الانتخابات المحليّة الفلسطينيّة في ميزان الأزمات الوجوديّة

أنهت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية إجراء الانتخابات المحلية في 25 نيسان/أبريل 2026، وعُقدت الانتخابات في 183 هيئة محلية في الضفة الغربية، إضافة إلى هيئة واحدة في قطاع غزة هي بلدية دير البلح، في خطوة بدت أقرب إلى محاولة قيادة السلطة الفلسطينية الحفاظ على الحد الأدنى من انتظام عمل مؤسسات السلطة، أكثر من كونها محطة مبنية على قرار سياسي ذي تأثير فعلي في المشهد الفلسطيني المأزوم.
تأتي هذه الانتخابات في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد؛ إذ يعيش الفلسطينيون حالة انهيار سياسي ومعيشي غير مسبوقة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من حرب إسرائيلية مدمرة على غزة، دخل النظام السياسي الفلسطيني في حالة شلل شبه كامل، ودخلت القيادة الفلسطينية في رام الله في عزلة سياسية كبيرة، حين نأت بنفسها عن تحمل مسؤولية اتخاذ أي قرارات سياسية في أي اتجاه. جاء ذلك بالتوازي مع توسيع الاحتلال سياسات العقاب الجماعي، والاقتحامات، والاستيطان في الضفة الغربية. وفي ظل هذا الواقع، بدا الحديث عن انتخابات محلية أقرب إلى حدث إداري داخلي محدود التأثير، وليس استحقاقًا ديمقراطيًّا جامعًا يمكن أن يعيد إنتاج الشرعية، أو يفتح أفقًا سياسيًا جديدًا.
ورغم محاولات السلطة الفلسطينية تسويق الانتخابات باعتبارها دليلًا على استمرار الحياة الديمقراطية، فإن السياق العام كشف محدودية الاهتمام الشعبي بها، سواء على مستوى التفاعل الجماهيري أو الرهانات السياسية المرتبطة بنتائجها. فقد جرت الانتخابات في ظل انقسام سياسي مستمر، وأطروحات خارجية خاصة لإدارة غزة تهدد الكيانية الفلسطينية بشكل كامل، ومع غياب الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ سنوات طويلة، واستبعاد فعلي لقطاع غزة -باستثناء حضور شكلي لبلدية دير البلح- فضلًا عن إقصاء غالبية الهيئات المحلية في القدس من هذه العملية، فقدت الانتخابات بعدها الوطني الجامع، لتتحول إلى استحقاق موضعي محدود الوظيفة.
انتخابات تحت ظلال الحرب والإبادة
تزامن إجراء الانتخابات المحلية الفلسطينية مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فبعد الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في مدينة شرم الشيخ المصرية في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025، والذي بُني على ما عرف بخطة ترامب للسلام ببنودها العشرين، استمرت “إسرائيل” في انتهاك الاتفاق بشكل يومي، وليس أدل على ذلك من حصيلة الشهداء التي وصلت حتى وقت إعداد هذه الورقة إلى نحو 870 شهيدًا، في حين وصل إجمالي الإصابات إلى 2543 مصابًا. وسط معاناة مستمرة يعيشها القطاع جراء الدمار الهائل في البنية التحتية والمنازل والمؤسسات المدنية، فضلاً عن العجز الكبير عن توفير المستلزمات الأساسية من غذاء ودواء، وانتشال آلاف الضحايا من تحت ركام البنايات المهدمة. كما شهدت الضفة الغربية في الوقت نفسه تصاعدًا حادًّا في سياسات مصادرة الأراضي، والضم، والاستيطان الإسرائيلي، بالتوازي مع الاقتحامات العسكرية واستهداف المدن والمخيمات الفلسطينية بصورة شبه يومية، في ظل تصاعد موجة عارمة وغير مسبوقة من اعتداءات المستوطنين. وترافق ذلك مع حالة من التردي الاقتصادي نتيجة احتجاز أموال المقاصة، ومنع العمالة الفلسطينية من الدخول إلى الداخل المحتل، وغيرها من الإجراءات العقابية.
هذا الواقع جعل قطاعات واسعة من الفلسطينيين تنظر إلى الانتخابات المحلية بوصفها حدثًا منفصلًا عن الأولويات الوطنية الملحّة. ففي الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون منشغلين بمصير غزة، وتوفير إمكانات العيش فيها، وفي ظل الانهيار الاقتصادي، وتصاعد اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة، بدت الحملات الانتخابية المحلية هامشية معزولة عن الواقع مقارنة بحجم التهديد الوجودي الذي يواجه الفلسطينيين ومجمل الكيانية الفلسطينية.
وقد عكست التغطيات الإعلامية المحلية والدولية هذا التناقض الواضح؛ إذ ركزت تقارير عديدة على الطابع “الاستثنائي” للانتخابات، وأنها جاءت بعيدة عن حاجات المواطن الفلسطيني واهتمامه. كما اعتُبر إجراء الانتخابات في دير البلح، لأول مرة منذ 22 عامًا، محاولة رمزية لإظهار الحد الأدنى من حضور مؤسسات السلطة داخل غزة، رغم الانهيار الكامل تقريبًا للواقع الإداري والسياسي في القطاع.
كما أن استثناء القدس عمليًا من الانتخابات، واقتصار الانتخابات فيها على خمس هيئات محلية فقط، من أصل تسع وعشرين هيئة، كرّس الانطباع بأن العملية الانتخابية تجري ضمن حدود السيطرة الإسرائيلية والواقع المفروض ميدانيًا، وليس ضمن رؤية وطنية فلسطينية شاملة، تسعى للتغلب على ذلك.
ضعف المشاركة والتفاعل الجماهيري
رغم أن لجنة الانتخابات المركزية أعلنت أن نسبة المشاركة بلغت نحو 53.4%، وهي نسبة لا تعتبر متدنية وفق المقاييس العالمية، إلا أن القراءة الدقيقة للنتائج تكشف حالة فتور واضحة في التفاعل الشعبي مع الانتخابات.
فعند إجراء مقارنة بين نسب المشاركة في انتخابات عام 2026 وانتخابات عام 2005؛ التي شهدت مشاركة واسعة وتنافس فصائلي كبير، يؤهلها لأن تكون مقياسًا مرجعيًا، نجد هوّة كبيرة تظهر الفارق في نسب المشاركة، إذ تشير أرقام مستخرجة من تقارير لجنة الانتخابات المركزية أن نسبة المشاركة في انتخابات عام 2005 تجاوزت 70% في المراحل الأربع الأولى منها، حيث لم تجر المرحلة الخامسة وقتها. وفي ذلك إشارة واضحة لعزوف أعداد كبيرة من الفلسطينيين عن المشاركة في الانتخابات الحالية.
كما تظهر الأرقام الرسمية التي نشرتها لجنة الانتخابات المركزية عن انتخابات عام 2026، أن نحو نصف الجسم الانتخابي لم يشارك في الاقتراع، فقد فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، أي من دون منافسة، في المقابل تم إجراء الانتخابات في 183 هيئة فقط. وهذا الرقم يعكس محدودية الحماسة، وعزوفًا كبيرًا عن هذه الانتخابات، وقد اختارت كثير من القوى المحلية، والفصائل، وحتى العائلات عدم خوض معارك انتخابية قد تكون مكلفة سياسيًا واجتماعيًا.
كما أن نسب المشاركة في بعض المدن المركزية الكبرى كانت متدنية للغاية، فعلى سبيل المثال يشير تقرير نتائج الانتخابات الصادر عن اللجنة المركزية للانتخابات أن نسبة المشاركة في انتخابات بلدية دير البلح لم تتجاوز 22.83%، وفي مدينة الخليل وصلت 32.64% فقط. ويعتبر تدني نسب الاقتراع داخل المدن الكبرى مقارنة بالبلدات والقرى مؤشًرًا سياسيًا مهمًا؛ لأن المدن الكبرى تاريخيًا كانت أكثر انخراطًا في التنافس السياسي والتنظيمي. وقد أقر رئيس لجنة الانتخابات رامي الحمد الله بأن القانون الانتخابي الجديد بحاجة إلى إعادة تقييم، في إشارة إلى حجم الملاحظات المرتبطة بضعف المشاركة والتنافس.
ويرتبط هذا العزوف بعدة عوامل متداخلة، أبرزها الانهيار الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه الفلسطينيون منذ سنوات، والذي تفاقم بشكل غير مسبوق بعد حرب غزة. فالسلطة الفلسطينية لا تزال تصرف نسبًا جزئية من رواتب الموظفين العموميين منذ فترة طويلة، بسبب الأزمة المالية المزمنة واحتجاز “إسرائيل” لأموال المقاصة. كما مُنع عشرات آلاف العمال الفلسطينيين من العودة إلى العمل داخل “إسرائيل” منذ أكتوبر 2023، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر بشكل كبير.
في ظل هذا الواقع، باتت أولويات المواطن الفلسطيني مرتبطة بتأمين الاحتياجات الأساسية والبقاء الاقتصادي، أكثر من الانخراط في منافسات انتخابية محلية لا يُعتقد أنها قادرة على تغيير الواقع العام أو التأثير في المسار السياسي الوطني.
إضافة إلى ذلك، فإن تآكل الثقة الجماهيرية بوجود إرادة حقيقية لدى القيادة الفلسطينية لإعادة بناء النظام الفلسطيني وفق أسس ديمقراطية مستندة إلى عملية انتخابية متكاملة، بفعل تأجيل متكرر وإلغاء سابق لانتخابات تشريعية، لعب دورًا مركزيًا في ضعف التفاعل الشعبي. فالفلسطينيون لم يشهدوا انتخابات رئاسية أو تشريعية منذ نحو عقدين، في وقت لا يزال فيه الانقسام الداخلي قائمًا، وتبدو مؤسسات السلطة عاجزة عن تحقيق أي اختراق سياسي أو وطني حقيقي. ولذلك، ينظر كثيرون إلى الانتخابات المحلية باعتبارها عملية إدارية محدودة الأثر، لا مدخلًا للإصلاح أو التغيير الحقيقي.
كما ساهم القانون الانتخابي الجديد، وبعض الشروط السياسية المرتبطة بالترشح، في تعزيز الشعور بالإقصاء لدى بعض القوى والتيارات السياسية، الأمر الذي انعكس على حجم المنافسة الفعلية.
أهداف السلطة الفلسطينية من الانتخابات
رغم محدودية التأثير السياسي للانتخابات المحلية، فإن إصرار قيادة السلطة الفلسطينية على إجرائها يعكس جملة من الأهداف السياسية الداخلية والخارجية تريد قيادة السلطة تحقيقها.
يركّز أول هذه الأهداف على إظهار استمرار عمل مؤسسات السلطة الفلسطينية، وإثبات أنها ما تزال قادرة على تنظيم استحقاقات تضمن تحقيق أسس العدالة والديمقراطية، حتى في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي. فالسلطة تدرك أنها تواجه حالة متزايدة من التهميش السياسي، سواء على الصعيد الإسرائيلي أو الدولي أو حتى الفلسطيني الداخلي، ولذلك تسعى إلى إنتاج أي مشهد يمكن توظيفه دليلًا على حيويتها المؤسسية.
كما ترتبط أهداف قيادة السلطة من الانتخابات بمحاولات الاستجابة للضغوط والدعوات المتكررة الداخلية والخارجية المتعلقة بالإصلاح. فمنذ سنوات، تواجه السلطة الفلسطينية انتقادات واسعة بسبب الجمود السياسي، وغياب التداول الديمقراطي، وتراجع شرعيتها الشعبية. وبعد حرب غزة، تصاعدت هذه الدعوات، خصوصًا من أطراف دولية وإقليمية تربط أي دور مستقبلي للسلطة في غزة أو في العملية السياسية بضرورة تنفيذ إصلاحات داخلية. فمطالب الإصلاح رافقت مسيرة السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها، إذ تمتد هذه المطالب وتتوسع لتشمل اشتراط تبنيها طروحات سياسية ورؤى اجتماعية وتعليمية وبرامج مختلفة، وعلى الطرف الآخر لم يتوقف الفلسطينيون أنفسهم عن مطالبة السلطة بالإصلاح المتمثل في محاربة الفساد والمحسوبيات، وتوسيع هامش الحريات، والحياة الديمقراطية، وغيرها.
وفي هذا السياق، تحاول السلطة تقديم الانتخابات المحلية باعتبارها جزءًا من مسار إصلاحي، حتى لو كان محدودًا أو شكليًا. فإجراء الانتخابات يسمح للقيادة الفلسطينية بالقول إنها ما تزال ملتزمة بالمسار الديمقراطي، وأنها قادرة على إدارة مؤسساتها المدنية رغم الظروف الاستثنائية.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الانتخابات باعتبارها جزءًا من سياسة إنتاج الفعل السياسي بأي شكل، حتى لو كان فعلًا محدود التأثير. فالسلطة الفلسطينية تعاني ومنذ سنوات من حالة شلل سياسي وعجز عن التأثير في مسارات القضية الفلسطينية، سواء ما يتعلق بالحرب على غزة أو بالاستيطان والضم في الضفة الغربية. وعليه، فإن اتخاذ قرار بإجراء انتخابات محلية يمنحها فرصة لإظهار أنها ما تزال تبادر وتتخذ قرارات، حتى وإن كانت تلك القرارات بعيدة عن التأثير الحقيقي في موازين القوى القائمة.
كما تسعى السلطة من خلال الانتخابات إلى توجيه رسائل للخارج، خصوصًا للدول الغربية والجهات المانحة، مفادها أنها ما تزال تمثل الخيار المنظم القادر على إدارة المجتمع الفلسطيني، مقارنة بهاجس حالة الفوضى والانهيار في حال غيابها. وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في ظل النقاشات الدولية حول اليوم التالي في غزة، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب.
ومن اللافت في هذا السياق أن “إسرائيل”، ورغم عدائها التقليدي لأي مسار سياسي فلسطيني جامع، ورغم تغييرها كثيرًا من قواعد اللعبة مع الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر، وحرمانهم من كثير من الممارسات “السيادية” إن صح التعبير؛ إلا أنها لم تُبدِ اعتراضًا حقيقيًا على الانتخابات المحلية. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه الانتخابات لا تعيد إنتاج شرعية وطنية فلسطينية، بل تعزز الطابع الإداري والخدماتي للسلطة الفلسطينية، إذ لا تخشى “إسرائيل” سلطة تقتصر صلاحياتها على إدارة البلديات والخدمات، لكنها تعارض بشدة أي انتخابات تشريعية أو وطنية من شأنها إفراز نظام سياسي فلسطيني موحد وفاعل. ومن هنا، تبدو الانتخابات المحلية منسجمة – ولو بصورة غير مباشرة – مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على إبقاء الفلسطينيين داخل إطار الإدارة المدنية والخدماتية، بعيدًا عن مشروع التحرر الوطني الشامل.
خاتمة
تكشف الانتخابات المحلية الفلسطينية لعام 2026 عن جوهر المقاربة التي تبنتها السلطة الفلسطينية منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، والمتمثلة في الانفصال عن الواقع السياسي الكلي، والتركيز على تأمين الحد الأدنى من البقاء المؤسسي، حتى لو بدا ذلك بعيدًا عن المزاج الشعبي أو الأولويات الوطنية.
ففي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أخطر المراحل في تاريخهم الحديث، بدت السلطة الفلسطينية منشغلة بإدارة التفاصيل الإدارية، وتقديم نفسها باعتبارها نموذج الاستقرار الممكن، لا باعتبارها قيادة سياسية تمتلك مشروع مواجهة أو تغيير.
ومنذ بداية الحرب، اختارت السلطة سياسة النأي بالنفس، إذ تجنبت في ظل حالة التصعيد الإسرائيلي اتخاذ أي قرارات سياسية قد تؤدي إلى انخراط مباشر في مواجهة سياسية أو ميدانية مع “إسرائيل”، متبنيةً شعار الانحناء للعاصفة لتجنبها. إلا أن هذه المقاربة، التي تقوم عمليًا على فعل “اللا شيء”، عمّقت الفجوة بينها وبين قطاعات واسعة من الفلسطينيين، الذين باتوا يرون أن السلطة عاجزة عن تمثيل اللحظة الوطنية أو التعبير عن أولوياتها الحقيقية. إن هذه المقاربة تحمل في داخلها أزمة خطيرة؛ لأنها تقوم على الانفصال التدريجي عن المزاج الشعبي الفلسطيني، ففي وقت يعيش فيه المجتمع الفلسطيني لحظة تاريخية تتعلق بالهوية والمصير والوجود الوطني، تبدو السلطة منشغلة بالحفاظ على صورتها الوظيفية.
وفي هذا السياق، جاءت الانتخابات المحلية جزءًا من محاولة الحفاظ على الشكل المؤسسي للنظام السياسي الفلسطيني، بدلًا من كونها مشروعًا لإعادة بناء الشرعية أو إنتاج حياة سياسية جديدة. بيد أن أهم ما كشفته هذه الانتخابات لم يكن غياب التنافس الحقيقي فيها أو تدني نسب المشاركة فقط، بل تمثل في حجم التآكل الذي أصاب العلاقة بين السلطة والمجتمع الفلسطيني، في لحظة تاريخية تتطلب قيادة سياسية قادرة على الفعل، لا مجرد إدارة الأزمة. فالسلطة التي وُلدت كمشروع عبور نحو الدولة الفلسطينية، تبدو اليوم منشغلة أساسًا بإدارة تداعيات انهيار هذا المشروع، لا بقيادته نحو التحرر والاستقلال.



