وليد دقة

وُلد وليد نمر أسعد دَقَّة في مدينة باقة الغربية في منطقة المثلث في الداخل المحتل في الأول من كانون الثاني/ يناير عام 1961، وهو متزوج وله بنت. درس المرحلة الأساسية في مدارس المدينة، وحصل على الثانوية العامة من مدرسة “يمّه الثانوية الزراعية للتثقيف الاستيطاني” عام 1979، ونال أثناء اعتقاله في سجون الاحتلال درجة البكالوريوس في الديمقراطية السياسية وحقوق الإنسان من جامعة “تل أبيب المفتوحة” عام 2010، ودرجة الماجستير في الدراسات الإقليمية مسار الدراسات الإسرائيلية من جامعة القدس في عام 2016، وكان يحضر لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة “تل أبيب المفتوحة”.
عمل بعد تخرجه من الثانوية عاملًا في محطات المحروقات وورش البناء والمطاعم والفنادق في مدينتي “تل أبيب” و”إيلات”، وعمل في مطعم في مدينة طولكرم، كما عمل في صحيفة الشعب الفلسطينية لفترة وجيزة.
التحق دّقَّة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1979، وكانت مجزرة صبرا وشاتيلا دافعًا رئيسًا في التحاقه بالعمل العسكري، حيث سافر إلى سوريا سرًا عام 1984، وتلقى تدريبات عسكرية وأمنية في معسكر درعا قُرب الحدود الأردنية، وتم اختياره ليكون ضمن جهاز عسكري سري يعمل في الداخل المحتل تحت قيادة إبراهيم الراعي من قلقيلية (استشهد في السجن عام 1988)، على أن تكون مهمة الجهاز جمع المعلومات عن قادة ومسؤولين صهاينة شاركوا في اجتياح لبنان عام 1982، وارتكبوا مجزرة صبرا وشاتيلا، ثمَّ تصفيتهم، وأسر الجنود الصهاينة لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين، وقد عمل الجهاز لمدة عامين قبل أن تكتشفه مخابرات الاحتلال وتتهم دقة ورفاقه إبراهيم ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة بقتل الجندي الصهيوني موشي تمَّام عام 1984.
نشط دقة تنظيمًا أثناء اعتقاله، وكان من قيادات الجبهة الشعبية حتى عام 2004، وكان عضوًا في اللجان الوطنية العامة، وهي أجسام تنظيمية داخل السجون تطَّلعُ بجانب من المسؤولية عن إدارة شؤون الأسرى الداخلية، وانتسب لحزب التجمع الوطني الديمقراطي بعد تأسيسه عام 1995، وهو حزب فلسطيني في الداخل المحتل، وانتُخب غيابيًا عضوًا في لجنته المركزية.
له تجارب مع عدد كبير من قادة الحركة الوطنية ورموز الحركة الأسيرة منهم: عمر القاسم، وسمير سلامة، وعليّ القطاوي، وفتحي الشقاقي، وصلاح شحادة، وإسماعيل أبو شنب، وأحمد المقادمة، وأحمد الجعبري، وأحمد سعدات، وإبراهيم حامد، ومروان البرغوثي وغيرهم.
عُرف دَقَّة بإتقانه للترجمة من العبرية إلى العربية وبالعكس، واعتمد الأسرى عليه في ترجمة بعض الكتب والدراسات والمقالات واللقاءات الصحفية ونشرات الأخبار، بالإضافة إلى اصطحابهم له أثناء لقاءاتهم مع المحامين اليهود، واعتبر أيضًا ملمَّاً بالقضايا القانونية خصوصًا تقديم الالتماسات للمحكمة العليا، وخاض في هذا المضمار أكثر من تجربة لصالح الأسرى، ومنها على سبيل المثال، قضايا تخص الأسرى: محمد رجا نعيرات “أبو رفعت”، ومحمود السواركة “أبو سميرة”، وأحمد جبارة “أبو السكر”.
مارس دَقَّة التثقيف داخل السجون، وأعد ونفَّذ العديد من البرامج الثقافية لسنوات طويلة والتي ساهمت في رفع المستوى الثقافي للأسرى منها إلقاء المحاضرات، وعقد حلقات النقاش، وتدريس بعض المواد المطلوبة لنيل الأسرى درجة البكالوريوس، وكان فنَّانًا، أجاد الرسم، وقد أنجز عددًا من اللوحات التي عبّّر فيها عن فكره وعن ظروف حياته داخل سجون الاحتلال.
اشْتُهر دَقَّة في الساحة الثقافية الفلسطينية بمثابرته الفكرية ونتاجه الرصين والعميق، حيث أولى اهتمامًا كبيرًا بموضوعات مثل الحرية والسياسة والمقاومة والقمع والاحتلال والأَسير والتاريخ والأدب، وقد عمل عبد الرحيم الشيخ على أرشفة كتاباته وتحريرها ضمن مشروع فكري وأدبي طموح، ونُشرت نتاجاته في فلسطين وخارجها، ومن كتبه المنشورة: “يوميات المقاومة في جنين” (2004)، و”الزمن الموازي” (2005)، و”صهر الوعي: إعادة تعريف التعذيب” (2010)، وروايتي “حكاية سر الزيت” (2018)، و” حكاية سر السيف” (2021)، ومسرحية “حكاية سر الطيف: الشهداء يعودون إلى رام الله” (2024)، و”بائع التذاكر: رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية” (2026)، والأخير سيرة ذاتية كُتبت على مراحل خلال سنوات أسره الطويلة، تحديدًا في أعوام 2002، 2020، 2021.
كُتبت عن حياته ونضاله وكتاباته الفكرية والإبداعية العديد من الدراسات منها دراستان لعبد الرحيم الشيخ بعنوان: “المكان الموازي: رسم الزمن في فكر وليد دقة” و”مورفولوجيا فم الذنب: ولدي دَقَّة 1961-2021″، بالإضافة إلى عددٍ من المقالات والتقارير الصحفية المنشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية.
عانى دقة خلال مسيرته النضالية، إذ اعتقله الاحتلال في الخامس والعشرين من آذار/ مارس عام 1986، وتعرَّض لتحقيق قاسٍ لفترة طويلة، وعقدت جلسات محاكمته على مدى عام ونصف، وحُكم عليه من قبل المحكمة العسكرية في مدينة اللد في آذار / مارس عام 1987 بالسجن المؤبد، على الرغم من عدم اعترافه بالمشاركة في قتل الجندي الصهيوني، وقد حُدِّد مؤبده من قبل رئيس دولة الاحتلال بمدة 37 عامًا، وكان يفترض أن يعانق الحرية في الرابع والعشرين من آذار/ مارس عام 2023، إلا أنَّ المحكمة المركزية في بئر السبع أضافت لحكمه عامين آخرين في قضية محاولة إدخال هواتف نقالة للأسرى، وكان معه في القضية باسل غطاس عضو الكنيست السابق، وحُدِّد موعد الإفراج عنه ليكون بتاريخ الرابع والعشرين من آذار/ مارس عام 2025.
توفي والده عام 1998، ومنعته سلطات الاحتلال من وداعه، ومنعتْ والدته وزوجته من زيارته مدة طويلة، وتراجع الاحتلال عن وضعه على قائمة المفرج عنهم من الأسرى القدامى في إطار التفاهمات الفلسطينية- الصهيوني عامي (2013-2014)، ورفضتْ المحاكم الصهيونية مطالباته المستمرة أن يتاح للأسير الفلسطيني “الخلوة الشرعية” مع زوجته، كما هو معمول به في الكثير من سجون العالم، فاضطر لعملية تهريب النطف، وقد حملت زوجته سناء موسى وأنجبت ابنتهما “ميلاد” وذلك في الثالث من شباط/ فبراير عام 2020، بعد انتظار دام إحدى وعشرين عامًا.
تعرض لانتكاسة صحية خطيرة خلال سنوات اعتقاله، وأُعلن عام 2015 أنَّه مصاب بمرض البوليسيثيميا أو كثرة الحمر وهو اضطراب يؤدي إلى زيادة إنتاج خلايا الدم الحمراء، مما يثخن الدم ويبطئ تدفقه، ورغم ذلك فقد خضع للعزل الانفرادي عدة مرات كما حدث معه في العامين (2017، 2020)، ومورس ضده النقل التعسفي بين السجون من شمال فلسطين إلى جنوبها، بالإضافة إلى ملاحقة كتاباته ورسائله ومصادرتها ومعاقبته عليها، كما أنَّه عايش التحولات الكبرى في واقع السجون بعد اندلاع حرب الإبادة الجماعية على غزة في تشرين أول/ أكتوبر عام 2023، حيث مورست بحقه وعموم الأسرى أقسى الإجراءات القمعية، وكان شُخِّصَ عام 2022 بأنَّه مصاب بمرض التليف النقوي، وهو سرطان نادر يصيب نخاع العظم، ولما اشتدت عليه وطأة المرض، وأصبح في أيامه الأخيرة، نُقل إلى مستشفى “آساف هروفيه”، وبقي فيها إلى أن ارتقى شهيدًا في السابع من نيسان/ إبريل عام 2024، وما زالت سلطات الاحتلال تحتجز جثمانه في ثلاجاتها.
المصادر:
- وليد دقة، بائع التذاكر: رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية (بيروت: دار الآداب، 2026).
- عـبـد الـرحـيـم الـشـيـخ، “الــزمــن الــمــوازي فــي فـكـر ولـيـد دَّقــــة”، الـمـجـلـة الـعـربـيـة لـلـعـلـوم الإنـسـانـيـة، العدد 155، 2021، ص 271-308.
- عقل صلاح، الأسير الشهيد المفكر وليد دقة: حرِّر نفسك بنفسك:
- “في ثلاثينية أسره مقابلة خاصة مع وليد دقة”، موقع عرب 48:
- “ملف (وليد دقة: كتابات متأخرة)”، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 139، 2024، ص 11-1011.



