عاصفة “نازا”:اعترافات المجرمين تؤرق إسرائيل
أثار الفيلم الاستقصائي “نازا-Naza” جدلاً إسرائيلياً داخلياً واسعاً وتفاعلاً عالمياً، بعد عرضه في مهرجان البندقية السينمائي بتاريخ 10 أيلول / سبتمبر 2026، حيث حظي بأطول تصفيق جماهيري في تاريخ المهرجان لما يكشفه عن منظومة القتل الممنهج للفلسطينيين في قطاع غزة خلال الـ 3 سنوات الأخيرة، باستخدام الذكاء الاصطناعي وتتبع الهواتف والشاشات عن بُعد. وهو ما يُثبت للعالم مجدداً -بإنتاج وشهادات إسرائيلية -هذه المرة، أن ما يجرى في القطاع إبادة مقصودة. فما مصدر قوة “نازا”، وهل يختلف عن غيره من الأعمال التوثيقية للإبادة؟
الفلسطينيون “أضرار جانبية”
بدايةً، “نازا” (NAZA)، اختصار عبري لعبارة “الأضرار الجانبية” ويستخدم في سياق الفيلم للإشارة إلى عدد الضحايا المحتملين مع كل عملية عسكرية تُنفذ ضد الفلسطينيين. على صعيد المضمون، لم يقدم الفيلم أي جديد يُذكر، إذ كشفت تحقيقات استقصائية سابقة لمجلة “972+” و”سيحاه مكوميت” وصحيفة”الغارديان” عن توظيف تل أبيب الذكاء الاصطناعي لقتل الفلسطينيين بشكل ممنهج في القطاع، فضلاً عن أن الصحفيين الفلسطينيين والمنظمات الحقوقية وثقت مراراً وتكراراً عمليات الإبادة الجماعية لمئات العائلات، لكنّ مصدر قوة “نازا” الأساسي يتمثل في مصدر معلوماته التي تستند إلى شهادات 24 ضابطاً وجندياً من داخل المنظومة الأمنية التي مارست القتل بنفسها عن بُعد– أي شهد شاهد من أهله-. وهنا، يُصبح اتهام الفيلم وصناعه (وهم الغارديان ومخرجان إسرائيليان والمخرج جوناثان غلايزر) بالتضليل أو الكذب أمراً مستحيلاً.
أثبتت شهادات الضباط الذين تم تصويرهم ليلاً مع تغطية وجوههم وتغيير أصواتهم، أنَ عمليات استهداف الفلسطينيين كانت تتم ضمن نظام متكامل وسياسة “متعمدة”، عبر الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات والتقنيات الرقمية للتجسس على الهواتف وإنشاء “قوائم من الأهداف المحتملة” بشكل تلقائي، دون أي اكتراث بأعداد الضحايا أو أي شعور بالذنب تجاههم.
يستلهم نازا فيلم “منطقة الاهتمام- The Zone of Interest ” ويتقاطع معه في الشراكة الإنتاجية المباشرة، حيث شارك المخرج غلايزر والمنتج جيمس ويلسون صُنّاع الفيلم بشكل مباشر في إنتاج”نازا”، بهدف الكشف عن آلية تحويل الجرائم الكبرى إلى عمل روتيني اعتيادي؛ فركزت معالجة الفيلمين على إبراز الجريمة كـ “عمل روتيني تكنوقراطي” وليس ” وحشياً”؛ فإذا تعامل قادة المعتقلات خلال حقبة النازية مع المحارق كأنها مخططات هندسية وفق فيلم “منطقة الاهتمام”؛ فإن “نازا” يصوَر تعامل ضباط الاستخبارات وجنود الاحتلال مع الضربات الموجهة لغزة، كـ “معادلات خوارزمية” و”وأضرار جانبية”!
كما تتشابه فكرة الفيلمين في طريقة تفكيك “بنية الجريمة” التي تُرتكب في مكان قريب جغرافياً، ولكن بعيد إنسانياً وأخلاقياً. إذ يركز “منطقة الاهتمام” على الحياة الطبيعية والمثالية التي يعيشها قائد معتقل أوشفيتز مع عائلته في منزل يقع تماماً خلف سور المعتقل وفي “نازا”، تُباد العائلات الغزية عبر أجهزة حاسوب وشاشات تُدار من تل أبيب، بينما يمارس الضباط حياتهم اليومية برفاهية، دون أدنى شعور بالذنب!
الصخب الإسرائيلي حول “نازا”
تعرض الفيلم الاستقصائي لموجة من ردود الفعل الغاضبة في دولة الاحتلال، حيث اعتبرته المنظومة السياسية والأمنية ضربة قاسمة لجهود “الدبلوماسية العامة” (Hasbara) واختراقاً لسرية الأجهزة الاستخباراتية؛ فشنَ وزراء ومسؤولون هجوماً حاداً على المخرجين (يوفال أبراهام ورشيل تسور)، واتهموهما بـ “خيانة الدولة” وتشويه سمعة الجيش، ووصل الأمر إلى تهديد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بسن تشريعات لإسقاط الجنسية عن كل من “يسيء لجنود إسرائيل في المحافل الدولية”، بينما شكك المحللون العسكريون بمصداقية الشهادات واعتبروها مجتزأة ولا تعكس السياسة الرسمية للجيش.
أما وزارة الخارجية وتشعباتها الدبلوماسية فتعاملت مع الفيلم باعتباره أدوات في “حرب السرديات”؛ حيث أصدرت السفارات والبعثات بالخارج بيانات تشكك في منهجية الفيلم وتدعي التزام الجيش بالقانون الدولي للحد من تأثيره العالمي. وذلك ضمن مقاربتها التي ترى أن الفيلم لم يحدث ضجة عالمية كبرى، وأنها يمكن أن تتعامل مع تبعاته بهدوء بعيدا عن الاستقطاب السياسي الإسرائيلي، في ظل اقتراب موعد الانتخابات.
غير أن مقاربة وزارة الخارجية الإسرائيلية لم تجد آذانا صاغية في إسرائيل، إذ استُغل الفيلم كأداة للصدام السياسي الداخلي والتراشق الانتخابي والحزبي. فقد وجد فيه اليمين الحاكم ونتانياهو فرصة كبيرة لاتهام أطراف في المعارضة بـ “التواطؤ الضمني”، وتشويه سمعة إسرائيل، واتهام المعارضة بالاستثمار السياسي في الفضيحة لإضعاف الحكومة انتخابياً. وفي المقابل، اعتبرت المعارضة أن انتشار الفيلم دولياً هو النتيجة الطبيعية لفشل الائتلاف في إدارة الدبلوماسية العامة وتسببه في عزلة إسرائيل الدولية بسبب غياب الشفافية.
وقد وصل هذا الاستقطاب إلى المستوى الشعبي والإعلامي. إذ شنت وسائل الاعلام ومؤثرون ونشطاء لا سيما المحسوبين على اليمين المتطرف حملات تحريض واسعة ضد المخرجين ودعوا لمنعهما من العودة للبلاد، كما هددوا عائلتيهما بالقتل واعتبارهم “أضراراً جانبية” من باب الاستهزاء بما كشفه فيلم “نازا” عن طريقة تعامل المنظومة العسكرية الإسرائيلية مع المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب على القطاع.
بالمقابل، دافع كتاب إسرائيليون يساريون عن الفيلم وصناعه، على سبيل المثال، علق جدعون ليفي في صحيفة هآرتس على المخرجين الإسرائيليين بالقول: “حطموا الصمت. ولذلك يستحقون التقدير الكبير في إسرائيل، لكن فقط في صفحات التاريخ”. كما وقّع أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي على عريضة للتضامن مع المخرجين في ظل التحريض المتواصل عليهم.
الصدى العالمي للفيلم
تجاوز تأثير الفيلم حدود التصفيق الاستثنائي في البندقية، ليتحول إلى أداة ضغط سياسي وحقوقي وإعلامي بما يدعم السردية الفلسطينية بشكل أو بآخر، ويشكل واجهة ووثيقة تاريخية لإدانة تل أبيب في المستقبل القريب إذا ما تحركت الجهات المسؤولة، ويمكن إجمال وجوه التأثير على الشكل الآتي:
إعلامياً: حظي الفيلم بمساحة مهمة لدى وسائل الإعلام الغربية المرقومة والكبيرة، وتفاوتت المعالجات بين النقد السينمائي الفلسفي، والتحليل الاستقصائي، والتغطية السياسية الحذرة، فبينما أفردت الغارديان مساحة واسعة للفيلم – باعتبارها شريكة بإنتاجه- واصفةً إياه بـ “الصادم والمدمر” الذي ينزع قناع الشرعية عن سياسات الاستهداف، ركزت صحف مثل El País الإسبانية على المقارنة الفلسفية بين “نازا” وأفلام أخرى، وثقت جرائم التاريخ الكبرى مثل فيلم منطقة الاهتمام ووصفته صحيفة لوموند (Le Monde): الفرنسية بأنه “تشريح للتكنوقراطية القاتلة”، وقارنت بين تعامل ضباط الاستخبارات مع الضربات كـ “معادلات برمجية” وبين التعاطي النازي السابق مع المحارق كمخططات هندسية.
أما شبكة فرانس 24 (France 24) ونيويورك تايمز الأمريكية فتعاملت مع الفيلم كحدث سياسي بارز، مع التركيز على العاصفة التي تسبب بها الفيلم داخل حكومة الائتلاف الإسرائيلي” والرفض الداخلي لما جاء فيه من معلومات.
سينمائياً وفنياً: تحدث مخرجون وسينمائيون -من بينهم مشاركون في مهرجان البندقية- عن قيمة الفيلم ودوره في كشف الوجه السيء للتقنية ومشاركتها في الإبادة؛ فيما وقع مئات الكتاب والمخرجين بيانات تطالب بحماية صناع الأفلام الوثائقية الذين يكشفون الحقيقة بعد تعرض مخرجي “نازا” للتهديد بالقتل إسرائيلياً، ودعوا إلى إنهاء الدعم العسكري والتكنولوجي الموجه للاحتلال.
بالإضافة لذلك، استشهد أكاديميون ومفكرون بالفيلم في مقالات رأي نُشرت في صحف كبرى مثل Le Monde وThe Guardian، حيث اعتبروا أن السردية الفلسطينية حول الاستهداف الممنهج لم تعد مجرد “ادعاء حقوقي”، بل حقيقة رقمية وموثقة من داخل المنظومة نفسها.
في هذا السياق، وصفت القراءات النقدية والفنية لبعض المجلات مثل Variety و Screen Daily العمل بأنه تحقيق مرعب ومدمّر يكشف المنطق الآلي للحروب الحديثة ويتجاوز الإطار السياسي المباشر ليرتقي إلى مراجعة سينمائية وأخلاقية شاملة لـمستقبل الحروب المعقمة عبر الشاشات.
قانونياً وسياسياً: اعتمدت منظمات حقوقية مثل العفو الدولية على الشهادات المنشورة بالفيلم لإعادة فتح ملفات التحقيق في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل “Lavender” و”Where’s Daddy?” والتحذير من انتهاك دولة الاحتلال القانون الدولي الإنساني. كما صدرت إدانات دولية وبيانات عن مجموعة من خبراء والمقررين الخاصين للأمم المتحدة بشأن أخطار توظيف الخوارزميات للقتل ووصفه بـ”صناعة قتل آلي مجرد من الإنسانية”.
هل يستفيد الفلسطيني من الفيلم؟
لا يمكن الحكم على تأثير “نازا” بشكل قطعي؛ فالفيلم ما يزال في بداية انتشاره على دور العرض والمهرجانات الدولية (مهرجان البندقية/ مهرجان نيويورك)، لكن من دون أدنى شك يشكل الفيلم إضافة نوعية للسردية الفلسطينية، وفي سياق مناصرتها دولياً، من عدة محاور:
أولاً: يسقط الفيلم تهمة “الدعاية المضلَلة”؛ فالتوثيق تم على أيدي صحفيين إسرائيليين بالاستناد إلى شهادات من قلب المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي اعترفت بالقتل الممنهج، لذا لا يمكن توجيه أي اتهام للفيلم وصنَاعه بالانحياز أو عدم المصداقية، أو إنكار ما ورد فيه من اعترافات بالجريمة. كما يساهم الفيلم في كسر الهيمنة على السردية السينمائية خاصة تلك الداعمة لتل أبيب، عبر جرأة طرح عمل استقصائي ناقد دون الخوف المعتاد من اتهامات “معاداة السامية”.
ثانياً: يساهم “نازا” في تحويل قضية الاستهداف والقتل من سياسية إلى أخلاقية عبر توسيع قاعدة المناصرين عالمياً لتشمل أوساطاً أكاديمية وتقنية ومناهضي “التكنولوجيا القاتلة” وخطر الذكاء مستقبلاً.
ثالثاً: يُسقط الفيلم فرضيتي “الدفاع عن النفس” و”القتل بشكل فردي”، اللتين يتم الترويج لها دائماً في الخطاب الرسمي للجيش والمؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية عندك ارتكاب جرائم كبيرة بحق الفلسطينيين.
أخيراً، منح الفيلم الفلسطينيين حيزاً إنسانياً، حاولت الكثير من المؤسسات الإعلامية الغربية الداعمة للاحتلال إسقاطه خلال الحرب على القطاع؛ فالفيلم أنسن الأرقام التي كانت تمر على الشاشات ونشرات الأخبار مرور الكرام، دون الاهتمام بحكاية عائلات أُبيدت الكامل، وأُلغيت من السجل المدني بثوان معدودة عبر شاشات تحكم، تبعد عن مكان الحدث بضعة كيلومترات فقط!
خاتمة
في المحصلة، لا يضيف الفيلم جديدا في فضح الرواية الإسرائيلية أو في تعزيز الرواية الفلسطينية، إذ إن العالم يشهد تحولا مهولا تجاه الانحياز للرواية الفلسطينية ونبذ السلوك الإبادي الإسرائيلي حسب كثير من استطلاعات الرأي لا سيما الغربية منها.
كما أن الفيلم، لا يكشف جديدا حول الجرائم الصهيونية، إذ إنها بُثت وما زالت تبث مباشرة بالصوت والصورة ويشاهدها العالم كله، وهذا أحد أهم عوامل تهاوي الرواية الإسرائيلية. غير أن القيمة الحقيقية للفيلم تكمن في أنه عبارات عن شهادات المجرمين على جرائمهم. فإذا كان العالم كله قد شاهد الجرائم وسمع صوت ضحاياه، فها هو الآن يسمع اعترافات المجرمين بما اقترفته أيديهم. وهذه قيمة قانونية وسياسة وتاريخية بالغة الأهمية، لأنها تنتج سندا قانونيا ومدخلا لمزيد من التحقيق والاعترافات حول تلك الجرائم على أمل ن تكون هناك محاكمة قانونية تحاسب مجرمي الحرب وتدينهم. وحتى إن لم يحدث ذلك، فإن تلك النوعية من الاعترافات تساهم في المحاكمة السياسية والتاريخية للمشروع الصهيوني برمته.



