 ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم تهنئة الرئيس المصري لنظيره السوري في 31 يناير/كانون الثاني 2025، وصولًا إلى دعوة الرئيس الشرع لحضور قمة عربية طارئة في القاهرة في 23 فبراير/شباط 2025. ويبقى الموقف المصري برغم تطوّره البروتوكولي محكومًا بـالانفتاح المشروط.

بالمجمل، تلتقي مصر وتركيا على ضرورة منع أي محاولة إسرائيلية لاستغلال الفراغ الأمني في الجنوب السوري، إذ يكمن المفتاح الإستراتيجي في فهم بنية هذا التقارب حول الملف السوري، والذي يقوم، رغم تباين مدخلَيهما، على قاسم مشترك يتمثل في الحيلولة دون تكريس واقع احتلال مزمن يستنزف الدولة السورية ويُهدّد الأمن الإقليمي.

الخاتمة

يكشف استقراء مسار العلاقات المصرية التركية أننا أمام هندسة براغماتية تُديرها ضرورات المرحلة الراهنة في شرق أوسط مضطرب. ويمكن تحديد ملامح هذا المسار في الأمد المتوسط بثلاثة اتجاهات رئيسة:

أولًا، استدامة الفصل بين الملفات: ستستمر القاهرة وأنقرة في تطوير شراكاتهما الاقتصادية والدفاعية بمعزل عن نقاط الخلاف المستعصية. فالتوتر الحدودي والبحري في ليبيا، أو التباين في النفوذ داخل شرق المتوسط، لن يكون سببًا لقطيعة جديدة، بل سيُدار عبر الدبلوماسية الهادئة لضمان عدم انفجاره في توقيت إقليمي حرج.

ثانيًا، تعزيز الدفاع المتشابك في مواجهة التوسع الإسرائيلي: مع استمرار إسرائيل في سياستها العدوانية، ستجد مصر وتركيا نفسيهما مدفوعتين نحو تعزيز التنسيق الأمني والإنتاج العسكري المشترك، ليس لشن حرب، بل لخلق توازن ردع إقليمي يكبح الطموحات الإسرائيلية.

ثالثًا، مركزية الاقتصاد كضامن للعلاقة: في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلدين والتحديات الهيكلية في الإقليم، سيبقى الوصول إلى هدف 15 مليار دولار للتبادل التجاري، وتوطين الصناعات العسكرية هو المحرك الأساسي الذي يضمن عدم انهيار هذه الشراكة تحت أي خلاف طارئ.

وفي المحصّلة، يتضح أنّ العلاقات المصرية التركية لم تعُد خيارًا ترفيًا للبلدين، بل استجابة حتمية لحالة الانكشاف الاستراتيجي التي خلفتها حرب الإبادة بغزّة وما تلاها من صراعات. وإذا كانت إسرائيل تطمح إلى هندسة شرق أوسط جديد يخلو من تأثير العواصم الإقليمية الكبرى، فإن نجاح الشراكة بين القاهرة وأنقرة، وتوسعها لتشمل أطرافا أخرى، بما تُمثّله من ثقل ديموغرافي وعسكري متراكم، يظل العقبة البنيوية الأهم أمام تحقيق مثل هذا المشروع؛ مما يجعل هذا التقارب البراغماتي ضرورة جيوسياسية لا غنى عنها لإعادة التوازن إلى إقليم يقف على حافة الانفجار المتكرر.


[1] منذ عام 2020 وحتى ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت معظم القوى الإقليمية قد بلغت مرحلة إنهاك متراكم من عقد كامل من الحروب والانقسامات التي انبثقت عن ثورات الربيع العربي. وفي هذا السياق، تبنّت تركيا سياسة تصفير المشكلات، فأجرت مصالحات متتالية مع الإمارات والسعودية والقاهرة. وعلى الجانب الآخر، انخرطت مصر هي الأخرى في مسار انفتاح خارجي واسع؛ فأعادت العلاقات مع قطر، وتناقل الإعلام تقارير عن بوادر تطبيع مصري إيراني، فضلًا عن مشاركتها في قمة النقب مارس/آذار 2022 إلى جانب إسرائيل وعدد من الدول العربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى