السعي الإسرائيليّ للانضمام للاتّحاد الإفريقي: صراع المصالح والصلاحيّات والمبادئ

لم تتوقّف المساعي الإسرائيلية للانضمام إلى المنظمة القارية الإفريقية بصفة مراقب منذ تأسيسها، سواء إبّان حقبة “منظمة الوحدة الإفريقية” أم في ظل “الاتحاد الإفريقي”. وفي السنوات الأخيرة، نجحت إسرائيل في الحصول على صفة المراقب عام 2021، غير أنها سرعان ما فقدتها إثر تجميد القرار وطرد وفدها من الاتحاد لاحقًا. ورغم أن إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع معظم دول القارة، فإنها تولي أهمية استثنائية لمسألة العضوية في المنظمة القارية، إذ تروج لسردية مفادها أنها كانت تحوز صفة المراقب في منظمة الوحدة الإفريقية إلى حين تحولها إلى الاتحاد الإفريقي عام 2002، وتتخذ من تلك السردية ركيزة لمساعيها الدؤوبة لاستعادة هذا التموضع المؤسسي.

غير أن هناك عوامل متعددة شكّلت عائقًا أمام تلك المساعي الإسرائيلية، ومع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما صاحبها من تحولات وسياسات إسرائيلية، أصبحت مسألة انضمام إسرائيل للمنظمة أكثر تعقيدًا وأبعد عن التحقق.

وعليه، تتناول هذه الورقة أوّلًا المفارقة التاريخية المؤسِّسة بين السردية الإسرائيلية عن إرثها القاري والوضعية الإجرائية الفعلية منذ الستينيات؛ لتكشف أن كل مسعى لاحق يقوم على أرضية مغلوطة. وانطلاقًا من هذا الأساس، تُقرأ لحظة عام 2021 بوصفها كاشفًا بنيويًا لا حدثًا استثنائيًا؛ إذ أظهرت كيف أن المرونة الإجرائية حين تتجاوز الصلابة القيمية لا تُنتج اختراقًا مستدامًا، بل انكشافًا فوريًا للتناقض الداخلي للمؤسسة. ومن هذا الكشف، تنتقل الورقة إلى تحليل الوظائف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من صفة المراقب؛ لتوضح أخيرًا حدود هذا المسعى في مواجهة منظومة عوائق متراكمة تجعل من إعادة فتح الملف كُلفة سياسية يصعب على أي رئيس مفوضية تحمُّلها.

إسرائيل في المنظمة القارية الإفريقية من “الضيف” إلى “الطرد”

تعود مساعي إسرائيل لتأمين موطئ قدم مؤسسي في القارة الإفريقية إلى عقود خلت، إذ لا يستقيم فهم الاندفاع الإسرائيلي نحو الاتحاد الإفريقي، في السنوات الأخيرة بمعزل عن مسار تاريخيّ ممتدّ يضرب جذوره في خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي. وذلك حين انخرطت إسرائيل في القارة عقب موجة الاستقلالات الإفريقية بوصفها فاعلًا يُقدّم نفسه نموذجًا تنمويًّا بديلًا عن المستعمِر الأوروبي. كان هذا الانخراط مدفوعًا بهدفين متلازمين؛ وهما تطويق التحرّك الدبلوماسي المصري في القارة في حقبة جمال عبد الناصر، وكسر العُزلة الإقليمية التي فرضتها المقاطعة العربية بعد عام 1948.

جرى تغليف ذلك الاندفاع لاحقًا بمغالطة تاريخية تبنتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، وروّج لها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال جولته الإفريقية عام 2016 للإيحاء بأن إسرائيل كانت تتمتع بصفة عضو مراقب في منظمة الاتحاد الإفريقي. غير أن السفير الإسرائيلي الأسبق، أرييه عوديد، يدحض ذلك صراحةً، مؤكّدًا أنّ الحضور الإسرائيلي اقتصر في الستينيّات على وضعية بروتوكولية أدنى تُدعى الضيف المدعو (Invited Guest). كانت هذه الوضعية تسمح للدبلوماسيين الإسرائيليين -بحسب عوديد- بحضور حفلتي الافتتاح والختام للقمم القارية فحسب، دون المشاركة في اجتماعات المنظمة ومخاطبتها، إلى أن نجحت الضغوط الدبلوماسية العربية في إقصاء إسرائيل وإلغاء هذه الوضعية تمامًا عام 1970.

في المقابل، حصلت منظمة التحرير الفلسطينية رسميًا على صفة المراقب (Observer Status) في منظمة الوحدة الإفريقية عام 1974، وذلك عقب تبني المنظمة قرارًا تاريخيًا حاسمًا يقضي بأن القضية الفلسطينية هي قضية إفريقية. هذا التآكل التدريجي للشرعية الإسرائيلية قاريًّا مطلع السبعينيّات، سرعان ما تحوّل إلى انهيار دراماتيكي شامل تحت وطأة المتغيرات العسكرية آنذاك، إذ شكّلت حرب أكتوبر/تشرين الأوّل 1973 لحظة قطيعة جيوسياسية كاملة، أدخلت إسرائيل في طور من العزلة المفروضة التي توصف بـالحجر الدبلوماسي الجماعي (Quarantine)، وكذا النبذ القاري (Pariahtude)؛ أي عزلة متسارعة كاسحة (Galloping Isolation).

وتحت تأثير ضغوط متبادلة لحفظ الإجماع الإفريقي وتجنب انقسام القارة وتشرذمها، قطعت الأغلبية الساحقة من دول إفريقيا جنوب الصحراء -باستثناء جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري، وملاوي، وإسواتيني، وليسوتو، وموريشيوس- علاقاتها الرسمية مع تل أبيب احتجاجًا على استمرار احتلال الأراضي العربية. وقد تعمقت هذه الانعطافة الجماعية بفعل التبعات الاقتصادية الصادمة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط أثناء الحرب؛ حيث سعت العواصم الإفريقية لتأمين مصالحها الحيوية عبر التضامن السياسي مع الجانب العربي. واستمرّ هذا التوجّه القاريّ ليتجسّد في إعلان منظمة الوحدة الإفريقية عام 1975 بأنّ “النظام العنصري في فلسطين المحتلّة والنظام العنصري في زيمبابوي وجنوب إفريقيا لهما أصل إمبرياليّ مشترك، ويُشكّلان كُلًّا واحدًا، ولهما البنية العنصرية نفسها”.

ومنذ تحوّل منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي عام 2002، رُفِضت طلبات إسرائيل المتكرّرة لنيل صفة المراقب، تحديدًا في عامي 2013 و2016؛ استنادًا إلى تعارض السياسات الإسرائيليّة مع روح الميثاق التأسيسيّ ومع الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

في الثاني والعشرين من يوليو/تموز 2021، اتّخذ رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي السابق، موسى فكي محمد، قرارًا منفردًا بمنح إسرائيل صفة المراقب.[1] لم يكن هذا القرار الذي وُصِف بأنّه “قَسّمَ إفريقيا” حادثًا بيروقراطيًّا معزولًا، بل تتويجًا لجهد دبلوماسي إسرائيلي امتدّ نحو عقدين، وتعزّز بزيارات بنيامين نتنياهو لشرق إفريقيا في يوليو/تموز 2016، حيث اختار إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا تحديدًا، ثمّ زيارته في عام  2017 لمخاطبة قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس). وهي زيارات تأتي في ظل مسار دبلوماسي طويل أثمر عن نسج إسرائيل علاقات مع ست وأربعين دولةً من أصل خمس وخمسين في القارة، ضمن شبكة مصالح تسعى إسرائيل للحصول عليها من القارة الإفريقية. بيد أنّ هذا الاختراق البيروقراطي لم يصمد طويلًا؛ حيث أبدت نحو سبع عشرة دولةً من أصل خمس وخمسين دولة عضو في الاتحاد الأفريقي رفضها أو تحفظها على القرار.

ويكشف موقف جنوب إفريقيا بصفة خاصة عمق الإشكال؛ إذ وصفت قرار فكي بأنّه صادم؛ مُشيرةً إلى أنّ منحه جاء في وقت يتعرّض فيه الشعب الفلسطينيّ المضطهَد لقصفٍ مدمّر واستيطانٍ غير مشروع. وفي عُمق الإشكال، تتقاطع البنية القانونية مع الموقف السياسي؛ إذ يجيز “نظام منح صفة الاعتماد في الاتحاد الإفريقي” لرئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي النظر في طلبات الدول غير الإفريقية، مع الأخذ بعين الاعتبار المصلحة العُليا للاتحاد والمواقف والمخاوف المعروفة للدول الأعضاء، ولا يُوافق على الطلب إلا في حال اقتناع رئيس المفوضية بعدم وجود موانع تحول دون الموافقة عليه.

ونتيجةً لهذا التجاذب، قرر الاتحاد الإفريقي في قمة أديس أبابا (القمة الـ 35)، فبراير/شباط 2022، تعليق قرار منح إسرائيل صفة المراقب. وفي قمة فبراير/شباط 2023، أعلن رئيس المفوضية استمرار تعليق الصفة؛ ما أدى عمليًا إلى طرد الوفد الإسرائيلي من قاعة الاجتماعات لعدم وجود دعوة رسمية.

وعقب السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، حسم الاتحاد الإفريقي موقفه في قمة فبراير/شباط 2024 الذي أدان فيه العدوان الإسرائيلي وطالب بإنهاء أشكال التبادل كافة مع إسرائيل، مؤكدًا أن الملف أصبح مغلقًا تمامًا وسُحبت الصفة فعليًا.

لماذا تريد إسرائيل صفة المراقب في الاتحاد الإفريقي؟

على الرغم من أن إسرائيل تتمتع بعلاقات متنوعة مع غالبية الدول الإفريقية، فإنها تظل حريصة على الحصول على صفة المراقب، حيث توجد جملة من الوظائف المتشابكة التي تؤديها هذه الصفة، ويمكن استخلاصها على المستويات التالية:

أوّلًا: تعطيل الكتلة التصويتية الإفريقية في المحافل الأممية: تُمثّل الدول الإفريقية الخمس والخمسون أكبر كتلة تصويتية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكثيرًا ما تُصوّت بصورة شبه موحّدة لمصلحة القضية الفلسطينية. لذلك تستهدف إسرائيل من خلال صفة المراقب حملَ الدول الإفريقية على دعم مواقفها في المنظمات الدولية، أو في الحدّ الأدنى الامتناع عن التصويت أو التغيّب. وتتوافق هذه القراءة وظيفيًّا مع ما خلص إليه معهد دراسات الأمن الإفريقي من أنّ الانتصار الدبلوماسي لإسرائيل في الاتحاد الإفريقي يُعيد ترتيب موازين التصويت لمصلحتها.

ثانيًا: العضوية المضادة في وجه الحضور الفلسطيني المؤسسي: منح الاتحاد الإفريقي السلطة الفلسطينية صفة المراقب عام 2013، بينما ظلّت إسرائيل خارج هذا الفضاء؛ الأمر الذي يمنح الفلسطينيين منبرًا قارّيًا يضم 55 دولة لتقديم روايتهم، وتأمين الدعم السياسي والدبلوماسي، وتوظيف المنصة لإنتاج مواقف قارية متضامنة في القمم والاجتماعات الدورية. وتنظر إسرائيل إلى هذا التمايز بوصفه فجوة دبلوماسية خطرة، يستثمرها الفلسطينيون لتعميق الانحياز الإفريقي لقضيتهم. ولعجز إسرائيل عن إقصاء الحضور الفلسطيني عن هذه المساحة، يصبح الحضور إلى جانبهم -ولو بصفة مراقب- أداة لتقليص الأثر التراكمي للسردية الفلسطينية، ولامتلاك حق المخاطبة المؤسسية، وبناء شبكات تأثير عكسية داخل البيروقراطية القارية.

ثالثًا: تطبيع الحضور المؤسسي في إفريقيا لترميم الشرعية الإسرائيلية: في ظل الإبادة الجماعية على قطاع غزة، باتت إسرائيل في حاجة ماسّة إلى إعادة بناء شرعيّتها أمام الجنوب العالميّ، الذي يُمثّل الاتحاد الإفريقي عقدته الأبرز. فالحضور المؤسسيّ في أديس أبابا -مقرّ الاتحاد- يُتيح لإسرائيل بناء شبكات اتّصال مع البيروقراطية القارية والنخب السياسية بصورة منتظمة؛ وهو ما يُصعّب لاحقًا اتّخاذ قرارات قاريّة جماعية مناهضة لها. فمنذ أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 تحوّلت القارة الإفريقية إلى إحدى أبرز جبهات تطويق الشرعية الإسرائيلية، بقيادة جنوب إفريقيا التي رفعت في 29 ديسمبر/كانون الأوّل 2023 دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزّة. ولم يتوقف الأمر عند الموقف الفردي لبريتوريا؛ بل امتد ليتحوّل إلى موقف قاريّ مؤسسي حين منحت محكمة العدل الدولية في فبراير/شباط 2025 الاتحادَ الإفريقي إذنًا رسميًا بالمشاركة في الإجراءات الاستشارية المتعلّقة بالتزامات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

رابعًا: مواجهة النفوذ التركيّ والمصريّ والإيرانيّ في القارة الإفريقية: يُعيد هذا البُعد ربط المسعى الإسرائيلي بسرديّة أوسع لإعادة هندسة الإقليم، تستهدف فيها إسرائيل تطويق الأدوار والنفوذ المتصاعد لعدد من القوى في المنطقة، لا سيما التركيّ في الصومال وإثيوبيا والممرات البحرية، فضلًا عن تطويق الدور المصريّ في حوض النيل والبحر الأحمر. ووفقًا للسرديات الإسرائيلية، فإلى جانب النفوذ المصري والتركي في إفريقيا، تبرز إيران كفاعل محوري يعمل بصورة مكثّفة على تشديد الحصار الاقتصادي على إسرائيل عبر التوسّع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وفتح خطوط لتهريب السلاح إلى حماس عبر السودان وإريتريا، والتمدد في مالي والنيجر للوصول إلى موارد اليورانيوم اللازمة لبرنامجها النووي، فضلًا عن استثمار العلاقة مع جنوب إفريقيا؛ لتقويض الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية، لا سيما داخل الأطر الإفريقية متعددة الأطراف. وفي السياق ذاته، ترصد التقارير الأمنية نشاطًا موازيًا لحزب الله في إفريقيا، متمثّلًا في بنائه شبكات تمويل وتجارة ماس واسعة في غرب القارة يُمكن تحويلها إلى منصات لاستهداف المصالح الإسرائيلية في لحظة المواجهة.

عوائق الاختراق الإسرائيلي

تصطدم الحسابات الإسرائيلية في القارة الإفريقية بمنظومة من العوائق المتراكمة التي تتجاوز مجرد المواقف السياسية العابرة، لتتشكّل في بنية صلبة تتوزع على مستويات أيديولوجية، وسياسية، وقانونية، وميدانية.

أوّلًا: البنية الأيديولوجية للميثاق التأسيسي

يقوم الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي على رفض الاستعمار والفصل العنصري بوصفهما خطّين أحمرين، وهو ما يجعل من قبول إسرائيل تناقضًا مع الهوية المؤسسية ذاتها، خصوصًا بعد أن وصفت منظمات حقوقية كبرى من بينها بتسيلم الإسرائيلية السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين بأنها ترقى إلى جريمة الفصل العنصري. هذا التوصيف ليس هامشيًّا في الخطاب الإفريقي؛ فجنوب إفريقيا التي تقود الحملة المناهضة تستحضر تجربتها الخاصة مع الأبارتهايد بوصفها مرجعية أيديولوجية تجعل القبول بإسرائيل مساسًا بهويّتها الوطنية، فضلًا عن هويّة الاتحاد القاريّة.

ثانيًا: جدار المُمـانعة القاري وتكتل الفيتو الأفرو-عربي

يبرز عائق آخر لعب دورًا محوريًّا في عرقلة انضمام إسرائيل بصفة مراقب، تتمثّل في المقاومة الدبلوماسية التراكمية المشتركة التي قادتها قوى إقليمية وازنة، وفي مقدمتها الجزائر وجنوب إفريقيا بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني. والقراءة الفاحصة لكواليس الاتحاد الإفريقي تُثبت أن التكتل المناهِض لشرعنة الحضور الإسرائيلي ليس وليد لحظة عام 2021، بل هو امتداد لإستراتيجية حظر قادها هذا المحور بضراوة لسنوات؛ حيث تزعمت الجزائر والسودان منذ عام 2016 حراكًا منظمًا؛ لعرقلة الاندفاعة الدبلوماسية الإسرائيلية وصياغة فيتو قاري ضد محاولات تل أبيب استغلال علاقاتها الثنائية المتنامية لانتزاع مقعد المراقب، وفق ما أوضحته دراسة لمعهد ميتفيم. هذا التنسيق التاريخي الذي شمل أيضًا تعبئة أروقة المفوضية عبر نفوذ جنوب إفريقيا الصارم، وزيارات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتنسيق أوراق الضغط القارية هو الذي شكّل الأرضية الصلبة التي منحت جبهة الرفض جاهزية تامة ومسبقة لشن هجومها الدبلوماسي المضاد، وتحويل خطوة الاعتماد الأحادية والمباغتة إلى معركة علنية حول شرعية الوجود الإسرائيلي في القارة الإفريقية.

وضمن هذا الخط المؤسسي، أصدرت الخارجية الجزائرية بيانًا شديد اللهجة في 26 يوليو/تموز 2021؛ احتجاجًا على قرار منح إسرائيل صفة المراقب، معتبرة أن الخطوة اتُّخذت دون مشاورات مسبقة واسعة مع الدول الأعضاء، ولا تعكس مبادئ وأهداف الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي. ولم يقتصر الأمر على الموقف الجزائري المنفرد؛ إذ تلا ذلك تقديم مذكرة احتجاج مشتركة في 29 يوليو/تموز 2021 من ثماني سفارات عربية وإفريقية في أديس أبابا (من بينها مصر وتونس وجيبوتي وليبيا وجزر القمر). وعقب صدور بيان توضيحي من رئيس المفوضية موسى فكي في 6 أغسطس/آب2021 يدافع فيه عن خطوته، تبلور حِـراك قاري أوسع في اليوم التالي مباشرة (7 أغسطس/آب 2021)؛ حيث فعّلت 14 دولة إفريقية من بينها (جنوب إفريقيا، ونيجيريا، والسنغال، وتنزانيا، وزيمبابوي، ومالي) تكتلًا دبلوماسيًّا منظمًا يهدف إلى إلغاء قبول إسرائيل.

ثالثًا: حرب الإبادة في غزّة

شكلت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزّة منذ أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023 نقطة تحوّل حاسمة. فالحرب لم تُنتج فقط موجة تضامن شعبي إفريقي، بل أنتجت دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية التي تحوّلت إلى مرجعيّة قاريّة يصعب على أيّ نظام إفريقي تجاوزها دون كُلفة داخلية. ففي فبراير/شباط 2026، افتتح رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف أعمال القمة التاسعة والثلاثين في أديس أبابا بإعلان بالغ الدلالة، حين قال إنّ “إبادة الشعب الفلسطيني يجب أن تتوقف”، مطالبًا برفع الحصار الإسرائيلي عن غزّة، ومُذكِّرًا الحاضرين بأنّ “القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي هما أساس المجتمع الدولي”. فمنذ أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، تتراكم الأحكام القانونية ضد إسرائيل؛ من مذكرات توقيف المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو وغالانت، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية القاضي بعدم مشروعية الاحتلال برمّته، ومشاركة الاتحاد الإفريقي نفسه بوصفه طرفًا داعمًا في تلك الإجراءات. وعليه يغدو أيّ قرار بتطبيع الحضور الإسرائيلي في الاتحاد تناقضًا صريحًا مع المواقف القانونية التي اتّخذها الاتحاد ذاته أمام القضاء الدولي.

رابعا: الدور الإسرائيلي المزعزع للاستقرار القاري

يبرز عائق ميداني جديد يتمثّل في الدور الإسرائيلي الذي بات يُنظر إليه كعنصر مُزعزع للاستقرار. فالاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند أواخر ديسمبر/كانون الأوّل 2025 أثار مخاوف بنيوية تتعلق بمبدأ حرمة الحدود الموروثة عن الاستعمار؛ وهو الركن الأساسي الذي يقوم عليه السلم الأهلي في القارة. إذ عقد مجلس السلم والأمن الإفريقي جلسة طارئة في يناير/كانون الثاني 2026؛ ردًّا على الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند؛ وقد وصف رئيس مفوضية الاتحاد الاعتراف بأنّه “ينطوي على مخاطر تأسس سابقة خطيرة ذات تبعات بعيدة المدى للسلم والاستقرار في القارة”. ولم تكتفِ مفوضية الاتحاد الإفريقي بذلك، بل أصدرت في أبريل/نيسان 2026 بيانًا إضافيًا تُدين فيه قرار إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لصومالي لاند، في تصعيد مؤسسي علني للموقف الإفريقي. إذ لم تَعُد إسرائيل مجرد دولة تنتهك حقوق شعب خارج القارة، بل تحوّلت إلى فاعل يُهدّد الأمن القومـي الإفريقي في صميمه عبر تشجيع النزعات الانفصالية.

الخاتمة

تُقدَّم القرارات المتعاقبة للاتحاد الإفريقي منذ عام 2021 بوصفها تعبيرًا عن تحوّل أعمق من مجرّد سياسة خارجية تجاه إسرائيل بالمعنى المألوف، فهي ليست سلسلة مواقف ظرفيّة بقدر ما هي محطّات متتابعة وجد فيها الاتحاد نفسه مضطرًّا للإجابة عن سؤال تأسيسي يمسّ هويّته ذاتها: ما الذي يُتيح لمؤسّسة نشأت على مناهضة الاستعمار والفصل العنصريّ أن تستضيف في بنيتها التمثيليّة دولةً تصفها كبرى المنظّمات الحقوقيّة بممارسة الفصل العنصريّ؟ بهذا المعنى، لم يكن الاتحاد يُدير خلافًا قطاعيًّا مع تل أبيب، بل كان يُعيد التعرّف على نفسه من خلال الموقف منها.

ضمن هذا الإطار، يبدو أنّ هناك توترًا قائمًا؛ وهو التوتر بين المرونة الإجرائية التي تُتيحها صلاحيات رئيس المفوضية، والصلابة القيمية التي يفرضها الميثاق التأسيسي للاتحاد. فقرار فكي أعمل المرونة الإجرائية واستأنس بالعلاقات الثنائية مرجعًا، فانكشف تناقضه مع الصلابة القيمية فورًا. والاتحاد حين علّق لم يتّخذ قرارًا إيجابيًا بالمعنى الدقيق، بل سدّ الفجوة بين ما يدّعيه وما يفعله. فالاتحاد الإفريقي ليس فاعلًا متجانسًا، بل مظلّة لخمس وخمسين دولة تتباين علاقاتها الثنائية مع إسرائيل تباينًا كبيرًا. فستٌّ وأربعون دولة إفريقية تحتفظ بعلاقات دبلوماسية ثنائية مع تل أبيب، وبعضها -كرواندا وكينيا وأوغندا وإثيوبيا- يتقاطع مصلحيًّا مع إسرائيل في ملفات الأمن والتكنولوجيا والاستثمار.

هذا التناقض البنيويّ بين البعدين الثنائيّ والقاريّ هو ما يُتيح لإسرائيل الإبقاء على هامش من المناورة عبر استثمار العلاقات الثنائية للضغط على المؤسسة القارية، فيما يُتيح للاتحاد الإفريقي بدوره أن يُحافظ على موقفه المبدئيّ دون أن يكلّف أعضاءه قطع علاقاتهم. ومن هنا، تبقى صفة المراقب موضع تجاذب لا يُحسم نهائيّا لأيٍّ من الطرفين، بل يظلّ مُعلّقًا في منطقة رماديّة بوصفه أداة ضغط متبادل. وبالمحصّلة، ومع تراكم الأحكام القضائيّة الدوليّة منذ 2023، وتصاعد الانخراط الإسرائيليّ المُزعزِع للاستقرار في القرن الإفريقي، تبدو الكفّة مُرجَّحةً ولو ببطء نحو تثبيت الإقصاء بدلًا من تخفيفه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى