إسرائيل في الانتخابات الأمريكيّة: تحوّل العلاقة من التوافق إلى المنافسة السياسية

ملف: أمريكا وإسرائيل بعد 7 أكتوبر والإبادة (3)

إذا كانت التحولات في الرأي العام الأمريكي قد كشفت تراجعًا في درجة التوافق التقليدي حول إسرائيل، وانتقل جزء من هذا التحول إلى داخل الكونغرس عبر تصاعد الخلاف حول المساعدات العسكرية وشروطها، فإن الانتخابات تمثل مجالًا آخر بدأ يظهر فيه أثر هذا التغير؛ إذ بات الموقف من إسرائيل والحرب في غزة أكثر حضورًا في المنافسة الانتخابية، وفي علاقة المرشحين بقواعدهم الحزبية، وفي بعض الانتخابات التمهيدية، والسباقات الرئاسية والتشريعية والمحلية.

وبرز هذا التحول بوضوح داخل الحزب الديمقراطي، حيث أصبحت السياسة تجاه إسرائيل والحرب على غزة جزءًا من التنافس الداخلي على تمثيل القاعدة الانتخابية، في حين بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوري مواقف مختلفة تجاه العلاقة مع إسرائيل، لا سيما بعد الحرب على إيران. وعليه، تسعى هذه الورقة إلى تتبع تموضع إسرائيل في المشهد الانتخابي الأمريكي، وتحليل الكيفية التي تحولت بها المواقف منها إلى عنصر محوري في التنافس على التمثيل السياسي داخل الحزبين.

 الانتخابات الرئاسية 2024: دخول غزة إلى الحساب السياسي الداخلي

أدخلت حرب الإبادة الجماعية على غزة والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل القضية الفلسطينية إلى الحساب الانتخابي بصورة مباشرة خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024. وظهرت إحدى أوضح صور هذا التأثير في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، تحديدًا في حملة “غير ملتزم” (Uncommitted)، التي دعت الناخبين إلى الامتناع عن منح أصواتهم للرئيس بايدن احتجاجًا على سياسة الإدارة الأمريكية تجاه الحرب على غزّة، لا سيما بعد أن ظهرت اعتراضات داخل القاعدة الديمقراطية على موقف إدارته من الحرب، خاصة بين الناخبين الشباب والتيارات التقدمية.

سجّلت الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ميشيغان، والتي أُجريت في فبراير 2024، أكثر من 101 ألف صوت لخيار “غير ملتزم”، بما يعادل 13.2 % من إجمالي الأصوات، في مؤشر على قدرة القضية الفلسطينية والحرب في غزة على التأثير في المزاج والنقاش الانتخابيين. كما جاءت حملة “استمع إلى ميشيغان” (Listen to Michigan) لتستخدم هذا الخيار بوصفه وسيلة ضغط على إدارة بايدن، مطالبةً بتغيير سياستها تجاه الحرب والدفع نحو وقف إطلاق النار. وقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال الفترة نفسها استمرار الفجوة بين القاعدة الديمقراطية وقيادة الحزب حول التعامل مع إسرائيل والحرب على غزة، خاصة بين الديمقراطيين الأصغر سنًا.

كما اكتسبت ميشيغان أهمية انتخابية إضافية بسبب موقعها في الخريطة الرئاسية؛ فقد فاز بها بايدن في انتخابات 2020 بفارق يقارب 154 ألف صوت عن دونالد ترامب، فيما تضم الولاية أكبر تجمع عربي أمريكي في الولايات المتحدة. لذلك تحولت أصوات “غير ملتزم” إلى إشارة انتخابية موجهة مباشرة إلى حملة بايدن، وأصبحت السياسة تجاه إسرائيل وغزة جزءًا من اختبار قدرة “المرشح الديمقراطي” على الحفاظ على ائتلافه الانتخابي في ولاية “متأرجحة”.

وتجاوزت الظاهرة حدود ميشيغان خلال أسابيع. ففي مينيسوتا، حصل خيار “غير ملتزم” في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2024 على 45,914 صوتًا، بما يعادل 18.80% من أصوات الناخبين الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية التمهيدية. ويشير هذا الانتشار إلى أن القضية أصبحت قابلة للتحول إلى سلوك انتخابي منظم في أكثر من ولاية، وأن الاعتراض على سياسة الإدارة تجاه الحرب وجد له تعبيرًا داخل العملية الانتخابية نفسها، بدلًا من بقائه في صورة احتجاج خارجي. وقد قدّرت (Politico( أن أكثر من 650 ألف ناخب ديمقراطي شاركوا خلال الانتخابات التمهيدية، في أشكال مختلفة من التصويت الاحتجاجي ضد بايدن، شملت “غير ملتزم” والاقتراع الفارغ وخيارات مماثلة، رفضًا لسياسته تجاه الحرب. وجاءت أبرز هذه الأصوات من قواعد انتخابية مهمة للحزب، في مقدمتها الناخبون العرب الأمريكيون والناخبون الشباب.

كما امتد النقاش كذلك إلى الانتخابات العامة، حيث اضطر المرشحون الرئيسون إلى إدارة توتر متزايد بين الالتزام بأمن إسرائيل والاستجابة للضغوط المرتبطة بالحرب في غزة. ففي مارس 2024، وصف بايدن أي عملية إسرائيلية واسعة في رفح بأنها “خط أحمر”، وتطور الموقف لاحقًا إلى خطوة تنفيذية أكثر، تحديدًا عندما أعلنت الإدارة في مايو وقف شحنة من القنابل إلى إسرائيل بسبب المخاوف من استخدامها في عملية واسعة داخل رفح.

كما قالت كامالا هاريس، التي أصبحت مرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة في صيف 2024، إن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في رفح ستكون “خطأ فادحًا”، مع الإشارة إلى احتمال ترتّب عواقب على إسرائيل إذا مضت في ذلك. أما في الجانب الجمهوري، فقد دعا دونالد ترامب في مارس 2024 إلى إنهاء الحرب سريعًا، محذرًا إسرائيل من أنها “تفقد كثيرًا من العالم” ومن الدعم الدولي. وأظهر هذا الموقف أن الضغط المرتبط باستمرار الحرب دخل أيضًا إلى الحساب السياسي الجمهوري، وإن جاء من زاوية مختلفة عن الضغط داخل الحزب الديمقراطي.

وعليه، دخلت غزة وإسرائيل في حسابات المرشح الديمقراطي بشأن تعبئة قاعدته، وفي حساب المرشح الجمهوري بشأن تقديم نفسه بوصفه قادرًا على إنهاء الحرب مع الحفاظ على دعم إسرائيل. وأصبحت السياسة تجاه إسرائيل جزءًا من إدارة المرشح للتحالف الانتخابي نفسه، خصوصًا في الولايات التي تجمع بين وزن الناخبين الشباب والعرب الأمريكيين والمستقلين.

وقد تعززت أهمية هذا المسار بعد الانتخابات نفسها، عندما خلصت المراجعة الداخلية التي أجراها الحزب الديمقراطي لأسباب خسارة انتخابات 2024 إلى أن الحرب في غزة ألحقت ضررًا انتخابيًا بكامالا هاريس. فقد نقلت أكسيوس في فبراير 2026 عن أشخاص مطلعين على عملية المراجعة أن البيانات التي استند إليها الحزب أظهرت أن موقف إدارة بايدن من إسرائيل كان ذا أثر انتخابي سلبي مؤكد، وأسهم في فقدان دعم بعض الناخبين، ولا سيما في أوساط الناخبين الشباب والتقدميين. وعلى الرغم من أن التقرير الذي نشره الحزب لاحقًا في مايو 2026 لم يتناول إسرائيل أو غزة بصورة مباشرة، فإن بول ريفيرا، الذي أعدّ المراجعة، أكد في أغسطس 2026 أنه خلص بالفعل إلى أن حرب غزة أضرت بهاريس سياسيًا، وأن “الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي” كان له أثر قابل للقياس في أنماط التصويت وأسهم في هزيمتها، مع إشارته بصورة خاصة إلى مناطق ذات كثافة عربية أمريكية مثل ديربورن في ميشيغان.

انتخابات الكونغرس: إسرائيل تدخل المنافسة في الانتخابات التمهيدية

انتقلت قضية إسرائيل والحرب على غزة بصورة أكثر مباشرة إلى الانتخابات التمهيدية للكونغرس في 2024، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي، حيث أصبحت مواقف المرشحين من الحرب، ووقف إطلاق النار، والمساعدات العسكرية لإسرائيل جزءًا من التنافس على هوية الحزب وحدود سياسته الخارجية. وقد أظهر التحليل النهائي الذي أجرته مؤسسة بروكينغز لمرشحي الانتخابات التمهيدية للكونغرس لعام 2024 أن 69 مرشحًا ديمقراطيًا، أي نحو 8% من المرشحين الذين شملهم التحليل، تبنوا موقفًا يعتبر أن “إسرائيل ترتكب إبادة جماعية و/أو يدعو الولايات المتحدة إلى وقف دعم الحرب”، فيما دعا 153 مرشحًا، أي 18%، إلى “جعل الدعم الأمريكي لإسرائيل مشروطًا أو مرتبطًا بوقف إطلاق النار” (صفحة 31 من المصدر). وتكشف هذه البيانات أن الحرب على غزة أصبحت بالفعل جزءًا من المعايير التي يحدد المرشحون الديمقراطيون مواقفهم بناءً عليها في الانتخابات التمهيدية، وإن ظلت المواقف الأكثر حدة وانتقادًا تمثّل أقلية بين المرشحين.

 كما برز هذا التحول في عدد من السباقات التي جمعت مرشحين تقدميين بمرشحين أكثر قربًا من الموقف التقليدي الداعم لإسرائيل. ففي انتخابات نيويورك، واجه النائب الديمقراطي جمال بومان (Jamaal Bowman)، الذي أصبح من أبرز منتقدي الحرب الإسرائيلية على غزة، وقال إن إسرائيل ارتكبت “إبادة جماعية”؛ منافسَه جورج لاتيمر (George Latimer)، الذي قدم نفسه بوصفه مرشحًا أكثر قربًا من الموقف التقليدي المؤيد لإسرائيل.

أظهرت بيانات الإنفاق أن (United Democracy Project)، الذراع السياسية المرتبطة بـAIPAC))، أنفق نحو 14.5 مليون دولار في السباق حتى 20 يونيو 2024، وُجِّه معظمها لإعلانات هجومية ضد بومان، ممّا أدّى إلى حسم الانتخابات التمهيدية لصالح لاتيمر. ووصف (Roll Call) السباق بأنه تحول إلى “حرب بالوكالة” حول موقف الحزب من حرب غزة، فيما وثقت (Axios) اعتراض عدد من الديمقراطيين على هذا الحجم غير المسبوق من الإنفاق، باعتباره محاولة للضغط على أعضاء الحزب بشأن مواقفهم من إسرائيل.

كما تكرر المشهد نفسه في ولاية ميزوري، حين واجهت النائبة كوري بوش (Cori Bush)، التي تبنت مواقف منتقدة لإسرائيل ودعت مبكرًا إلى وقف إطلاق النار في غزة، النائب ويسلي بيل (Wesley Bell)، الذي قدم نفسه باعتباره مرشحًا أكثر اعتدالًا، فحصل على دعم مالي كبير من الجماعات المؤيدة لإسرائيل، بإنفاق ملايين الدولارات ضد بوش، وانتهت المواجهة بفوز بيل. ثم تكررت النتيجة مجددًا في أغسطس 2026 بسبب الموقف من إسرائيل، مما أثار تساؤلات وانتقادات حول تأثير أموال اللوبي الإسرائيلي في توجيه نتائج الانتخابات.

تظهر الحالتان أن الموقف من إسرائيل أصبح قادرًا على تعبئة وحشد موارد انتخابية ضخمة داخل الانتخابات التمهيدية، وأن المرشحين الذين يتبنون مواقف أكثر انتقادًا للسياسة الإسرائيلية أصبحوا يواجهون بيئة انتخابية مختلفة. حيث تكمن دلالة الحالتين في دخول إسرائيل إلى صلب المنافسة الانتخابية نفسها، وفي ارتباط الموقف منها بشبكات التمويل والدعم السياسي، في حين تتمثل أهميتها في نقل النقاش من مستوى الخطاب إلى مستوى الكلفة الانتخابية للموقف السياسي.

الانتخابات البلدية: دخول “إسرائيل” وفلسطين إلى السياسة المحلية

أظهرت انتخابات رئاسة بلدية نيويورك في عام 2025 انتقال القضية إلى مستوى محلي شديد الأهمية؛ إذ خاض زهران ممداني الانتخابات التمهيدية الديمقراطية ببرنامج اقتصادي محلي ركز على الإسكان وكلفة المعيشة والخدمات العامة، وفي الوقت نفسه تبنى موقفًا واضحًا تجاه الحرب في غزة، ووجه انتقادات حادة لإسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها، ووصف نتنياهو بمجرم الحرب وتعهد باعتقاله حال زيارته للمدينة، فضلًا عن مقاطعته لمسيرة دعم إسرائيل. وقد واجه ممداني خلال الحملة هجومًا وضغوطًا متكررة، وحملات تحريض إسرائيليّة. كما يعتبر فوزه في الانتخابات تحدّيًا لقاعدة سياسية ظلت تعتبر تأييد إسرائيل عنصرًا مهمًا في نجاح السياسيين في نيويورك، حيث أظهرت حملته قدرة على تحويل موقف شديد الانتقاد لإسرائيل إلى جزء من خطاب انتخابي قابل للمنافسة في واحدة من أهم المدن الأمريكية وأكثرها ارتباطًا تاريخيًا بالعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، كونها تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل.

كما ظهر الموقف من إسرائيل في دوافع التصويت نفسها؛ فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة (SSRS) أن 67% من الناخبين في نيويورك أكّدوا أن مواقف المرشحين من إسرائيل أُخذت في الاعتبار عند تصويتهم، واعتبرها 38% عاملًا رئيسًا في قرارهم الانتخابي. كما أظهر الاستطلاع أن ممداني حصل على نحو ثلث أصوات الناخبين اليهود (33%). فيما وثقت رويترز عقب فوزه اتساع الانقسام داخل القاعدة الديمقراطية اليهودية حول إسرائيل، مع بروز فجوة بين الناخبين اليهود التقليديين الأكثر قربًا من المواقف المؤيدة لإسرائيل، والتقدميين الأصغر سنًا الذين أصبحوا أكثر استعدادًا لتأييد مواقف ممداني تجاه الحرب في غزة.

ولم يقتصر أثر ممداني على ذلك، بل برز تأثيره بصورة أوضح في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية التي جرت في نيويورك في يونيو 2026، حين فاز المرشحون الثلاثة الذين أعلن دعمه لهم في سباقات مجلس النواب، وتمكن اثنان منهم من إقصاء عضوين حاليين في الكونغرس، فيما فازت مرشحة ثالثة بمقعد شاغر. وقد اكتسبت هذه النتائج دلالة خاصة في السباقات التي ارتبط فيها التنافس بمواقف المرشحين من إسرائيل والحرب في غزة؛ إذ فاز براد لاندر، المعارض للمساعدات العسكرية لإسرائيل، على النائب دان غولدمان، الذي يعدّ أحد أبرز الأصوات المؤيدة لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي. واعتبرت وكالة ((Associated Press هذه النتائج مؤشرًا على اتساع النفوذ السياسي لممداني وعلى صعود التيار التقدمي داخل الحزب، مقابل انحسار شعبية السياسات المؤيدة لإسرائيل في الأوساط الديمقراطية.

تكمن أهمية هذه الحالة في كشفها عن اتساع المجال السياسي الذي تتشكّل فيه الخلافات حول إسرائيل، وعن دخول القضية إلى مستويات انتخابية كانت أقل ارتباطًا بها تاريخيًا.

انتخابات 2026 النصفية: إسرائيل داخل المنافسة على اتجاه الحزب

تقدم انتخابات عام 2026 اختبارًا واضحًا للتحول في البيئة الانتخابية، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي. ففي الانتخابات التمهيدية لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وصل التمويل المرتبط بـAIPAC إلى مستوى غير مسبوق؛ إذ أنفقت المنظمة والجهات السياسية التابعة لها قرابة 30 مليون دولار لدعم هالي ستيفنز، في أكبر استثمار لها في سباق انتخابي منفرد حتى الآن، بهدف منع فوز عبد الرحمن السيد، الذي يمثل الجناح التقدمي داخل الحزب ويتبنى موقفًا أكثر انتقادًا لإسرائيل وللدور السياسي لـ(AIPAC). ووصفت وكالة (Associated Press) هذا الإنفاق بأنه اختبار بارز لنفوذ المنظمة داخل حزب ديمقراطي شهد انقسامًا متزايدًا حول إسرائيل منذ اندلاع الحرب في غزة.

ويحمل هذا السباق أهمية إضافية لأن النقد الموجه إلى (AIPAC) أصبح جزءًا معلنًا من المنافسة الانتخابية نفسها، إذ وصل هذا الخلاف إلى المناظرات الانتخابية، فقد جعل عبد الرحمن السيد من علاقة منافسته باللوبي وبالإنفاق الخارجي عنصرًا أساسيًا في حملته. وواصل السيد تقديم دعم المنظمة لستيفنز باعتباره أحد أسباب معارضته لها، بينما تجنبت ستيفنز التركيز العلني على AIPAC)) رغم استفادتها من الإنفاق الخارجي المرتبط بها. وهو ما يكشف عن تغير في طبيعة العلاقة الانتخابية مع اللوبي؛ فقد يتحوّل تلقي الدعم من منظمة مؤيدة لإسرائيل من مورد انتخابي صرف إلى قضية ذات كلفة سياسية تتطلب من المرشح نفسه إدارتها أمام الناخبين. إذ أصبح المرشح قادرًا على جعل العلاقة بين المال السياسي وإسرائيل موضوعًا انتخابيًا قائمًا بذاته، فيما أصبح المرشح الآخر مطالبًا بتحديد علاقته بهذا التمويل وبالسياسة تجاه إسرائيل أمام ناخبي الحزب. وتشير هذه التطورات إلى انتقال العلاقة بين المرشحين واللوبي من المساحة المغلقة التي كانت تعمل داخلها باعتبارها جزءًا من البنية الاعتيادية للسياسة الانتخابية إلى مساحة علنية أكثر عرضةً للنقد والمواجهة.

وتتجاوز دلالة ميشيغان الحزب الديمقراطي وحده؛ فبعد فوز عبد الرحمن السيد بالترشيح الديمقراطي، انتقل أثر القضية إلى الانتخابات العامة، حين ظهرت داخل المعسكر الجمهوري نفسه مؤشرات على أن الارتباط العلني بـ((AIPAC قد يتحول إلى عبء انتخابي. فقد أفادت تقارير في أغسطس 2026 بأن حلفاء المرشح الجمهوري مايك روجرز طلبوا من AIPAC)) عدم ظهور دعمها لحملته بشكل علني، خشية أن يؤدي ظهور المنظمة في السباق إلى إضعاف فرصه أمام السيد، بعدما جعل الأخير إنفاقها الضخم في الانتخابات التمهيدية جزءًا أساسيًا من حملته، واستخدمه ضد ستيفنز في الانتخابات التمهيدية. وتستمد هذه الخطوة أهميتها من كون روجرز نفسه مؤيدًا قويًّا لإسرائيل، مما يعكس تحولاً عميقًا في الحسابات الانتخابية للارتباط العلني بالجهات المؤيدة لها؛ إذ أصبح يتوجب على المرشح المؤيد للعلاقة التقليدية مع إسرائيل أن يحسب أيضًا الأثر السلبي المحتمل لظهور هذا الدعم في حملته.

إضافة إلى ذلك، بدأت تظهر في الحزب الجمهوري، خصوصًا داخل التيار المرتبط بـ”أمريكا أولًا”، مقاربة أكثر تشددًا في ربط السياسة الخارجية بأولوية المصالح الأمريكية، وهو ما يفتح مجالًا لإعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها العلاقة مع إسرائيل داخل الحزب. ويكتسب هذا الاتجاه أهمية انتخابية مع صعود نائب الرئيس جي دي فانس بوصفه أحد أبرز الأسماء المطروحة للترشح عن الحزب الجمهوري في انتخابات 2028. فقد تصدر فانس في مارس 2026 استطلاعًا غير رسمي للرئاسة أجراه مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC)، وحصل على 53% من أصوات المشاركين، مقابل 35% لوزير الخارجية ماركو روبيو.  ما يوفر مؤشرًا على موقع فانس داخل القاعدة المحافظة التي ستشارك في تحديد اتجاه الحزب، بعد ترامب، في الانتخابات المقبلة.

 لِذا، اكتسبت مواقف فانس من إسرائيل دلالة تتجاوز الخلاف الدبلوماسي مع الحكومة الإسرائيلية. ففي يونيو 2026، قال إن المصالح الأمريكية والإسرائيلية قد تتلاقى في بعض القضايا وقد تتعارض في أخرى، وإن واشنطن، عندما يحدث التعارض، ينبغي أن تتبع ما يخدم مصالحها الخاصة. ثم ذهب في يوليو إلى وصف النموذج الذي يدعو إليه بأنه “علاقة طبيعية” تقوم على المصالح المشتركة مع تأكيد أن أولويته هي المصالح الأمريكية، مشيرًا إلى أن سفير إسرائيل في واشنطن يهتم بإسرائيل أولًا بينما هو يهتم “بأمريكا أولاً”. وجاءت هذه التصريحات في سياق انتقاده محاولات مرتبطة بعناصر في الحكومة الإسرائيلية للتأثير في الرأي العام والسياسة الأمريكية بشأن المفاوضات مع إيران، معتبرًا أن المشكلة تكمن في محاولة تلك الحملات توجيه القرار السياسي الأمريكي.

تكتسب هذه التصريحات أهمية انتخابية لأنها تأتي من شخصية تتقدم مبكرًا في النقاش حول ترشيح الحزب الجمهوري لعام 2028، وتطرح في الوقت نفسه تصورًا للعلاقة مع إسرائيل يقوم على المصالح المشتركة بدل التعامل معها بوصفها علاقة ذات التزامات خاصة؛ وهو ما يجعل موقف فانس من إسرائيل جزءًا من النقاش الأوسع حول اتجاه الحزب وحدود التزامه الخارجي في ضوء اقتراب الانتخابات النصفية لعام 2026 ثم الاستحقاق الرئاسي لعام 2028. فكلما تحولت الحرب مع إيران إلى قضية ذات تكاليف اقتصادية وأمنية مباشرة على الولايات المتحدة، أصبحت العلاقة مع إسرائيل مرشحة للدخول إلى المنافسة الانتخابية من زاوية جديدة تختلف عن الزاوية القانونية الدولية أو الإنسانية التي ظهرت في الانتخابات الديمقراطية بعد حرب غزة، لتظهر باعتبارها سؤالًا عن حدود الالتزام العسكري الأمريكي، وعن الجهة التي ينبغي أن تحدد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

وختامًا، يمكننا استخلاص أنّ التحول الذي بدأ ظهوره بوضوح في الانتخابات الديمقراطية بعد حرب غزة يتخذ في عام 2026 مسارًا أوسع. فقد أصبحت إسرائيل والحرب في غزة جزءًا من المنافسة على اتجاه الحزب الديمقراطي، كما بدأت العلاقة مع إسرائيل والحروب في الشرق الأوسط تدخل في نقاش داخل الحزب الجمهوري حول مفهوم “المصلحة الأمريكية” وحدود الالتزام الخارجي. وهو ما يشير إلى أن العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية لم تعد تؤدي دورها الانتخابي بالنسق السابق نفسه بوصفها قضية مستقرة نسبيًا داخل المجال الحزبي، بل أصبحت موضع خلاف على هوية المرشح، واتجاه الحزب، وحدود السياسة الخارجية التي يعرضها أمام الناخبين. وهذا ما يجعل الانتخابات ميدانًا رئيسًا لرصد التحول الجاري في العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، باعتبارها المجال الذي تبدأ فيه هذه التحولات بالظهور في المنافسة على التمثيل والسلطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى