حصار رام الله وتقسيمها: الخطة الاستيطانيّة المُعلنة لمستقبل رام الله

نشرت أسبوعية “عولام كاتان” الدينية اليمينية الإسرائيلية، في 24 أيلول/سبتمبر الماضي، أن جيش الاحتلال بدأ الاستعداد لفتح الطريق 463 أمام حركة المستوطنين. يمرّ الطريق في الجزء الشمالي من المنطقة الحضرية لرام الله والبيرة، ويعرف إسرائيلياً باسم “محور فالرشتاين”. ونقلت الصحيفة عن يسرائيل غانتس، رئيس المجلس الاستيطاني “بنيامين”، أن “القرار المبدئي قد اتّخذ”، وأن الخطوة “رصدت لها ميزانية ودخلت حيز التنفيذ”، بما في ذلك العمل القانوني. وبحسب صحيفة “هآرتس”، يستدعي فتح الطريق إقامة مواقع عسكرية وحواجز جديدة قرب التجمعات الفلسطينية، ممّا قد يعزل عدة قرى وأحياء في شمال المدينة عن المناطق الواقعة جنوب الطريق، ويعرقل الوصول إلى منشآت حيوية، منها المستشفى الاستشاري والجامعة العربية الأمريكية ومحطة معالجة المياه العادمة.

وبعد أيام من هذا الإعلان، اقتحمت أعداد كبيرة من المستوطنين بلدة بيتونيا غرب رام الله، ووصلوا إلى طريق جريوت ودوارها، حيث رشقوا مركبات المواطنين بالحجارة، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية تمهيداً لأداء “صلوات تلمودية” في عين جريوت، تحت حماية جيش الاحتلال. ويقع مكان الاقتحام بالقرب من طريق ثانٍ يسعى المستوطنون إلى فتحه، يصل منطقة مستوطنة “دوليف” بالطريق 443 مروراً بأطراف بيتونيا، ويسميه الإعلام الاستيطاني “محور المعوزيم”، وهو الطريق الالتفافي لبيتونيا. وفي التقرير ذاته، أفادت “عولام كاتان” بأن هذا المحور “أقر فتحه هو الآخر”، بعدما أمر وزير الأمن يسرائيل كاتس مطلع العام الجاري بدراسة إعادة فتحه، بعد أن كان مغلقاً منذ الانتفاضة الثانية.

من هنا، يستعرض هذا التقرير مشروعين استيطانيين مترابطين يستهدفان رام الله، الأول: “محور فالرشتاين”، الذي يمر في الجزء الشمالي من المنطقة الحضرية للمدينة ويفصلها عن سردا وبيرزيت، والثاني: “محور المعوزيم” أو الطريق الالتفافي لبيتونيا، الذي يمتد على أطرافها الغربية والجنوبية الغربية. ويتتبّع التقرير تاريخ كل منهما ومساره، وما يعنيه فتحهما للمستوطنين بالنسبة إلى مدينة تتمدد منذ ثلاثة عقود باتجاههما.

محور فالرشتاين.. طريق يقطع رام الله عن سردا وبيرزيت

تبدأ قصة هذا الشارع مع بنحاس فالرشتاين، الذي ترأس المجلس الإقليمي “بنيامين”[1] 29 عاماً حتى 2008، وأقام في مستوطنة “عوفرا”. ففي مقابلة مطولة أجراها معه مجلس “يشع” عام 2016، يروي فالرشتاين أن وصول المستوطنين إلى الطرق صار شبه مستحيل بعد اتفاق أوسلو، حيث إن المستوطنين في مستوطنة “دوليف” الذين يذهبون إلى “بيت إيل” كانوا يمرون عبر رام الله، ثم لاحقاً بعد إغلاق مناطق (أ) أمام المستوطنين، باتوا يسلكون طريقاً التفافياً يستغرق نحو ساعة ونصف، فتقرر شق طريق مختصر لهم، على حساب مصالح الفلسطينيين.

ويروي فالرشتاين أن شق الطريق استغرق شهرين إلى ثلاثة، وأنهم لجؤوا إلى حيلة للتمويه، حيث وضعوا لافتة لشركة المياه الإسرائيلية “مكوروت” ومدوا أنابيب مياه على جانبي الطريق، ليبدو العمل مشروعاً للمياه. وتؤكد “هآرتس” أن المجلس شق الطريق دون موافقة الجيش أو سلطات التخطيط في “الإدارة المدنية”. وتضيف أن الطرق التي شقها المجلس بعد توقيع أوسلو عام 1993 استهدفت تقليص المساحة التي ستعاد إلى السلطة الفلسطينية. ووثقت تقارير مختلفة أن جزءاً من هذا الطريق مر في المنطقة (ب)، التي لم يكن يحق لإسرائيل البناء فيها بموجب الاتفاق، وأن المستوطنين بنوا طرقاً كهذه عبر تحويل أموال عامة مخصصة لأغراض أخرى.

وبحسب تقرير “عولام كاتان” ذاته، فقد شق مجلس “بنيامين” عام 1994، ودون موافقة الجيش، طريقاً بطول نحو 11.5 كيلومتراً يبدأ من “ياد يائير” قرب “دوليف” ويصل إلى “بيت إيل” (يمر من عين قينيا مروراً بسردا وصولاً إلى بيت إيل). وبعد أشهر، أوعزت قيادة المنطقة الوسطى بالمضي في فتحه وتعبيده، لكن رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك رفض المصادقة على ذلك. وفي شباط/فبراير 1996، وبعد إضراب فالرشتاين عن الطعام، وافق شمعون بيريز، الذي كان يشغل رئاسة الحكومة ووزارة الأمن، على فتح المحور أمام الحركة المدنية للمستوطنين، ونفذت دائرة الأشغال العامة الإسرائيلية أعمال تعبيده بكلفة نحو 3.6 ملايين شيكل. ولكن في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، قتلت مستوطنة تدعى إيتا تسور وابنها إفرايم بإطلاق نار على سيارتهما على الطريق المصادر. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، أغلق المحور أمام الإسرائيليين.

يمر الطريق (محور فالرشتاين) في الجزء الشمالي من المنطقة الحضرية لرام الله، ويقطع الطريق الواصل بين رام الله وسردا وبيرزيت. وهو جزء من الطريق 463، الذي يمتد قرابة 23 كيلومتراً من مفرق “نيلي” غرباً حتى الطريق 466 قرب البيرة شرقاً. أما المقطع الذي يطالب المستوطنون بفتحه فطوله نحو عشرة كيلومترات، ويمتد بين البيرة ومخيم الجلزون للاجئين شرقاً وعين قينيا غرباً، ويتصل بشبكة “الطرق الصينية” التي أنشأتها بلدية رام الله لتخفيف الازدحام المروري. وبحسب ما قاله رئيس بلدية البيرة منيف طريش، في تصريحات صحافية، صودق على مشروع لشق شارع فلسطيني على هذا المقطع قبل سنوات ضمن مشروع “الشارع الدائري” الذي قدمته بلديات البيرة ورام الله وبيتونيا، ويقع 95% من مساره في المنطقة (ب)، بينما تقطع أجزاء بسيطة منه في المناطق (ج).

وقال غانتس، رئيس مجلس بنيامين ومجلس مستوطنات الضفة الغربية، لـ”عولام كاتان” إن الجيش مطالب بنقل ثقل عسكري وإعادة الانتشار في المنطقة، أي نقل قواعد ومعدات، وإن الأمر مسألة أشهر. واحتاج المتحدث باسم جيش الاحتلال خمسة أيام للرد على أسئلة “هآرتس”، ثم جاء رده مؤكداً تصريحات غانتس، إذ قال إن الجيش يعمل على تهيئة ظروف أمنية خاصة للسفر على الطريق مستقبلاً. وأشار الرد إلى أن جزءاً من الطريق يمر في المنطقة (أ)، وأن دخول الإسرائيليين إليها محظور ويعدّ مخالفة جنائية. ولم يوضح كيف سيفصل الجيش بين المستوطنين المارين على الطريق والمنطقة (أ) التي يعبرها.

يراد للطريق، من الجانب الإسرائيلي، أن يعيد وصل تجمعين استيطانيين تفصل بينهما رام الله، حيث تؤكد القناة السابعة الإسرائيلية أنه يهدف إلى الربط المباشر بين تجمع مستوطنتي “بيت إيل” و”عوفرا” من جهة، وتجمع “دوليف–تلمونيم” وغرب منطقة “بنيامين” (التسمية الإسرائيلية) من جهة أخرى. ويقول المستوطنون إن إغلاق المحور حول رحلة مدتها 12 دقيقة إلى نحو ساعة.

خريطة أعدها كاتب التقرير استناداً إلى بيانات OpenStreetMap وصور الأقمار الصناعية
خريطة أعدها كاتب التقرير استناداً إلى بيانات OpenStreetMap وصور الأقمار الصناعية

وتفيد “هآرتس” بأن فتح الطريق للمستوطنين قد يجبر عشرات آلاف الفلسطينيين على استخدام شارع قديم قرب مخيم الجلزون، وهو شارع مكتظ أصلاً (طريق كفر عقب – قلنديا). وتستند المطالبة الإسرائيلية إلى تصنيف إداري قديم، فبحسب التقرير، يمنح استمرار تصنيف أجزاء من الطريق ضمن المنطقة (ج)، رغم وقوعها في قلب المنطقة الحضرية الفلسطينية، الأساس الإداري للمطالبة بفتحه.

وعادت عائلة تسور إلى المشهد الشهر الماضي، ففي التاسع من أيلول/سبتمبر، عندما اقتحم المستوطنون الشارع، وعلقوا لافتة كتب عليها “مفترق تسور” في وسط المحور قرب أطراف رام الله، في النقطة التي قتلت فيها المستوطنة بعملية إطلاق نار قبل نحو 30 عاماً. وطالب مستوطن من العائلة بإعادة المكان إلى “سيطرة إسرائيلية كاملة”، ودعا الجيش والحكومة إلى “السيطرة على الأرض وفتح الطريق”. ومنذ تلك الفترة، ينظم مستوطنون اقتحامات يومية على طول المحور، بهدف فرض وقائع على الأرض والضغط على الأجهزة الأمنية والحكومة لإعادة فتح الطريق.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للافتة علقها المستوطنون على مفترق سردا
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للافتة علقها المستوطنون على مفترق سردا

الطريق الالتفافي لبيتونيا.. استكمال لمشروع أوسع

إلى الغرب والجنوب الغربي من رام الله، يسعى المستوطنون إلى فتح طريق ثانٍ يُعرف فلسطينياً باسم “الطريق الالتفافي لبيتونيا”، ويحمل الرقم 4437. ويمر جنوب مستوطنة “معوز تسور” حتى الطرف الغربي لبيتونيا، ليكمل منه مقطع قصير نحو الشمال.

وكان هذا الطريق قد أغلق أمام المستوطنين خلال الانتفاضة الثانية، بعد عمليات في منطقة بيتونيا، وبقي مغلقاً أكثر من عشرين عاماً. وفي 11 كانون الثاني/يناير الماضي، أمر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بعد اجتماع مع قيادة مجلس “بنيامين”، ببدء عمل طاقم لدراسة إعادة فتحه، وبحث الجوانب العملياتية والمدنية والتخطيطية بالتنسيق مع الجيش والمجلس. وفي 24 أيلول/سبتمبر، أفادت “عولام كاتان” بأن الطريق، الذي تسميه “محور المعوزيم”، “أقر فتحه” إلى جانب محور فالرشتاين.

ووصف غانتس قرار كاتس حينها بأنه “تاريخي وذو أهمية إستراتيجية من الدرجة الأولى”، وقال إن الطريق “مفتاح السيطرة الإسرائيلية على المنطقة الجبلية بين القدس وموديعين، ووقف السيطرة (الفلسطينية) التي تهدد بالتقدم نحو مركز البلاد”. وقدمت وسائل إعلام استيطانية فتح الطريق ضرورة لملء “فراغ أمني” قائلة إن السلطة الفلسطينية استغلته خلال سنوات الإغلاق للسيطرة على هذه المنطقة. وبحسب موقع “حرديم 10″، يشكل فتح الطريق “شرطاً مركزياً” لإقامة مستوطنات جديدة في المنطقة صادق عليها الكابينت الإسرائيلي خلال العام الأخير. ومن بينها على ما يبدو مستوطنة “معوز تسور“، التي سكنتها أولى العائلات في نيسان/أبريل الماضي، وتصفها وسائل إعلام إسرائيلية بأنها “تربط بين كتلة دوليف–تلمونيم والطريق 443”.

وعاد الطريق إلى الواجهة في 24 آب/أغسطس الماضي، عندما أوقفت الشرطة الفلسطينية جنديَّ احتياط إسرائيلياً مسلحاً بلباس مدني عند حاجز لها في مفترق بيتونيا، على الطريق الالتفافي من مستوطنة “دوليف” نحو الطريق 443، ثم نقلته إلى رام الله قبل تسليمه للجيش الإسرائيلي. واعتقل جيش الاحتلال لاحقاً ثلاثة من أفراد الشرطة الفلسطينية. واستغل غانتس الحادثة للمطالبة بـ”إلغاء اتفاقيات أوسلو”، وطالب بـ”التحرك فوراً لفتح طريق آمن ومحمي بين كتلة دوليف–تلمونيم والطريق 443″.

وفي محيط هذا الطريق بالذات، اقتحم المستوطنون بلدة بيتونيا، وأدوا صلاة صباحية وتراتيل بمشاركة حاخامات من مستوطنات “حريشا” و”دوليف” و”نيريا”، وتحت حماية الجيش، وقالوا إن هدف الاقتحام هو الرد على حادثة جندي الاحتياط، وطالبوا الجيش والحكومة بـ”إعادة النظام والأمن”، تحت شعار “حيثما يسافر يهود يجب أن يكون هناك أمن كامل”.

في المحصلة، فإن السيطرة على الطريقين ستعمل على وقف تمدد رام الله العمراني في الاتجاهين اللذين بقيا متاحين أمامها، بل وقطع امتدادها القائم أصلاً نحو سردا وبيرزيت وقرى الريف الغربي، كما يظهر في الخريطة أدناه. فبحسب منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة، تركز توسع رام الله خلال العقدين الماضيين غرباً بعد إغلاق الطرق من جهة الشرق، ويهدف المخطط فعلياً إلى “تطويق غرب رام الله كلياً”.

خريطة أعدها كاتب التقرير استناداً إلى بيانات OpenStreetMap وصور الأقمار الصناعية
خريطة أعدها كاتب التقرير استناداً إلى بيانات OpenStreetMap وصور الأقمار الصناعية

وقف التمدّد الفلسطيني.. خطّة إسرائيليّة أعلن عنها المستوطنون

حين أمر كاتس بدراسة إعادة فتح الطريق الالتفافي لبيتونيا، قدّمه على أنه أداة لوقف ما يسميه “السيطرة الفلسطينية” على المنطقة الجبلية. ووصف غانتس الطريق بأنه “مفتاح السيطرة الإسرائيلية” على هذه المنطقة، وضرورة لصد ما اعتبره زحفاً فلسطينياً يهدد وسط إسرائيل. وفي هذه الرواية، لا يبني الفلسطينيون بيوتهم لأنهم يحتاجون إليها، بل ضمن خطة للسيطرة على الأرض، وأي توسع طبيعي لقرية أو حي يصير تهديداً يجب إيقافه. وتزعم تلك الرواية أن سنوات إغلاق الطريق خلّفت “فراغاً أمنياً” استغلته السلطة الفلسطينية للتمدد على السلسلة الجبلية المشرفة على الطرق المؤدية إلى وسط إسرائيل، لا نتيجة حتمية لزيادة سكانية في تجمعات جغرافية محدودة تملكها السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو.

حين غادر بنحاس فالرشتاين رئاسة مجلس “بنيامين” عام 2008، نشرت صحيفة المجلس شهادات لمستوطنين عنه، يقول أحدهم إن التفكير وراء شق المحور الذي يحمل اسمه كان أنه “فقط هكذا يمكن إقامة مستوطنة في المكان، ووقف تطور رام الله غرباً”. ويضيف أن طريقاً آخر تم شقه “ظاهرياً” لصيانة خط كهرباء، لكن الهدف الفعلي كان “وقف تطور رام الله شرقاً”. وفي المقابلة التي أجراها عام 2016، يشرح فالرشتاين نفسه منطق التخطيط للمنطقة، فيقول إن الهدف “كان تطبيق السيادة عبر الاستيطان”، ويروي أن المجلس أقام منطقة صناعية في مكان لم يستطع إقامة مستوطنة فيه، لأنه أراد “تواصلاً استيطانياً يهودياً على الطريق”.

في المحصلة، تكشف هذه المشاريع الاستيطانية المترابطة عن تحول واضح في سياسة الاستيطان الإسرائيلية، فبعدما ظل النقاش في إسرائيل سنوات طويلة عالقاً بين الفصل عن الفلسطينيين ومتطلبات الأمن، يبدو أن المستوطنين حسموا هذا التناقض لمصلحة توسيع السيطرة، حتى لو اقتضى ذلك المرور في قلب التجمعات الفلسطينية. فالطرق التي شقت في التسعينيات لتتيح للمستوطنين تجاوز المدن الفلسطينية والالتفاف حولها، أصبحت اليوم أداة لاختراقها وقطع امتدادها العمراني. ولم يعد المطلوب عزل المستوطنات وتأمين طرقها فحسب، بل عزل التجمعات الفلسطينية نفسها، وتضييق المجال على سكانها داخل مدنهم وقراهم.


[1] يشمل هذا المجلس كل المستوطنات والبؤر الاستيطانية المقامة في محافظة رام الله والبيرة تقريباً، إذ إنه حسب التقسيم الإداري الاستيطاني تسمى منطقة وسط الضفة الغربية “بنيامين” نسبة لأحد أسباط بني إسرائيل الذي كان نصيبه من “أرض إسرائيل” هذه البقعة، حسب الروايات التناخية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى