هل تُحوِّل إسرائيل اليونان إلى جبهة ردع ضد تركيا؟

شكَّلت صفقة “درع أخيل” التي وقَّعتها أثينا وتل أبيب تحوّلًا لافتًا في طبيعة التعاون الدفاعي بين إسرائيل واليونان، بما يحمله من تداعيات على معادلة الردع في شرق البحر المتوسط؛ حيث أعلنت وزارتا الدفاع الإسرائيلية واليونانية، يوم 31 أغسطس/آب 2026، توقيع اتفاق بين الحكومتين بقيمة نحو ثلاثة مليارات يورو، تتولى إسرائيل بموجبه بناء منظومة دفاع جوي وطنية متعددة الطبقات لليونان. وجاء التوقيع في تل أبيب بين المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية أمير بارام ونظيره اليوناني يوانيس بوراس، بعد نحو ثلاث سنوات من التفاوض، وبعد شهر واحد من موافقة مجلس السياسة الخارجية والدفاع اليوناني على المشروع في 23 يوليو/تموز 2026.

وقد وصفت وزارة الدفاع الإسرائيلية الصفقة بأنها أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ العلاقات بين البلدين، وواحدة من أكبر الصفقات في تاريخ إسرائيل، والمرة الأولى التي تُسلِّم فيها تل أبيب دولة أخرى منظومة دفاعية متكاملة ضد طيف واسع من التهديدات. وقد تزامَن ذلك مع توتر حاد في العلاقات التركية-الإسرائيلية على الساحة السورية، ومع عودة التوترات اليونانية-التركية في بحر إيجه.

في ضوء ما سبق، تهدف هذه الورقة إلى تفكيك أبعاد صفقة “درع أخيل” في سياق إعادة رسم معادلات القوة في شرق البحر المتوسط؛ بدءًا بتحليل الدلالات العسكرية والصناعية والإقليمية الكامنة خلف بناء هذه المنظومة الدفاعية متعددة الطبقات، مرورًا بفحص الحسابات والمحدّدات التركية في التعامل مع هذا التحوّل، وانتهاءً بتقييم حدود هذا التعاون الإسرائيلي اليوناني ومدى قدرته الفعلية على تغيير موازين القوى وتطويق تركيا في بحر إيجه ومحيطها الإقليمي.

درع أخيل.. دلالات رئيسة

تكشف صفقة “درع أخيل” وسياقاتها الإقليمية عن عدد من الدلالات، يمكن رصد أبرزها فيما يلي:

1‐ بناء منظومة متكاملة لا مجرد شراء أسلحة: تقوم الصفقة على ثلاث منظومات اعتراض إسرائيلية تتولى كل منها طبقة مختلفة؛ فمنظومة مقلاع داود تتولى الطبقة العليا المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز بمدى يتراوح بين (40) و(300) كيلومتر، فيما تُشكِّل منظومة “باراكMX ” التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية العمود الفقري للطبقة الوسطى بمدى يتراوح بين (35) و(150) كيلومترًا، وتوفر منظومة سبايدر التابعة لشركة رفائيل دفاعًا قريبًا سريع الانتشار عن القواعد والموانئ ومنشآت الطاقة.

ويُضاف إلى ذلك رادارات متعددة المهام من شركة “إلتا”، ومركز قيادة وسيطرة وطني تطوره “رفائيل” لدمج المستشعرات ووسائل الاعتراض في صورة عملياتية واحدة، فضلًا عن صفقة تكميلية بقيمة (26) مليون يورو لمنظومات “درون دوم” المضادة للطائرات المسيّرة. ومن ثم، يتضح أن ما تشتريه أثينا ليس منصات منفصلة، بل هندسة دفاعية وطنية موحدة يُفترَض أن تصل إلى الجاهزية العملياتية الكاملة خلال (35) شهرًا؛ وهو ما يتقاطع مع ما طرحه تحليل بموقع والا العبري، اعتبر أن الصفقة تتجاوز بيع منصات اعتراضية إلى تصدير مفهوم دفاع قومي إسرائيلي كامل تفرضه متغيّرات الحروب الحديثة؛ حيث لا تواجه الدول طائرات مقاتلة فحسب، بل رشقات متزامنة من المسيّرات والصواريخ الباليستية، بما يربط أثينا وتل أبيب بشراكة تكنولوجيّة وتشغيلية طويلة الأمد تتجاوز بكثير مجرّد عقود التوريد التقليدية.

2‐ اشتراط توطين التكنولوجيا وبناء قاعدة إنتاج يونانية: أشارت وزارة الدفاع اليونانية إلى أن (19) شركة يونانية ستشارك في المشروع بما يعادل أكثر من (25%) من قيمته؛ أي نحو (750) مليون يورو، مع إنشاء قاعدة إنتاجية ذات إمكانات تصديرية. والأهم من ذلك، أن أثينا حصلت وفقًا لصحيفة “كاثيميريني” على الشيفرة المصدرية لنظام القيادة والسيطرة؛ بما يجعل المنظومة مملوكة وطنيًا بالكامل ويُتيح للجيش اليوناني تطويرها بنفسه دون الاعتماد الدائم على المورِّد الأجنبي. ومن ثم، تتحوّل الصفقة من علاقة بائع ومشترٍ إلى ارتباط صناعي وأمني طويل المدى قد يمتد لعقود.

3‐ انتقال التحالف الثلاثي من التنسيق إلى البنية المؤسسية: لا تنفصل الصفقة عن المسار المتصاعد للتعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل؛ حيث وقَّعت الدول الثلاث في ديسمبر/كانون الأول 2025 خطة عمل مشتركة لتكثيف التدريبات الجوية والبحرية، كما أقرت أثينا وتل أبيب برنامج تعاون دفاعي لعام 2026 يتضمن (29) نشاطًا في اليونان و(25) في إسرائيل، مع تبادل الخبرات في مواجهة أسراب المسيّرات والمنظومات المسيّرة تحت الماء والتهديدات السيبرانية. وكانت قبرص قد تعاقدت على منظومة “باراك MX” الإسرائيلية في ديسمبر/كانون الأول 2024، يُضاف إلى ذلك طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير/شباط 2026 فكرة “التحالف السداسي”؛ وهو ما يعكس رغبة إسرائيلية في تحويل الشراكات الثنائية إلى بنية إقليمية أوسع.

4‐ اختيار مواقع النشر رسالة موجهة إلى عقيدة “الوطن الأزرق”: تعتزم اليونان نشر المنظومات أولًا في شمال شرق البلاد وفي جزر شرق بحر إيجه القريبة من السواحل التركية، وحول البنية التحتية الحيوية من قواعد جوية وبحرية وموانئ، بما يكشف طبيعة التهديد الذي تُبنى في مواجهته هذه المنظومة. وقد أوضح وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس أن الهدف هو “إغلاق المجال بأكمله في الجو والبحر وتحت البحر”، مؤكدًا أن الانتقال من مجموعة منظومات أسلحة إلى منظومة ردع شاملة سيمكِّن السفن والطائرات اليونانية من أداء “دور ردعي أوسع” لا يقتصر على الدفاع الضيق عن بحر إيجه. وتأتي هذه المقاربة في مواجهة عقيدة “الوطن الأزرق” التركية التي ترى في شرق المتوسط مجال نفوذ تابعًا لأنقرة، وفي ظل برنامج بناء بحري تركي ضخم يشمل، وفقًا للرئيس رجب طيب أردوغان، أكثر من (50) سفينة حربية قيد الإنشاء في وقت واحد. بالإضافة إلى ذلك، كشف تحليل نُشِر في “غلوبس” أن تسريع المشروع يرتبط بتقدير يوناني يخشى ضربة تركية افتتاحية متعددة الصواريخ في محاولة لغزو جزر في بحر إيجه؛ مما يجعل الصفقة جزءًا من بناء ردع إقليمي أكثر منه مجرّد تحديث دفاعي منفرد.

5‐ اندماج الملف اليوناني في التنافس التركي-الإسرائيلي الأوسع: تتقاطع الصفقة مع مسار تصعيد متسارع بين أنقرة وتل أبيب؛ فقد استهدفت إسرائيل، يوم 18 أغسطس/آب 2026، قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا لمنع انتشار عسكري تركي محتمل فيها، ووصف نتنياهو تركيا بأنها “ليست قوة سلام وأمن” وأن لديها “طموحات عدوانية”. وفي المقابل، رأت بعض التقديرات، مثل ما نقله موقع “الحرة” عن الباحثة في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي غاليا ليندنشتراوس، أن الصفقة “معقدة ونوقِشَتْ منذ وقت طويل، واستكمالها لا يرتبط بأحداث الأشهر الأخيرة”. ومن ثم، فإن الأدق وصف الصفقة بأنها حصيلة تراكم سياسي وأمني طويل جعل تركيا عاملًا حاضرًا في حسابات التعاون الإسرائيلي-اليوناني، وليست ردًا تكتيكيًا على حدث بعينه، وإن كان توقيت الإعلان قد ضاعف من مفعولها السياسي.

حسابات تركيا.. كيف تقرأ أنقرة هذا التحوّل؟

تتحرّك أنقرة في مواجهة صفقة “درع أخيل” على ثلاثة مستويات متداخلة، تمتد من الخطاب الرئاسي المباشر، مرورًا بالسند القانوني والتاريخي، وصولًا إلى إقرار حكومي بإدراج احتمال الحرب ضمن التخطيط الرسمي للدولة.

وجاء أول تعليق للرئيس التركي على الصفقة، يوم 2 سبتمبر/أيلول 2026، خلال عودته من قمّة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك؛ حيث دعا الرئيس “أردوغان” اليونان إلى “التراجع عن هذا المسار الخاطئ والتوقف عن تسليح الجزر ذات الوضع منزوع السلاح”، مُضيفًا أن “التاريخ مرشد جيد جدًا لمن يستخلص منه الدروس”، وأن “من يقرأ نهج تركيا الهادئ والعقلاني باعتباره ضعفًا يرتكب خطأً جسيمًا”.

تستند أنقرة في موقفها هذا إلى قراءة قانونية ثابتة مفادها أن الوضع القانوني لجزر بحر إيجه حُدِّد بموجب معاهدة لوزان عام 1923، ولا سيما المادة 13 منها التي تفرض قيودًا محددة على جزر ميتيليني (ليسبوس) وخيوس وساموس وإيكاريا، تتمثّٰل في حظر إقامة قواعد بحرية أو تحصينات. كما تستند تركيا إلى معاهدة باريس 1947، التي تنص على أن جزر دوديكانيس “تكون وتبقى منزوعة السلاح”. وترى أنقرة أن أي نشر لأنظمة دفاع جوي متقدمة على هذه الجزر يُعَدّ انتهاكًا لما تعتبره وضع نزع السلاح، وتعدّه تغييرًا في الوضع الراهن يُهدد أمنها القومي مباشرة، بسبب القرب الجغرافي الشديد لبعض هذه الجزر من السواحل التركية.

غير أن الخطاب الرئاسي والسند القانوني، على أهميتهما في تأطير الموقف التركي المُعلَن، يظلّان في نطاق الاحتجاج والتذكير بالالتزامات الدولية القائمة؛ أما المستوى الثالث والأكثر دلالةً فيتمثَّل في إقرار حكومي غير مسبوق ينقل هذا الموقف من سجلّ الخطاب إلى سجلّ التخطيط المؤسسي الفعلي.

ففي 10 أغسطس/آب 2026، وجَّه وزير الدفاع التركي يشـار غولر رسالة إلى البرلمان أقرّ فيها بأن الأعمال المتعلقة بـ “الأزمات والتوترات والحروب المحتملة” في محيط تركيا “تتواصل بدقة وبتنسيق كامل مع جميع وحدات الدولة”؛ وذلك ردًا على سؤال تقدَّم به النائب عن حزب الشعب الجمهوري حسن أوزتوركمن بشأن الحشد العسكري في الجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية، والتدابير المضادة التي تُعدّها أنقرة لمواجهة تلك التحركات. وتكتسب هذه الوثيقة أهميتها الاستثنائية من كونها تربط علنًا، وربما للمرة الأولى بهذا الوضوح، بين التخطيط التركي الرسمي لسيناريوهات الحرب وبين توسّع التعاون العسكري اليوناني-الإسرائيلي تحديدًا؛ وإن كانت الوزارة قد امتنعت عن تقديم أي تفاصيل عملياتية بشأن الإجراءات المضادة، مكتفيةً بالتأكيد على أن حقوق تركيا ومصالحها في بحر إيجه ستُصان “في جميع الظروف”.

وتظل هذه المستويات الثلاثة، على أهميتها، غير منفصلة عن قراءة تركية أعمق ترى في الصفقة ذاتها مؤشرًا على مأزق بنيوي يوناني. فقد أوضح تحليل أن اليونان لا تشتري منظومات دفاعية فحسب، بل تُخرِج الجهاز العصبي لسيادتها الجوية عبر نظام القيادة والسيطرة الذي تطوره رفائيل، بما يحوِّل الاعتماد التقني إلى قيد إستراتيجي طويل الأمد. ووفق هذه القراءة، فإن ما تكسبه أثينا من قدرات عسكرية متقدمة قد يُقابله تدريجيًا تضييق في هامش فعلها المستقل، خاصةً في ظل غياب أي التزام دفاع مشترك يُلزم إسرائيل بالانخراط دفاعًا عن أثينا. ومن ثم تتحوّل الصفقة في الحسابات التركية من مجرد تهديد عسكري مباشر إلى مؤشر على أن البحث عن الأمن عبر الاعتماد الخارجي قد يُنتج في النهاية قيودًا أكثر مما يُنتج ردعًا.

خاتمة

تكشف صفقة “درع أخيل” أن التعاون الدفاعي بين إسرائيل واليونان دخل مرحلة تتجاوز منطق شراء الأسلحة إلى بناء بنية أمنية أكثر رسوخًا في شرق البحر المتوسط؛ فإسرائيل لا تبيع أثينا منظومات اعتراض منفصلة، وإنما تُسهم في تشكيل منظومة دفاعية متكاملة، تتقاطع فيها التكنولوجيا العسكرية مع توطين الصناعة والتنسيق العملياتي والتخطيط طويل المدى. ومن ثم، فإن القيمة الإستراتيجية للصفقة لا تستقر عند حجمها المالي أو قدراتها التقنية، بل في كونها تنقل العلاقة بين تل أبيب وأثينا من مستوى التعاون العسكري إلى مستوى أكثر مؤسسية في بناء القدرة الدفاعية اليونانية.

بيد أن تحويل هذه البنية إلى أداة قادرة على تغيير ميزان القوى مع تركيا يظل أكثر تعقيدًا؛ إذ إن “درع أخيل” قد تُعزز قدرة اليونان على امتصاص الضربة ورفع كُلفة أي عمل عسكري، لكنها لا تلغي التفوق التركي في الحجم العسكري والعمق الجغرافي والقدرات البحرية والصناعية. كما أن إدخال إسرائيل بصورة أعمق في معادلة الردع اليونانية لا يعني بالضرورة وجود التزام إسرائيلي بالدفاع عن أثينا في حال اندلاع مواجهة عسكرية؛ الأمر الذي يجعل الصفقة أقرب إلى تعزيز قدرة اليونان على الردع الذاتي بدعم إسرائيلي منها إلى قيام تحالف دفاعي إسرائيلي يوناني ضد تركيا. وفي المقابل، فإن الخطر الأبعد يتمثَّل في أن تؤدي عملية بناء الردع المتبادل إلى إنتاج بيئة أمنية أكثر تسليحًا وأقل قابلية للاحتواء؛ فكلما عززت أثينا دفاعاتها الجوية والصاروخية، ستجد أنقرة نفسها أمام حافز لتطوير وسائل اختراقها وتوسيع قدراتها الصاروخية والمسيّرة والبحرية؛ بما يدفع الطرفين إلى حلقة متصاعدة من الردع والردع المضاد. وهنا تصبح “درع أخيل” جزءًا من إعادة تشكيل قواعد التنافس في بحر إيجه وشرق المتوسط، لا مجرّد صفقة دفاعية جديدة.

وعليه، فإن تلك الصفقة لا تعني أن إسرائيل نجحت في تطويق تركيا، ولا أن اليونان باتت قادرة على تحييد التفوق العسكري التركي؛ لكنها تكشف عن تحوّل أكثر أهمية، يتمثَّل في انتقال التنافس الإسرائيلي التركي تدريجيًا إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بتركيا ذاتها، وذلك من خلال الانخراط النشط في مناطق ذات حساسية أمنية لتركيا، من سورية إلى البحر المتوسط وحتى مناطق النفوذ التركي في القرن الأفريقي، ضمن الحملة الإسرائيلية المتصاعدة ضد تركيا وتصويرها على أنها “تهديد جديد” على غرار إيران. غير أن السلوك الإسرائيلي قد يكون عاملًا في تحفيز تركيا على تبني سياسات أمنية ودفاعية ردعية واستباقية لضمان مصالحها وأمنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى