الاتفاق الإطاريّ اللبنانيّ-الإسرائيليّ: كيف تبرّأ الاحتلال في 14 خطوة؟

جاء الإعلان عن “الاتفاق الإطاري الثلاثي” بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في 26 حزيران/ يونيو 2026، ليعيد تشكيل خارطة التوازنات في المشهد السياسي اللبناني، وسط تقاطعات معقدة بين اعتبارات المصلحة الوطنية والحسابات الإقليمية. إذ تتداخل هذه الخطوة مع الموقف الإيراني، الذي أُدرج بموجبه لبنان ضمن مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، واشترط لإنهاء حالة الصراع الدائم مع واشنطن وقف الحرب الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.

وقد اتخذت السلطة اللبنانية قراراً بالانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، بخطاب يسعى إلى تسويق هذه الخطوات من بوابة “تثبيت الحقوق السيادية”، وتحصيل “الضمانات الدولية”؛ الأمر الذي أثار انقساماً حاداً وسجالاً واسعاً بين مختلف الأطياف السياسية اللبنانية حول المفاعيل الحقيقية للأبعاد القانونية والسياسية للاتفاق المبرم. لا سيما أن ذلك المسار لم يُبنَ على مترتّبات التفاهمات الإيرانية-الأميركية، وهو ما عُدَّ تضييعاً لورقة قوة كان بإمكان السلطة اللبنانية استثمارها.

تبعاً لذلك، تسعى هذه الورقة البحثية إلى تفكيك البنية الهيكلية للاتفاق الإطاري، عبر قراءة نقدية لبنوده، بالتوازي مع تحليل تموضع الدولة اللبنانية في إطار التفاهمات (الإيرانية-الأميركية)، ورصد ظلالها على السيادة الوطنية، وآفاق تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

من اتفاق 2024 إلى مواجهات 2026

تستدعي القراءة النقدية للاتفاق الراهن ربطه بنيوياً بالمسار الإجرائي الذي أُقِرّ في اتفاق عام 2024 السابق؛ حيث كان الأخير يقضي بنزع سلاح حزب الله من منطقة جنوب نهر الليطاني كمرحلة أولى، مقابل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من النقاط الخمس التي احتلتها في المنطقة. ورغم إيفاء الجانب اللبناني بالتزاماته بالتوافق مع حزب الله —حيث فرضت الدولة سيطرتها الأمنية على الجنوب وجرى تسليم المظاهر المسلحة— إلا أن الجانب الإسرائيلي امتنع عن الانسحاب من تلك النقاط الخمس في جنوب البلاد.

وعلاوة على ذلك، استمرت التجاوزات الإسرائيلية عبر استهداف العمق اللبناني بذريعة ملاحقة “البنية العسكرية” للحزب، في ظل عجز “لجنة الميكانيزم الدولية” (لجنة التحقق والمراقبة) عن ممارسة دورها المنوط بها للتحقق من هذه الادعاءات، الأمر الذي مكّن إسرائيل من أداء دور “المُتّهِم والحَكَم” في آنٍ واحد، ومواصلة عمليات الاغتيال الممنهجة ضد الكوادر العسكرية والسياسية للحزب على امتداد الأراضي اللبنانية.

هذا الانسداد في أفق التهدئة الإقليمية دفع حزب الله —بالتزامن مع اندلاع المواجهة العسكرية (الأميركية-الإسرائيلية) ضد إيران— إلى استغلال اللحظة الجيوسياسية لاستئناف العمليات العسكرية ضد إسرائيل في الثاني من مارس/آذار 2026، مؤكداً أن هذا التصعيد جاء ردّاً على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لـ “اتفاق 2024″، والتي أثبتت عدم التزام الاحتلال ببنود التهدئة التي احترمها الجانب اللبناني.

وفي هذا السياق، اتخذت السلطة التنفيذية خطوة غير مسبوقة بالانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تكللت بإنتاج ما سُمي “اتفاق الإطار”. وبدلاً من استغلال أوراق الضغط ضد إسرائيل، والمتمثلة في المقاومة نفسها، أو إدراج لبنان في مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية، تذهب تحليلات إلى أن السلطة اللبنانية فضّلت أن تنأى بنفسها عن إيران، وتحرم حزب الله من تحقيق مكسب سياسي داخلي.

ويبدو أن اختيار التكييف المفاهيمي بتسمية الاتفاق “اتفاقاً إطارياً” كان خطوة مقصودة للالتفاف على الموجبات الدستورية اللبنانية. إذ تفرض المادة (52) من الدستور اللبناني إخضاع أي اتفاقات أو التزامات دائمة تمس سيادة الدولة وحدودها وأمنها للتصديق البرلماني، نظراً لاكتسابها طبيعة المعاهدات الدولية. وحيث إن النظام اللبناني المنبثق عن وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) هو نظام برلماني ديمقراطي توافقي —وليس نظاماً رئاسياً— فإن القانون الدستوري يحظر على السلطة التنفيذية اتخاذ قرارات سيادية أحادية بمعزل عن السلطة التشريعية. بناءً عليه، يتضح أن خيار “اتفاق الإطار” جاء كآلية التفافية هدفت إلى: التهرب من الرقابة البرلمانية والمؤسسية، وتجاوز الحد الأدنى من التوافق الوطني المطلوب في القضايا المصيرية، والتشبث بالمناورة الدستورية عبر الاستناد إلى اجتهادات وفتاوى سابقة لمجلس شورى الدولة تُخرِج الاتفاقات التمهيدية من دائرة الرقابة التشريعية.

ويمثل هذا التوجه قطيعة موضوعية مع أدبيات السياسة الخارجية اللبنانية السابقة؛ إذ كانت “المقاومة” تستمد شرعيتها من خلال البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة تحت ما عُرِف بـ “معادلة الجيش والشعب والمقاومة”. وهي الصيغة التي منحت الشرعية السياسية والقانونية للمواطنين اللبنانيين للانخراط في مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي المحتلة (وفي مقدمتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا).

بيد أن التحول الجذري في هرمية السلطة تبدى مع نيل الحكومة الجديدة الثقة؛ حيث أقدمت في اجتماعها الأول في شباط/ فبراير 2025 على إلغاء هذه المعادلة الثلاثية التي شكلت لسنوات الغطاء السياسي لترسانة حزب الله العسكرية. وتناغم هذا الإجراء المؤسسي مع المقاربة التي طرحها رئيس الجمهورية جوزيف عون، في خطاب القسم، والتي شدد فيها على حتمية حصر السلاح بـ “المؤسسة العسكرية”. وترجم مجلس الوزراء هذه التوجهات رسمياً في 5 أيلول/ سبتمبر 2025 بالموافقة على الخطة الإستراتيجية للجيش اللبناني القاضية بحصر حيازة السلاح واستخدامه العسكري بالدولة حصراً.

اتفاق الإطار: استمرار للحرب بوسائل أخرى

يظهر توجه السلطة الجديدة في لبنان ونواياها حيال سلاح حزب الله جليّاً ضمن بنود اتفاق الإطار، إذ تثير بنوده بمجملها إشكاليات قانونية وسياسية وميدانية معقدة، تحمل في طياتها “انتهاكات” صريحة ومبطنة تمسّ بالسيادة الوطنية، وتفرض التزامات غير متماثلة على الجانب اللبناني.

يؤسس البند الأول من الاتفاق الإطاري لـتحول جذري في العقيدة السياسية والدفاعية للدولة اللبنانية؛ إذ ينص صراحة على أن: “إسرائيل ولبنان يؤكدان حقَّ كل دولة منهما في العيش بسلام، ورغبتهما المشتركة في العيش بأمان، دولتان متجاورتان ذواتا سيادة، وتعلنان عزمهما على إنهاء الصراع بشكل نهائي، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي…”.

يتعارض هذا البند بنيوياً مع قانون الدفاع الوطني الذي يُدرج العلاقة مع إسرائيل ضمن “حالة حرب مستمرة ومفتوحة” منذ عام 1948. وعلاوة على ذلك، يصطدم بالمحدّدات الدستورية والميثاقية العليا؛ فالفقرة (ب) من مقدمة الدستور تؤكد التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، التي تضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها والمقاومة المشروعة للاحتلال وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. ويتسع هذا الاختلال التشريعي ليشمل وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف 1989) حيث يفرض بندها الثالث “اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي اللبنانية كافة من الاحتلال الإسرائيلي”.

ومن منظور القانون الجنائي والخاص، يحظر قانون “مقاطعة إسرائيل” 1955 حظراً مطلقاً على أي شخص طبيعي أو معنوي إبرام أي اتفاق أو تعامل (تجاري، أو مالي، أو شخصي) مع هيئات أو أفراد مقيمين في إسرائيل أو منتسبين إليها. بالإضافة إلى المادة (285) من قانون العقوبات اللبناني، التي تضفي وصفاً جرمياً على جميع أشكال التواصل مع “رعايا العدو” أو دخول أراضيه، وتفرض حيال ذلك عقوبات جنائية مشددة تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة.

بينما يربط البند الثاني من الاتفاق مسار “إعادة الانتشار” التدريجي للقوات الإسرائيلية ببسط السلطة اللبنانية سيادتها على كامل ترابها الوطني، بيد أن هذا المسار اشترط مسبقاً التحقق من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية، وتفكيك بنيتها التحتية، وإنشاء منطقة عازلة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية؛ وهو ما يُحيل إجرائياً وعملياتياً إلى تفكيك القدرات العسكرية لـ “حزب الله” على امتداد الجغرافيا اللبنانية.

ويطرح البند الثالث آلية عملياتية مستحدثة تُعرف بـ “المناطق التجريبية” كمنطلق اختباري لتولّي القوات المسلحة اللبنانية مسؤولياتها الأمنية بشكل تدريجي ومرحلي. وقد جرى حصر هذه الآلية في منطقتين جغرافيتين في “قطاع جنوب الليطاني” (إحداهما تقع شمال النهر والأخرى جنوبه)، على أن يخضع هذا الانتقال العملياتي لأربع خطوات عسكرية متسلسلة، منها: “التطهير” المتمثل في تدمير البنية التحتية التسليحية واللوجستية لحزب الله، وإقصاء الموظفين العموميين المشتبه في “مشاركتهم في أنشطة غير مصرح بها”. ثم خطوة “التحقق” عبر طرف ثالث من خلال آلية تنسيق عسكرية تعمل على مدار الساعة.

بيد أن هذا النص يكشف عن نمط خطير من “الغموض الموجّه” في صياغة العقود الدولية؛ إذ يعاني البند من ثغرات جوهرية تتجلى في ثلاثة مستويات:

  1. غياب التحديد الجغرافي: عدم رسم حدود دقيقة ونطاقات جغرافية واضحة للمناطق التجريبية المستهدفة.
  2. غياب الجداول الزمنية: خلو البند تماماً من أي جداول زمنية محددة أو ملزمة لتنفيذ هذه المراحل العسكرية.
  3. ضبابية جهة الرقابة: تغييب تحديد هوية الطرف الثالث المنوط به عملية التحقق الميداني؛ إذ أقصى النص صراحةً قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” والمنظمات الأممية من هذا الدور، تاركاً الباب موارباً أمام بدائل أمنية مرتبطة بالإدارة الأميركية.

ومن منظور دلالات الألفاظ في القانون الدولي، يُسجل في هذا الاتفاق البالغ طوله نحو 1300 كلمة غياب تام ومطلق لكلمة “الانسحاب”، حيث جرى استبدالها بمصطلح فضفاض وغامض هو “إعادة الانتشار”.  وهذا ما يمنح جيش الاحتلال الإسرائيلي غطاءً قانونياً للمناورة وتحريك قواته بين القطاعات المختلفة أو تقليص عديدها جزئياً، دون إلزامه بانسحاب حقيقي وشامل إلى الحدود الدولية المعترف بها.

يضاف إلى ذلك وجود ملحق أمني سرّي للاتفاق، ينص على عدم تنفيذ أي انسحاب تلقائي للقوات الإسرائيلية، رابطاً ذلك بتحقيق لبنان الالتزامات المطلوبة منه، مما يخلق التزامات غير متماثلة بين الطرفين، حيث يقع العبء الأكبر على الحكومة اللبنانية في مراقبة وضمان نزع سلاح حزب الله، بينما تحتفظ إسرائيل باحتلالها العسكري وحرية المناورة، ما يتيح لها استئناف العمليات العسكرية بذريعة “الإخفاق اللبناني في التنفيذ”.

لا تقتصر صيغة الالتزامات غير المتماثلة في الاتفاق على الأبعاد الميدانية والعسكرية، بل تتعداها لتشمل البندين العاشر والحادي عشر اللذين يؤسسان لنمط من “المشروطية الاقتصادية”. إذ ينصان على “أن تتولى الولايات المتحدة حشد شركائها الدوليين والمنظمات المانحة لتقديم الدعم لحكومة لبنان في مجالات إعادة الإعمار، وإصلاح البنية التحتية المتهالكة، وإنعاش الاقتصاد الوطني، فضلاً عن توفير المساعدات الإنسانية والبرامج الاستثمارية…”.

بيد أن ذلك مرهون بالتزام الدولة اللبنانية بمنع وصول أو تدفق أي أموال، سواء أكانت عامة، أم استثمارية، أم إنسانية، إلى أي كيان، أو منظمة، أو فرد يرتبط بـ “الجماعات المسلحة غير الحكومية”، مع التركيز على فرض رقابة استباقية مانعة لضمان عزل أموال إعادة الإعمار عن تلك الجهات. يفرض هذا التوجه على المؤسسات المالية والرقابية اللبنانية الخضوع لمعايير تدقيق خارجية صارمة تتجاوز القوانين المحلية، مما قد يؤدي إلى شل حركة الجمعيات الإنسانية والمؤسسات الأهلية في المناطق الأكثر تضرراً تحت ذريعة الارتباط بحزب الله. وهو ما يخلق معادلة تقوم على تنفيذ التزامات أمنية لبنانية فورية وقطعية، مقابل وعود تمويلية دولية مشروطة ومؤجلة.

يبرز البند الثالث عشر كأحد أكثر نصوص الاتفاق خطورة وإثارة للجدل على المستويين القانوني والحقوقي، إذ يلزم كلاً من لبنان وإسرائيل بـ “وقف الإجراءات الضارة أو المعادية كافة في المحافل السياسية والقانونية الدولية”، بالتوازي مع “العمل المشترك للبحث عن رفات الضحايا وإعادتهم، والإفراج عن المعتقلين”. ويكشف هذا البند عن اختلالات بنيوية تمس عمق السيادة القضائية وحقوق المفقودين، وذلك عبر مسارين:

أولاً: يعاني الشق المتعلق بالمعتقلين والمفقودين من غياب التحديد الدقيق لآليات وجداول الإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وتبرز هنا إشكالية الطيار الإسرائيلي “رون آراد”، ما يمنح الاحتلال الإسرائيلي ذريعة قانونية لتعليق الإفراج عن المعتقلين اللبنانيين، ورهن هذا الملف باستعادة رفات آراد.

ثانياً: يشكل الشق الخاص بـ “وقف الإجراءات القانونية الدولية” سابقة خطيرة في القانون الدولي الإنساني. فوفقاً للقراءة القانونية النقديّة التي قدمها المحامي نزار صاغية، يفرض هذا النص على الدولة اللبنانية تنازلاً غير مبرر عن حقوقها السيادية، مانحاً إسرائيل ما يشبه “العفو العام” والشامل.

وبالمجمل، وحسب ورقة صادرة عن معهد الدوحة، فإن الاتفاق يمثل مقاربة (أميركية-إسرائيلية) مشتركة تهدف إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية اللبنانية. ولا ترتكز هذه المقاربة على إنهاء الحرب بقدر ما تسعى إلى “إعادة تعريف مسبباتها”؛ إذ يعمد الاتفاق إلى تصنيف “المقاومة” بوصفها المحرك الرئيس للصراع وليس “الاحتلال”، وهو ما يفرض عبء استمرار الاحتلال على كاهل “حزب الله”، عبر تحويل احتفاظه بالسلاح إلى مبرر لاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي.

ردود الفعل اللبنانية على الاتفاق

يمكن القول إن اتفاق الإطار والمواقف منه عبّرت عن طبيعة الانقسامات السياسية والأيديولوجية التي تشكل المشهد السياسي اللبناني تاريخيّاً. إذ تصدّر حزب الله وحركة أمل الرفض الداخلي للاتفاق، حيث قاد نواب الحزب اعتراضاً دستورياً، مؤكدين عدم أهلية السلطة التنفيذية للتفاوض الأحادي مع كيان محتل، وحتمية نيل تصديق البرلمان. وتُرجم هذا الموقف ببيان رسمي للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في 27 حزيران/ يونيو 2026، وصف فيه الاتفاق بأنه “إهانة” تتجاوز الخطوط الحمراء بربطه الانسحاب بنزع السلاح.

وفي السياق ذاته، جاء الموقف الرافض لرئيس حركة أمل ورئيس البرلمان نبيه بري الذي وصف الاتفاق بأنه مجرد “إملاءات” خارجية مجحفة تهدف إلى فرض واقع أمني جديد، محذراً من أن الصيغة الحالية تحمل في طياتها شرارة الفتنة والحرب الأهلية، مؤكداً أن هذا الاتفاق لن يرى النور ولن يمر عبر المؤسسات الدستورية ما لم يحظَ بالتوافق الميثاقي الشامل.

اتسع نطاق المعارضة للاتفاق ليمتد إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي عبّر رئيسه وليد جنبلاط عن توجسه البالغ من تداعياته الكارثية على وحدة النسيج الوطني؛ مستنداً في معارضته إلى حتمية الالتزام بـ “وثيقة الوفاق الوطني” (اتفاق الطائف) ومبادئ الشرعية الدولية، معتبراً أن إقحام صيغ غامضة وشروط أداء أحادية في متن الاتفاق دون مظلة إجماع داخلي، من شأنه أن يدفع البلاد نحو منزلقات خطيرة تهدد السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.

كما اعتبرت الأحزاب والقوى اليسارية والقومية (مثل الحزب الشيوعي اللبناني والتنظيم الشعبي الناصري) الاتفاق خطوة خطيرة تمهد لـ “التطبيع الرسمي” والاعتراف بكيان الاحتلال عبر صيغ المباحثات المباشرة، ورأت أن رعاية واشنطن للاتفاق تجعله أداة لفرض الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية على سيادة لبنان، وتفكيك عناصر قوته الوطنية.

في مقابل ذلك، كانت القوى السياسية المناوئة لحزب الله، لا سيما القوات والكتائب، من أبرز الجهات المرحبة بالاتفاق، متبنية الفلسفة التي قام عليها، وهي حصر جوهر الصراع في “سلاح حزب الله”، وليس في الاحتلال والعدوان الإسرائيلي. وفي حين تباينت مواقف السنة في لبنان بين معارض وداعم، إلا أن غموض بنود الاتفاق، لا سيما فيما يتعلق بموضوع الانسحاب الإسرائيلي، أثار تحفظات لدى شخصيات سياسية ليست على وفاق مع حزب الله، مثل رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة.

الخاتمة

يظهر أن “الاتفاق الإطاري” قد وُلد مأزوماً؛ نظراً لرفضه من شريحة واسعة من القوى السياسية، واشتراطه انسحاب الاحتلال بنزع السلاح الكامل، فضلاً عن مواجهته باعتراض حقوقي وسيادي لتفريطه بأدوات المساءلة الدولية، وهو ما يفرغ النص من مفاعيله الإجرائية، ويحوله إلى صاعق يفجّر التوازنات الهشة للنظام اللبناني.

ورغم مواصلة الحكومة طرح رؤية تتمحور حول استعادة السيادة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، فإنها تمضي في هذا المسار دون حسم انقساماتها حول آليات التطبيق، وتفتقر إلى أدوات الفرض القسري على الأطراف الرافضة له. وبالمحصلة، لن تكون القرارات الرسمية (اتفاق الإطار) العامل الفاعل في رسم معالم المرحلة المقبلة، بل تطورات الميدان، وما سينتج عن الحرب الإقليمية بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى