ما وراء الأرقام: فجوات إحصاء الضحايا في غزة وإشكاليّة الإبادة غير المرئيّة

أضحت أرقام شهداء وضحايا الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أحد أبرز المؤشّرات الدالّة على حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في القطاع. وهي الأرقام التي عمد جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار عامين كاملين إلى إنكارها، مروّجًا لادّعاءات بأنّ معظم الشهداء هم من فصائل المقاومة الفلسطينية؛ بهدف تبرير حجم الدمار والضحايا أمام الرأي العام المحلي والدولي.

وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة إلى أنّ عدد شهداء حرب الإبادة المسجلين لديها بلغ -حتى كتابة التقرير- 72328 شهيدًا[1]. في المقابل، ترجّح دراسات علمية حديثة أن العدد الحقيقي يتخطّى ذلك بكثير، حيث قدّرت بعض النماذج الإحصائية أن إجمالي الضحايا خلال حرب الإبادة يتجاوز البيانات الرسمية بنحو 40%، وهو ما يؤكد وجود إبادة مركبة، مباشرة وغير مباشرة، بطيئة وغير مرئية.

وعليه، سيناقش التقرير الفجوات الإحصائية في رصد ضحايا الإبادة في قطاع غزة، عبر استعراض الآليات الرسمية المعتمدة لإحصاء الشهداء، والبحث في المنهجية المتّبعة لاحتساب المفقودين وشهداء الإبادة غير المباشرة الناتجة عن انهيار النظام الصحي والحصار المطبق على القطاع منذ عامين ونصف العام.

أوّلًا: آليّات إحصاء قوائم الشهداء

تشكل آليات إحصاء قوائم ضحايا الإبادة الجماعية تحديًّا كبيرًا أمام المؤسسات الرسمية، في ظل تدمير البنية التحتية للكهرباء وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات. وبحسب زاهر الوحيدي رئيس وحدة تكنولوجيا المعلومات في وزارة الصحة، فإن المؤسسة الرسمية واجهت العديد من التحديات في توثيق الشهداء، تتمثّل في الآتي:[2]

  • استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنظومة البيانات الصحية ومركز البيانات الرئيس في مجمع الشفاء الطبي مع بداية حرب الإبادة الجماعية.
  • تدمير مركز البيانات الاحتياطي والبنية التحتية الرقمية للمستشفيات، بما في ذلك الشبكات والخوادم والأجهزة الإلكترونية.
  • خروج العديد من المستشفيات عن الخدمة وانقطاع الاتصال بها.
  • الاضطرار إلى توثيق بيانات آلاف الشهداء يدويًّا على الورق في بعض المستشفيات، مع الافتقار للبيانات التفصيلية اللازمة.
  • عزل مدينة غزة وشمال القطاع عن جنوبه، وقطع الاتصالات فيما بينهما.

وعلى الرغم من تلك التحديات استطاعت وزارة الصحة استعادة جزء من عافيتها وبناء قدراتها الرقمية، فقد أطلقت موقع صحتي الإلكتروني في يناير/ كانون الثاني 2024. اشتمل الموقع على قاعدة بيانات موسّعة لأعداد الشهداء والمفقودين والمصابين، بالإضافة إلى معلومات مدنية أخرى. كما بذلت الطواقم الفنية جهودًا مضنية في أرشفة أسماء الشهداء الذين دُوّنت بياناتهم يدويًّا، وهي عملية استغرقت نحو تسعة أشهر؛ لضمان مطابقتها للحد الأدنى من المعايير التوثيقية، والتي تشمل: رقم الهوية، والاسم الرباعي كاملًا، والجنس، وتاريخ الميلاد، ومكان وتاريخ الاستشهاد.

ويجري تصنيف شهداء الإبادة الجماعية على قطاع غزة وفقًا لمنهجية وزارة الصحة[3]، إلى فئتين رئيستين: الأولى، شهداء الإصابات المباشرة، وهم الضحايا الذين ارتقوا نتيجة القصف الجوي (المروحي أو الحربي) أو القذائف المدفعية، أو إطلاق النار المباشر وغير المباشر من القناصة والمسيرات. الثانية: شهداء الإبادة غير المباشرة، ويشمل هذا التصنيف من فقدوا حياتهم نتيجة للمجاعة وسوء التغذية، أو البرد القارس، أو نقص الأدوية والرعاية الصحية، فضلًا عن الوفيات الناجمة عن سقوط الأبنية فوق رؤوس ساكنيها، أو الحرمان من السفر لاستكمال العلاج خارج القطاع.

ووفقًا لرئيس وحدة تكنولوجيا المعلومات، فإنّ إحصاء الشهداء والمفقودين يتم وفق منهجية معتمدة لدى وزارة الصحة والحكومة الفلسطينية، تتمثل في:

  • الحصر الميداني لمن تم نقلهم إلى المستشفيات (الحكومية، الأهلية، الخاصة، الميدانية).
  • التوثيق الرقمي عبر الرابط الإلكتروني الذي أطلقته وزارة الصحة مطلع عام 2024.
  • رفع أسماء الشهداء والمفقودين المبلّغ عنهم من ذويهم عبر الرابط إلى لجنة قضائية مختصة، تصدر بدورها أحكامًا بإقرار الوفاة بناءً على الشواهد والقرائن المقدّمة.
  • عرض الأحكام القضائية على لجنة حكومية مشتركة تضم: (وزارتي الصحة والعدل، والشرطة الفلسطينية، والنيابة العامة، والطب الشرعي والأدلة الجنائية)، والمكلّفة باعتماد بيانات الشهداء وتصنيف أسباب الوفاة، سواء كانت نتيجة استهداف مباشر أو جرّاء تداعيات الإبادة الجماعية.

وفقًا لتلك الشروط والمعايير المعتمدة لدى وزارة الصحة، بلغ عدد شهداء الإبادة الجماعية المسجلين رسميًّا 72328 شهيدًا. وفي مقابل ذلك، قدر جندي الاحتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين أنتوني، أن العدد يصل إلى 90 ألف شهيد، مستندًا إلى “التقديرات التي تشير إلى أن نحو 30 ألف مقاتل من حماس قتلوا حتى الآن، ويقابل كل قتيل واحد من حماس قتيلان مدنيان”. وتأتي تلك التصريحات في وقت يشكّك فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي في صحة البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة حول أعداد الضحايا الذين قضوا بآلة القتل (الإسرائيلية) على مدار عامين ونصف العام.

وبناءً على ذلك، فإنّ إحصاء عدد الشهداء في قطاع غزة يتم عبر نظام طبي مدني تقليدي يعمل تحت ضعط ميدانيّ هائل، وفي ظل تدمير السجلات ومراكز البيانات. ومع تعذّر إحصاء الآلاف ممن هم تحت الأنقاض، أو في المناطق التي تحول ظروف الإبادة المستمرة دون وصول طواقم الإسعاف إليها، فإنّ ما يصدر يمثل توثيقًا لما تم التحقق منه من أعداد الشهداء، لا حصرًا شاملًا.

ثانيًا: المفقودون: فئة إحصائية ملتبسة

خلّفت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة أزمة إنسانية بالغة التعقيد، وأفرزت فئة إحصائية ملتبسة إثر اختفاء آلاف الفلسطينيين دون العثور على أي أثر لهم، ما ترك عائلاتهم في دوامة مريرة بين اليأس والأمل. وتتعدّد سياقات الفقد في القطاع؛ فمنهم من غُيّبوا تحت أنقاض منازلهم، ومنهم من اقتيدوا قسرًا إلى الاعتقال، أو استخدموا دروعًا بشرية دون إفصاح عن مصيرهم، فيما اختفى آخرون بلا أثر أثناء النزوح القسري والبحث عن الأمان، وظلّ مصير هؤلاء معلقًا بين الشهادة والحياة، في ظل غياب الجثامين، وانعدام التوثيق، واستحالة تأكيد الوفاة.

وتعرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المفقودين بأنهم الأشخاص “الذين لا تعرف أسرهم مكانهم، و/أو -على أساس معلومات يُعوَّل عليها- أُعلِن عن فقدهم فيما يتصل بنزاع مسلح دولي أو غير دولي، أو حالة من حالات العنف أو اضطرابات داخلية، أو أي وضع آخر قد يتطلَّب تدخلًا وسيطًا محايدًا ومستقلًا”.

وفقًا لندى نبيل[4]، مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، فإنّ عدد المفقودين في قطاع غزة يقدر بـ 8000 شخص، وتتوزع هذه الفئة بين أفراد انقطعت آثارهم بعد خروجهم من منازلهم، وآخرين قصفوا وبقيت جثامينهم تحت الأنقاض، بالإضافة إلى مجهولي الهوية الذين تعذّر التعرّف على ملامحهم أو إجراء فحص الحمض النووي (DNA) لهم. ويرى المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل أن الأرقام الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير، إذ قُدّر العدد بنحو 11 ألف مفقود، ما بين عالقين تحت الأنقاض، ومفقودين غادروا ولم يعودوا[5].

واستنادًا إلى البلاغات المقدّمة لوزارة الصحة، لا يزال نحو 7500 شخص تحت الأنقاض، مع ترجيحات بأن يكون العدد الفعلي أكبر من ذلك؛ نظرًا لإبادة عائلات بأكملها، ممّا أدّى إلى غياب أي ناج يمكنه التبليغ عن مفقوديهم. كما يقدّر عدد من لا يزال مصيرهم مجهولًا بنحو 3000 شخص[6]، أما المتحدث الرئيس باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر كريستيان كاردون، فقال إنّ لديهم قائمة منفصلة بالمفقودين، مسجلًا فيها ما لا يقل عن 7 آلاف حالة لا تزال عالقة ومصيرها غير معروف، مؤكّدًا أنّ هذه القائمة لا تشمل الحالات التي يُعتقد أنها تحت الأنقاض.

ونظرًا لاستمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وسيطرة جيش الاحتلال على أكثر من من 50% من مساحته، تتباين تقديرات أعداد المفقودين بين الجهات المختلفة. فبينما يرزح آلاف منهم تحت الأنقاض، يتواجد آخرون في مناطق يمنع الوصول إليها، فيما انقطعت آثار غيرهم أثناء النزوح القسري أو خلال محاولة العودة إلى مدينة غزة. يًضاف إلى ذلك اعتقال المئات عند نقاط التفتيش التي أقامها جيش الاحتلال في قطاع غزة، أو في مداهمات دون إخطار عائلاتهم.

وبموجب تصريحات المديرة العامة للجنة الدولية لشؤون المفقودين كاثرين بومبرغر فإن التحقيق في قضية المفقودين في غزة يتطلب تقنية متقدمة للحمض النووي، وجمع عينات من العائلات والجثث مجهولة الهوية، وصورًا جوية لتحديد مواقع الدفن والمقابر الجماعية. ولذلك، فإن مسؤولية العثور على المفقودين تقع على عاتق الاحتلال الإسرائيلي بصفته القوة المحتلة، إلا أنه يفرض قيودًا على دخول إمدادات فحص الحمض النووي إلى غزة، ما يفاقم من معاناة ذوي المفقودين ويعمّق جراحهم النفسية.

المفقودون والتأثير الاجتماعي

تعاني آلاف الأسر من حالة الفقد الغامض، بحيث تترك أثرًا نفسيًا عميقًا لديهم. تروي ميرفت والدة المفقود المعتصم بالله مجدي التتر، فصولًا من مأساتها، إذ انقطعت آثار نجلها وهو لم يتجاوز حينها 16 عامًا: “اضطررنا للنزوح إلى بيت شقيقة زوجي وسط قطاع غزة في اليوم الأول لحرب الإبادة إثر استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمبنى المجاور لنا، وفي صباح يوم 28/12/2023، طلبت من ابني المعتصم بالله شراء الأرز، فخرج ولم يعد، بعدها علمت من الأصدقاء أنه كان يخطط مع ابن جيراننا من أجل العودة إلى غزة، ومنذ ذلك الحين وأنا أبحث عنه وأسأل المراكز والمؤسسات، إلا أنّ الرد وصلني مؤخرًا أن جيش الاحتلال أخبرهم بعدم ورود أي معلومات حوله، فهل يعني ذلك فقدانه إلى الأبد؟ لا أعلم، فلا يوجد دليل على ذلك”[7].

وتشكل حالة الفقد أزمة أسرية يمتزج فيها الألم العاطفي مع الاستنزاف النفسي والجسدي للأم وأطفالها، كما تصفه زينب أبو الملش التي فقدت زوجها بتاريخ 3/1/2024، أثناء محاولته العودة إلى مدينة غزة “لا أتوقف عن التفكير فيه، أين يمكن أن يكون؟ أهو حي يرزق أم شهيد منعم؟ لم أترك بابًا لأي مؤسسة تعنى بالأسرى أو المفقودين إلا طرقته، ورد الاحتلال الدائم: لا يوجد أي معلومات لدينا، وفي الوقت ذاته أخبرنا بعض الأسرى المفرج عنهم من سجون الاحتلال أنهم سمعوا باسم زوجي داخل السجن، وهو ما يدفع أطفالي للسؤال دومًا عنه وعن موعد خروجه؟”[8].

وفي ذروة المأساة الإنسانية، اجتمع على ريم أبو كويك الفقدان الجماعي مع التجهيل المتعمد للمصير، إثر اعتقال جيش الاحتلال الإسرائيلي لزوجها وأبنائها إبراهيم وحازم المغربي من المنزل في 8/12/2023، وتقول: “اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي منزلنا وأجبروا زوجي مريض السرطان، وولديّ الوحيدين إبراهيم وحازم الأصم، على خلع ملابسهم وقيدوا أيديهم، واقتادوهم خارج المنزل، فسألت أحد الجنود: إلى أين؟ كان رده، إلى (إسرائيل) ولن تريهم أبدًا بعد الآن، ومنذ ذلك اليوم وإلى الآن وأنا أعيش حياة انتظار مركب ومؤلم بعدما فقدت السكن والسند، أعيش طوال الوقت بين أفكاري وتساؤلاتي: يا ترى ماذا حدث لهم؟ هل أطلقوا النار عليهم وقتلوهم في ساحة المنزل أم اقتادوهم كما قالوا لي إلى الداخل واعتقلوهم؟ لم أكلّ أو أملّ من السؤال أو البحث عنهم، لم أترك بابًا لمؤسسة دولية أو حقوقية إلا وطرقته، لم يخرج أسير إلا وسألت عنهم ولكن إلى الآن لم أجد أي معلومة، ليبقى مصيرهم حتى اللحظة مجهولًا”[9].

وبناءً على ذلك، فإنّ ضبابية التصنيف القانوني والإحصائي لآلاف المفقودين في قطاع غزة تَزجُّ بعائلاتهم في أتون أزمة نفسيّة مركّبة؛ إذ تظل هذه الأسر معلقةً بين يأس يترقب أي خبر حتى وإن كان تأكيدًا للوفاة، وأملٍ يقتاتُ على فرضية بقائهم على قيد الحياة. إنها حالة من الحزن المعلّق الذي يضع العائلة في دوامة قاسية قوامها الأمل، والإنكار، والانتظار اللامتناهي.

ثالثًا: الوفيات غير المباشرة

منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى إغلاق المعابر الحدودية، مانعًا دخول جلّ مقومات الحياة الأساسية. وقد ألقى هذا الإجراء بظلاله الكارثيّة على الغزيين، ولا سيّما المرضى والأطفال والمسنين، إذ تسبّب انهيار المنظومة الصحية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية وانتشار المجاعة وسوء التغذية في فقدان الآلاف لحياتهم. ويتضاعف حجم المأساة مع استمرار انهيار الأبنية فوق رؤوس ساكنيها، والبرد القارس، والحرمان الممنهج من العلاج بالخارج.

وفي هذا السياق، صرّح الدكتور محمد أبو سلمية، مدير عام مجمع الشفاء الطبي، أن تدمير المستشفيات وخروج معظمها عن الخدمة، بالتوازي مع الشحّ الحادّ في الأدوية والمستلزمات الطبية، قد أدّى إلى وفاة آلاف الجرحى والمصابين بأمراض مزمنة؛ لا سيما مرضى السرطان، والقلب، والفشل الكلوي، والسكري وضغط الدم، وذلك نتيجة انقطاع العلاجات المنقذة للحياة. وأضاف أن المجاعة وسوء التغذية اللذين فرضا على سكان القطاع خلال الإبادة الجماعية، تسبّبا في وفيات موثقة بين الأطفال والرضع، علاوة على حالات الوفاة الناتجة عن البرد القارس في ظل تهالك الخيم، وانعدام وسائل التدفئة لدى السكان في قطاع غزة[10].

واستنادًا إلى رئيس وحدة تكنولوجيا المعلومات في وزارة الصحة، فإنّ عدد الوفيات في قطاع غزة مذ بدأت حرب الإبادة الجماعية وحتى الآن بلغت 10000 حالة وفاة، 65% منهم يعانون من مرض القلب والضغط والسكري، بينما ارتقى 900 مريض سرطان، و450 مريض فشل كلوي، و460 حالة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، و20 حالة بفعل ارتفاع درجات الحرارة والبرد القارس، و1514 مريضًا ومصابًا بسبب إغلاق معبر رفح، بالإضافة إلى أن نسبة وفيات الأطفال دون سن 5 سنوات زادت عن 30% في عام 2025 عنها في عام 2022، وذلك نتيجة لنقص الرعاية الصحية التي تسببت بها الإبادة الجماعية[11].

وبالنظر إلى طبيعة تلك الوفيات، يتبيّن أنّ جزءًا كبيرًا منها لم يخضع للتوثيق الرسمي؛ نتيجة التدمير الذي طال معظم مراكز البيانات الإحصائية التابعة لوحدة تكنولوجيا المعلومات في وزارة الصحة. وبناءً عليه، فإنّ الأعداد الفعلية تتجاوز الإحصاءات المعلَنة بكثير. ومن الضروري سياقيًا فهم هذه الوفيات بوصفها وجهًا من أوجه الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وليس مجرد حوادث منفصلة عنها، وهو ما يؤكّد أن الحصيلة الحقيقية لضحايا الإبادة الجماعية قد تفوق الأرقام الرسمية الموثّقة بشكل ملحوظ.

رابعًا: فجوة الأرقام وتقدير الحجم الحقيقي

تشير التحليلات الإحصائية لعدد من المؤسسات الدولية إلى أن أعداد ضحايا الإبادة الجماعية تتجاوز الأعداد الرسمية بنسبة قد تصل إلى 40%، إذ تمثّل البيانات المعلنة الحد الأدنى الموثّق، لا الحجم الكلي للإبادة. ووفقًا لتقديرات صادرة عن أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، فقد تجاوز عدد ضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة  حاجز الـ 200 ألف شهيد، استنادًا إلى معطيات ديموغرافية تشير إلى تراجع إجمالي عدد سكان القطاع بنسبة تزيد عن 10% منذ اندلاع العدوان في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة نشرتها مجلة “ذا لانسيت غلوبال هيلث” الطبية أن أكثر من 75 ألف فلسطيني استشهدوا خلال الشهور الـ15 الأولى من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وهو عدد أعلى بكثير من الإحصاءات التي أعلنها مسؤولو الصحة في القطاع آنذاك، والتي بلغت 49 ألفًا.

وفي رسالة وُجّهت إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، كشف 99 طبيبًا أمريكيًّا ممن تطوعوا في مستشفيات قطاع غزة -مستندين إلى أدلة ميدانية واضحة- أن الخسائر البشرية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى تاريخ إرسال الرسالة في تشرين الأول/ أكتوبر 2024، تفوق الأرقام المعلنة بكثير؛ إذ رجّح الأطباء أن يكون عدد الضحايا نتيجة الحرب أكبر من 118 ألف فلسطيني.

ويرى المختص في الإحصاء الفلسطيني، زاهر طنطيش، أنّ الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة لا تعكس الحجم الكلي للكارثة، بل تمثل الحد الأدنى المؤكد الذي تلتزم به المؤسسات لمواجهة التشكيك وتجنب الاتهامات بالمبالغة. ويؤكّد طنطيش أنّ هذه الأرقام، من الناحية العلمية، تغفل الضحايا غير المرئيين الذين تعذّر على فرق الإسعاف من الوصول إليهم، بالإضافة إلى حالات الوفاة غير المباشرة التي ما كان لها أن تقع لولا الانهيار الممنهج لمقوّمات الحياة الأساسية في القطاع[12].

وبناءً على ذلك، فإنّ الفجوة الإحصائية بين الأرقام المعلنة رسميًّا والواقع الفعليّ ليست إلا نتيجة حتميّة لظروف الإبادة التي استهدفت البنية التحتية للمعلومات، بدءًا من اغتيال كوادر الإحصاء وصولًا إلى تدمير خوادم البيانات، في محاولة صريحة لجعل الجريمة بلا رقم. إنّ هذا التغييب الممنهج يكرّس فكرة “الإبادة غير المرئية”، حيث يتحوّل الرقم الرسمي في هذا السياق إلى أداة من أدوات المقاومة والتوثيق، رغم حاجته الماسة إلى تصحيح إحصائي مستمر ليعكس الحقيقة الكاملة.


[1] مقابلة أجرتها الباحثة مع رئيس وحدة تكنولوجيا المعلومات في وزارة الصحة م.زاهر الوحيدي بتاريخ (7/4/2025).

[2] المرجع نفسه.

[3] مقابلة أجرتها الباحثة مع زاهر الوحيدي، مرجع سابق.

[4] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً ندى نبيل بتاريخ (11/4/2025).

[5] مقابلة أجرتها الباحثة مع المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل بتاريخ (14/4/2025).

[6] مقابلة أجرتها الباحثة مع زاهر الوحيدي، مرجع سابق.

[7] مقابلة أجرتها الباحثة مع ميرفت والدة المفقود المعتصم بالله التتر بتاريخ (9/4/2025).

[8] مقابلة أجرتها الباحثة مع زينب زوجة المفقود باسم أبو الملش بتاريخ (9/4/2025).

[9] مقابلة أجرتها الباحثة مع ريم أبو كويك زوجة ووالدة المفقودين إبراهيم وحازم بتاريخ (15/4/2025).

[10] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير عام مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية بتاريخ (6/4/2025).

[11] مقابلة أجرتها الباحثة مع زاهر الوحيدي، مرجع سابق.

[12] مقابلة أجرتها الباحثة مع المختص في الإحصاء الفلسطيني زاهر طنطيش بتاريخ (7/4/2025).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى