حرب الإبادة والاستيطان: ملخص الانتهاكات الإسرائيلية خلال تموز/يوليو 2026

يكشف شهر تموز/يوليو 2026 عن تصعيد متزامن في أنماط السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية والإنسان، يمتد من قطاع غزة إلى الضفة الغربية والقدس. ففي غزة، تتواصل تداعيات الحرب على السكان عبر القتل والإصابة والنزوح وتدهور الخدمات الصحية، بينما تتخذ الانتهاكات في الضفة أشكالا متشابكة تشمل القتل والاعتقال والهدم وتهجير التجمعات والاستيلاء على الأراضي وتدمير الممتلكات الزراعية. وبالتوازي مع ذلك، يتسارع التوسع الاستعماري عبر إقامة البؤر والمستعمرات، وشق الطرق، ودفع المخططات، وتوفير التمويل الحكومي والبنية التحتية اللازمة لترسيخها. وتظهر هذه المعطيات، مجتمعة، أن السيطرة لا تُفرض من خلال القوة العسكرية وحدها، بل عبر منظومة متكاملة من الإجراءات الميدانية والعسكرية والإدارية والتخطيطية والمالية، تعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وتقيّد حركة السكان ووصولهم إلى مواردهم، وتدفع نحو تهجيرهم، بما يعزز مسار الضم الفعلي وتفكيك إمكانية قيام مجال فلسطيني متصل وقابل للحياة.

يتناول التقرير الانتهاكات المسجلة خلال تموز/يوليو 2026، ويعتمد في معلوماته على مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ومنظمة السلام الآن “Peace Now”، ودائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة

بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025 نحو 1,258 شخصا، فيما أُصيب 4,145 آخرون. ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بلغ العدد التراكمي للقتلى 73,386، فيما وصل عدد الإصابات إلى 174,256.

وتتواصل حالات النزوح من المناطق القريبة من “الخط الأصفر”، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتوسيع نطاق المناطق المقيّدة الوصول إليها، ما يؤدي إلى تقليص الحيز المتاح للمدنيين بصورة أكبر. وفي ظل نزوح معظم السكان، لا يزال المدنيون في مختلف أنحاء غزة محصورين في حيز لا يتجاوز نصف مساحة القطاع، ويواجهون مخاطر متواصلة على صعيد الحماية نتيجة الغارات الجوية وغيرها من الأنشطة العسكرية، فضلا عن حالات النزوح الجديدة والمطولة وتدهور ظروفهم المعيشية.

وتنعكس هذه الأوضاع على الوضع الصحي للسكان، إذ لا تزال التهابات الجهاز التنفسي الحادة والأمراض الجلدية تتصدر أسباب المرض، فيما تواصل الأمراض المنقولة بالمياه ارتفاعها، بما فيها الإسهال المائي الحاد والإسهال الدموي ومتلازمة اليرقان الحاد، ولا سيما في خانيونس. وحتى 6 تموز/يوليو، سجلت المنظمات الشريكة في مجموعة الصحة أكثر من 18 ألف حالة إصابة بجدري الماء والطفيليات الخارجية والقوباء.

وفي الوقت نفسه، لا يزال النقص في الأدوية ووسائل التشخيص والمعدات المتخصصة يحد من قدرة النظام الصحي على توفير العلاج للمرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الكلى والسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية. ولا يزال نحو 700 مريض بحاجة إلى غسيل الكلى معرضين للخطر بسبب نقص المستلزمات الأساسية.

وتواجه النساء الحوامل مخاطر إضافية في ظل تدهور خدمات الصحة الجنسية والإنجابية. ففي النصف الأول من عام 2026، سُجل ما يقرب من 4,000 حالة إجهاض، فيما بلغ معدل الاعتلال الشديد بين الأمهات 82 حالة لكل 1,000 ولادة، ويعاني أكثر من 57 في المائة من النساء الحوامل من فقر الدم.

الإحصائيات الرئيسية لانتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس

في الضفة الغربية، أدت القيود المتزايدة على حركة الفلسطينيين، إلى جانب العمليات التي تنفذها القوات الإسرائيلية وعمليات الهدم والتوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، إلى تقييد وصول السكان إلى الخدمات الأساسية وسبل العيش، وتهجير تجمعات فلسطينية وعزلها عن بعضها بعضًا. وطالت آثار هذه القيود الوصول إلى الرعاية الطبية؛ إذ تأخر نقل رضيع فلسطيني يبلغ من العمر أربعة أشهر إلى المستشفى عند بوابات عسكرية إسرائيلية، وأُعلن عن وفاته في المستشفى لاحقا.

حتى 20 تموز/يوليو 2026، قُتل 18 فلسطينيا في سياق هجمات المستوطنين، وهو عدد يتجاوز إجمالي الفلسطينيين الذين قُتلوا في مثل هذه الحوادث خلال عام 2025 بأكمله، والبالغ 17 فلسطينيا. ومن بين الضحايا في عام 2026، قُتل 12 على يد مستوطنين إسرائيليين، وثلاثة على يد القوات الإسرائيلية، فيما لا يزال تحديد الجهة المسؤولة عن مقتل ثلاثة آخرين موضع خلاف. وسُجلت 10 من حالات القتل الـ18 في محافظة رام الله، أي أكثر من نصف الحالات المسجلة خلال الفترة ذاتها.

وفي عام 2026، هُجّر أكثر من 3,200 فلسطيني في أنحاء الضفة الغربية نتيجة هجمات المستوطنين وعمليات الهدم التي نُفذت بحجة عدم الحصول على رخص بناء صادرة عن السلطات الإسرائيلية، بمتوسط بلغ 17 شخصا يوميا، وهو ضعف المتوسط اليومي المسجل خلال السنوات الثلاث السابقة.

ومنذ كانون الثاني/يناير 2023 وحتى 6 تموز/يوليو 2026، تعرّض 121 تجمعا سكانيا فلسطينيا للتهجير الكلي أو الجزئي، بينها 46 تجمعا هُجّر سكانها بالكامل، منها عشرة تجمعات منذ مطلع عام 2026. وبالمجمل، هُجّر نحو 6,200 فلسطيني، بينهم أكثر من 3,000 طفل، في هذا السياق منذ بداية عام 2023، من بينهم أكثر من 2,300 شخص منذ مطلع عام 2026. ولا تزال حالات التهجير التي طالت أكثر من 33,000 لاجئ فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس للاجئين تفرض احتياجات كبيرة في مجال المأوى.

وبالتوازي مع عمليات التهجير، سُجلت نحو 880 إصابة في صفوف الفلسطينيين في سياق هجمات المستوطنين منذ مطلع عام 2026 وحتى 20 تموز/يوليو، من بينها 720 إصابة نُسبت إلى مستوطنين إسرائيليين، فيما نُسبت الإصابات الأخرى إلى القوات الإسرائيلية. وتمثل هذه الحالات 56% من إجمالي الإصابات الفلسطينية المسجلة في الضفة الغربية خلال الفترة ذاتها.

وشهد متوسط الإصابات المرتبطة بهجمات المستوطنين ارتفاعا مستمرا خلال السنوات الأخيرة، من إصابة فلسطيني واحدة كل ثلاثة أيام تقريبا في عام 2020، إلى إصابتين يوميا في عام 2025، ثم إلى أكثر من ثلاث إصابات يوميا في عام 2026. وتركز 60% من هذه الهجمات في محافظتي رام الله ونابلس.

ولم تقتصر آثار التهجير والقيود على الحركة على السكن وسبل العيش، بل طالت أيضا إمكانية الوصول إلى التعليم. فما يزال الوصول إلى ست مدارس تابعة لوكالة الأونروا في مخيمي جنين ونور شمس للاجئين متعذرا، فيما بقيت ست مدارس أخرى تابعة للوكالة في القدس الشرقية مغلقة. وفي المنطقة (ج)، توقفت عشر مدارس عن العمل بعد تهجير التجمعات السكانية التي كانت تخدمها بالكامل على خلفية هجمات المستوطنين المتكررة. وعقب تهجير هذه التجمعات، تعرّضت ثماني مدارس للتخريب على يد مستوطنين إسرائيليين، فيما هدمت القوات الإسرائيلية مدرستين منها حتى 6 تموز/يوليو.

ولا يقتصر التهديد على المدارس التي أُغلقت أو تضررت بالفعل؛ إذ تواجه 84 مدرسة أخرى خطر الهدم أو تخضع لأوامر وقف العمل، بما يهدد إمكانية حصول نحو 13 ألف طالب على التعليم.

الشهداء والجرحى:

خلال شهر تموز/يوليو، قُتل 15 فلسطينيا، بينهم 4 أطفال، جراء عمليات الاقتحام وإطلاق النار التي نفذتها القوات الإسرائيلية في مناطق متفرقة من الضفة الغربية. وسُجلت أعلى حصيلة في محافظة نابلس، بواقع6 شهداء

وأُصيب 112 فلسطينيا في أنحاء الضفة الغربية، بينهم 12 طفلا، نتيجة إطلاق النار والاعتداءات المصاحبة لعمليات الاقتحام. ومنذ مطلع سنة 2026، قُتل 76 فلسطينيا على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين الإسرائيليين، كما أُصيب أكثر من 1,600 فلسطيني، نُسب 46% من هذه الإصابات إلى المستوطنين الإسرائيليين، فيما نُسبت الإصابات المتبقية إلى القوات الإسرائيلية.

الاعتقالات:

خلال شهر حزيران/يونيو، وثّقت حالات اعتقال طالت 879 مواطنا فلسطينيا في الضفة الغربية، بينهم 19 طفلا وثماني مواطنات، في سياق تصعيد حملات الاعتقال التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الشهر.

وسُجلت أعلى حصيلة للاعتقالات في محافظة نابلس، بواقع 185 حالة، تلتها محافظة الخليل بـ141 حالة، فيما توزعت الحالات الأخرى على محافظات القدس وبيت لحم وأريحا وسلفيت وقلقيلية وطولكرم وطوباس وجنين.

هدم المنازل والمنشآت:

وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، نفذت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 80 عملية هدم في أنحاء الضفة الغربية، طالت 165 منشأة، من بينها 80 منزلا مأهولا، وثمانية منازل غير مأهولة، و63 منشأة زراعية، و11 منشأة اقتصادية أخرى. وتركزت عمليات الهدم بصورة خاصة في محافظات قلقيلية، والخليل، ورام الله والبيرة وبيت لحم.

كما وزعت السلطات الإسرائيلية 34 إخطارا بهدم منشآت فلسطينية، تركزت في محافظات بيت لحم والخليل وجنين، في إطار القيود المفروضة على البناء والتوسع العمراني الفلسطيني، وما يترتب عليها من ضغوط تدفع السكان إلى مغادرة المناطق المستهدفة.

مصادرة الأراضي وتجريفها:

خلال الفترة التي يغطيها التقرير، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 33 أمرا عسكريا، منها 31 أمرا جديدا بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية، استهدفت ما مجموعه 830.917 دونما. كما أصدرت أمرين لتعديل حدود أوامر عسكرية سابقة، بمساحة نهائية بلغت 59.290 دونما، وهي مساحة لا تُضاف إلى إجمالي مساحة الأوامر الجديدة.

وتصدرت محافظة طوباس قائمة المناطق المستهدفة، بمساحة بلغت 497.862 دونما، تلتها محافظة جنين بمساحة 199.824 دونما، ثم محافظتا رام الله والبيرة بمساحة 114.350 دونما، بما يعكس تركّز أوامر وضع اليد في مناطق استراتيجية من الضفة الغربية.

وتبيّن طبيعة هذه الأوامر أن الجزء الأكبر منها يرتبط بالبنية التحتية للطرق؛ إذ خُصص 28 أمرا لشق طرق أو توسيعها وتأهيلها، واستهدفت هذه الأوامر نحو 792 دونما، أي ما يزيد على 95% من إجمالي المساحة التي شملتها أوامر وضع اليد الجديدة. ويشير ذلك إلى توجّه ممنهج نحو إنشاء وتوسيع شبكة طرق ذات طابع عسكري وأمني، بما يخدم المستعمرات والبؤر الاستعمارية، ويعيد تشكيل حركة الفلسطينيين وتواصل مناطقهم، ويعزز منظومة السيطرة على الأرض.

وفي سياق متصل، أصدرت سلطات الاحتلال ثلاثة أوامر تحت ذريعة اتخاذ ما تسميه “وسائل أمنية”، استهدفت أراضي في بلدات سالم وبورين ومادما بمحافظة نابلس، بمساحة إجمالية بلغت 76.049 دونما. وتضمنت هذه الأوامر إجراءات تتيح إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون ونقلها، بما يهدد الغطاء النباتي ويقوّض ارتباط السكان بأراضيهم ومصادر رزقهم.

أحد هذه الأوامر استهدف وحده 61.400 دونما على امتداد مسار يبلغ طوله 5,567 مترا، أي ما يقارب 81% من إجمالي مساحة الأراضي المستهدفة بموجب الأوامر الأمنية الثلاثة. ويكشف ذلك عن استخدام الذريعة الأمنية كأداة لتجريد مساحات واسعة من غطائها الشجري، وفرض مزيد من السيطرة على الأراضي المحيطة بالطرق والمواقع الاستعمارية، بما يرسخ واقعا ميدانيا جديدا على حساب الملكية الفلسطينية واستخدام الأراضي.

ولم تقتصر الاعتداءات على إصدار أوامر وضع اليد والإجراءات المرتبطة بالطرق، بل طالت بصورة مباشرة الأشجار والمزروعات الفلسطينية؛ إذ تعرضت 5,027 شجرة للاقتلاع أو التخريب أو التسميم، من بينها 3,241 شجرة زيتون، بما يشكل مساسا مباشرا بالأراضي الزراعية ومصادر رزق أصحابها، فضلا عن الأضرار البيئية التي تترتب على تدمير الغطاء النباتي.

وتصدرت محافظة الخليل المحافظات من حيث حجم الأضرار التي لحقت بالأشجار، بواقع 1,558 شجرة، تلتها جنين بـ1,051 شجرة، ثم قلقيلية بـ862 شجرة، وطوباس بـ600 شجرة، ونابلس بـ564 شجرة.  وتظهر هذه الأرقام اتساع نطاق الاعتداءات على الأشجار في عدد من المحافظات، ولا سيما أشجار الزيتون التي تمثل موردا اقتصاديا أساسيا ومرتبطة ارتباطا وثيقا بملكية الفلسطينيين لأراضيهم واستخدامها.

النشاط الاستيطاني:

وخلال هذا الشهر، حاول المستعمرون إقامة 29 بؤرة استعمارية جديدة، غلب على معظمها الطابع الزراعي والرعوي، وتوزعت على تسع محافظات. وسجلت محافظة نابلس العدد الأكبر بواقع ثماني محاولات، تلتها رام الله والبيرة بـخمس محاولات، والخليل بـأربع، فيما سجلت كل من سلفيت والقدس ثلاث محاولات. وتأتي هذه المحاولات في سياق توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وفرض وقائع ميدانية جديدة، ولا سيما في المناطق الريفية والبدوية.

وتتخذ البؤر الزراعية والرعوية أهمية خاصة لكونها لا تقتصر على الاستيلاء المباشر على الأرض، بل تسهم في إحكام السيطرة على محيط التجمعات الفلسطينية ومصادر المياه والمراعي وطرق الوصول إلى الأراضي الزراعية. ومن شأن استمرار هذا النمط من التوسع أن يفرض ضغوطا متزايدة على التجمعات الريفية والبدوية، ويدفعها نحو مغادرة مناطقها، بما يتيح إعادة توظيف الأراضي التي جرى إفراغها أو تقييد وصول أصحابها إليها لصالح التوسع الاستعماري والضم الفعلي.

وفي موازاة فرض الوقائع على الأرض، تواصلت إجراءات التخطيط الاستعماري؛ إذ تشير البيانات التفصيلية إلى دراسة 14 مخططا للمستعمرات في الضفة الغربية، وثمانية مخططات داخل حدود بلدية الاحتلال في القدس. واستهدفت مخططات الضفة إنشاء 1,128 وحدة استعمارية على مساحة تقارب 1,172 دونما، بما يعكس استمرار تحويل التوسع الاستعماري من وقائع ميدانية متفرقة إلى مشاريع مخططة وقابلة للتنفيذ.

وتتركز أكثر مم 90% من الوحدات والمساحات المستهدفة في ثلاثة مخططات رئيسية لتوسيع أو اعتماد مستعمرات “ميفو دوتان” و”أساعيل” و”بيت حجاي”، الأمر الذي يشير إلى تركيز النشاط التخطيطي في مشروعات واسعة النطاق، من شأنها إحداث تحولات جغرافية وديموغرافية مستدامة في المناطق المستهدفة، وتعزيز التواصل بين الكتل الاستعمارية على حساب استمرارية المجال الجغرافي الفلسطيني.

وتظهر حصيلة شهر تموز/يوليو أن الاعتداءات الاستعمارية، والأوامر العسكرية، وعمليات الهدم، وإقامة البؤر، والمخططات الاستعمارية لا تعمل كوقائع منفصلة، وإنما تتكامل ضمن منظومة واحدة لإعادة تشكيل الأرض والسيطرة عليها. ففي الوقت الذي يفرض فيه المستعمرون وقائع جديدة على الأرض، توفر قوات الاحتلال الحماية وتفرض السيطرة على الأراضي والطرق، بينما تعمل المؤسسات الحكومية والتخطيطية على تحويل هذه الوقائع إلى ترتيبات قانونية وتخطيطية أكثر رسوخا.

وتفضي هذه المنظومة المتكاملة إلى توسيع الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، وتقطيع أوصال المناطق والتجمعات الفلسطينية، وتقييد الحركة والوصول إلى الموارد، وخلق بيئة قسرية تضغط على السكان لمغادرة مناطقهم، بما يجعل الاستهداف واقعا في آن واحد على الإنسان والأرض والموارد وسبل العيش.

خلص تقرير صادر عن منظمة “السلام الآن” و”كيرم نافوت”، إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية دفعت بعملية الضم الفعلي للضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، عبر حزمة متكاملة من الإجراءات الإدارية والتخطيطية والمالية والميدانية. ويؤكد التقرير أن هذه الإجراءات لا تمثل تطورات منفصلة، وإنما تشكل سياسة حكومية منهجية تهدف إلى تعميق السيطرة الإسرائيلية على الأرض بصورة دائمة.

ويوثق التقرير سلسلة واسعة من التدابير التي شملت توسيع المستعمرات، وشرعنة البؤر الاستعمارية، وإقامة بؤر جديدة، والاستيلاء على الأراضي، وتهجير التجمعات الفلسطينية، وتوسيع شبكة الطرق والبنية التحتية، ونقل صلاحيات مدنية من الإدارة المدنية والقيادة العسكرية إلى المستوى السياسي. كما يشير إلى تغييرات جوهرية في نظام الأراضي بالضفة الغربية.

وخلال الفترة التي يغطيها التقرير من عام 2023 وحتى 2025، أقيمت 185 بؤرة استعمارية جديدة، فيما جرى تهجير 118 تجمعا فلسطينيا رعويًا وتجمعًا للرعاة. كما جرى إنشاء 102 مستعمرة جديدة عبر شرعنة بؤر قائمة أو منح أحياء استعمارية وضعا مستقلا، إلى جانب دفع مخططات لبناء 40,046 وحدة سكنية جديدة. وفي موازاة ذلك، باتت البؤر الزراعية تسيطر فعليا على أكثر مم 1.1 مليون دونم، بينها نحو 750 ألف دونم استُولي عليها منذ تولي الحكومة الحالية السلطة.

وامتدت عملية السيطرة إلى البنية التحتية واستغلال الأرض؛ إذ جرى فتح ما لا يقل عن 223 كيلومترا من الطرق الجديدة في الضفة الغربية، فيما استولى المستعمرون على ما لا يقل عن 11,520 دونما من خلال الزراعة، وأعلنت سلطات الاحتلال 25,959 دونما أراضي دولة.

ويرى التقرير أن هذه العملية تستند إلى أربعة مسارات مترابطة: إعادة تشكيل منظومة الحكم ونقل الصلاحيات إلى المستوى السياسي، وتسريع التوسع الاستعماري، والاستيلاء على الأراضي من خلال البؤر والرعي والزراعة وتهجير التجمعات الفلسطينية، إلى جانب إحداث تحول جوهري في نظام الأراضي في الضفة الغربية. وبهذا المعنى، لا يجري الضم عبر إعلان قانوني واحد، وإنما من خلال تراكم قرارات وإجراءات تعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأرض تدريجيا.

وفي إطار تسريع التوسع الاستعماري، وقّعت الحكومة الإسرائيلية في تموز/يوليو 2026 اتفاقية شاملة مع مجلس “مستعمرات السامرة”، تعهدت بموجبها بتخصيص 8.5 مليارات شيكل لتمويل البنية التحتية لنحو 12 ألف وحدة سكنية جديدة في شمال الضفة الغربية. وتتيح هذه الاتفاقيات توفير التمويل المسبق للطرق وشبكات الصرف الصحي والمؤسسات العامة وغيرها من البنية التحتية، بالتوازي مع تسريع إجراءات التخطيط وإصدار تراخيص البناء، بما يهيئ لتنفيذ مشاريع استعمارية واسعة النطاق بوتيرة أسرع.

وتأتي الاتفاقية ضمن مسار متسارع لتوظيف التمويل الحكومي في ترسيخ التوسع الاستعماري؛ إذ وقّعت الحكومة خلال العام الماضي اتفاقيات مماثلة مع مستوطنتي “كرني شومرون” و”معاليه أدوميم”، بإجمالي التزامات بلغ 13.5 مليار شيكل لصالح تطوير البنية التحتية ودعم نحو 25 ألف وحدة استعمارية. وتشير المعطيات إلى وجود تحضيرات لاتفاقيات إضافية مع مستعمرتي “جفعات زئيف” و”أريئيل”، بما يعكس انتقال الدعم الحكومي للاستيطان من تمويل مشاريع منفردة إلى التزامات مالية طويلة الأمد تربط مشاريع البنية التحتية بالتوسع الاستعماري وتزيد من صعوبة التراجع عنها مستقبلا.

وفي ذات السياق، وافقت الحكومة الإسرائيلية في تموز/يوليو 2026 على إقامة مستعمرة جديدة جنوب جنين باسم “شانور شرق”، في موقع قاعدة عسكرية سابقة بمحاذاة قرية سنور، ليرتفع بذلك عدد المستعمرات الجديدة التي أقرتها الحكومة الحالية منذ عام 2023 إلى 104 مستعمرات. وتشمل هذه المستعمرات أحياء جرى فصلها عن مستعمرات قائمة ومنحها وضعا مستقلا، وبؤرا استعمارية غير مرخصة جرى الدفع نحو شرعنتها، ومستعمرات جديدة بالكامل.

وترافق هذا التوسع مع تخصيصات مالية واسعة لتسريع إنشاء المستعمرات الجديدة، إذ خُصص 1.3 مليار شيكل لإنشاء مواقع للكرفانات، و112.2 مليون شيكل لإعداد المخططات، إضافة إلى 1.075 مليار شيكل لشق طرق الوصول إليها، فضلا عن مليارات مخصصة سابقا للطرق التي تخدم المستعمرات القائمة.

واصلت الحكومة الإسرائيلية تسريع إجراءات التخطيط والبناء في مستعمرات الضفة الغربية، إذ كان من المقرر أن يبحث المجلس الأعلى للتخطيط في تموز/يوليو 2026 مخططات لإقامة 1,261 وحدة سكنية في أربع مستعمرات، ليرتفع إجمالي الوحدات التي وافق عليها المجلس خلال عام 2026 إلى 8,056 وحدة. ويأتي ذلك ضمن تحول نحو عقد اجتماعات أسبوعية للمجلس منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ما أدى إلى تسريع وتيرة التوسع الاستعماري وتطبيع إجراءات التخطيط والبناء في الأراضي المحتلة.

وتعززت هذه الوتيرة بعد إلغاء حكومة نتنياهو-سموتريتش في حزيران/يونيو 2023 اشتراط موافقة وزير الدفاع على مراحل دفع المخططات الاستعمارية. وفي عام 2025، دفع المجلس مخططات لـ 27,941 وحدة سكنية، وهو أعلى رقم سنوي منذ بدء المشروع الاستعماري في الضفة الغربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى