زيتون الضفة الغربيّة.. وسيلة المستوطنين للضمّ والتهجير

نشرت صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية، في 17 أيلول/سبتمبر الماضي، قراراً نسبته إلى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، يقضي بأنه لن يسمح هذا العام للقاطفين الفلسطينيين بـ”دخول المساحات المعرفة أراضي دولة لغرض قطف الزيتون”. ويسري القرار على الضفة الغربية كلها، بما في ذلك أراضٍ اعتاد أصحابها قطفها في السنوات السابقة، أما الأرض الخاصة فلا يسمح بالقطف فيها إلا بـ”تنسيق أمني مسبق”. وبررت المؤسسة الأمنية القرار بـ”تقليص بؤر الاحتكاك مسبقاً”.

 وبعد شهر من القرار، في 16 تشرين الأول/أكتوبر، أفتى الحاخام دوف ليئور، الحاخام السابق لمستوطنة “كريات أربع” والمرجع الديني لحزب “قوة يهودية”، بأن قطف اليهودي لزيتون الفلسطيني في الضفة الغربية “مباح تماماً، بل فيه فضيلة زائدة”. واستند في فتواه، إلى أن ملكية الأرض تعود لليهود وأنهم لم يبيعوها للعرب الذين احتلوها، كما استند إلى مبدأ “اليأس” في الشريعة اليهودية، معتبراً أن الفلسطيني الذي لا يستطيع القطف “لسبب أمني” قد يئس من زيتونه على الأرجح، فصار مالاً متروكاً. 

لم تكن هذه التحركات منفصلة عما يجرى على أرض الواقع خلال الأيام الماضية، فقد وثقت منظمة “يش دين” 234 واقعة عنف مرتبطة مباشرة بموسم قطف الزيتون بين 27 أيلول/سبتمبر و14 تشرين الأول/أكتوبر، بمعدل 13 واقعة يومياً. وقالت إن مستوطنين أو جنوداً منعوا الفلسطينيين من القطف في 79 واقعة، وإن التوثيقات شملت 82 واقعة عنف أو اعتداء على القاطفين، و135 واقعة سرقة للمحصول أو إضرار بالممتلكات، بينها 39 واقعة تضررت فيها أشجار زيتون. وأضافت أن جنوداً إسرائيليين شاركوا في 26.5 في المئة من الوقائع أو كانوا حاضرين فيها. وفي الفترة نفسها، سجلت المنظمة 486 واقعة عنف للمستوطنين والجنود في الضفة الغربية عموماً، لا تتصل جميعها بموسم القطف[1].

انطلاقاً مما سبق، تهدف هذه الورقة إلى فهم الدوافع الإسرائيلية، الرسمية والخاصة بالمستوطنين، تجاه المحاولات المستمرة لمنع الفلسطينيين من قطف ثمار أراضيهم المزروعة بالزيتون، لا من خلال عرض الأرقام التي تتحدث عن هذه الاعتداءات فقط، وإنما من خلال فهم كيف يفكر المستوطن في هذا الموسم، بالاستناد إلى مقولات المستوطنين أنفسهم، وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وربط هذا السلوك بسلوك أوسع، يتجلى في ظاهرة المستوطن- الفلاح.

البنية القانونيّة الاستعماريّة في الضفة الغربيّة

لفهم ما يجري يجب العودة أولاً إلى البنية القانونية الاستعمارية التي تنظم الأراضي في الضفة الغربية، تحديداً مع احتلالها عام 1967. فقد أقرّت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مع سيطرتها على الضفة، وقف مشروع تسوية الأراضي وتسجيل ملكيتها، الذي كانت قد بدأته سلطات الانتداب البريطاني وواصلته الحكومة الأردنية. وبررت ذلك بحماية حقوق الفلسطينيين الذين اضطروا إلى النزوح. وجاء هذا القرار بالأمر العسكري رقم 291 الصادر عام 1968، الذي جمد فعلياً كل إجراءات التسوية[2]، وحتى ذلك الحين لم يكن سوى نحو ثلث أراضي الضفة مسجلاً، معظمها في منطقة جنين والأغوار. 

ومنذ ذلك الحين استغلت إسرائيل هذا الفراغ القانوني، حيث لجأت إلى حيلة قانونية تتمثل في “إعلان” ملكية الأراضي بدلاً من “مصادرتها”. ويستند هذا الإعلان إلى تفسير متشدد لقانون الأراضي العثماني الصادر في عام 1858، الناصّ على أن الأرض إذا لم تزرع لعدة سنوات متتالية، تصبح ملكاً للدولة، لهذا كان العمل في الأرض وفلاحتها في السنوات الأولى من احتلال الضفة الغربية واحدًا من الطرق التي يحافظ فيها الفلسطينيون على ملكيتهم للأرض.

كان المثال الأوضح على الاستغلال الإسرائيلي لهذه الفجوة هو ما يُعرف بـ “قضية ألون موريه” في حزيران/يونيو عام 1979، حين حاول مستوطنون بناء منازل استيطانية على أرض مملوكة ومسجّلة باسم فلسطينيين من قرية روجيب جنوب شرق مدينة نابلس، بعد أن سيطرت عليها إسرائيل بـ”أوامر استيلاء” لأغراض عسكرية. وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن الدافع الحقيقي لإقامة المستوطنة لم يكن عسكرياً، بل رغبة المستوطنين في الاستيطان قرب نابلس، وأنه لا يجوز فرض وقائع دائمة على أرض محتلة باسم “الأمن”. بعد أشهر، تم إعادة بناء المستوطنة على أرض مجاورة أعلنت “أرض دولة”، وتعهدت الحكومة بعدم الاستيلاء على أراضٍ خاصة لبناء المستوطنات بعد ذلك، فانتقلت إلى أداة أخرى، وبدأت إسرائيل مشروعاً واسعاً لإعلان الأراضي “غير المفلوحة” أراضي دولة. وسيطرت بموجبها على قرابة 900 ألف دونم من مساحة الضفة الغربية، وقد استمرت هذه السيطرة بالتوسع في السنوات اللاحقة.

بعد اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، انتقلت مسؤولية تسجيل الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب) إلى السلطة الفلسطينية، فيما بقيت المنطقة (ج)، التي تشكل أكثر من 60% من الضفة، تحت السيطرة الإسرائيلية، وأجلت مسألة الملكية فيها إلى مفاوضات الحل النهائي، لكن هذا التقسيم لم يوقف آلية “أراضي الدولة”، بل حصرها في المنطقة (ج). ورغم أن معظم الإعلانات جرت بين عامي 1979 و1992، عادت الوتيرة لترتفع في السنوات الأخيرة، إذ أعلنت إسرائيل بين عامي 2023 و2025 نحو 25,959 دونماً أراضي دولة، أي قرابة نصف ما أعلن منذ بداية أوسلو[3].

مساحة الأراضي التي أعلنتها إسرائيل “أراضي دولة” في الضفة الغربية بالدونم، 1999–2025. 

تصوّرات إسرائيليّة تجاه موسم قطف الزيتون

ما سبق ليس استعراضاً تاريخياً منفصلاً عما يجري اليوم، فإسرائيل ترى في موسم قطف الزيتون عائقاً أمام التمدد الاستيطاني، إذ يعرقل وجود الفلسطينيين في أراضيهم والعمل فيها وفلاحتها من محاولات الاستيلاء عليها أو إعلانها “أراضي دولة”، لأن الشرط الأساسي لهذا الإعلان هو إثبات أن الأرض لم تفلح لمدة 3 سنوات. لذلك تتعامل القرارات والتصريحات الإسرائيلية مع الزراعة الفلسطينية، ولا سيما زراعة الزيتون، بوصفها محاولة لوقف هذا التمدد الاستيطاني، وتصورها باعتبارها خطة فلسطينية منظمة تهدف إلى منع توسع المستوطنات الإسرائيلية.

يظهر هذا التصور بوضوح في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والوثائق الرسمية، ففي تقرير داخلي إسرائيلي، اتهمت الإدارة المدنية السلطة الفلسطينية بتنفيذ “خطة للسيطرة على الأرض عبر غرس الزيتون”، وقالت الوثيقة إن السلطة وزعت نحو 300 ألف شتلة زيتون على المزارعين، وأقرّ التقرير بأن قانون الأراضي الساري في الضفة يتيح للمزارع المطالبة بملكية الأرض عبر فلاحتها المتواصلة. 

وفي أيار/مايو الماضي، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، بعد إصداره قراراً باقتلاع نحو ثلاثة آلاف شجرة على قرابة 200 دونم في شمال الضفة، بعد اقتلاع تسعة آلاف شجرة في الربع الأخير من عام 2025، إن “اقتلاع الأشجار يمنع محاولات السلطة الفلسطينية فرض حقائق على الأرض”، مضيفاً: “نبني أرض إسرائيل ونهدم فكرة الدولة الفلسطينية”. وحين أعلنت الحكومة الإسرائيلية في أيار/مايو 2025 بدء تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، بعد عرقلة مخطط السلطة الفلسطينية لتسجيلها في نظام الطابو الفلسطيني، قدّم وزير الأمن يسرائيل كاتس الخطوة بوصفها أداة لصدّ “محاولات الاستيلاء على الأرض” من جانب السلطة الفلسطينية.

ويتكرر هذا المنطق حتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث نشرت صحيفة “مكور ريشون” قبيل عيد “طو بشباط” (عيد الأشجار اليهودي) عام 2023، تقريراً وصف حملات الغرس الفلسطينية بأنها خطة منظمة تقودها وزارة الزراعة الفلسطينية للسيطرة على “أراضي دولة” في المنطقة (ج) قرب المستوطنات. وأشار التقرير إلى أن الإدارة المدنية بالكاد تستطيع التصدي لها، وأن كلفتها المنخفضة تجعلها وسيلة فعالة لـ”الاستيلاء” على مساحات واسعة. واللافت أن التقرير نفسه نقل كلام محافظ سلفيت عبد الله كميل، الذي قال إنه مقابل كل شجرة يقتلعها الاحتلال سيغرس الفلسطينيون المئات.

في المحصلة، فإن منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم خلال المواسم الحالية قد يصعّب عليهم لاحقاً إثبات فلاحتها، ويفتح المجال لإعلانها “أراضي دولة”، استناداً إلى تفسير إسرائيل لقواعد قانون الأراضي العثماني، الذي تستخدمه لإعلان الأراضي الميري غير المسجلة “أراضي دولة” إذا اعتبرت غير مفلوحة ثلاث سنوات متتالية. وتوضح قضيةسابقة وقعت في قرية مجدل بني فاضل جنوب شرقي نابلس ذلك، ففي عام 2011، استصلحت عائلة فلسطينية أرضاً في المنطقة (ج) وغرست فيها الزيتون، لكن الإدارة المدنية أصدرت في العام التالي أمراً بإعادتها إلى حالتها السابقة، بحجة أنها لم تفلح ثلاث سنوات. وأيدت المحكمة الأمر عام 2014، لعدم ثبوت فلاحة الأرض قبل عام 2011. 

ظاهرة “المستوطن – الفلاح”.. مستوطنة بلا سياج فاصل

توضح الوقائع السابقة جانباً من التحركات الإسرائيلية الرسمية تجاه موسم قطف الزيتون، وهي تحركات تعزز تصورات المستوطنين عن السيطرة على الأرض، لكن ممارسات المستوطنين تتجاوز ما تعلنه الحكومة وما يقوله المسؤولون، فهي لا تستهدف موسم القطاف وحده، بل تمتد إلى نمط حياة الفلاح الفلسطيني، من الزراعة والعيش والتنقل وحتى الرعي.

خلال الأعوام الماضية، برز هذا النمط بشكل واسع، واتخذ أيضاً شكل بؤر زراعية ورعوية صغيرة، ينطلق المستوطنون منها بمواشيهم للرعي في الأراضي المحيطة، ويقيمون الحظائر ويشقون الطرق ويستولون على مصادر المياه، فيما يضيّق وجودهم واعتداءاتهم على حركة المزارعين والرعاة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم. وقد وثقت منظمات حقوقية استخدام البؤر الرعوية والزراعية للسيطرة على مساحات واسعة وإبعاد الفلسطينيين عنها.

هذا النمط كان حاضراً منذ بداية تشكل الحركة الصهيونية في فلسطين، إذ تشير بعض الأدبيات إلى أن محاكاة نمط حياة العربي كان واحداً من أشكال حضور المستوطن في فلسطين، وذلك لمصادرة علاقة الفلسطيني مع الأرض ومع طبيعة البلاد، ويتجلى هذا في خلق مستوطن قادر على السيطرة على الأرض وتغييب الفلسطيني عنها، فالمحو هنا لا يتعلق بتغيير الفلسطيني نفسه، وإنما يتجلى بتغير المستوطن من خلال تقليده للفلسطينيين وإعطائه قدرة ما في السيطرة على طبيعة المكان والأرض[4].

شهد هذا النمط تراجعاً في تسعينيات القرن الماضي، لكنه عاد في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، حيث كانت 77 بؤرة رعوية تسيطر في عام 2022 على نحو 240 ألف دونم، أي قرابة 7% من الضفة، لكن المساحة ارتفعت إلى نحو 786 ألف دونم نهاية عام 2024، ثم إلى قرابة 1.07 مليون دونم عام 2025، أي نحو 18% من الضفة، بعد أن أضافت 57 مزرعة جديدة وحدها نحو 300 ألف دونم في عام واحد[5].

ويقود هذا التوسع جيل من المستوطنين يعتقد بأن السيطرة على الأرض لا تتحقق بالبناء وحده، بل بالعودة إلى الأرض نفسها، بالرعي والحراثة والإقامة الدائمة فيها، حيث يعبّر هؤلاء المستوطنون عن ذلك صراحة، ففي تحقيق نشرته صحيفة“يسرائيل هيوم” عام 2022 عن “الجيل القادم من الاستيطان”، نقلت الصحيفة عن صاحبة مزرعة في شمال الضفة، قولها إن حضور اليهود على الأرض هو ما يجعلهم أصحاب البيت، وهو السبب الذي دفعها إلى بناء بؤرة استيطانية زراعية. كذلك تحدث صاحب مزرعة استيطانية في جنوب الخليل، بحسب ما نقلت عنه الصحيفة، أنه يريد أن يعيد إسرائيل إلى زمن كانت فيه سياسة الصهيونية ترى في السيطرة على الأرض وفي “الزراعة العبرية” قيمة بحد ذاتها.

لا يخفي رواد هذا النموذج من المستوطنين أنهم يرونه بديلاً عن شكل المستوطنة القديمة، إذ يروي أحد مؤسسي منظمة “ريغافيم” اليمينية، التي شارك سموتريتش نفسه في تأسيسها، أن الأسوار التي أحاطت بالمستوطنات الأولى حبست المستوطنين داخلها، وأن نمط الاستيطان الجديد “سيكون بمثابة تغيير في عقلية الدفاع هذه”. فالسياج، في نظره، يحدّ المستوطنة، أما المزرعة فتتمدد بلا حدود.

بالنسبة للمستوطن، فإن مصادرة نمط حياة الفلاح الفلسطيني في حقل الزيتون هي غاية بحد ذاتها، لذلك يمكننا أن نفهم توجه عدد من المستوطنين إلى بناء معاصر زيتون بالشكل التقليدي، شبيهة تمامًا بتلك الموجودة في القرى الفلسطينية، رغم وجود شركات مختصة داخل إسرائيل تعمل على عصر ثمار الزيتون. غير أن الفارق بين المعاصر التقليدية، معصرة مستوطنة إيتمار قرب نابلس ومعصرة بؤرة أفيحاي قرب رام الله اللتين افتتحتا هذا العام، وبين الشركات الخاصة، هو أن الأخيرة لا تستقبل إلا كميات زيتون بالجملة، بالأطنان. ولكن افتتاح عدد من المعاصر التي تستقبل أي كمية كانت، سواء عدة دلاء أم كيسًا فما فوق، وهذه الكميات الصغيرة تشجع المستوطنين على الإقبال على “سرقة الزيتون” الفلسطيني، إذ إن دعوات المستوطنين العلنية في هذا الموسم هي أن يهبّ المستوطنون إلى قطف الزيتون المحيط بمستوطناتهم، وهي أراض يملكها ويزرعها ويقطفها الفلسطينيون. 

يقول فتى التلال إليشع ييرد مخاطبا المستوطنين: “إذا كنتم تبحثون عن الارتباط بالأرض وتأدية نشاطات قيمية وممتعة مع العائلة، فاخرجوا إلى كرم الزيتون القريب الذي يقع بالضبط خارج أسوار مستوطناتكم. تمتعوا بطيب هذه البلاد، وسيروا مباشرة نحو معاصر الزيتون. فها هو زيت زيتون فاخر، وأيضا تعزيزٌ للسيطرة اليهودية على بلادنا”. وفي موضع آخر تحدث عن معصرة إيتمار قائلا: “إن ما يميز هذه المعصرة هو أن مالكها، من نابع مبدئي ورغبة في حثّ اليهود على الخروج من البيوت وقطف الزيتون، يقبل كميات صغيرة لعصرها… إن المستوطنين الذين كانوا يأتون قبل خمس سنوات بكيس صغير، يأتون اليوم -بحمد الله- بنصف طن، وينضم إلى قاطفي الزيتون اليهود مئات آخرون كل سنة”. ولا ينسى أن يشير إلى أنه أنتج السنة 40 لتراً من الزيت، قرابة صفيحتين (تنكة) ونصف، وهي مسروقة من أراضي الفلسطينيين في قرى برقا ومخماس ودير دبوان شرق رام الله حيث يستوطن في بؤرة رامات مغرون. لذلك فإن السنوات القادمة قد تشهد زيادة في أعداد معاصر المستوطنين تحقيقاً لتلك الأهداف.

من ناحية أخرى، فإن التوسع في سرقة الزيتون يعني أمرين، الأول حرمان الفلسطينيين من مصدر رزق وغذاء يشكل أحد أهم المقومات الغذائية الفلسطينية، وهو أمر يفتخر به المستوطنون. إذ صوّر مستوطن معصرة الزيت في قرية جيت في قلقيلية وهي شبه فارغة، وروى أنه في السنوات الماضية كان الناس على أبوابها بالطوابير وتعمل حتى مطلع الفجر من شدة الازدحام. وهذا على عكس معاصر المستوطنين وهو ما وصفه بأنه “تجسيد لخلاص أرض إسرائيل التي سُلبت على مرّ الأجيال”. 

أما الأمر الآخر، فهو زيادة عنف المستوطنين وخلق مزيد من “الاحتكاك”. فقد أصبح توجه الفلسطيني إلى أرضه خطراً حياتيّاً، لأن المستوطنين قد قرروا أنهم يريدون سلب الأرض وما عليها. وأصبح الفلسطيني في هذه الحالة يصوّر على أنه متسلل ويقترب من تخوم المستوطنات للاستطلاع لتنفيذ هجوم على غرار 7 أكتوبر، أو أنه يسعى مع نشطاء أجانب لخلق استفزازات واحتكاكات مع المستوطنين وجيش الاحتلال.  

خاتمة

تتكامل هنا ثلاثة أركان: التوسع في الاستيلاء والسيطرة على الأراضي، والتوسع في زيادة الضغط الاقتصادي على المجتمع الفلسطيني، والتوسع في العنف تجاه الفلسطينيين. وهذه التركيبة، التي تكثّفت في موسم الزيتون هذا العام، تهدف إلى التطهير العرقي لأكبر مساحة من الأراضي في الضفة الغربية، إما بدفع الفلسطينيين للهجرة خارج البلاد أو حصرهم في معازل ضيقة. وأما المؤشر الأكثر خطورة، فيكمن في تحول تكتيكات المستوطنين، فبعد أن نجحوا في السنوات الماضية في تهجير التجمعات البدوية، واستخدموا وسائل من بينها رعي الأغنام، انتقلوا لاحقاً إلى استهداف الريف والقرى الفلسطينية، متّخذين من سرقة الزيتون وسيلة رئيسة للتضييق والتهجير، لتتحول المعركة على هذا الموسم إلى معركة على الوجود نفسه.

[1] Yesh Din: Volunteers for Human Rights. “Update on Olive Harvest and Important Court Hearings.” October 15, 2026: https://2u.pw/GBYEQ0o

[2] الأمر العسكري بشأن تسوية الأراضي والمياه (يهودا والسامرة) (رقم 291)، 1968، صدر في 19/12/1968 ودخل حيز التنفيذ في 1/1/1969.

[3] Peace Now and Kerem Navot, Annus Mirabilis: Actions by the Israeli Government to Annex the West Bank, 2023–2025, 2026, p. 55.

[4] عزمي بشارة (1997). مائة عام من الصهيونية من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر، مجلة الكرمل، العدد53، ص5.

[5] “Peace Now”: p 23.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى