مبتورو الأطراف في قطاع غزّة .. حيث تتحوّل النجاة إلى معاناة دائمة

تحت وابلٍ لا يتوقف من الصواريخ التي تزن أطناناً من المتفجرات، تحوّلت شوارع قطاع غزة وخيامه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى مسرح لأكبر عملية بتر للأطراف في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكتف حرب الإبادة المستمرة بحصد أرواح عشرات الآلاف من الشهداء، بل خلّفت مئات الآلاف من الجرحى الذين يواجه الآلاف منهم واقعاً جديداً بلا أطراف.

فقد كان لتلك الصواريخ التدميرية للمباني الخرسانية دور في تقطيع الأطراف البشرية، ضمن سياسة ممنهجة لتحويل آلاف الشباب، وجيل كامل من الأطفال إلى ذوي إعاقة دائمة واحتياجات خاصة، ليكونوا بحاجة إلى من يساعدهم ويساندهم كي يواصلوا حياتهم، بدلاً من أن يكونوا عناصر بناء وقوة لذويهم ومجتمعهم في ظل الأوضاع الكارثية الصعبة.

وأصبحت الإصابة لدى من فقدوا أطرافهم صدمةً ممتدة الأثر تعيق تعافيهم وممارسة حياتهم اليومية، في ظل تدمير البنية التحتية الصحية على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، واستنزاف الموارد الطبية، والاستمرار في منع إدخال الأدوات المساعدة الأساسية لمبتوري الأطراف وذوي الإعاقة في قطاع غزة، بحيث يُتركون بلا كراس متحركة أو عكازات أو أطراف صناعية، مما يفاقم من معاناتهم ويحرمهم حتى من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي.

وفي هذا التقرير نستعرض معاناة مصابي بتر الأطراف في ظل الإبادة المستمرة وتبعات ذلك على حالتهم الصحية والنفسية.

أطراف مبتورة وأحلام معلقة

يقدر عدد المصابين ببتر الأطراف بـ5000 جريح منذ السابع من أكتوبر وحتى كتابة التقرير، ووفقاً لمدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة زاهر الوحيدي[1]، فإن 11% منهم من النساء و20% من الأطفال، وبذلك يصبح قطاع غزة موطناً لأكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، وذلك بحسب ليزا دوتن المسؤولة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً سيواجه ظروفاً إنسانية وصحية واجتماعية صعبة، في ظل انهيار الخدمات الصحية والغذائية والنفسية داخل القطاع.

في قطاع غزة، تكاد لا تخلو الشوارع من مشاهد لحالات بتر مختلفة ولأعمار متفاوتة، رجال ونساء وأطفال، بعضهم يسير على عكازين، وآخرون على عربات متحركة، والبقية تفتقر لأي منهما فيسيرون على أطرافهم المبتورة أو يزحفون على الطرف المتبقي. وتختلف حالات البتر؛ فمنهم من فقد ساعدًا واحدًا أو اثنين، أو ساقًا واحدة أو الساقين معاً، أو ساقًا ويدًا يمنى، أو ساعدًا وساقًا يسرى، بينما فقد آخرون ثلاثة أطراف ليتبقى لهم يد واحدة أو قدم واحدة، في ظل ظروف حياتية معقدة، إذ يعيشون في خيام مهترئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، من سرير يناسب حالة المصاب الصحية، ومرحاض مجهز بالاحتياجات التي تسهل عليه استخدامه.

ففي شهادة لشروق أبو سكران[2]، المصابة ببتر في أطرافها السفلية، والنازحة في أحد المخيمات بالقرب من الخط الأصفر، إذ قالت: “مذ أصبت في 31 أغسطس/آب 2024، وأنا أخوض رحلة علاج طويلة ومؤلمة، أخضع خلالها لعمليات جراحية متكررة، ونوبات فقد وعي مفاجئ في مكان تحفه المخاطر، فإذا ما حدث طارئ، لا أستطيع حماية طفلي ولا أستطيع الهرب، وهذا أكثر ما يخيفني، فلا أطراف صناعية أعتمد على نفسي بها، ولا طرق معبدة تجري عربتي المتحركة بسهولة عليها، ولا حتى بيت فيه مرافق صحية تناسب حالتي بدلاً من الاعتماد على والدتي الكبيرة في السن”.

البتر وانهيار المنظومة الصحية

كثير من حالات بتر الأطراف لم تكن ناتجة عن طبيعة المقذوف أو الشظية ذاتها، بل نجمت أيضاً عن انهيار المنظومة الصحية، وعجز المستشفيات عن تقديم تدخلات جراحية متقدمة، أو متابعة علاجية مناسبة، خاصة في ظل نقص غرف العمليات ومواد التخدير، وتأخر وصول الإسعاف، وصعوبة إجراء العمليات الجراحية في ظروف صحية كارثية.

وبحسب مدير المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) وطبيب العظام المختص فضل نعيم، فإن أبعاداً مختلفة فرضت على الطواقم الطبية اللجوء لبتر أطراف المصابين، وهي على النحو التالي[3]:

  • بروتوكول “المفاضلة القسرية” (Triage) وإنقاذ الحياة على حساب الأطراف، نظراً للتدفق الهائل للجرحى في آن واحد واكتظاظ غرف العمليات، ما اضطر الطواقم الطبية إلى تطبيق نظام “المفاضلة” بين المرضى، بحيث تُعطى الأولوية للحالات التي تحتاج تدخلاً فورياً لإنقاذ الحياة على حساب إنقاذ الأطراف.

ومثالاً على ذلك، حين يستقبل المستشفى مصاباً بنزيف داخلي حاد في البطن مهدد للحياة خلال دقائق، ومصاباً آخر بجرح بليغ في الأطراف، يضطر الطبيب الجراح لإدخال الحالة الأولى للعمليات والتي قد تستغرق ساعات طويلة، وربط طرف المصاب الثاني بـ”الترنيكيت” (Tourniquet)  أو “العاصبة”، هو رباط ضاغط يُلف بإحكام حول الذراع أو الساق لإيقاف النزيف الشديد المهدد للحياة مؤقتاً حتى يتسنى له دخول غرفة العمليات.

قد يتحول هذا الإجراء الطارئ إلى كارثة، حيث إن بقاء “الترنيكيت” لأكثر من ساعتين يقطع التروية الدموية، ويبدأ في إحداث ضرر دائم للأنسجة، وإذا تجاوزت المدة ست ساعات، تصبح احتمالية إنقاذ الطرف شبه معدومة في كثير من الحالات.

  • الضغط الممتد تحت الركام

وصلت إلى المستشفيات العديد من الحالات بعد قضاء ساعات أو أيام تحت ركام المنازل المدمرة، وقد كانت الإصابة كـ”ترنيكيت طويل الأمد”، ما يؤدي إلى موت الأنسجة وتحللها، فيصبح البتر ضرورياً لإنقاذ حياة المصاب، ومنع حدوث مضاعفات خطيرة مثل الفشل الكلوي أو التسمم الدموي.

  • شح المستلزمات الطبية والالتهابات الثانوية

في حالات عديدة، حاولت الطواقم الطبية إنقاذ الطرف عبر التثبيت الخارجي والتنظيف الجراحي المتكرر، إلا أن الظروف الصحية والطبية الكارثية التي تواجه المستشفيات من شح الإمكانيات، كنقص المثبتات الخارجية، وأدوات تثبيت العظام، والمحاليل المعقمة، والشاش الطبي، وخيوط الجراحة، وأدوية التخدير ومسكنات الألم، فضلاً عن غياب البيئة المعقمة، أدت كلها إلى تلوث الجروح والتهابها، واستفحال التقيحات في الطرف المصاب، مما اضطر الأطباء للجوء إلى البتر كإجراء وقائي أخير لمنع التسمم الدموي الشامل.

  • الحصار وصناعة الإعاقة المستدامة

إن سياسة الحصار الإسرائيلي مثّلت حجر الأساس في شل قدرة المنظومة الصحية، وانعكست على مراحل العلاج والتأهيل كافة، فقد أحدث تدمير المستشفيات عجزاً هائلاً في السعة السريرية، مما اضطر الأطباء لإخراج جرحى العظام قبل اكتمال شفائهم ونقلهم إلى خيام النزوح، وهو ما أدى لاحقاً إلى حدوث مضاعفات حادة والتهابات شديدة، عادوا على إثرها إلى المستشفيات بحالات غاية في التعقيد استدعت البتر. كما تسبب إغلاق المعابر في منع الإخلاء الطبي للخارج، والذي كان ضرورة نظراً لعدم توفر التقنيات المتقدمة محلياً، ولتخفيف الضغط الرهيب على القدرة الاستيعابية للمستشفيات، إلا أن منع السفر أفرز إعاقات مستديمة كان يمكن تلافيها، بالإضافة إلى منع الاحتلال دخول الوفود الطبية المتخصصة والمعدات الطبية الحديثة، مما ضاعف العبء على الكوادر المحلية التي كانت تعمل تحت وطأة الاستنزاف الجسدي، والجوع، والنزوح، والفقد الشخصي.

ما بعد الإصابة .. معاناة لا تنتهي

تشهد معدلات بتر الأطراف والإصابات الحركية في قطاع غزة ارتفاعاً قياسياً غير مسبوق جراء استمرار حرب الإبادة الجماعية، الأمر الذي وضع المراكز الصحية والتأهيلية المتخصصة أمام تحديات تشغيلية ولوجستية معقدة في ظل حصار مشدد وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.

ووفقاً لإفادات المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا[4]، يواجه “مركز الأطراف الصناعية والشلل” التابع للبلدية تدفقاً هائلاً للمراجعين، حيث قفزت أعداد الحالات اليومية التي يستقبلها المركز من (20-30) حالة قبل الحرب، إلى نحو (70-80) حالة يومياً حالياً، تشمل حالات بتر جديدة، وجلسات علاج طبيعي وتأهيل حركي، ومراجعات دورية وصيانة للأجهزة التعويضية، وقد ترتب على ذلك الواقع استقبال مركز الأطراف الصناعية منذ بداية الحرب نحو 1300 حالة بتر جديدة، إضافة إلى قرابة 500 حالة شلل وإصابات في الحبل الشوكي والدماغ، فضلاً عن مئات الحالات الأخرى التي تحتاج إلى صيانة أو تعديل لأطرافها الصناعية وأجهزتها المساندة.

وعلى صعيد الاستجابة الطبية، تمكن نحو 80% من الحالات التي استقبلها المركز من الحصول على خدمات التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي الأولي، إلا أن عمليات تركيب وتصنيع الأطراف الصناعية تواجه عقبات حادة ترتبط بمسارين[5]:

  • المسار العلاجي: تفاوت جهوزية المصابين وضرورة استكمال مراحل التئام الجروح والتأهيل البدني والنفسي.
  • المسار اللوجستي (الحصار): يُشكل إغلاق المعابر ومنع إدخال المساعدات الطبية العائق الأبرز أمام عمل المركز، حيث يُسجَّل نقص حاد في المواد الخام الأساسية، وخاصة مادة (الجبس) التي تمثل العصب الأساسي لصناعة الأطراف والأجهزة التقويمية.

كما يفتقر مركز الأطراف الصناعية إلى المستلزمات الفنية الحيوية مثل: مفاصل الركبة، والأقدام الصناعية، و(جرابات السيليكون)، وأنظمة التثبيت، والمواد الكيميائية والبلاستيكية، إلى جانب حظر إدخال المواد الخاصة بالأطراف العلوية تماماً منذ بدء الحرب، مما شلّ القدرة الإنتاجية للمركز، وأبطأ من سرعة استجابته للحالات الحرجة.

ولا تقتصر معاناة نقص المستلزمات الفنية عند مركز الأطراف الصناعية والشلل، بل يمتد إلى المراكز الثلاثة الأخرى في قطاع غزة، وهي: مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، ومركز “نهلة” للأطراف والأجهزة التقويمية، ومركز الأمل الطبي للمصابين وذوي الإعاقة. وتواجه المراكز جميعها تحديات لوجستية معقدة بسبب قيود المعابر، وصعوبة إدخال المواد الخام التقنية اللازمة للتصنيع.

الصدمة النفسية وفقدان الأمل

لا يفقد كثير من الجرحى أطرافهم فقط، بل يفقدون شعورهم بالأمان، وقدرتهم على تخيل مستقبل طبيعي في بيئة تستمر فيها الحرب والنزوح والحرمان، كما أن فقدان طرف من الجسم لا يؤثر على الشخص جسدياً فقط، بل يترك آثاراً نفسية كبيرة أيضاً، خاصة عندما يحدث بشكل مفاجئ وفي ظروف صادمة مثل الحرب، بحيث تفرض واقعاً جديداً يحتاج إلى وقت طويل للتكيف معه.

ومن أبرز المشكلات النفسية التي قد تظهر لدى المصابين، ولا سيما الأطفال كونهم ما زالوا في مراحل النمو النفسي والاجتماعي، وفقاً للأخصائية النفسية والاجتماعية صابرين الشاعر[6]:

  • اضطراب ما بعد الصدمة، مثل تكرار الذكريات المؤلمة أو الكوابيس والشعور الدائم بالخوف وعدم الأمان.
  • القلق والتفكير المستمر بالمستقبل، والقدرة على العودة للحياة الطبيعية.
  • صعوبة تقبل شكل الجسم بعد الإصابة وانخفاض الثقة بالنفس والشعور بأنهم مختلفون عن أقرانهم.
  • الاكتئاب والحزن الشديد وفقدان الحماس للحياة.
  • الميل للعزلة والابتعاد عن الآخرين.
  • الشعور بالفقد والغضب أو الإحباط، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن آلام الطرف الوهمي لدى بعض الحالات.
  • ظهور مشكلات سلوكية أو انفعالية لدى الأطفال، مثل الغضب أو الانسحاب أو التعلق الزائد بالأهل، لا سيما وأن الإصابة غالباً لا تأتي وحدها، وإنما تترافق مع ظروف أخرى مثل النزوح، وفقدان أفراد من العائلة، والخوف المستمر، وتوقف التعليم.

ففي شهادة لوالدة الطفلة ريم (11 عاماً) والتي فقدت يدها إثر غارة جوية شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي الحربية، ما أثر على حالتها النفسية كثيراً، فتقول: “فما أن تشعر بالعجز وعدم القدرة على فعل أي شيء يخصها بنفسها، تغضب وتضرب من حولها، بينما في حالة مشاهدتها أطفالاً يلهون أمامها تنعزل وتكتفي بمشاهدتهم وعدم المشاركة في اللعب، وفي إحدى المرات، أخبرت ريم والدها أنّها تتمنى الموت، حتى إننا وأثناء حديثنا عن حاجتنا لشراء اللحم، قالت لوالدها: اذبحني كالخروف”.

جل تلك المشكلات يمر بها أو بجزء منها 5000 مصاب خضعوا لعمليات بتر في الأطراف، وبحاجة إلى فريق طبي من أجل وضع خطط رعاية متكاملة، ما بين علاج نفسي وتأهيل متخصص، وما بين دعم اجتماعي من العائلة والأصدقاء، إلا أن الخدمات المتوافرة في قطاع غزة من بعض المؤسسات والمنظمات لتقديم دعم نفسي وتأهيل للمصابين لا تبدو كافية مقارنة بحجم الاحتياج الكبير، فمع استمرار الحرب وارتفاع أعداد الإصابات، تواجه المؤسسات والحالات ذاتها صعوبة في المتابعة طويلة المدى بسبب النزوح والظروف الإنسانية الصعبة.

لا تبدو قضية مبتوري الأطراف في قطاع غزة مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل تحدياً بنيوياً طويل الأمد ستكون له تداعيات اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة على مستقبل غزة، خصوصاً مع تشكّل جيل كامل من الأطفال والشباب الذين يعيشون بإعاقات دائمة داخل بيئة مدمرة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات التعافي.


[1] مقابلة أجرتها الباحثة مع مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة زاهر الوحيدي بتاريخ (23/5/2026).

[2] مقابلة أجرتها الباحثة من المصابة والنازحة شروق أبو سكران بتاريخ (22/5/2026).

[3] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) وطبيب العظام المختص فضل نعيم بتاريخ (21/5/2026).

[4] مقابلة أجرتها الباحثة مع المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا بتاريخ (1/6/2026)

[5] مقابلة أجرتها الباحثة مع حسني مهنا، مرجع سابق.

[6] مقابلة أجرتها الباحثة مع الأخصائية النفسية والاجتماعية صابرين الشاعر بتاريخ (22/5/2026).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى