وجه آخر للكارثة الإنسانيّة.. الفئران والجرذان تغزو خيام النازحين في غزة

 عامان ونصف العام والاحتلال الإسرائيلي يمارس الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فإلى جانب الصواريخ الحربية، والمسيّرات، ورصاص الدبابات الذي يطلقه جيش الاحتلال على المدنيين، يحاصرهم ويخلق بيئة وبائية تهدد حياتهم. فبين ركام المنازل المدمرة، وأكوام النفايات المتراكمة، ومياه الصرف الصحي المنتشرة في الشوارع وبين خيام النازحين، برز تحدٍ بيئيّ وصحيّ خطير يتمثل في الانتشار غير المسبوق للفئران والجرذان، التي باتت تشارك النازحين خيامهم ومراكز إيوائهم، مُحوّلة حياتهم إلى كابوس يومي يهدد ما تبقى من أمنهم الصحي.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء على البيئة التي أدت إلى تكاثر وانتشار الفئران والجرذان، والمعاناة التي تسببت بها للنازحين والسكان، بالإضافة إلى التعرف على المخاطر الصحية ودورها في انتشار الأمراض.

معاناة النازحين مع الفئران والجرذان

لم تعد الفئران والجرذان تشكل مصدر إزعاج فقط للفلسطينيين، بل أصبحت تشكل خطراً على حياتهم بعدما وصلت إلى مستويات مرعبة من التطفل على البشر، بدءًا من نهش الأجساد، وإتلاف المساعدات، والحرمان من النوم، ونشر الخوف والرعب في قلوب الأطفال إثر مهاجمتها لهم، وبحسب نظام الإنذار الذي تديره مجموعة إدارة المواقع (SMC) في مواقع النزوح فإن القوارض أو الآفات تتواجد بشكل متكرر في 81% من مواقع النزوح، مما أثر على حوالي 1.45 مليون شخص، كما أن مياه الصرف الصحي تنتشر في الشوارع المحيطة بـ61% من المواقع، وتتراكم النفايات الصلبة في محيط 56% من مراكز الإيواء، والفيضانات أو المياه الراكدة في محيط 24% من مواقع النزوح، كما تم الإبلاغ عن آثار التبرز في العراء، وحيوانات نافقة، ولم تُظهر سوى 3% من المواقع أي مخاطر صحية بيئية ظاهرة داخل محيط الموقع أو حوله، وهو ما انعكس على الأسر في تلك المواقع، حيث أبلغت 81% من مواقع النزوح عن وجود التهابات جلدية أو طفح جلدي، بما في ذلك الجرب، والقمل، وبق الفراش، أو غيرها من الإصابات الطفيلية الخارجية.

فقد سُجل لدى وزارة الصحة عشرات الآلاف من حالات الأطفال والنازحين الذين تعرضوا لعضات الفئران أثناء نومهم في الخيام الأرضية، ما سبب حالة من الذعر الدائم، ففي إحدى الليالي استيقظت المسنة انشراح حجاج (68 عاماً)، والدماء تسيل من قدميها لتتفاجأ بأن جرذاً أكل أصابع قدمها في خيمة وسط مدينة غزة، دون أن تشعر كونها تعاني من مرض القدم السكري.

وتشير بلاغات النقاط الطبية الميدانية إلى تسجيل عشرات الحالات أسبوعياً في تجمعات النازحين الكبرى وفي بعض المخيمات المكتظة، إذ يسجّل ما بين خمس حالات إلى عشر حالات عضّ يومياً، يقع معظمها خلال ساعات الفجر الأولى أثناء نوم السكان. وتُشكّل نسبة الأطفال دون سن العاشرة نحو 80 في المئة من إجمالي المصابين، والنسبة الأكبر منهم من الرضع ممن هم دون السنتين، في حين تبلغ نسبة كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة 20 في المئة، ممن يجدون صعوبة في الحركة أو رد الفعل السريع أثناء هجوم القوارض.

وفي ظل المجاعة التي تلوح في الأفق، تهاجم الفئران والجرذان مخزونات الدقيق والبقوليات القليلة التي يمتلكها النازحون، مما يفسدها ويجعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي، في حين يضطر الآباء والأمهات للبقاء مستيقظين طوال الليل لحراسة أطفالهم من تسلل القوارض إلى فراشهم، ففي شهادة للنازحة أم محمد سمور التي تقطن في مخيم غرب مدينة غزة[1]، تقول: “أصبحت الفئران والجرذان مشاركة لنا في طعامنا وشرابنا، وتدمر مقتنياتنا، فلا يرف لي جفن طوال الليل خوفاً من اقترابها من صغاري، خاصة وأن أحد الفئران عضني في إصبع يدي أثناء نومي، فضلاً عن تدميرها لأكياس الطحين وأوعية المياه البلاستيكية والملابس والطعام”، أما أروى عاشور،[2] التي تقطن في محل تجاري اتخذته بديلاً مؤقتاً للسكن، فقد شكل لها وجود الفئران والجرذان هوساً في حياتها يلازمها في كل مكان، إذ تقول: “أي حركة بسيطة تشعرني وكأن فأراً يهاجمني، حتى وصل بي الحال إلى أنني بينما كنت أجلس في مكتب العمل، تحرك كيس بجانبي فظننته فأراً يهاجم مقتنياتي”.

وفي شهادة أخرى للنازحة نورة عبد الله قالت فيها: “لم تكتفِ الفئران والجرذان بمهاجمة الدقيق والبقوليات، بل وصل بها الحد إلى مهاجمتي عندما فزعت من صوت حركة أسفل الكرسي الذي أجلس عليه لأجد الفأر داخل ملابسي، وهو ما أفزعني وجعلني أشعر بالرعب كلّما لمس شيء خارجي جسدي”.

لم تتوقف مآسي الغزيين عند ذلك الحد، فقد تسببت الفئران في إتلاف جزء كبير من مهر عروس لأحد النازحين وسط قطاع غزة، كان العريس قد أخفاها داخل حجر بناء في خيمته لحمايتها من السرقة، لتتسلل إليها الفئران وتتلف جزءاً كبيراً من الأوراق النقدية التي خبأها في ذلك الحجر. وفي واقعة أخرى تعكس قسوة الظروف التي يعيشها النازحون في الخيام وبقايا البيوت المدمرة، أتلفت الفئران والجرذان جهاز العروس أماني أبو سلمي، وتجهيزات الزفاف التي تم جمعها بصعوبة بالغة في ظل ظروف الحرب داخل خيمتها قبل أيام قليلة من موعد زفافها، والتي طالت فستان الزفاف الفلسطيني التقليدي (المطرز)، وحقائب الملابس والمستلزمات الأساسية.

تبرز هذه الشهادات حجم الكارثة الإنسانية والصحية التي يعيشها النازحون في قطاع غزة، إذ لم تعد القوارض مجرد ظاهرة بيئية مرتبطة بتراكم النفايات وانهيار البنية التحتية، بل تحولت إلى تهديد يومي مباشر يطال أجساد الناس، وطعامهم، وإحساسهم بالأمان داخل أماكن النزوح.

 البيئة المدمرة حاضنة لنمو الفئران والجرذان

بينما تنشغل شاشات العالم بإحصاء أعداد الضحايا، ثمة حرب صامتة أخرى تدور في أزقة غزة وتحت أنقاضها، حرب أبطالها كائنات كانت تعيش في الظل، لكنها اليوم تتصدر المشهد كـ”وحوش” فرضتها قسوة الواقع، فما يشهده قطاع غزة، وشماله على وجه الخصوص، ليس مجرد أزمة إنسانية، بل هو انهيار بيئي، إذ تعجز البيئة عن تجديد نفسها أو دعم الكائنات التي تعيش فيها بشكل طبيعي، ما أعاد تشكيل السلوك الفطري للقوارض، وحوّلها من مجرد آفات منزلية إلى “مفترسات” فرضتها ظروف الحرب.

ويتداول المواطنون في غزة قصصاً عن “أنواع مهجنة جديدة، قوية وسريعة وبأحجام مرعبة تصل حجم الأرانب والقطط، تهاجم النازحين في الليل والنهار ولا تخاف أبداً”[3]، فسرها الخبير البيئي نزار الوحيدي[4] علمياً على النحو التالي:

أدّى التدهور البيئي الحاد في قطاع غزة منذ بداية الإبادة الجماعية المستمرة إلى خلق بيئة صحية كارثية، وأسهم في تفاقم ظاهرة انتشار الفئران والجرذان، التي أصبحت جزءاً يومياً من المشهد داخل الخيام ومناطق النزوح، في ظل غياب الإمكانيات اللازمة لمكافحتها أو الحد من تكاثرها.

  • بيئة غزة التي تتسم بالدمار الشامل خلقت جواً مناسباً للجرذ النرويجي (Rattus norvegicus)، الذي تضخّم بيولوجياً نتيجة للتوفر المفاجئ وغير المحدود للمواد العضوية التي حوّلت الأنقاض إلى “حواضن” دافئة وواسعة، ووفرت مصادر غذاء بروتينية عالية نتيجة تكدس النفايات وتعذر انتشال الشهداء، ما أدى إلى وصول هذه القوارض إلى أحجامها القصوى وامتلاكها طاقة بدنية لم تُعهد من قبل.
  • التحول السلوكي للفئران من كائن يهرب عند سماع وقع الأقدام إلى المواجهة والهجوم يفسره العلم بظاهرة “إزالة الحساسية المفرطة”.
  • في ظل المجاعة التي تضرب الشمال، تتجاوز القوارض “غريزة البقاء بالهرب” لتتحول إلى “غريزة البقاء بالهجوم”، فعندما يتساوى خطر الموت جوعاً مع خطر المواجهة، تختار القوارض المواجهة.
  • الاكتظاظ الهائل في مراكز النزوح جعل الجرذان تعتاد رائحة البشر وأصواتهم، ولم يعد الإنسان بالنسبة لها “مفترساً”، بل أصبح “مصدراً للطعام” أو “عائقاً” أمام فضلات الطعام المحدودة.
  • يَعتبر الجرذ الركام “إقليماً خاصاً” به، ومع غياب القطط والكلاب التي قُتلت أو هُجّرت، أصبح الجرذ هو “المفترس الأعلى” في النظام البيئي الجديد لغزة.

وإزاء ذلك، فإن الإبادة المستمرة في قطاع غزة لم تقتصر آثارها على البشر والبنية التحتية، بل امتدت لتُحدث اختلالاً عميقاً في التوازن البيئي، أعاد تشكيل سلوك الفئران والجرذان وحوّلها إلى كائنات أكثر عدوانية وسيطرة داخل المناطق المدمرة ومراكز النزوح.

المخاطر الصحية وانتشار الأمراض

ووفقاً لمدير الطب الوقائي في وزارة الصحة أيمن أبو رحمة[5]، فإن مخاطر الفئران والجرذان لا تقتصر على الإزعاج أو الأذى المباشر فقط، بل تمتد إلى تهديدات صحية خطيرة، تبدأ بعضّات الفئران التي قد تسبب جروحاً عميقة والتهابات حادة، لا سيما لدى الأطفال وكبار السن ومرضى السكري، الذين قد يفقد بعضهم الإحساس بالأطراف السفلية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة قد تصل إلى البتر، كما ترتبط القوارض بنقل أمراض معدية، أبرزها داء “البريميات”، الذي ينتقل عبر بول وفضلات الفئران، ويتسبب بحمى وأعراض صحية يصعب تشخيصها في ظل الانهيار الكبير في قدرات المختبرات والخدمات الصحية.

وفي تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ذكر أنه ووفقاً للشركاء الصحيين، تم الإبلاغ عن أكثر من 70 ألف إصابة بسبب القوارض والطفيليات الخارجية حتى الآن في عام 2026.

واستناداً لما ذكره مدير الطب الوقائي[6]، فإن الطواقم الصحية تواصل التعامل مع الإصابات الناتجة عن عضّات القوارض وفق الإمكانيات المحدودة المتاحة، من خلال تقديم الإسعافات والعلاج بالمضادات الحيوية، إضافة إلى حملات التوعية المتعلقة بالنظافة الشخصية، وتغطية الطعام، والحد من العوامل التي تجذب القوارض داخل الخيام، إلا أن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل ينذر بكارثة صحية وبيئية أوسع، قد تتجاوز قدرة المنظومة الصحية المنهكة على الاستجابة، في ظل استمرار تكدس النفايات، وانهيار البنية التحتية، وغياب الحد الأدنى من مقومات الصحة العامة.

 عجز البلديات في ظل الحصار

وفي ظل الانتشار الكبير للفئران والجرذان بين السكان ومراكز ومخيمات الإيواء، تقف البلديات في قطاع غزة عاجزة أمام ذلك العدوان الذي يفاقم من معاناة وآلام المواطنين في ظل “المكرهة الصحية” التي تحيط بهم.

ووفقاً للطب الوقائي،[7] تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوارض وجدت بيئة خصبة للتكاثر، بعد تدمير معظم المكبات ومراكز فرز النفايات الواقعة شرقي قطاع غزة، والتي يتعذّر الوصول إليها، كما ساهم انهيار شبكات الصرف الصحي وتسرب المياه العادمة في تعزيز تكاثر الجرذان والفئران بشكل غير مسبوق مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.

تعاني البلديات من شلل شبه كامل في قدرتها على معالجة تلك الآفات، من ترحيل النفايات أو معالجتها؛ نظراً لتدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي جرافات وشاحنات النفايات التابعة لها، وهو ما جعل أكوام القمامة جزءاً ملازماً للحياة اليومية داخل المخيمات والشوارع والأحياء السكنية، بالإضافة إلى استهداف عمال النظافة من قبل الاحتلال أثناء محاولتهم جمع النفايات وصيانة شبكات الصرف الصحي، حيث أظهرت لقطات مصورة استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي عمالاً تابعين للبلدية أثناء محاولتهم إصلاح خط للمياه في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، مما أسفر عن إصابة عدد منهم.

فضلاً عن ذلك، منع الاحتلال إدخال المواد الكيميائية، والمبيدات الحشرية، ومكافحات القوارض، ومستلزمات النظافة، وزيوت المحركات، وقطع الغيار اللازمة لإزالة المسببات،  كما منع الطواقم من الوصول إلى المكب الرئيس شرق مدينة غزة، وهو ما يشكل خطراً على حياة المواطنين، ويسرّع في انهيار منظومة الصحة العامة. هذا التدهور الخطير دفع بلدية غزة لإطلاق مناشدات للمنظمات الدولية ومنظمة الصحة العالمية بضرورة الاستجابة العاجلة، وتوفير الاحتياجات الطارئة من المبيدات والمواد اللازمة لمكافحة تلك الآفة[8].

 ختاماً

إن تلك الجرذان الضخمة والجريئة ليست إلا “شهادة حية” على بشاعة ما يحدث في قطاع غزة من إبادة بيئية متعمدة، إذ أدى تدمير شبكات الصرف الصحي واختلاطها بمياه الشرب، وتراكم آلاف الأطنان من الأنقاض والنفايات بين خيام النازحين، إلى جعل القطاع “مختبراً مفتوحاً” لنمو الآفات. ولذا، فإن مواجهة هذه القوارض لا تكون بالسموم التقليدية فحسب، بل بوقف مسبباتها الرئيسة: الدمار الذي وفّر لها المأوى، والمجاعة التي منحتها الجرأة، والإهمال الدولي الذي جعل من غزة بيئة خارجة عن السيطرة الحيوية.

 [1] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازحة أم محمد سمور بتاريخ (12/5/2026).

[2] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازحة أروى عاشور بتاريخ (12/5/2026).

[3] مقابلة أجرتها الباحثة مع النازح محمود أبو كميل بتاريخ (13/5/2026).

[4] مقابلة أجرتها الباحثة مع الخبير البيئي نزار الوحيدي بتاريخ (13/5/2026).

[5] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير الطب الوقائي في وزارة الصحة د.أيمن أبو رحمة  بتاريخ (12/5/2026).

[6] مقابلة أجرتها الباحثة مع مدير الطب الوقائي د.أيمن أبو رحمة، مصدر سابق.

[7] المصدر نفسه.

[8] مقابلة أجرتها الباحثة مع المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا بتاريخ (13/5/2026).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى