رأي الخبراء: الانتخابات التشريعية.. جدية القرار الفتحاوي ومآل التحالفات

في ظل التحضيرات المتتابعة لانعقاد الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني2026، يثار الكثير من النقاش حول جدية قرار حركة فتح وقيادة السلطة الفلسطينية المضي قدما في انعقادها وسط حالة التشتت في الحركة، فيما تطرح الكثير من التساؤلات حول طبيعة وشكل القوائم والتحالفات التي يمكن أن تكون عليها هذه القوائم في أعقاب اللقاءات التي عقدتها حركة حماس مع فصائل فلسطينية متعددة، أو لقاءات حركة فتح برئاسة أبو مازن مع قيادة التيار الإصلاحي بقيادة محمد دحلان.

مركز رؤية للتنمية السياسية في إسطنبول، ومن خلال استقراء رأي لشريحة من النخب الأكاديمية والسياسية، يحاول البحث في جدية حركة فتح بالمضي قدما في الذهاب لانتخابات غير مضمونة النتائج، وكذلك الأمر شكل وطبيعة التحالفات التي يمكن أن تتبلور، والتعريج على مقترح الجبهة الشعبية في الذهاب إلى مرحلة انتقالية تتهيأ من خلالها الظروف لانتخابات مستقبلية أفضل من الظروف الحالية.

وقد استُعرِضَت الآراء من خلال المحاور والأسئلة التالية:

– هل حركة فتح جادة فعلاً في خوض الانتخابات التشريعية؟ وما الذي يمكن أن يحسم موقفها النهائي؟

– هل يمكن أن يشكل مقترح الجبهة الشعبية مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي أم إطالة أمد الاستحقاق الانتخابي؟

– ما الشكل المتوقع لخريطة التحالفات والقوائم الانتخابية؟ ومدى بروز قوى أو تحالفات جديدة؟

– ما الحسابات التي ستلعب دورا مباشرا في القرار الحاسم سواء الذهاب للانتخابات أم تأجيلها؟

– ما مدى نجاح قائمة توافقية قائمة على تحالف بين حماس وتيار دحلان وقوى فلسطينية أخرى؟

– ما هي خيارات حماس للتعامل مع الانتخابات في حال الانعقاد أو التأجيل؟

ويمكن تلخيص آراء الخبراء بما يلي:

– ارتباك القوى السياسية: تعيش القوى الفلسطينية حالة ارتباك بفعل ظروف الاحتلال في غزة والضفة، والمشكلات الداخلية وحسابات كل طرف.

– موقف فتح ومعضلتها: تبدي الحركة جدية رسمية في إجراء الانتخابات استجابة لشروط الإصلاح الأوروبية والإقليمية، رغم غموض جاهزيتها السياسية والتنظيمية، وصعوبة التراجع عن الاستحقاق، مع احتمال تأجيله ليتزامن مع الانتخابات الرئاسية.

– مخاوف فتح وحساباتها:  تخشى الحركة أن تتحول الانتخابات من استحقاق مضمون النتائج إلى مسار يغيّر المعادلة السياسية، ويعمّق انقساماتها، ويُبرز قوائم وتيارات ومراكز قوى جديدة تُضعف التيار المسيطر وتصعّب إعادة توحيدها؛ لذا تبدو الدعوة للانتخابات أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى الاستعداد لتحمّل نتائجها.

– العوامل الخارجية:  احتمال التدخل الإسرائيلي لتعطيل الانتخابات في القدس أو غزة، والتحفظ الأمريكي خشية إضعاف ولاية مجلس السلام ووصايته على القطاع.

– مقترح الجبهة الشعبية بتأجيل الانتخابات والبدء في حوار وطني:  رغم التحفظات عليه، يُعدّ أقل خطورة من إجراء انتخابات مباشرة في بيئة شديدة الانقسام، ويمكن البناء عليه للوصول إلى أرضية توافقية وفق إعلان بكين.

– مخاطر التأجيل:  قد يتحول إلى تأجيل مفتوح، في ظل التجربة الفلسطينية السابقة، ما لم يرتبط بضمانات وجدول زمني واضح.

– الحوار الوطني:  يمثل المخرج الوحيد لإعادة تحديد قواعد العمل السياسي، والتوافق على برنامج لإدارة المرحلة المقبلة ومواجهة مخططات تصفية القضية الفلسطينية والبدائل المطروحة لمستقبل غزة.

– التحالفات الانتخابية: تطرح تساؤلات حول قدرتها على تجاوز الحسابات الانتخابية إلى برنامج سياسي وإصلاحي شامل يحظى بالتوافق لمواجهة التحديات القائمة.

– خارطة القوائم المحتملة: يُرجّح ألا يتكرر استقطاب فتح وحماس كما في انتخابات 2006، مع احتمال ظهور قوائم متعددة داخل فتح، وأخرى شبابية وعائلية ومستقلة ومدعومة من فصائل أو تحالفات.

– مشاركة حماس والجهاد الإسلامي:  يُتوقع أن تشاركا ضمن قوائم ائتلافية تتيح لهما الحفاظ على وجودهما السياسي وتجنّب الاستهداف المباشر.

– الخطر الأكبر:  إنتاج برلمان شديد التعددية والتشظي، يعجز عن تشكيل أغلبية مستقرة أو شراكة سياسية حقيقية، فتنقل الانتخابات أزمة النظام السياسي إلى داخل مؤسساته بدلًا من حلّها.

عدنان الصباح، كاتب ومحلل سياسي

تبدو حركة فتح، وخصوصًا التيار المحيط بالرئيس عباس، غير راغبة فعليًا في خوض الانتخابات، خشية أن يتحول الاستحقاق من فرصة لتجديد الشرعية إلى اختبار يكشف عمق أزمتها السياسية والتنظيمية، في ظل تراجع قدرتها على توحيد قواعدها، وتعدد مراكز النفوذ، واتساع الفجوة بين القيادة والقواعد، واحتمال تحوّل الخلافات الداخلية إلى قوائم وتيارات متنافسة. ولا تقتصر المخاطر على خسارة الانتخابات، بل تشمل كشف حجم التشرذم التنظيمي وإعادة توزيع موازين القوى داخل الحركة والسلطة ومنظمة التحرير، بما قد يهدد قدرة القيادة الحالية على التحكم في القرار السياسي والحفاظ على وحدة فتح وهيمنتها التقليدية.

وفي هذا السياق، قد يكون الإعلان عن الانتخابات وسيلة لإدارة الأزمة وكسب الوقت واحتواء الضغوط وإعادة ترتيب الداخل، أكثر منه استعدادًا لتحمّل نتائجها. فالمسار الانتخابي نفسه يخلق اصطفافات وتحالفات وترشيحات ومفاوضات وانشقاقات وصراعات تعيد تشكيل المشهد السياسي، حتى دون الوصول إلى صناديق الاقتراع. ويتمثل السيناريو الأكثر خطورة على فتح في خوض مسار انتخابي طويل تتعمق خلاله انقساماتها وتبرز مراكز قوى جديدة، ثم تأجيل الانتخابات أو إلغائها بعد أن تصبح إعادة توحيد الحركة بالغة الصعوبة، بما قد يهدد بنيتها التنظيمية وسيطرتها على مفاصل السلطة وموقعها داخل منظمة التحرير.

ومن هنا يبرز التساؤل حول استعداد القيادة الفلسطينية لقبول نتائج قد تعيد توزيع القوة داخل النظام السياسي، أو توظيف المسار الانتخابي لإدارة الضغوط ثم البحث عن مخرج سياسي وقانوني للتأجيل أو الإلغاء. وترجّح هذه القراءة الاحتمال الثاني، ليس استنادًا إلى وجود قرار مسبق بالإلغاء، بل بالنظر إلى الكلفة السياسية والتنظيمية المحتملة لإجراء الانتخابات مقارنة بتأجيلها. ويضاف إلى ذلك احتمال التدخل الإسرائيلي لمنع الانتخابات أو تعطيلها، أو استخدام إدارة ترمب ولاية مجلس السلام على غزة لتحقيق الغاية نفسها.

وفي ضوء هذه المعطيات، تطرح الجبهة الشعبية تأجيل الانتخابات، وهو مقترح يرى أصحاب هذا التوجه أنه يتيح تجنّب إجراء الانتخابات في بيئة سياسية وتنظيمية ومجتمعية شديدة الانقسام، ودون حد أدنى من التوافق الوطني. غير أن الحوار الوطني ليس ضمانة بحد ذاته؛ فقد يتحول إلى أداة لإدارة الخلاف وشراء الوقت، ما لم يُفضِ إلى مشروع وطني واضح وقواعد سياسية ومؤسسية مقبولة من الجميع. وتزيد تراكمات الصراع والانقسام والخذلان من صعوبة إنتاج حالة سياسية أكثر نضجًا وتوافقًا، في وقت يبدو فيه الحفاظ على الوجود السياسي والتنظيمي مصلحة مشتركة للفصائل، التي قد تقبل بتنازلات جزئية دون التخلي عن مواقعها ونفوذها.

وفي هذا السياق، قد تنشأ تحالفات انتخابية جديدة، كتلك المتداولة بين حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي، تجمعها الرغبة في الحفاظ على وجودها السياسي وكسر الانفراد بالسلطة أو مواجهة طرف سياسي محدد، رغم تباين مكوناتها سياسيًا وفكريًا وتنظيميًا. ومن دون اتفاق واضح على البرنامج السياسي، وإدارة السلطة، ومنظمة التحرير، والعلاقة مع المقاومة، ومستقبل النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار، قد تواجه هذه التحالفات خطر التفكك بعد الانتخابات أو عند أول اختبار جدي، بدلًا من التحول إلى ائتلاف سياسي دائم وبديل متماسك عن القوى القائمة.

وتختلف هذه المرحلة عن انتخابات عام 2006، حين خاضت حماس الانتخابات بقائمة أكثر تماسكًا وهوية سياسية واضحة، وقدمت نفسها بديلًا محدد المعالم عن فتح. أما اليوم، وفي ظل التشتت القائم، فلا تبدو الساحة مهيأة لظهور كتلة سياسية منسجمة قادرة وحدها على إحداث تحول جذري. ومن ثم، يتمثل أحد المخاطر المحتملة في إنتاج برلمان شديد التعددية والتشظي، يعجز فيه أي طرف عن تشكيل أغلبية مستقرة أو بناء شراكة سياسية حقيقية، فتنتقل أزمة النظام السياسي إلى داخل مؤسساته بدلًا من حلّها.

أما حماس، فتختلف حساباتها عن فتح، إذ تبدو معنية بالمشاركة في الانتخابات خشية أن يؤدي غيابها عن إعادة تشكيل الشرعية والمؤسسات الفلسطينية إلى إتاحة المجال للآخرين لإعادة إنتاج النظام السياسي دونها، بما يهدد موقعها وقدرتها على التأثير في المرحلة المقبلة. ومن هنا يأتي سعيها إلى بناء تفاهمات وتحالفات مع قوى تشاركها مصلحة البقاء داخل المشهد، وفي مقدمتها الجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي. ويسعى الأخير إلى توظيف الشرعية الانتخابية لمواجهة الانفراد السياسي المرتبط بالرئيس عباس، ونقل خلافه معه من إطار الصراع الداخلي في فتح إلى صراع أوسع حول شرعية التمثيل والحكم.

فراس ياغي، كاتب ومحلل سياسي

تواجه قيادة فتح خيارات محدودة، إذ بات تجديد شرعيتها مرتبطًا بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، معًا أو تباعًا، واختيار رئيس خلفًا لمحمود عباس، وصولًا إلى تجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير عبر التوافق أو انتخابات المجلس الوطني. فالانتخابات جزء من شروط الإصلاح الأوروبية والإقليمية المفروضة على السلطة، ما يجعل التراجع عنها صعبًا، وإن كان تأجيلها لتتزامن مع الرئاسة واردًا. وقد حاولت السلطة، عبر شروط سياسية فرضتها بمرسوم رئاسي لا تنسجم مع المبادئ الديمقراطية، كسب الرضا الأوروبي والأمريكي وتجاوز الاعتراض الإسرائيلي، اعتقادًا منها أن ذلك سيضمن تفردها بالانتخابات، وهو ما لم يتحقق. ورغم الجدية في إجرائها، فإن شمولها كامل جغرافيا أوسلو لا يعني توحيد آليات التصويت؛ إذ يُطرح اقتراع المقدسيين خارج الحدود المعلنة لبلدية القدس باستخدام الهوية بدل السجل الانتخابي، مقابل احتمال اعتماد التصويت الإلكتروني في غزة، في ظل ارتباط إجراء الانتخابات فيها بموافقة الاحتلال على إدخال المواد الانتخابية وتنفيذ الترتيبات اللوجستية.

ينطلق مقترح الجبهة الشعبية بتأجيل الانتخابات من مخاوف أن يؤدي الانقسام الداخلي في فتح، واحتمال ظهور تحالف بين تيار الإصلاح الديمقراطي وحماس والجهاد الإسلامي، إلى دفع السلطة لإلغائها، أو أن يفتح التصويت الإلكتروني في غزة، نتيجة المنع الإسرائيلي، باب التشكيك في نتائجها. وقد يفضي ذلك إلى تكريس الفصل بين الضفة وغزة، بحيث يتجه القطاع نحو خطة ترمب، فيما تخضع الضفة للضم الإسرائيلي الوظيفي. لذا تقترح الجبهة مرحلة انتقالية لسنتين لتوحيد فتح والفصائل الوطنية والإسلامية، وتشكيل مجلس وطني بالتوافق وقيادة فلسطينية موحدة، حفاظًا على الوحدة الجغرافية والسياسية. في المقابل، يرى هذا التحليل أن التأجيل يكرّس الفردية والهيمنة الفصائلية ويعطّل الاستحقاق الديمقراطي الدوري كل أربع سنوات، ويراهن على النوايا والحوار رغم إخفاق التجارب السابقة في تحقيق الوحدة. كما يعتبر أن الضغوط الأوروبية والإقليمية والدولية لإجراء الانتخابات تحول دون أن يؤدي إلغاؤها أو التشكيك في نتائجها إلى تكريس الانفصال.

أما التحالف المحتمل بين تيار دحلان وحماس وقوى أخرى وشخصيات مستقلة، فيستند إلى مصلحتين داخليتين: إغاثة غزة بعد الكارثة التي حلّت بها، وإعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس التعددية والتداول السلمي للسلطة ودورية الانتخابات ومنع الهيمنة والتفرد. ووفق هذا التصور، قد يحظى التحالف بدعم إقليمي ودولي باعتباره مدخلًا لنقل حماس إلى موقع الاعتدال السياسي، وتسهيل التحركات الأمريكية والإقليمية المرتبطة بخطة ترمب وخارطة الطريق نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية. غير أن خشية فتح والسلطة من فقدان سيطرتهما قد تدفعهما إلى إلغاء الانتخابات أو تعطيلها، بما يفتح المجال أمام توافق فصائل غزة وتيار الإصلاح على إغاثة القطاع وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب بعد الانتخابات الإسرائيلية، مقابل بقاء الضفة رهينة للاستيطان والضم وصولًا إلى مشروع «دولة يهودا التوراتية». كما أن عدم تجديد الشرعيات عبر الانتخابات قد يعطّل الاستحقاقات المرتبطة بعملية السلام.

وتبقى خيارات حماس محدودة؛ ففي حال إجراء الانتخابات، يُطرح أمامها التحالف ضمن قائمة وطنية مع تيار الإصلاح الديمقراطي، أو دعم قوائم مستقلة تضم شخصيات وطنية مؤيدة لنهج المقاومة وأخرى قريبة منها دون انتماء تنظيمي مباشر. أما في حال التأجيل، فيربط هذا التصور مسارها بالالتزام بخطة ترمب وخارطة الطريق لتنفيذ مرحلتها الثانية. وفي جميع السيناريوهات، تحتاج الحركة إلى حاضنة وغطاء سياسي يساعدانها على تجاوز مرحلتها الحرجة، والحفاظ على موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني، ومنع محاولات نتنياهو إقصاءها منه بالكامل.

أحمد الطناني، كاتب ومحلل سياسي

ترتبط الانتخابات بالنسبة لحركة فتح بالتزامات السلطة تجاه الجهات الممولة، وقد تكون من آخر فرص استمرار التمويل المشروط بالإصلاحات، بما فيها إجراء الانتخابات. ويُعتقد أن الرئيس عباس قدّم هذه الالتزامات للسعودية وفرنسا خلال التحضير للمؤتمر الدولي لدعم القضية الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وقد تعاملت فتح مع الانتخابات باعتبارها مضمونة النتائج، اعتمادًا على المراسيم الرئاسية التي فرضت شروطًا على المرشحين، وافترضت أن قوى المقاومة والمعارضة سترفض المشاركة، فتقتصر المنافسة على قوائم تدور في فلك الحركة. غير أن استعداد هذه القوى لخوض الانتخابات والبحث عن تحالفات مؤثرة حوّلها من استحقاق محسوم إلى مسار قد يعيد تشكيل المعادلة السياسية الفلسطينية في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.

ورغم ذلك، لا يعني الأمر أن قرار إلغاء الانتخابات قد اتُخذ؛ إذ قد يلجأ الرئيس عباس إلى إعادة تشكيل المجلس الوطني عبر تعيين نسبة من أعضائه تضمن استمرار نفوذه داخل منظمة التحرير، باعتبار أن شرعية المجلس الوطني أوسع من شرعية المجلس التشريعي. كما قد يتجه إلى تأجيل الانتخابات لمطلع العام المقبل، انتظارًا لاتضاح المشهد بعد الانتخابات الإسرائيلية والنصفية الأمريكية وتحولات الرأي العام الأمريكي. وتبقى القدس وغزة ورقتين محتملتين لتبرير الإلغاء، خصوصًا إذا أعاق الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، كما حدث خلال التحضير لانتخابات عام 2021.

أما مقترح الجبهة الشعبية، فيدعو إلى اجتماع الإطار القيادي والأمناء العامين للفصائل للتوافق على مجلس وطني يقود مرحلة انتقالية، تمهيدًا لانتخابات تجدد شرعية جميع المؤسسات الفلسطينية خلال أشهر أو سنة أو سنتين، وفق ما يُتفق عليه. ويتضمن المقترح تشكيل لجنة من الأمناء العامين تؤدي دور اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير خلال المرحلة الانتقالية، وتشرف على إصلاح النظام السياسي بشراكة جميع القوى.

وفيما يتعلق بالتحالفات الانتخابية، لم تتجاوز التفاهمات المطروحة حتى الآن فكرة إمكانية التحالف، دون التوصل إلى اتفاق حول امتداده إلى برنامج إصلاحي وسياسي شامل. وتبرز هنا أسئلة جوهرية بشأن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني بعد ثلاث سنوات من الإبادة، في ظل رؤية أمريكية يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا لوحدته، ومواقف إسرائيلية ترفض قيام كيان سياسي فلسطيني. لذا تحتاج القوى المتحالفة إلى برنامج مشترك يتجاوز الانتخابات، مع مراعاة مصالح كل طرف. فالرغبة في إنهاء التفرد بالقرار السياسي تمثل قاسمًا مشتركًا بين قوى المعارضة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تحالف متماسك، دون أن يعني ذلك الحكم مسبقًا بفشله.

أما حماس، فتسعى إلى ضمان بقائها جزءًا من النظام السياسي الفلسطيني، دون التطلع إلى الحكم المباشر في هذه المرحلة أو تعريضها ونوابها للملاحقة. لذلك تميل إلى التحالفات الوطنية الواسعة، ولو تطلبت تنازلات ومرونة كبيرة في ترتيبات المشاركة. وفي حال تعثر التحالفات، قد تدعم قوائم تضم شخصيات وطنية ومهنية، إذ لا ترغب في مقاطعة الانتخابات أو خوضها باسمها الصريح أو البقاء خارج النظام السياسي.

ويواجه التحالف الثنائي بين حماس وتيار دحلان، دون مشاركة قوى أخرى، عقبات تتعلق بتعارضه مع سعي التيار إلى تحالف واسع، واحتمال إثارة تحفظات داخل القاعدة الجماهيرية لحماس، فضلًا عن احتمال تغيّر موقف الجهاد الإسلامي من المشاركة إذا اقتصر التحالف على الطرفين.

وسام عفيفه، كاتب ومحلل سياسي

تبدو الجدية الرسمية في إجراء الانتخابات قائمة، لكن الجاهزية السياسية والتنظيمية داخل فتح أقل وضوحًا؛ إذ جاء القرار من الحلقة القيادية المحيطة بالرئيس عباس، دون تحضير أو توافق تنظيمي مكتمل. وسيكون العامل الحاسم مع اتضاح الخارطة الانتخابية، بما فيها وحدة فتح أو تعدد قوائمها، وموقع منافسيها داخل الحركة وخارجها، ونتائج استطلاعات الرأي، ومدى إمكانية ضمان نتائج لا تهدد موقع القيادة الحالية.

أما مقترح الجبهة الشعبية، فيعكس اعتراضًا على طريقة إدارة الاستحقاق لا على مبدأ الانتخابات، انطلاقًا من ضرورة إعادة بناء النظام السياسي عبر توافق وطني شامل، بدلًا من انتخابات تحكمها ضغوط الأزمة الداخلية والحاجة إلى تجديد الشرعية. ويقترح مرحلة انتقالية لا تتجاوز عامين، يُعاد خلالها تشكيل مجلس وطني توحيدي وإطلاق حوار يشمل جميع القوى، بما فيها حماس، تمهيدًا للانتخابات. وينسجم ذلك مع موقف الجبهة السابق بربط الانتخابات بإصلاح منظمة التحرير، بحيث تصبح نتيجة لتسوية وطنية لا بديلًا عنها، مع بقاء خطر تحول التأجيل المؤقت إلى تأجيل مفتوح.

وتختلف خارطة القوائم المحتملة عن انتخابات عام 2006، في ظل السيولة السياسية والاجتماعية والتنظيمية، واحتمال ظهور قوائم متعددة داخل فتح، وأخرى شبابية ومستقلة تضم شخصيات مجتمعية ورجال أعمال، أو تحظى بدعم غير مباشر من فصائل لا ترغب في الترشح باسمها. ويعزز هذه الاحتمالات وجود جيل فلسطيني لم يشارك سابقًا في انتخابات تشريعية، وأقل ارتباطًا بالبنى التنظيمية التقليدية. وفي هذا السياق، يبقى التحالف بين حماس وتيار دحلان ممكنًا سياسيًا، وإن لم يكن طبيعيًا أو مضمونًا، إذ يتيح للأطراف المشاركة ضمن إطار أوسع من هويتها التنظيمية، ويمنح حماس والجهاد الإسلامي وقوى أخرى فرصة المشاركة دون تحويل الانتخابات إلى اختبار مباشر لحجم كل فصيل بعد سنوات الحرب والتحولات الكبرى.

وبالنسبة لحماس، تمثل الانتخابات فرصة لتجاوز العزل السياسي وتأكيد موقعها طرفًا مركزيًا في إعادة ترتيب النظام السياسي، خصوصًا أن الاتصالات الفلسطينية الأخيرة أظهرت صعوبة بناء ترتيبات وطنية كبرى دون التعامل مع حضورها. وأمام الحركة ثلاثة خيارات: الترشح باسمها، أو دعم قائمة وطنية أوسع، أو الانضمام إلى تحالف متعدد القوى، مع ترجيح الصيغة الائتلافية لمرونتها وانخفاض كلفتها السياسية. أما في حال التأجيل، فتتمثل مصلحتها في تحويله إلى مسار لإعادة بناء المؤسسات عبر الحوار الوطني، وإصلاح منظمة التحرير، وتوسيع المجلس الوطني، ووضع جدول زمني ملزم لإجراء الانتخابات.

 نهاد ابو غوش، كاتب ومحلل سياسي

تواجه جميع القوى الفلسطينية حالة ارتباك إزاء الانتخابات، بفعل الهجوم الإسرائيلي الشامل، والمشكلات الداخلية والحسابات الانتخابية لكل فصيل. وتبدو أزمة فتح أكثر تعقيدًا بحكم مسؤوليتها عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتراكم الفساد وسوء الأداء والمحسوبية نتيجة التفرد بالحكم وغياب الرقابة التشريعية. وفي ظل تصاعد المطالبة بالتغيير، لا يبدو استبدال القيادات الحالية بأخرى شابة من البيئة والتوجهات نفسها كافيًا، خصوصًا مع استمرار الانشقاقات والصراعات الداخلية على النفوذ والمواقع، كما عكسها المؤتمر الثامن للحركة. لذلك تبقى احتمالات إلغاء الانتخابات أو تأجيلها أو التحكم في نتائجها قائمة، سواء بإقصاء بعض القوى أو إجرائها «حيثما أمكن» مع استثناء القدس وغزة، وفقًا لتوقعات النتائج، كما يرى هذا التحليل أن إلغاء انتخابات 2021 ارتبط بتوقعات الخسارة أكثر من ارتباطه بمنع إجرائها في القدس.

أما مقترح الجبهة الشعبية، فيقوم على مرحلة انتقالية تُدار بتوافق وطني شامل حول قانون الانتخابات وشروطها ومواعيدها، وبرنامج وطني موحد لمواجهة التحديات. ويرى هذا التحليل أن جدوى المقترح مرهونة بالأخذ بجميع تفاصيله، ودعم الفصائل والشخصيات الوطنية له، والاتفاق الفعلي على ترتيبات المرحلة الانتقالية، محذرًا من الاكتفاء بتأجيل الانتخابات دون تحقيق التوافق المطلوب.

وتؤثر العوامل الخارجية بصورة رئيسية في مصير الانتخابات، وفي مقدمتها سياسات الاحتلال، بما فيها استمرار الحرب على غزة ومنع الاقتراع في القدس وعرقلته في المناطق الأخرى، إلى جانب الموقف الأمريكي الذي يربط إشراك السلطة في العملية السياسية بإصلاحها وتجديدها، والضغوط الأوروبية لإجراء الانتخابات وربطها باستمرار الدعم المالي، فضلًا عن تأثير مصر والأردن والسعودية في القرار الفلسطيني.

ورغم التباين الكبير بين حماس وتيار دحلان في الرؤى والبرامج، فضلًا عن تاريخهما المتوتر، يمكن فهم التحالف المحتمل بينهما في إطار المصالح والحماية المتبادلة، وأولوية الحفاظ على الوجود الفلسطيني ووقف الحرب على غزة وإغاثة السكان. وتواجه حماس خيارات دقيقة في ظل استهدافها تنظيميًا وقياديًا، واشتراط خطة ترمب استبعادها من قيادة غزة، ما يصعّب مشاركتها بقائمة حزبية مستقلة. وفي المقابل، يرى هذا التحليل أن استئصال الحركة غير ممكن بحكم تجذرها في النسيج الوطني والمجتمعي، ولذلك قد تتجه إلى دعم شخصيات مستقلة قريبة منها أو الانخراط في تحالف واسع يضم الجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي.

د. حسين الديك، كاتب ومحلل سياسي

تتجلى جدية فتح في إجراء الانتخابات على المستوى الدستوري بإصدار المرسوم الرئاسي وبدء لجنة الانتخابات استعداداتها، لكن المسار السياسي يواجه عقبات تتعلق بالموقف الإسرائيلي من مشاركة المقدسيين والسيطرة على نحو 60% من قطاع غزة، والوصاية الأمريكية عبر مجلس السلام لمدة عامين، فضلًا عن حظوظ فتح الانتخابية. ويتوقف موقف الحركة النهائي على قدرتها على بناء تحالفات تعزز فرصها، إلى جانب الموقفين الإسرائيلي والأمريكي، في ظل تراجع قدرة الفلسطينيين على اتخاذ القرار الانتخابي بصورة مستقلة.

أما مقترح الجبهة الشعبية، فيمثل مخرجًا لفصائل منظمة التحرير من مأزقها السياسي وصعوبة الاستعداد للانتخابات، وقد يشكل مخرجًا لفتح إذا تراجعت حظوظها. ورغم تعارض المقترح مع الإطار الدستوري وإرادة الشارع الداعية للانتخابات، واتجاهه نحو تعيين المجلس الوطني وتأجيل الاستحقاق الانتخابي، فقد تتعامل معه قيادات سياسية عديدة باعتباره خيارًا قابلًا للتطبيق في الظروف الراهنة.

وفيما يتعلق بالتحالفات الانتخابية، قد تتجاوز الأطر الحزبية والتنظيمية التقليدية، مع بروز التحالفات العائلية والمهنية، وظهور قوائم وتحالفات على المستوى الوطني بدلًا من الاقتصار على المناطق، بما قد يؤدي إلى تراجع حضور الأحزاب والتنظيمات التقليدية وإقصائها من المشهد الانتخابي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى