انتخابات دير البلح: بين الرمزيّة السياسيّة وتعقيدات المرحلة الانتقاليّة

شهدت مدينة دير البلح في 25 أبريل/نيسان الماضي أول انتخابات لمجلسها البلدي منذ تعطّل الانتخابات في قطاع غزة إثر الانقسام الفلسطيني الداخلي. وتعدّ هذه التجربة النموذج الوحيد الذي طُبّق في القطاع بالتزامن مع الضفة الغربية، استناداً إلى  المرجعيات والقوانين ذاتها الناظمة للانتخابات المحلية، وبقرار من مجلس الوزراء.

وجاءت هذه الانتخابات في سياق فلسطيني شديد التعقيد، تتصدره حرب الإبادة والخطوات العدوانية للاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف الوجود الفلسطيني برمّته، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالشراكة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واليمين الصهيوني في الدفع بمخططات تمس جوهر القضية الفلسطينية ومستقبل قطاع غزة.

وفي ظل الدمار الواسع الذي يعيشه القطاع، أُنجزت الانتخابات في دير البلح وحدها، وبمشاركة محدودة وتنافس محلي بين قوائم ذات تلوّن سياسي غير مباشر، ما منحها طابعاً سياسياً ورمزياً يتجاوز بعدها الخدماتي.

وفي المقابل، برزت تساؤلات حول المتغيرات التي جعلت إجراء الانتخابات ممكناً في هذا التوقيت، والدوافع الكامنة وراء هذا القرار، لا سيّما في ظل تصاعد النقاشات المرتبطة بمستقبل إدارة قطاع غزة ومخاطر تدويلها، وطبيعة المرحلة السياسية الجاري هندستها في القطاع.

لماذا دير البلح؟ الرمزية السياسية وحدود الاختيار

بعد عقدين من تعطّل الانتخابات المحلية في قطاع غزة، يبرز قرار تنظيمها في دير البلح فقط، وبالتزامن مع الضفة الغربية، باعتباره خطوة تثير تساؤلات تتعلق بأسباب اقتصارها على هذه المدينة وتوقيتها، خاصة في ظل الضغوط الدولية على قيادة السلطة الفلسطينية، وبالتوازي مع استكمال تشكيل لجنة التكنوقراط المفترض أن تتولى إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع، وسط ضبابية تحيط بمرجعيتها وعلاقتها بالنظام السياسي الفلسطيني.

وتزامن هذا التوجّه مع أنباء عن استعداد حركة حماس لتسليم إدارة القطاع للجنة الوطنية التي أُعلن عنها مطلع العام الجاري، وسط ترتيبات متسارعة تتعلق بـ”اليوم التالي” للحرب. وقد اختيرت دير البلح باعتبارها الأقل تضرراً من الحرب والأقل نزوحاً، وفق ما أكده المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية جميل الخالدي، الذي أشار إلى أن الهدف يتمثل في تجديد شرعية الهيئات المحلية، وإعادة الربط السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن العملية الانتخابية. كما شدد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على أن إجراء الانتخابات في دير البلح يهدف إلى تأكيد وحدة شطري الوطن، مع إمكانية تعميم التجربة على باقي القطاع عند تحسن الظروف.

وعلى الرغم من أن دير البلح تُعد من أقل مدن القطاع تعرضاً للتدمير والاستقطاب السياسي، إلا أنّها ليست البلدية الوحيدة في المحافظة الوسطى التي تتوفّر فيها ظروف مشابهة؛ إذ كان من الممكن إجراء الانتخابات في بلديات أخرى مثل النصيرات والبريج والزوايدة والمغازي والمصدر، ما يضع معايير الانتقاء أمام تساؤلات إضافية.

وعلى المستوى السياسي، رفضت قوى وطنية وإسلامية في الضفة الغربية التعديلات على قانون الانتخابات الواردة في القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025، والتي ألزمت المرشحين بالتوقيع على إقرار بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية، بما أضفى بعداً سياسياً مباشراً على العملية الانتخابية. ورغم ذلك، تبنت هذه القوى في قطاع غزة موقفاً عملياً مختلفاً، إذ أكدت لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية، رغم تحفظاتها القانونية والإجرائية، أن “المصلحة الوطنية تقتضي التعاطي الإيجابي مع هذه الخطوة”، موضحة أنها امتنعت عن الترشح لإتاحة المجال أمام التنافس المجتمعي ومحاولة تخفيف الأزمات التي يعيشها القطاع، مع التأكيد أن إنجاح الانتخابات يحمل دلالات تتعلق بوحدة الولاية والسيادة الفلسطينية.

ويُقرأ هذا الموقف في سياق السعي لتجنب إظهار انقسام سياسي داخلي قد يُفسَّر دليلاً على تدخل فصائلي مباشر في الحيز العام، خاصة في ظل حساسية المرحلة واستعداد حركة حماس لتسليم إدارة القطاع للجنة الوطنية. وفي البعد الدولي، اعتبرت سارة جونسون، مديرة برنامج الديمقراطية في مركز كارتر، أن أهمية الانتخابات تتجاوز بعدها المحلي، وتمثل خطوة مرتبطة بإشراك غزة في أي مسار ذي مصداقية نحو تقرير المصير وتأكيد الوحدة الوطنية والإقليمية اللازمة لأي أفق سياسي.

مشهد انتخابي محدود

اتسم المشهد الانتخابي في دير البلح بمحدودية النطاق وتعقيد الظروف، إذ دفعت غارات الاحتلال الإسرائيلي، التي دمّرت عدداً من المدارس المخصصة كمراكز اقتراع، لجنة الانتخابات المركزية إلى اعتماد الخيام بديلاً. وبحسب ما أوضحه المدير الإقليمي للجنة، جميل الخالدي، فقد فُتح 12 مركزًا للاقتراع، منها 9 داخل خيام و3 داخل مقرات تابعة لمؤسسات المجتمع المدني. وفي غضون ذلك، انتشرت عناصر الشرطة التابعة لحكومة حماس قرب مراكز الاقتراع دون حمل السلاح، تفادياً لاستهدافها من قبل الاحتلال، فيما استعانت اللجنة بمتطوعين وشركة أمنية خاصة وموظفين مدنيين من قطاع التعليم لتأمين العملية الانتخابية.

وواجهت الانتخابات تحديات لوجستية كبيرة نتيجة منع الاحتلال إدخال صناديق الاقتراع والحبر الخاص إلى القطاع، ما دفع اللجنة إلى تصنيع الصناديق محلياً، وطباعة أوراق الاقتراع باستخدام المواد المتاحة، إلى جانب استخدام بدائل للحبر السري لتجاوز هذه المعيقات.

وتنافست أربع قوائم ذات طابع استقلالي وعشائري، دون ارتباط تنظيمي مباشر بأي فصيل فلسطيني، وهي: “السلام والبناء”، و”دير البلح تجمعنا”، و”مستقبل دير البلح”، و”نهضة دير البلح”، مع إلزام المرشحين بالتوقيع على تعهد بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها ممثلاً شرعياً.

وسُجل إقبال ضعيف على الانتخابات، إذ يحق لـ70,449 ناخباً وناخبة المشاركة، وهو ما يمثل أقل من 5% من سكان القطاع، فيما بلغت نسبة المشاركة نحو 23%، مقابل 56% في الضفة الغربية، بحسب رئيس لجنة الانتخابات المركزية رامي الحمد الله. وأشرف على العملية الانتخابية في دير البلح 292 مراقباً، وعمل 675 موظفاً ضمن طواقم الاقتراع لضمان سيرها وفق الأصول القانونية والمهنية.

وعلى مستوى النتائج، حصلت قائمة “نهضة دير البلح” على 6 مقاعد، تلتها “مستقبل دير البلح” بـ5 مقاعد، فيما حصلت قائمتا “السلام والبناء” و”دير البلح تجمعنا” على مقعدين لكل منهما. وأوضح جميل الخالدي أن إجراء الانتخابات في دير البلح حقق هدفين أساسيين: إعادة الاعتبار للعملية الانتخابية بعد انقطاع تجاوز عشرين عاماً في قطاع غزة، وتهيئة الظروف لإمكانية استكمالها في بقية المدن.

دلالات تتجاوز البعد المحلي

يُشكل تنظيم الانتخابات في بلدية واحدة داخل قطاع غزة سقفاً أدنى بكثير من تطلعات السكان بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة، وفي ظل الخطط الإسرائيلية الهادفة إلى تفكيك النظام الوطني الفلسطيني في القطاع. ولذلك، غلب الطابع الرمزي على هذه الانتخابات، بما يجعلها أقرب إلى رسالة سياسية متعددة الدلالات أكثر من كونها استحقاقاً خدماتياً محلياً.

ويتضح هذا البعد في ظل النشاط الدولي المتصاعد لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني، سواء عبر المسارات التي تدفع بها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، أو عبر المضامين العملية لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين، والتي تتجه نحو تدويل إدارة قطاع غزة تحت مسؤولية ما يُعرف ب”مجلس السلام”، بالتوازي مع الضبابية المحيطة بمرجعية اللجنة الوطنية لإدارة القطاع وعلاقتها بالنظام السياسي الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تبدو قيادة السلطة الفلسطينية بحاجة إلى تعبير انتخابي رمزي داخل غزة لتأكيد ولايتها السياسية، وإظهار بدء تنفيذ “الإجراءات الإصلاحية” المرتبطة بتفاهماتها مع عدد من الدول، خاصة الأطراف المشاركة في مؤتمر نيويورك لحل الدولتين، والخطوات التي تتابعها فرنسا بصورة مباشرة.

ومن جهة أخرى، عكس الموقف الفصائلي في قطاع غزة حساسية سياسية واضحة تجاه الانتخابات، إذ تجاوزت القوى الفلسطينية تحفظاتها القانونية والسياسية، وتركت المساحة الكافية لإتمام العملية رغم غياب توافق وطني حقيقي حولها، تجنباً لإظهار القطاع باعتباره ساحة مغلقة أمام أي مسار انتخابي أو سياسي في ظل النقاشات المتصاعدة حول مستقبل إدارته.

وفي السياق ذاته، فإن القوائم المتنافسة، رغم غلبة الطابع العشائري والتحالفات المحلية عليها، لم تكن بعيدة عن الحضور السياسي غير المباشر. فقد عُرفت قائمة “السلام والبناء” بقربها من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، فيما اعتُبرت قائمة “نهضة دير البلح” الأقرب لحركة فتح، بينما ضمّت القوائم الأخرى مرشحين ذوي خلفيات مرتبطة بحركة حماس أو التيار الإصلاحي في فتح. ويؤكد هذا الحضور السياسي فوز “خليل أبو سمرة” برئاسة البلدية، وهو أسير محرر يُعرف بانتمائه لحركة فتح[1]، الأمر الذي يكرّس ثقل العامل السياسي رغم غياب التمثيل الحزبي المباشر.

وفي المقابل، تعكس نسبة المشاركة المتدنية، التي لم تتجاوز23%، حالة عزوف شعبي تُعزى إلى تراجع الثقة بقدرة هذه الانتخابات على إحداث تغيير حقيقي،  فبالرغم من أن غياب صندوق الاقتراع عن قطاع غزة لأكثر من عقدين من المفترض أن يشكل حافزاً لمشاركة أوسع إلا أن النتائج جاءت مخيبة للتوقعات. كما أدى غياب الدور التعبوي الفعال للقوى والفصائل الفلسطينية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الحكومي، إلى ضعف قدرة القوائم على استقطاب الجمهور وتحفيزه على المشاركة، ما يشير إلى أن الفصائل، رغم عدم مقاطعتها الانتخابات، لم تُظهر اهتماماً جادًّا بدفع أنصارها نحو الانخراط فيها.

كما يكشف نجاح العملية الانتخابية، رغم ظروف الحرب والانهيار الواسع في البنية التحتية، أن كثيراً من العقبات التي طُرحت طوال سنوات الانقسام باعتبارها موانع تحول دون إجراء الانتخابات في قطاع غزة، كان بالإمكان تجاوزها عملياً، سواء ما يتعلق بتأمين المراكز، أو بالإطار القانوني، أو بشرعية الجهات الحكومية القائمة في القطاع من منظور السلطة الفلسطينية في رام الله، ما يعزز الاستنتاج بأن غياب الإرادة السياسية كان العامل الحاسم وراء تعطّل الانتخابات طوال السنوات الماضية، أكثر من ارتباط الأمر بعوائق فنية أو إجرائية.

ورغم أن العملية الانتخابية جرت بسلاسة نسبية، بما قدم نموذجاً عملياً على استعداد حركة حماس لتسليم مقاليد الحكم في قطاع غزة، فإن التساؤل الأبرز يبقى متعلقاً بشكل العلاقة بين المجلس المنتخب في دير البلح واللجنة الوطنية لإدارة غزة في حال وصولها إلى القطاع، وكيف ستُدار هذه العلاقة في ظل الغموض المحيط بطبيعة ارتباط اللجنة بالسلطة الفلسطينية وبما يُعرف بـ”مجلس السلام”، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أبرز اختبارات المرحلة المقبلة في قطاع غزة.

الخاتمة

تكشف انتخابات دير البلح، بما حملته من رمزية سياسية وحدود عملية واضحة، عن محاولة لإعادة إدخال قطاع غزة إلى المجال السياسي والمؤسساتي الفلسطيني، ولو بصورة جزئية. وبينما عكست قدرة الحد الأدنى من البنية الإدارية والمجتمعية على الاستمرار رغم الحرب والدمار، فإنها أظهرت أيضاً حجم التعقيدات التي تحيط بأي مسار سياسي أو انتخابي في القطاع، سواء على مستوى الشرعية، أو العلاقة بين القوى الفلسطينية، أو مستقبل إدارة غزة.

كما تؤشر هذه التجربة إلى أن الانتخابات المحلية تُقرأ باعتبارها جزءًا من الصراع على شكل النظام السياسي الفلسطيني والجهة التي ستتولى إدارة القطاع وحدود العلاقة بين غزة والضفة الغربية، وهو ما يجعل انتخابات دير البلح أقرب إلى اختبار سياسي وإداري أولي، أكثر من كونها تحولاً فعلياً نحو استعادة المسار الديمقراطي الشامل، في ظل استمرار الحرب، وغياب التوافق الوطني، وتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة.


[1] مقابلة عبر الهاتف مع الصحفي أسامة الكحلوت من دير البلح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى