الانتخابات الفلسطينية بين تداعيات الإبادة في غزة وتحديات المستقبل السياسي

بعد أكثر من ألف يوم من حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام استحقاق تشريعي مقرر في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بموجب المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس محمود عباس في التاسع من يوليو الماضي، ومع إعلان لجنة الانتخابات المركزية عن الجداول الزمنية لبدء الترشح والعملية الانتخابية، يصطدم هذا الاستحقاق بجدار سميك من التحديات المادية والإنسانية والسياسية الصعبة، ليقف قطاع غزة أمام معادلة شديدة التعقيد تجمع بين استحقاق الديمقراطية وشروط النجاة.
وفي هذا التقرير نناقش إمكانية إجراء الانتخابات عبر ثلاثة محاور رئيسية، البيئة الميدانية لإجراء الانتخابات التشريعية، والبيئة السياسية والقانونية، والتحولات السوسيولوجية لشارع يبحث عن مقومات البقاء.
أولوية الانتخابات للفلسطينيين في غزة
لا تجري الانتخابات في فراغ اجتماعي، بل داخل مجتمع يحمل ذاكرة الحرب وتبعاتها الاقتصادية والإنسانية والنفسية، ويعيش أفراده بين آثار النزوح وفقدان المساكن وتراجع مصادر الدخل وتضرر الخدمات الأساسية، وفي قطاع غزة، حيث امتدت الحرب لسنوات وتركت آثاراً واسعة على تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الانتخابات بالنسبة للمواطن منفصلة عن سؤال البقاء وإعادة بناء الحياة.
ومن هنا، فإن قراءة الموقف المجتمعي من الانتخابات لا يمكن اختزالها في سؤال: هل يريد المواطنون المشاركة أم لا؟ بل تتطلب فهماً أوسع لكيفية تغير أولوياتهم، وما إذا كانت المشاركة السياسية لا تزال تحتل موقعها السابق في سلم اهتماماتهم، أم أن الحرب دفعت احتياجات أخرى إلى مقدمة المشهد.
وتكشف شهادات المواطنين عن مواقف متباينة تجاه الانتخابات، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة، ألا وهي الحرب أعادت ترتيب الأولويات اليومية، فالمواطنة دينا فروانة[1] لا تنكر أهمية الانتخابات وحق المواطنين في اختيار ممثليهم، لكنها ترى أن سنوات الحرب والاستنزاف دفعت هذا الاستحقاق إلى مرتبة متأخرة من اهتمامات قطاعات من المجتمع، في ظل انشغال الناس بتأمين احتياجاتهم الأساسية، وتقول “على الرغم من أهمية العملية الانتخابية وحق الشعب في الاقتراع واختيار من يمثله، إلا أن هذا الملف لم يعد أولوية لديّ، ولدى نسبة كبيرة من المواطنين الذين استنزفوا في تفاصيل حياتهم اليومية القاسية، بعد كل ما مررنا به من مآس وفقد ونزوح ودمار لبيوتنا، غيرت أولوياتنا جميعاً”، وترى أن المواطن الغزي بات منشغلاً بأسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بالطعام والماء والمأوى وتعليم الأطفال والخروج من آثار النزوح والحرب، ولذلك فإن الحديث عن الانتخابات قد يبدو بعيداً عن واقع من لا يزال يبحث عن مقومات الحياة الأساسية، فماذا يعني أن أمارس حقي في الاقتراع أو الانتخاب بينما أنا محرومة من أبسط حقوقي في الحياة؟.
ولا تعكس تلك الشهادة بالضرورة موقف المجتمع الغزي بأكمله، لكنها تكشف جانباً من التحول في سلم الأولويات الذي أحدثته الحرب، حيث باتت المشاركة السياسية تتقاطع بصورة مباشرة مع أسئلة البقاء والأمان واستعادة الحياة الطبيعية.
ذلك التحول في الأولويات يظهر أيضاً في شهادة المواطن محمد الصواف[2]، الذي لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد موعد انتخابي، بل يربط إمكانية المشاركة فيها بمدى استعداد المجتمع الذي خرج من سنوات الحرب والنزوح والدمار لخوض استحقاق سياسي جديد، “الناس اليوم تفكر في الإعمار، فهل هي مهيأة فعلًا للانتخابات؟”
ويفتح هذا التساؤل باباً على التحولات التي طرأت على المجتمع الغزي خلال الحرب، فالأولوية بالنسبة لكثير من المواطنين باتت مرتبطة بإعادة بناء البيوت، واستعادة مصادر الدخل، وتأمين الخدمات الأساسية، وليس فقط بالمشاركة في عملية سياسية.
كما يطرح الصواف أسئلة تتصل بالجيل الجديد الذي عاش سنوات الحرب، وبمدى تأثير هذا الواقع في وعيه السياسي وفي نظرته إلى المؤسسات والقيادة والانتخابات، “ما طبيعة الخيارات التي يمكن أن تنتجها انتخابات تجري في مجتمع أنهكته الحرب وأعيد تشكيل واقعه الاجتماعي والاقتصادي”، ولا يقتصر موقفه على رفض الانتخابات أو قبولها، بل يعكس حالة من التساؤل والقلق بشأن قدرة المجتمع على الانتقال من حالة البقاء إلى حالة المشاركة السياسية الفاعلة.
وفي مقابل هذا القلق، ترى المواطنة ميسرة شعبان[3] أن الانتخابات تظل حقاً ديمقراطياً ووسيلة لتجديد المؤسسات والشرعية، “لكن ترتيب الأولويات في الظروف الراهنة يفرض نفسه بصورة مختلفة، فالمواطن في غزة يحتاج أولاً إلى وقف نزيف الحرب، وتأمين الغذاء والماء والدواء، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، قبل الانتقال إلى استحقاقات سياسية تتطلب قدراً من الاستقرار والقدرة على المشاركة.
وفي قراءة تعكس وعي المواطن الغزي بالخلفيات السياسية والاستراتيجية للانتخابات، يرى المواطن إياد القرا[4] أن الاستحقاق الانتخابي القادم ينبع من حالة سياسية وإقليمية أكثر من ارتباطه بالمواطن اليومي، فهو يشكل استجابة لمطالب أمريكية وأوروبية ومطلب داخلي تسعى من خلاله السلطة الفلسطينية لإعادة تأهيل نفسها، فضلاً عن كونه مخرجاً يشجع الأطراف الدولية على التعاطي مع نتائجها كجسم شرعي يخدم ملفات التعافي وإعادة الإعمار بعد الإبادة.
كما أنه يرى أن مختلف القوى السياسية تمتلك حساباتها الخاصة من هذه العملية، فحركة حماس تسعى لكسر شروط الاحتلال الإسرائيلي الرامية لعزلها، وتجديد شرعيتها الانتخابية أمام الشارع والدول، في حين يرى التيار الإصلاحي لحركة فتح وبقية الفصائل والقوائم في الانتخابات فرصة لترسيخ حضورهم وشراكتهم.
ومع ذلك، يضع القرا يده على معضلة التأثير الميداني، مؤكداً أن الخلط بين الانتخابات وإحداث تغيير مباشر على الأرض قد يكون غير دقيق، بالقياس على تجارب الانتخابات البلدية السابقة التي لم تُحدث تغييراً ملموساً في الواقع المعاش، لكنه يرى في الوقت ذاته أن مظلة الحرب والإبادة فتحت الباب، بعد أكثر من عقدين من الانقطاع الانتخابي، أمام إمكانية إعادة بناء منظمة التحرير والمشروع الوطني، وقطع الطريق أمام استفراد أي جهة بالقرار الفلسطيني أو ترسيخ فكرة عزل قطاع غزة.
البيئة الميدانية لإجراء الانتخابات
تأتي الانتخابات التشريعية المرتقبة في وقت ما زالت فيه أجزاء واسعة من القطاع تعاني آثار الدمار والنزوح، فيما تراجعت المساحة المتاحة للسكان وتضررت البنية التحتية والمرافق العامة، بما فيها المدارس التي عادة ما تشكل جزءاً رئيسياً من مراكز الاقتراع.
وعلى الرغم من التحديات الميدانية المركبة، تؤكد لجنة الانتخابات المركزية مواصلة التزامها بالجدول الزمني المعتمد للانتخابات العامة، مع إدخال ترتيبات إجرائية واستثنائية تتكيف مع الواقع المادي والجغرافي في القطاع، بحيث تعتمد مساراً مرناً يراعي التغيرات الديمغرافية الحادة، إذ تقرر استبدال التحديث التقليدي لسجل الناخبين بالاعتماد المباشر على السجل المدني وبطاقة الهوية، بما يمنح الهيئة الانتخابية مرونة أعلى في التوزيع المكاني وضمان الحق في الاقتراع[5].
غير أن التكيف الإجرائي يصطدم بالواقع المادي لمراكز الاقتراع التي باتت جزءاً من أزمة الدمار الشامل، إذ أدى تدمير نسبة واسعة من المدارس والمقار العامة أو استغلالها كمراكز إيواء للنازحين إلى دفع اللجنة نحو البحث عن خيارات بديلة، تشمل إقامة مراكز اقتراع مجهزة في خيام ميدانية ضمن المناطق التي تفتقر للمباني الصالحة، كما أنها تستهدف إقامة أكثر من مائة مركز اقتراع في النطاقات المتاحة.
وتتجاوز معضلة العملية الانتخابية إمكانية إقامة المراكز الفنية إلى مدى قدرة الناخب والمرشح على الوصول الآمن إليها، بحيث يبرز دمار الطرق والتهجير المستمر والمخاطر الأمنية المباشرة في المناطق المحاذية لـ”الخط الأصفر” كمحددات جوهرية، ووفقاً للمدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة جميل الخالدي، “لا تملك اللجنة حتى الآن تنسيقاً مباشراً يضمن الوصول الآمن إلى المناطق القريبة من الخط الأصفر، وتوفير البيئة الأمنية اللازمة للعملية الانتخابية يرتبط بالجانب الإسرائيلي وبالمجتمع الدولي”[6].
وهو ما دفع الشارع الغزي إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول مدى إمكانية الوصول الآمن، وقال المواطن محمد الصواف[7] “ما مدى وجود ضمانات دولية أو إقليمية تسمح بحماية العملية الانتخابية وتأمين وصول المواطنين في المناطق القريبة من مناطق التماس، ومن هي الجهة التي ستتولى حماية العملية الانتخابية، وما مدى قدرة المؤسسات الأمنية القائمة على القيام بهذا الدور في ظل تعرضها للاستهداف المتواصل؟”.
ولا تتوقف العقبات عند ذلك الحد، بل تتضاعف بالقيود اللوجستية التي يفرضها الاحتلال عبر منع إدخال المواد الأساسية كصناديق الاقتراع، والحبر الانتخابي، ومستلزمات الطباعة، ما دفع اللجنة للاعتماد على حلول بديلة محلياً، إلى جانب فرض قيود على حركة المراقبين الدوليين ودفع الاتجاه نحو خيارات المراقبة الرقمية وعن بُعد[8].
وعلى الرغم من تلك المعوقات، فإن لجنة الانتخابات المركزية تؤكد على تجاوزها بناء على تجربتها في الانتخابات المحلية بدير البلح، بينما أظهر تقرير مركز كارتر عن انتخابات المجالس المحلية في أبريل 2026، أن الانتخابات أديرت بصورة جيدة من الناحية الفنية، لكنه قال إن العملية الديمقراطية لم تتحقق بصورة كاملة في الضفة وغزة بسبب مجموعة عوامل معقدة.
البيئة السياسية والقانونية.. هل تتوافر شروط انتخابات حرة وشاملة؟
القانون الفلسطيني لا يتعامل مع الانتخابات بوصفها مجرد عملية فنية لوضع ورقة في صندوق، بل ينص على أن انتخاب أعضاء المجلس يتم في انتخابات عامة حرة ومباشرة وسرية، ويكفل حق الانتخاب بغض النظر عن الرأي أو الانتماء السياسي، لكن الانتقال من النص القانوني إلى الواقع يطرح أسئلة أكثر تعقيداً في قطاع غزة، حيث لا تزال الحرب والدمار والنزوح والانقسام السياسي والقيود الأمنية تؤثر في قدرة الناخب والمرشح على ممارسة حقوقهما.
إن إسقاط شروط الانتخابات الحرة والنزيهة على القطاع يتجاوز جاهزية لجنة الانتخابات الفنية ليمس أصل ممارسة حق الانتخاب في بيئة تعاني من نزوح قسري يقع فيه الناخب تحت تهديد القصف وظروف إنسانية وأمنية قاسية، ولذلك فإن حرية الناخب تتطلب غياب الإكراه والضغط السياسي والأمني، وهو ما يتعارض كلياً مع حالة الطوارئ والمخاطر المباشرة التي تعيشها العائلات في الخيام ومراكز الإيواء.
كما أن التشريعات تكفل حماية المرشح والقائمة وعقد التجمعات والدعاية الانتخابية، غير أن الواقع الغزي يمنع أي حراك سياسي أو تنظيمي ميداني، فالاستهداف العسكري المستمر للنشطاء والتجمعات والتي كان آخرها اليوم 22/9/2026، وغياب المقار الحزبية والوسائل الإعلامية المحلية، تطرح تساؤلات جدية حول مدى إمكانية تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.
وترى المحامية الشرعية والنظامية رندة قدادة[9] أن “الجاهزية الفنية للجنة الانتخابات شرط ضروري لكنه غير كاف وحده لإسباغ النزاهة على العملية الانتخابية، إذ يجب التمييز حكماً بين (الجاهزية الإجرائية) المتمثلة في توفير الصناديق والسجلات والفرز، وبين (الجاهزية الديمقراطية والحقوقية) المقترنة بتوافر بيئة آمنة تحمي إرادة الناخب وتكفل للمرشح والقوائم التنافس الحر وتكافؤ الفرص دون إكراه أو تهميش”.
وتكتمل الدورة الانتخابية قانونياً بوجود أجهزة حماية محايدة وآليات طعن قضائي مستقلة، وفي ظل تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي للأجهزة الشرطية والمؤسسات القضائية والأهلية في قطاع غزة، تصبح مراكز الاقتراع المقترحة (كالخيام) مجرد نقاط هشة تفتقر للسيادة وحماية أمن الصناديق والناخبين، كما أن القيود الميدانية ومنع دخول المراقبين الدوليين، وظروف الوصول والحركة داخل قطاع غزة تطرح تساؤلات عملية حول قدرة الناخبين والمرشحين على الاستفادة الفعلية من آليات الشكاوى والطعن، رغم وجود الإطار القانوني المنظم لها.
وبحسب المحامية النظامية والشرعية قدادة[10]، فإن الانتخابات حق دستوري متكامل لا يختزل في يوم الاقتراع أو وضع الورقة في الصندوق، بل يبدأ من قدرة المواطن على الترشح والتجمع والدعاية وينتهي بالرقابة والطعن القضائي، ومع إجراء الانتخابات ضمن إطار قانوني موحد بين الضفة وغزة، يظل معيار الشمول والنزاهة الحقيقي مرهوناً بمدى قدرة المواطن الفلسطيني أينما وجد على ممارسة الحق ذاته بحرية ومساواة وكرامة.
وترى المواطنة ميسرة شعبان[11] أنه “وبالرغم من أن تجديد الشرعية حق أصيل للتغيير، إلا أن البيئة الحالية تكبل أي مخرجات، فالقوى التي قد تتولى إدارة القطاع وإعادة بنائه ستواجه مخاطر وعوائق تحول دون تطبيق خططها على الأرض، وأي قيادة أو شخصية جديدة تنبثق عن الانتخابات لا أتوقع أن يكون بمقدورها العمل في ظل الهيمنة العسكرية والدمار القائم”.
ختاماً
تكشف المعطيات أن تحدي الانتخابات في قطاع غزة لا يرتبط بالجاهزية الفنية وحدها، بل بقدرة البيئة الميدانية والسياسية والاجتماعية على تحويل الحق الانتخابي إلى ممارسة فعلية حرة ومتساوية، فبينما تمتلك لجنة الانتخابات أدوات التكيف والتنظيم، تظل القيود الأمنية والمادية، إلى جانب إعادة الحرب ترتيب أولويات المجتمع، عوامل مؤثرة في شكل المشاركة الانتخابية ومداها.
وعليه، فإن اختبار الانتخابات المقبلة لن يكون في مجرد فتح صناديق الاقتراع، بل في مدى قدرتها على ضمان مشاركة فعلية لمجتمع أنهكته الحرب وأعيد تشكيل واقعه.
[1] دينا فروانة، مواطنة فقدت زوجها وبيتها وتنزح حاليا في مدينة غزة، مقابلة أجرتها الباحثة بتاريخ (19/9/2026)
[2] محمد الصواف، مصدر سابق.
[3] ميسرة شعبان، مصدر سابق.
[4] إياد القرا، مواطن عانى النزوح ومصاعب الحياة في غزة، مقابلة أجرتها الباحثة بتاريخ (6/10/2026)
[5] جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة، مقابلة أجرتها الباحثة بتاريخ (10/9/2026)
[6] جميل الخالدي، المصدر السابق.
[7] محمد الصواف، مواطن فقد بيته وعائلته في حرب الإبادة الجماعية المستمرة، مقابلة أجرتها الباحثة بتاريخ (17/9/2026)
[8] جميل الخالدي، مصدر سابق.
[9] رندة قدادة، المحامية النظامية والشرعية، مقابلة أجرتها الباحثة بتاريخ (15/9/2026)
[10] رندة قدادة، المصدر السابق.
[11] ميسرة شعبان، مواطنة عانت النزوح ومصاعب الحياة في غزة، مقابلة أجرتها الباحثة بتاريخ (17/9/2026)



