ماءٌ لا يَروي: حكاية العطش في غزة زمن الإبادة

أدى الحصار المائي والتدمير الممنهج للبنية التحتية للمياه في قطاع غزة إلى تشكُّل أزمة اجتماعية وإنسانية حادة أعادت تشكيل التفاصيل اليومية لحياة النازحين والسكان، وأضحى السعي للحصول على بضع لترات من المياه الشاغل الأكبر للأسرة الغزية، مما أفرز تداعيات خطيرة على النسيج المجتمعي، وصحة الأطفال، وتحولات الأدوار الأسرية في ظل الإبادة المتواصلة.

فقد أدى استشهاد الآباء وفقدان المعيلين إلى إجبار الأطفال والنساء على تحمل أعباء شاقة لا تتناسب مع قدراتهم الجسدية، واصبحت عملية جلب المياه من خدمة أساسية توفرها الدولة “رحلة شقاء” يومية تستنزف أجساد الأطفال وتسلبهم حقوقهم الأساسية في اللعب والتعليم كما هو الحال مع الطفلتان جوري (12 عاماً) وشقيقتها تالة (10 أعوام) واللاتي تجسدان واقع مئات الأطفال الذين باتت مهمتهم اليومية تبدأ مع الصباح، حيث تروي جوري معاناتها قائلة “كل يوم أقف في طابور المياه وأنا أحمل القربة كي أعبئها، استيقظ صباحاً لنقل المياه بعد خروج والدي لعمله، فنضطر أنا وشقيقاتي لحمل الجالونات حتى بات ظهري يؤلمني باستمرار”.

وبقلب مكسور عبر الطفل كريم (10 أعوام) والذي يقيم في مخيم الثقافة عن حرمان جيله من أبسط حقوق الحياة والطفولة نتيجة شح المياه وعدم انتظام وصول الشاحنات، بالقول “المياه لا تصل كل يوم، والشاحنة لا تكفي الجميع، نضطر لتعبئة مياه مالحة في الجالونات لعدم وجود براميل في الخيمة، وإذا لم تأتِ الشاحنة نبقى بلا مياه أو نضطر لأخذ القليل منها من الجيران”، ويضيف متسائلاً “أليس من حقي أن أعيش وألعب بدلاً من حمل ما يثقل ظهري؟”.

ولا يختلف حال ملك (17 عاماً) من مخيم غزة العزة غرب مدينة غزة، كثيراً عمن سبقها، “والدي شهيد وأنا أساعد إخوتي في حمل المياه، نقف في طوابير طويلة ثم ننقل المياه لمسافة تتجاوز الكيلومتر لعدم وصول شاحنات المياه إلى داخل المياه، حتى أصبحت لا أشعر بيدي من شدة الحمل ولا أصدق متى أنام لأريح ظهري من شدة الألم”.

وتختصر أم المعتصم مأساتها ومأساة الآلاف من النساء اللواتي يركضن خلف الصهاريج للحصول على رمق الحياة بالقول “استشهد زوجي وفقدت ابني البكر في الحرب، وأعول حالياً أطفالي الأربعة، أضطر أنا وطفلتي للوقوف في طوابير المياه والركض خلف الشاحنات لعدم وجود من يحملها عنا داخل مركز الإيواء، حياتنا أصبحت لا تطاق بين التعب والعناء، ولا نريد سوى أن تتوقف الإبادة ونعود لبيوتنا ونعيش حياة طبيعية”.

لم يعد التعب محصوراً في فئة دون أخرى، بل تحول الحصول على المياه إلى استنزاف بدني ونفسي شامل لكافة فئات المجتمع، بما في ذلك كبار السن والجرحى، حيث يرى المواطنون أن هذه الأزمة تأتي ضمن مخطط شامل لإفقادهم القدرة على الصمود، حيث يلخص أحمد أبو لوز والذي ينزح في منطقة الرمال، حالة الإنهاك الجماعي التي وصل إليها السكان بقوله: “نعاني في كل تفصيل من حياتنا، من حمل المياه، ومن البحث عن الطعام، ومن السكن في الخيام والحر الشديد، كل ما نطلبه أن يريحونا من هذه الحرب ويتركونا نعيش بسلام”.

الحصار المائي في ظل الإبادة

وشكل الحصار المائي المباشر لقطاع غزة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي أداة رئيسية في تعميق المعاناة الإنسانية، بعدما تم ربط تدفق المياه في القطاع بالقرارات السياسية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي، حيث أقدم جيش الاحتلال مطلع حرب الإبادة الجماعية على تدمير مصادر المياه الرئيسية وقطع خطوط الإمداد التي تصل عبرها إلى السكان، لينخفض التزود بها إلى ما يقرب من 10 -20% مما كان عليه قبل العدوان، وتشمل تلك المصادر، المياه الجوفية، ومحطات التحلية محدودة الكمية، المياه المشتراة من الاحتلال الإسرائيلي “ميكروت”، ما أحدث صدمة مائية فورية في الأيام الأولى للعدوان، ومع التدخلات الدولية المتواصلة ارتفع المعدل نسبياً ليصل إلى ما يقرب من 35% مما كان عليه قبل العدوان.

ومع تدمير المنازل وخطوط المياه اضطر السكان إلى اللجوء إلى مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، وانتظار وصول شاحنات توزيع المياه إلى مخيماتهم كي يحصلوا على احتياجهم وسط مخاطر أمنية متصاعدة ترافق عمليات التوزيع في مناطق قريبة من خطوط التماس، ما يجعل الحصول على الماء نفسه فعلاً محفوفاً بالخطر.

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) فإن شركاءه يقولون أن حصول الناس على المياه لا يزال يمثل تحدياً، فمع تدمير البنية التحتية، يقوم نحو 40 شريكاً بتوصيل ما يقرب من 20 ألف متر مكعب من المياه بالشاحنات يومياً، وهي عملية تعتمد بشكل كبير على الوقود والتمويل المستدام كي تلبي احتياجات مياه الشرب والطهي للنازحين، فتضطر الأسر إلى جمعها مباشرة من الشاحنات في حوالي 2000 نقطة توزيع، إلا أن الكثيرون منهم يفتقرون إلى حاويات مناسبة لجمع المياه وتخزينها ما يؤدي إلى حرمانهم منها في حال لم تصل أي من الشاحنات في أي يوم.

ووفقاً لما أفاد به تقرير أصدرته منظمة أطباء بلا حدود، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى توظيف الوصول إلى المياه كسلاح بوجه الفلسطينيين، وقالت مديرة شؤون الطوارئ في أطباء بلا حدود، كلير سان فيليبو، “تدرك السلطات الإسرائيلية أن الحياة لا يمكن أن تستمر من دون ماء، لكنها دمرت البنية التحتية للمياه في غزة بشكل متعمد ومنهجي، وفي الوقت نفسه، تستمر في منع دخول الإمدادات المرتبطة بالمياه”.

تدمير البنية التحتية للمياه

ومع بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، أعلن وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي يوآف غالانت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن فرض حصار كامل على قطاع غزة، متوعداً بقطع المياه والكهرباء والوقود والغذاء، وبعد ثلاثين شهراً من القصف والتدمير لكل مقومات الحياة في قطاع غزة، تسببت في انهيار شبه كامل لمنظومة المياه ومرافقها الأساسية، أصبح ما كان يوماً شبكة خدمية متكاملة بنية ممزقة عاجزة عن تلبية احتياجات السكان الأساسية.

وبحسب سلطة المياه في قطاع غزة، فإن حجم الدمار الذي لحق بقطاع المياه جراء الاستهداف المباشر وغير المباشر من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي تجاوز كل الخطوط الحمراء، فقد تعرضت نحو 85 – 90% من البنية التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي للتدمير الكامل بما يشمل خطوط الأنابيب الرئيسية ومحطات التحلية الخاصة، إضافة إلى محطة التحلية العامة الوحيدة في شمال قطاع غزة، وأكثر من 80% من أصل 400 بئر مياه في القطاع خرجت تماماً عن الخدمة، كما توقف حوالي 85% من محطات التحلية الخاصة عن العمل وتضرر أكثر من 120 كيلومتراً من الخطوط الناقلة الرئيسية.

وطبقاً لما أورده مسؤول الرقابة على المياه والصرف الصحي في وزارة الصحة سعيد العكلوك، فقد دمر أكثر من 90% من محطات الضخ، كما تعرض نحو 800 كيلومتر من شبكات الصرف الصحي للتدمير، الأمر الذي أجبر مئات آلاف الأسر على إنشاء حفر امتصاصية بجوار الخيام والمنازل المدمرة ما يشكل أزمة صحية وبيئية واسعة النطاق إثر تسرب المياه العادمة مباشرة إلى الخزان الجوفي.

ولم يقتصر التدمير على خطوط المياه والصرف الصحي بل امتد إلى الآليات والمعدات التي تستخدمها البلديات في أعمال الصيانة والتشغيل الطارئة، وهنا يلفت المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا[1] إلى أن البلدية فقدت نحو 85% من ممتلكاتها وآلياتها بعد تدمير أكثر من 135 آلية ومعدة أساسية كالحفارات والجرافات، كانت تستخدم في أعمال الصيانة والتشغيل الطارئة كإصلاح الشبكات وإزالة الركام، ما شل قدرتها على إصلاح الأعطال أو الاستجابة السريعة.

ولم يكتفِ جيش الاحتلال الإسرائيلي بتدمير البنية التحتية بل أقدم على استهداف الكوادر الميدانية والمهندسين أثناء محاولاتهم إصلاح الشبكات والآبار تحت القصف، مما شل القدرة على الاستجابة السريعة لأعطال الشبكة، واستناداً لمعلومات بلدية خانيونس فقد استشهد 15 من العاملين في قطاع المياه أثناء أداء واجبهم، كما أفاد خبر للأمم المتحدة استشهاد عامل في منظمة غير حكومية وإصابة أربعة آخرين بجروح جراء غارة جوية للاحتلال الإسرائيلي حديثة على بئر للمياه في مدينة غزة، وذلك في ظل استمرار الضربات التي تطال المناطق السكنية وتعطل الخدمات الأساسية.

وبناء على المعطيات الصادرة عن سلطة المياه، فإن القتل والتدمير أدى إلى تراجع الإنتاج اليوميمرافق المياه ومحطات التحلية والآبار في قطاع غزة، من نحو 300 ألف متر مكعب قبل حرب الإبادة الجماعية إلى أقل من 120 ألف متر مكعب في فبراير 2026، أي بعجز مباشر يتجاوز 60%، وهو ما يعكس عجزاً بنيوياً لا يقتصر على لحظة معينة بل يمتد كنمط مستمر، ووفقا للمتحدث باسم بلدية غزة[2]، فإن خدمات المياه تعمل حالياً بعجز تشغيلي يصل إلى 70%، فما يتم تشغيله من قبل البلدية نحو 27 بئراً فقط، بينما يتم توفير حصص من الوقود لنحو 1320 بئر جوفي صغير “غاطس خاصة بالمواطنين” ضمن إجراءات محددة للتخفيف من الأزمة والحد من حالة العطش.

غير أن الأمم المتحدة وشركائها يؤكدون أن احتياجات السكان من المياه لا تزال بعيدة كل البعد عن التلبية، إذ إن نحو 60 في المائة من الأسر في غزة لا تستطيع الحصول على المياه النظيفة التي تحتاجها للاستخدام اليومي.

حينما تصبح المياه مصدر الكارثة الصحية والبيئية

أظهرت نتائج فحوصات جودة المياه الجوفية للآبار البلدية في قطاع غزة خلال شهر يونيو 2026 استمرار التحديات الكبيرة التي تواجه الخزان الجوفي، حيث أن 77 بئراً بلدياً من أصل 93 بئر ملوث إما كيميائياً و/أو بيولوجياً ما نسبته 83% مياهها غير صالحة للشرب، خاصة فيما يتعلق بارتفاع تركيز الأملاح الذائبة الكلية (TDS) بالإضافة إلى اكتشاف بكتيريا القولون البرازية في 18 بئراً، وبكتيريا الإشريكية القولونية في بئرين، وفقاً لمدير عام سلطة المياه منذر سالم[3]، والذي أرجع السبب في ذلك التلوث إلى استمرار تعرض الخزان الجوفي في قطاع غزة لضغوط بيئية كبيرة ناجمة عن الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، وتسرب مياه البحر، والتلوث الناتج عن مياه الصرف الصحي والأنشطة البشرية، وهو ما انعكس على ارتفاع ملوحة المياه في معظم البلديات.

وبالإضافة إلى تلك الملوثات، كشف مدير عام مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية، عن ارتفاع نسبة ملوحة المياه الجوفية البدائية إلى أكثر من 30 ضعفاً عن المعدل الطبيعي في ظل غياب شبه كامل لأي معالجة أو تعقيم بالكلور بسبب نقص الإمكانيات، ما أدى إلى تسجل زيادات غير مسبوقة في حالات التهاب الكبد الوبائي والنزلات المعوية والأمراض الجلدية المستعصية، لا سيما بين الأطفال والنساء الحوامل في مراكز الإيواء، كما أن غياب مواد التعقيم و”الكولرة” جعل من الاستحمام بالمياه المتاحة سبباً رئيسياً لانتشار التهابات جلدية حادة بين غالبية القاطنين في الخيام، إضافة إلى تسجيل حالات “تسمم دم” لدى نساء حوامل نتيجة الالتهابات البولية الحادة.

ختاماً

إن إجبار أكثر من مليوني إنسان على قطع مسافات طويلة وحمل أوزان ثقيلة يومياً للحصول على مياه شرب مالحة أو ملوثة، يعكس مدى عمق “الحصار المائي” كأداة هدم مجتمعي، لم تعد الأزمة مجرد نقص في الموارد، بل غدت وسيلة لتفكيك البنية النفسية والجسدية للمجتمع الغزي، واستهدافاً مباشراً لكرامة الإنسان وأطفاله.

[1] حسني مهنا المتحدث باسم بلدية غزة، مقابلة أجرتها الباحثة، 4/أغسطس/آب 2026.

[2] حسني مهنا، المصدر نفسه.

[3] د.منذر سالم، مدير عام سلطة المياه في سلطة المياه وجودة البيئة بقطاع غزة  مقابلة أجرتها الباحثة، 4/أغسطس/آب 2026.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى