لماذا اختطف الاحتلال “معين العرابيد”؟

شكّلت العملية الأمنية الخاصة التي نفّذتها قوّاتٌ من جيش الاحتلال وجهاز الشاباك، بتعاونٍ ميداني من الميليشيات المرتبطة بالاحتلال، غرب مدينة غزة، حدثاً هو الأصخب من نوعه في إطار أنساق المواجهة المتغيّرة والمتنوّعة منذ اتفاق وقف إطلاق النار المعروف بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين.
وقد شكّلت تفاصيل العملية وموقعها، كما نوعية الهدف وأداة التنفيذ، في مجموعها إشاراتٍ مهمّة إلى شكل المراكمة الإسرائيلية وطبيعتها في الوصول إلى هذه اللحظة، عبر تهيئةٍ ممتدّة للبيئة الأمنية والعملياتية، وتحييدٍ مسبق للمخاطر بما يضمن تسجيل هذا النجاح الاستعراضي الذي أمّن لبنيامين نتنياهو صورةً مهمّة بالمعنى السياسي، وأمّن للأذرع العسكرية والأمنية مادّةً استخبارية جوهرية تؤسّس لمرحلةٍ جديدة في المواجهة داخل قطاع غزة، تنتقل فيها من نمطٍ منخفض الوتيرة إلى نمطٍ جديد من المخاطر والأدوات.
اختراق في قلب غرب غزة
بدأ الحدث صباح الثلاثاء الأول من سبتمبر/ أيلول 2026، بدويّ إطلاق نار في محيط منطقة “الكتيبة” غرب مدينة غزة، في الشارع المقابل للمستشفى الأمريكي، قبل أن يتضح أنه عملية عسكرية خاصة رافقها قصف جوي لتغطية تحرك القوة وانسحابها.
جاءت عملية الاختطاف ضمن نمط عملياتي متدرّج استهدف خلال الأشهر الماضية بنية العمل الشرطي والأمني في قطاع غزة، عبر تصاعد في نوعية الأهداف ومواقعها. بدأ باستهداف الحواجز المحيطة بـ”الخط الأصفر”، ثم امتد إلى الحواجز المفصلية الرابطة بين مناطق غرب القطاع ومحافظاته، بما أضعف القدرة على ضبط الحركة ومراقبتها.
أنتج تراكم هذه الضربات فراغًا ميدانيًا دفع الحواجز إلى خفض حضورها وإعادة انتشارها، خصوصًا قرب “الخط الأصفر” والمفاصل الرئيسية، بالتزامن مع إخلاء شبه كامل للمقار الأمنية وتقليص الاتصالات الميدانية إلى حالات الضرورة. وترافق ذلك مع اختبارات تدريجية في المناطق الحدودية، شملت محاولات اختطاف مقاومين وضباط أمن وشرطة وقياس رد الفعل.
أفادت المصادر الميدانية والصحفية، ثم أكدت الإعلانات الإسرائيلية والحكومية في قطاع غزة، أن العملية استهدفت اختطاف معين العرابيد، وهو مدير في جهاز الأمن الداخلي. غير أن توصيف موقعه تفاوت بين الروايات؛ فقد وصفه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنه “قيادي بارز في حماس”، فيما قدمه مسؤولون إسرائيليون ووسائل إعلام عبرية باعتباره “رئيس جهاز الأمن العام” المسؤول عن الأمن الداخلي والاستخبارات لدى الحركة. وأضاف رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أنه من أبرز قادة “حماس”، ويتولى إخفاء الأسرى وكبار القادة وإعادة بناء قدرات الحركة.
في المقابل، أوضح المكتب الإعلامي الحكومي أن العرابيد يشغل منصب مدير في جهاز الأمن الداخلي، المسؤول عن مكافحة التجسس وحماية الجبهة الداخلية. يفسر موقع العرابيد حرص الاحتلال على اعتقاله حيًا، وقبوله بمخاطر تنفيذ عملية خاصة في هذه المنطقة، فهو يمثل كنزًا استخباريًا، حسب رواية الاحتلال.
الهدف الإسرائيلي هو استئصال حماس
فقد جاءت عملية اختطاف العرابيد عقب إعلان الاحتلال عن وجود وحدة مشتركة من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) وجيش الاحتلال، باسم “نيلي“،[1] التي تهدف إلى اغتيال كل من شارك في عملية طوفان الأقصى بداية من القادة الذين خططوا لها وصولا إلى كل من دخل إلى أراضي 48 ذلك اليوم ومن شارك في احتجاز الأسرى أو قابلهم أو كان له دور في احتجازهم.
وحسب ما يقوله مسؤولوها، فإن هناك آلاف الأهداف على قائمة اغتيالاتها وتظل تتوسع باستمرار، وأنها ستستمر في عمليات التصفية والاغتيال وصولا إلى إغلاق دائرة 7 أكتوبر وما تلاه دون أي اعتبار للتطورات السياسية. ويعني ذلك أن عملية اختطاف العرابيد تأتي في إطار السعي المتواصل للوصول إلى مزيد من المعلومات الأمنية التي تمكن الاحتلال من مواصلة الحرب بوتيرتها المنخفضة الهادفة في محصلة الأمر إلى تحقيق “إبادة عسكرية” لكل بنية حماس وفصائل المقاومة الأخرى في قطاع غزة.
إلى جانب ذلك، فإن المداولات الإسرائيلية حول وجود حماس ومستقبلها تشير إلى أن هناك عزما على استمرار الحرب ضد قطاع غزة، مع الاختلاف على وتيرتها. ففي مداولات أمنية جمعت رئيس حكومة الاحتلال نتانياهو ووزير دفاعه كاتس مع رئيس أركان جيش الاحتلال زامير ورئيس قسم الأبحاث في أمان عوفر مزراحي، كان هناك تباين في توصيف حالة حماس الحالية. إذ اعتبر مزراحي أن حماس ما زالت تشّكل تهديدا في ظل رصد محاولاتها لتعزيز حكمها وتجنيد عناصر جدد واستعادة القدرات والإمكانيات. بينما كان توجه زامير أن حماس “هُزمت”، بناء على المعطيات على الأرض واستمرار الحرب في غزة دون أي رد من حماس. غير أن التوجه العام كان أن جيش الاحتلال سيستمر في تدمير حماس إلى حين نزعها سلاحها.
بعيدا عن التحليل الموضعي لطبيعة عملية اختطاف العرابيد ومسوّغاتها، فإن التطلعات الإسرائيلية التي رافقت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وإن كانت متداخلة ومضطربة تميل بالمجمل إلى التهجير، كانت قد طرحت خيار ما أطلق عليه”De-Hamasification“، أي استئصال حماس، على غرار تجربة نزع النازية في ألمانيا والبعث في العراق. وهو خطاب ظهر مع بداية الحرب، ويقوم على استهداف كل الأهداف العسكرية والمدنية والرمزية، بما يشمل المؤسسات والوزرات والمساجد وحتى المشافي، ليس فقط للقضاء على حماس عسكريا أو استئصال بنية حكمها من غزة، وإنما أيضا استئصال الهوية الفلسطينية نفسها التي يحاول الاحتلال تصويرها على أنها منتج تحريضي إسلامي.
عليه، فإن إعادة قراءة تلك الأهداف في ظل الاستهداف الحالي، قد يشير إلى أن إسرائيل تعمل لتنفيذها، في ظل تعثر خيار التهجير وإمكانية وجود نوع من الإدارة لمسألة قطاع غزة عبر مجلس السلام ولجنة التكنوقراط.
بطبيعة الحال فإن وجود تلك الأهداف الأمنية والسياسية لا يلغي أن تنفيذ العملية بهذا التوقيت يمكن أن يوظف في خدمة نتانياهو انتخابيا. إذ يرتبط توقيت الاختطاف باقتراب انتخابات الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وحاجة بنيامين نتنياهو إلى إنجازات أمنية توظَّف انتخابيًا بوصفها دليلًا على استمرار سياسته العدوانية في غزة وملاحقة “أهداف الحرب”.
ظهر ذلك بوضوح في خطاب نتنياهو خلال جولته قرب “الخط الأصفر” في الثاني من سبتمبر/أيلول، بعد يوم من العملية، إذ أكد استمرار السيطرة ورفض الانسحاب، ثم أشار مباشرة إلى “أخذ” المسؤول الأمني. ويكشف هذا الربط محاولة تثبيت صورته قائدًا ممسكًا بالمبادرة، والرد على مزايدات المعارضة بشأن إخفاقه في تحقيق “النصر المطلق” في غزة.
مجلس السلام ليست حمامة سلام
أمام رفع الاحتلال الإسرائيلي وتيرة اعتداءاته، وتدشين نمط ميداني جديد غرب “الخط الأصفر” يقوم على العمليات الخاصة، التزم “مجلس السلام” الصمت، أمام نمط خطير يمكن له التدحرج في أي لحظة إلى مجزرة واسعة تحت ذريعة إنقاذ القوة المهاجمة وتأمين انسحابها.
ومن المستبعد أن تكون الولايات المتحدة بعيدة عن تفاصيل العملية؛ فمركز المراقبة المدني–العسكري في كريات غات، الذي أُنشئ لمراقبة الأوضاع الميدانية في قطاع غزة، بات أقرب إلى قناة اتصال وتنسيق بين واشنطن والاحتلال بشأن تحركاته على الأرض بعد أن أقصى الاحتلال الإسرائيلي غالبية مكونات المركز وأفرغه من مضمون مهمته المعلنة.
ويأتي التصعيد بعد الموافقة الفلسطينية على خارطة الطريق التي اقترحها المدير التنفيذي للمجلس نيكولاي ميلادينوف، بوصفها إطارًا للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وكان يفترض أن توقف الخارطة الاعتداءات الإسرائيلية، وتدشن آلية للرقابة والتحقق تقتضي الإبلاغ عن الانتهاكات وإتاحة معالجتها للجهات الراعية، بما يقيّد حرية الاحتلال في تنفيذ عملياته داخل القطاع.
غير أن قبول واشنطن، ومعها “مجلس السلام”، برفض “إسرائيل” خارطة الطريق، وتأكيد جاريد كوشنر ما يسميه “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، يكشفان عن توفير غطاء لاستمرار التصعيد. كما أن رد السلوك الإسرائيلي إلى الموسم الانتخابي يتجاوز محاولة التفسير والتبرير، ليصل إلى منح نتنياهو مساحة لتمرير المرحلة الفاصلة حتى انتخاب الكنيست واتضاح مشهد الحكم، بما يحوّل الدم الفلسطيني إلى مادة في المزايدة الانتخابية الإسرائيلية.
وتكمن الإشكالية الجوهرية في أن القبول الضمني بالأنماط العدوانية الإسرائيلية يؤدي عمليًا إلى تعطيل الاستحقاقات المرتبطة باستقرار الوضع الأمني في قطاع غزة. يبدأ ذلك بتعطيل دخول قوة الاستقرار الدولية، إذ سيؤدي انتشارها إلى تقييد التحركات العسكرية الإسرائيلية ونشاط العصابات المتعاونة معها، ويمتد إلى عرقلة دخول لجنة التكنوقراط وقوتها الأمنية. فاستمرار عمليات كهذه سيقوّض سلطة “مجلس السلام” واللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة المنبثقة عنه، ويفرغ الترتيبات الأمنية للمرحلة الثانية من مضمونها.
خاتمة
تؤكّد المعطيات السالفة ومؤشّراتها أنّ عملية “الكتيبة” ليست حدثاً مقطوعاً، ولا يصحّ حصرها في كونها فعلاً استعراضياً في موسمٍ انتخابي، وأنّ المراكمة الإسرائيلية الاستخبارية والعملياتية تؤشّر إلى تدشين نمطٍ عملياتي أكثر جرأة، يجعل من نجاح العملية محفّزاً لعملياتٍ مشابهة.
يضاف إلى ذلك أنّ جبهة قطاع غزة ستكون على الأرجح صاحبة النصيب الأكبر من التصعيد الانتخابي الإسرائيلي، في ظلّ حرص بنيامين نتنياهو على حشد جمهور اليمين الصهيوني عبر الاستثمار في الدم الفلسطيني ومعاناة أهالي القطاع.
[1] سُميّت بذلك تيمنا بشبكة تجسس يهودية في فلسطين نشأت عام 1915 للتجسس على العثمانيين لحساب البريطانيين الذي لمّا يحتلوا فلسطين بعد. واسمها اشتق من مطالع حروف كلمات נצח ישראל לא ישקר التي وردت في سفر صموئيل الأول 15-29، التي تختلف الترجمات على معناها، ولكن الاستخدام الدارج لها في الخطاب الصهيوني هو أن “أبدية إسرائيل ليست كذبا”.



