رأي الخبراء: مآلات القضيّة الفلسطينيّة في ظلّ الحرب على إيران ونتائجها

حظيت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران منذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير 2026، باهتمام إعلامي وسياسي كبير جعلها تتصدّر قائمة الأولويات، فيما تراجعت كثير من القضايا المركزية الأخرى لتصبح ثانوية، وفي مقدمتها تنفيذ اتفاق وقف حرب الإبادة على غزة، وما يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة.

ففي مقابل حالة الانشغال العالمي بتطورات الحرب على إيران، لم يوقف الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وممارساته المنهجية ضد الفلسطينيين، بل ارتفعت وتيرتها بعيدًا عن أضواء التغطية والمتابعة.

وعلى الرغم من الإعلان عن هدنة لمدة أسبوعين وانطلاق مسار تفاوضي قد يفضي إلى اتفاق لوقف الحرب، تبقى التساؤلات مشروعة حول انعكاس ذلك على مستقبل القضية الفلسطينية، ومدى إمكانية توظيف مخرجات هذه الحرب لصالحها.

يسعى مركز رؤية للتنمية السياسية في إسطنبول، لاستقراء آراء عدد من الخبراء السياسيين، لفهم طبيعة تأثيرات الحرب على إيران على القضية الفلسطينية بمختلف أبعادها، ومدى استغلال الاحتلال لها لفرض واقع جديد، إضافة إلى استشراف مستقبل اتفاق وقف الحرب على غزة، والخيارات الفلسطينية للتعامل مع هذه التأثيرات.

وقد تم استعراض الآراء من خلال المحاور والأسئلة التالية:

  • ما هو مستقبل اتفاق وقف الحرب على غزة في ظل الحرب على إيران؟
  • كيف نفهم سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة أثناء الحرب على إيران؟
  • هل تستغل “إسرائيل” الحرب لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى ومدينة القدس؟
  • ما تأثيرات تبعات هذه الحرب على مكانة القضية الفلسطينية إقليميًّا ودوليًّا؟
  • ما الخيارات التي يمتلكها الفلسطينيون لمواجهة الممارسات الإسرائيلية في ظل هذه الحرب؟

ويمكن تلخيص آراء الخبراء بما يلي:

  • توظيف “إسرائيل” الحرب على إيران غطاء لتصعيد وتيرة اعتداءاتها في الضفة الغربية وتشديد القبضة الأمنية.
  • مواجهة الاحتلال حالة من الإنهاك والاستنزاف على جبهات أخرى، رغم ما قد يحققه من أهداف ميدانيّة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
  • استغلال نتنياهو للحرب على إيران كفرصة ثمينة لشراء الوقت، تضمن إبقاء ملف غزة في غرفة الانتظار.
  • اعتبار التصعيد في الضفة الغربية جزءًا من مشروع لإعادة التشكيل الجغرافي والسيادي، وليس مجرّد إجراءات أمنية تقتضيها ظروف الحرب.
  • سعي الاحتلال لتكريس واقع جديد في القدس، يتجاوز الترتيبات الأمنية، بهدف فرض السيادة الكاملة وتحويل الوجود الفلسطيني إلى امتيازات تخضع للمنح والمنع، بدلًا من كونها حقوقًا ثابتة.
  • ارتباط مستقبل اتفاق وقف الحرب على غزة بنتائج الحرب على إيران، باعتبار أنّ أي مسار سياسي سيعقب الحرب على إيرانل ر سيفرض إعادة طرح ملف غزة على طاولة المفاوضات.
  • رهان مستقبل القضيّة الفلسطينية على موازين القوى الناتجة عن الحرب؛ حيث يهدّد انكسار المحور الإقليمي بانهيار واسع في المكتسبات الوطنية، بينما يفتح تحقيق نتائج إستراتيجية مضادّة آفاقًا لتعزيز القضية الفلسطينية.
  • بروز مخاطر حقيقيّة تتعلّق بتراجع أو غياب التمويل الدولي والعربي بعد الحرب لإعادة إعمار غزة، لا سيّما من الدول العربية.
  • انحصار الخطر على القضية الفلسطينية في مسارين؛ أولهما: استغلال “إسرائيل” لفائض القوة في تسريع خطط الحسم في الضفة والقدس وغزة. وثانيهما: محاولات إعادة ترتيب الإقليم وفق قاعدة “التهدئة الكبرى” التي تهدف إلى تهميش القضية الفلسطينية.
  • تحوّل المشهد العام لصالح القضية الفلسطينية، بفعل حالة الإنهاك والاستنزاف التي تعيشها “إسرائيل”، بوصفها المصدر الرئيس لعدم الاستقرار في المنطقة.
  • انكشاف زيف النظرية الأمنية الإسرائيليّة مع اتّساع رقعة الحرب، وسقوط فرضية إمكانية إدارة الإقليم بالنار، مع استمرار تهميش القضية الفلسطينية من دون أن ترتدّ الأزمة على الجميع.
  • ضرورة تبنّي موقف فلسطيني متوازن، يدعم مواجهة المشروع الصهيوني، بعيدًا عن إشكاليّات العلاقة العربية الإيرانية.
  • ارتباط تعزيز الحضور الدولي للقضية الفلسطينية وتصدّرها للمشهد بالقدرة على تطوير العامل الذاتي الفلسطيني، واعتباره الركيزة الأساسية لاستقطاب الاهتمام العالمي.

إيهاب جبارين، باحث مختص بالشأن الإسرائيلي

أعادت الحرب على إيران ترتيب سلّم الأولويات الإسرائيلية، فالمؤسسة الحاكمة في “إسرائيل” لا تنظر إلى هذه الحرب بوصفها جبهة منفصلة، بل تراها “مظلة” تتيح لها تأجيل الحسم في غزة، وتمديد حالة “الإدارة بالقوة” بدلًا من الانخراط في تسوية سياسية أو أمنية مستقرة. عمليًا، ورغم مرور نحو خمسة أشهر على وقف إطلاق النار برعاية أمريكية، إلا أنّ الخروقات المستمرة التي أدت إلى ارتقاء مئات الفلسطينيين تؤكد هشاشة هذا الاتفاق، فهو لا يزال إطارًا معلّقًا وشكليًّا، دون أن يشكّل مسارًا حقيقيًا يفضي إلى إنهاء الحرب.

الأرجح أن “إسرائيل” تريد “لاتفاق غزة” أن يبقى منخفض السقف؛ فلا تسمح بانهيار كامل يحمّلها مسؤولية نسف المسار، ولا تسعى لتقدم حقيقي يُلزمها بأثمان سياسية مثل إنهاء الحرب، أو الانسحاب الواسع، أو الانتقال إلى اليوم التالي. بعبارة أخرى: منحت الحرب على إيران نتنياهو فرصة ثمينة لشراء الوقت، وإبقاء ملف غزة في غرفة الانتظار.

أما ما يجري في الضفة الغربية فيُفهم باعتباره سياسة استغلال للانشغال الإقليمي، لا مجرد أثر جانبي للحرب. وقد رصدت التقارير خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا حادًّا في عنف المستوطنين، وتوظيفًا للمواجهة مع إيران لتكثيف الاعتداءات وفرض الوقائع الميدانية، مستفيدًا من سياسة الإغلاق وانتشار الحواجز وتعطيل الحركة الفلسطينية. كما كانت الحكومة الإسرائيلية قد أقرت مسبقًا خطوات لتوسيع السيطرة الإدارية والتنظيمية في الضفة، بما يسهّل للمستوطنين شراء الأراضي، ويوسّع أدوات القمع ضد الفلسطينيين.

أما من المنظور الإسرائيلي، فيسود منطق مفاده أنّ انصراف الأنظار نحو طهران يمنح التوقيت الأمثل لإنجاز ما يسمونه في اليمين “حسمًا صامتًا” في الضفة. وهو مسارٌ لا يستهدف بالضرورة ضمًا رسميًا صاخبًا، بقدر ما يسعى إلى توسيع السيطرة تدريجيًا، وتقطيع أوصال المجال الفلسطيني، وتطبيع عنف المستوطنين بوصفه أداة هندسة سياسية. لهذا لا ينبغي قراءة ما يحدث في الضفة باعتباره تشدّدًا أمنيًا فقط، بل بوصفه مشروعًا لإعادة تشكيل جغرافي وسيادي تحت غطاء الحرب الكبرى.

وفي القدس، تستخدم الحرب كنافذة لتشديد القبضة على المدينة ومقدساتها، دون أن تقتصر هذه الإجراءات على المسجد الأقصى وحده. فقد أظهرت التطورات الأخيرة، بما في ذلك تقييد الوصول إلى مواقع دينية مسيحية كبرى خلال أحد الشعانين، كيف توظف “إسرائيل” الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالحرب لتوسيع صلاحياتها في التحكم بالعبادة والحضور الديني في المدينة. وقد أشارت تقارير عدة إلى فرض إغلاقات وقيود على المواقع الدينية في القدس قبل أن تتراجع الحكومة جزئيًا تحت الضغط.

وعليه، فإنّ الواقع الذي تريده “إسرائيل” في القدس يتجاوز مفهوم “التنظيم الأمني”؛ إذ تسعى لتكريس معادلة تكون فيها السيادة الكاملة في المدينة حكرًا عليها، بحيث يصبح الوجود الفلسطيني والصلاة والوصول إلى المقدّسات مجرّد امتيازات قابلة للمنح والمنع، لا حقوق ثابتة. وفي المسجد الأقصى تحديدًا، يتمثّل الهدف الإسرائيلي التراكمي في تحويل الوضع القائم من وصاية إسلامية تاريخية مع اقتحامات يهودية استثنائية، إلى واقع جديد تصبح فيه الصلاة اليهودية والحضور اليهودي المنظم أمرًا اعتياديًا وطبيعيًا ومتزايدًا، بينما يتحول الوجود الإسلامي إلى وجود مُدار أمنيًا ومشروطٍ سياسيًا. وتوفّر الحرب لهذا المسار غطاءً مثاليًا؛ حيث كل شيء يمكن تبريره باسم “الطوارئ”.

في النتيجة، تبدو تأثيرات هذه الحرب في مكانة القضية الفلسطينية، إقليميًا ودوليًا، ذات طابع مزدوج يستوجب الحذر من الإجابات السهلة. فمن زاوية الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي الفوري، حدث تراجع نسبي جرّاء انصراف الأضواء والموارد والجهد السياسي نحو الملف الإقليمي الأوسع. إذ إنّ دخول الحوثيين على خط الحرب، واتساع الاشتباك إلى لبنان والخليج ومضيق هرمز، كلها عوامل تجعل فلسطين تبدو في نظر كثير من العواصم ملفًا ضمن حزمة إقليمية لا مركزها الوحيد.

لكن، على مستوى أعمق، قد يحدث العكس، فكلما اتسعت رقعة الحرب، تزايد انكشاف هشاشة النظرية الإسرائيلية القائمة على إمكانية إدارة الإقليم بالنار، وتهميش القضية الفلسطينية من دون أن ترتدّ الأزمة على الجميع. لذا، قد تتراجع فلسطين تكتيكيًا في العناوين، إلا أنّها تتعزز إستراتيجيًا في الوعي الإقليمي والدولي بوصفها المحرك الأساس لعدم الاستقرار، لا ملفًا إنسانيًا منفصلًا.

إذا صمدت إيران وأُحبطت الحملة عليها، فسيعني ذلك فشلًا إسرائيليًا في إنتاج شرق أوسط جديد بالقوة، وسيُضعف خطاب نتنياهو القائم على أنّ الردع يُستعاد بتوسيع الحرب. في هذا السيناريو، قد ترتفع مجددًا مكانة الملف الفلسطيني، لأن “إسرائيل” ستعود محاصَرة بالسؤال الذي حاولت الهروب منه: وماذا عن غزة والضفة والأسرى واليوم التالي؟ وسيبدو أن ضرب إيران لم يحلّ المعضلة المركزية بل أجّلها فقط.

أما إذا نجح العدوان الأمريكي الإسرائيلي في إضعاف إيران جذريًا، فإن الخطر على القضية الفلسطينية يكمن في أمرين: الأول: شعور “إسرائيل” بامتلاك فائض قوة يدفعها لتسريع وتيرة الحسم في الضفة والقدس وغزة. والثاني: محاولة بعض القوى الدولية والعربية إعادة ترتيب الإقليم على قاعدة “التهدئة الكبرى” التي تُرحّل القضية الفلسطينية مجدّدًا إلى الهامش، تحت لافتات الاستقرار وإعادة الإعمار والتطبيع الأمني.

ومع ذلك، يظلّ هذا السيناريو مفتقرًا لضمانات تحويل التفوّق العسكري إلى استقرار سياسي مستدام؛ فالتجربة الإسرائيلية تؤكّد أنّ التفوق العسكري لا ينتج بالضرورة حلًا تاريخيًا.

لذا، يجد الفلسطينيون أنفسهم اليوم أمام ضرورة الانتقال من رد الفعل إلى بناء “إستراتيجية صمود سياسي” على عدة مستويات:

أولًا: إنهاء حالة التشتت في توصيف المرحلة، فلا يجوز التعامل مع المجريات الراهنة باعتبارها مجرد تداعيات لحرب على إيران؛ بل يجب تقديمها عربيًا ودوليًا باعتبارها استغلالًا إسرائيليًا ممنهجًا للحرب بهدف تسريع الضم، وتغيير الواقع في القدس، وتفريغ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مضمونه.

ثانيًا: توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني، فالمطلوب حاليًّا ليس وحدة شاملة قد تبدو صعبة المنال، بل الوصول إلى  حد أدنى من الرسائل المشتركة التي تؤكّد أنّ غزة ليست ملفًا إنسانيًا فقط، والضفة ليست ساحة أمنية ، والقدس ليست شأنًا دينيًا معزولًا. ففي الوقت الذي تسعى فيه ـ”إسرائيل” لربط هذه الساحات ضمن مشروع سيادي واحد، يغدو لزامًا على الفلسطينيّين الردّ بوحدة الرواية ووحدة الأولويات.

ثالثًا: تفعيل الجبهة القانونية والدبلوماسية بصورة هجومية، وهنا تبرز أهمية التوقيت؛ إذ إن إقرار الكنيست قانونًا يفرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، في ظل حرب إقليمية محتدمة، يكشف حجم الاندفاعة الإسرائيلية نحو تشريع التمييز والعقاب القومي. لذا، ينبغي استثمار هذه الخطوات فورًا في المحافل الدولية، وتحويلها إلى أداة ضغط سياسي بدلًا من تركها تمرّ كأخبار عابرة.

رابعًا: إعادة الاعتبار للضفة والقدس في العمل الشعبي والإعلامي، ينبع هذا من ضرورة مواجهة الرهان الإسرائيلي الدائم على انصراف أنظار العالم نحو “الصاروخ الكبير” وتجاهل “الجرافة الصغيرة”، بينما الجرافة في الضفة أحيانًا أخطر من الصاروخ في الإقليم لأنّها تصنع الواقع الدائم.

خامسًا: بناء شبكة إسناد عربية وإقليمية لا تختزل فلسطين بمحور واحد، وهو أمر بالغ الحساسية؛ إذ تقتضي مصلحة الفلسطينيين ألا تُربط قضيتهم كليةً بنتيجة المعركة على إيران، سواء في الانتصار أو الهزيمة. إن الهدف الإستراتيجي هنا هو استعادة القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب تحت احتلال واستعمار استيطاني، ورفض تحويلها إلى مجرد ملحق تفاوضي في ميزان القوى بين واشنطن وطهران.

د. عدنان صباح، كاتب ومحلل سياسي

ينبغي النظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بوصفه إطارًا تتقاطع عنده ثلاثة محاور رئيسة:

المحور العسكري: على الرغم من أنّ الظاهر يوحي بتوقف الحرب على غزة، إلا أنّ الحرب الفعلية لا تزال مستمرة بأشكال أخرى، وفي مقدمتها التصعيد المتصل بالحرب على إيران ومن ينخرط فيها حاليًا. وهذا يعني أن أحد أهم محددات المستقبل يرتبط بمآلات هذه الحرب واتساعها في الإقليم.

المحور الإنساني: بفعل تعمّق الأزمة الإنسانية وبلوغها مستويات كارثية تتفاقم يومًا بعد يوم، لم يعد هذا المحور مجرد نتيجة للحرب، بل تحوّل إلى أحد مكوّنات العدوان المستمر على غزة، وأداة تُستَخدم وتُوظَّف، في ظل انشغال العالم وصمته.

المحور السياسي: يتجلّى في الغياب شبه الكامل لأي تصور واضح ومتكامل لمستقبل القضية الفلسطينية، بل وحتى لآلية إدارة الأوضاع في غزة خلال المرحلة المقبلة.

انطلاقًا مما سبق، فإنّ السيناريوهات المحتملة في ظل الحرب على إيران تبدو محدودة، ويأتي في مقدمتها استمرار الوضع القائم مع تعميق المعاناة والضغوط، خاصة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار خطر لم يكن مطروحًا قبل الحرب على إيران، وهو احتمال تراجع أو غياب المانحين لإعادة إعمار غزة، وخصوصًا من الدول العربية.

وعليه، فإنّ أي سيناريو محتمل لن يبقى محصورًا ضمن ما تم رسمه أو الإعلان عنه، إذ إن المتغيرات الميدانية مرشحة لأن تطال كل شيء، وستظل الأوضاع عرضة للتقلب وعدم الاستقرار إلى أن تضع الحرب أوزارها. ويزداد هذا التعقيد في ظل ما يبدو من غياب واضح للدور الفلسطيني الفاعل، أو العجز عن ممارسته، أو حتى التردد، رغم صعوبة الإمكانيات وشبه انعدامها.

فـ “إسرائيل” لا شك تُعد من أكثر الأطراف قدرة على استثمار الأوضاع الطارئة، إذ تحرص على توظيف مختلف المتغيرات لخدمة أهدافها في القضية الفلسطينية. فتصاعد وتيرة الحرب واتساع نطاقها يمنحانها مبررات إضافية لتشديد القمع والضغط على الشعب الفلسطيني، تحت ذرائع الأمن وظروف الحرب.

وفي هذا السياق، تُبرّر لنفسها سياسات الاعتقال والتضييق، وتصاعد عنف المستوطنين، وفرض قيود مشددة على الحياة اليومية للفلسطينيين. بل وتمضي نحو تنفيذ إجراءات كانت تُعد سابقًا من المحظورات أو الخطوط الحمراء، ومن أبرزها إغلاق المسجد الأقصى، وهي خطوة يمكن اعتبارها من أخطر ما أقدمت عليه منذ عام 1967.

ولا يقتصر الأمر على استغلال الظرف الراهن لتنفيذ إجراءات مؤقتة، بل يتعداه إلى تمرير تحولات جوهرية كانت تبدو مستحيلة، خاصة تلك المتعلقة بالأرض والمقدسات والهوية الوطنية الفلسطينية. إذ يجري العمل بشكل متدرج على إعادة تعريف القضية الفلسطينية، من كونها قضية شعب وأرض، إلى تصويرها مسألة تخص مجموعة سكانية تعيش على أرض متنازع عليها، وهو الطرح الذي تسعى “إسرائيل” إلى تكريسه عبر مسار طويل وممنهج، يصل إلى حد إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني ذاته بعلاقته بأرضه ومستقبل هذه العلاقة.

لا شك مطلقًا في وجود ارتباط وثيق بين القضية الفلسطينية ومجريات الصراع في الإقليم. وعليه، فإن مجرد عدم هزيمة إيران والقوى المنخرطة معها من شأنه أن يعزز حضور القضية الفلسطينية، ويُبقي معاناة الشعب الفلسطيني—وخاصة في غزة—في واجهة الاهتمام، نتيجة لتعاظم دور وقدرات ما يُعرف بمحور المقاومة، وهو ما يحدّ من محاولات تهميش القضية أو تجاوزها.

كما يسهم ذلك في كبح مشاريع تهجير الفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة، ويُضعف احتمالات فرض وقائع ديموغرافية جديدة بالقوة.

إلى جانب ذلك، فإن هذا السيناريو من شأنه أن يعزز الأمل لدى الفلسطينيين، ويؤكد أنّ مآلات الصراع لم تُحسم بعد، وأنّ إمكانية التقدم نحو تحقيق الحقوق الوطنية لا تزال قائمة. وقد يشكل ذلك دافعًا لإطلاق الطاقات الكامنة، وتحفيز المبادرات الخلّاقة، بما يمكّن من بناء فعل حقيقي على الأرض في مواجهة مشاريع التهويد والطمس.

أما إذا جاءت النتائج معاكسة، فإن انعكاسها على القضية الفلسطينية سيكون أكثر قسوة. ومع ذلك، قد تفتح هذه الحالة—نظريًا—نافذة يمكن استثمارها، إذا توفرت الإرادة والقدرة، نظرًا لأنّ الإقليم قد يدخل في مرحلة من التسويات الواسعة، وهو ما قد يعيد طرح القضية الفلسطينية كقضية مركزية على المستوى الإقليمي والدولي. غير أن تحقق ذلك يظل مرهونًا، قبل كل شيء، بالعامل الذاتي الفلسطيني.

بالتالي يمكن الجزم بأن الدور الحاسم في الشأن الفلسطيني وتأثراته بالحرب على إيران يبدأ وينتهي بالعامل الذاتي، بمختلف تجلياته: الفصائل، والمنظمة، والسلطة؛ وغزة، والضفة، والقدس؛ وقوى المقاومة بمختلف أشكالها. كما أنّ للفلسطينيين في الداخل دورًا حقيقيًّا ومؤثرًا، إذا ما أُحسن توظيفه. إذ لا يمكن لأي طرف خارجي أن يقدم دعمًا فعليًا ما لم يُقابل ذلك بقدرة داخلية على استنهاض الطاقات، وتوحيد الجهود، وجعل هذه القدرة أساسًا لاستقطاب دعم الآخرين، أيًا كانوا.

وباختصار، فإن العامل الحاسم ليس في نتائج الحروب أو تداعياتها، ولا في انتصار طرف على آخر، بل في وجود إرادة فلسطينية حقيقية للتوحد والنهوض المشترك، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، ودون مواربة أو مماطلة، وبما يليق بقضية شعب وأرض.

د. أيمن دراغمة، عضو مجلس تشريعي سابق.

لا شك في أنّ هناك انعكاسًا مباشرًا للحرب على إيران على وضع قطاع غزة، إذ ستلقي نتائج هذه الحرب وشكل خريطة المنطقة بظلالها الواسعة على مستقبل إعلان ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، وما يتضمنه من ترتيبات إدارية وأمنية وسياسية، بل إن مستقبل القضية الفلسطينية برمته، ومسار نظامها السياسي فيما يتعلق بطرح حل دولي يعطي الفلسطينيين الحق في إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 حزيران 1967، بات رهينًا للمآلات التي ستسفر عنها الحرب على إيران.

يظل الملف الفلسطيني عنوانًا لكل الأطراف المتحاربة،  وزاوية أساسية لأي تفاهمات مستقبلية. فإيران، في حال مالت كفّة الحرب لصالحها، ستحرص على الاستثمار في الملف الفلسطيني ووضعه في قائمة مطالبها، لترسيخ دورها كقوة إقليمية ذات رؤية سياسية إسلامية، حيث تسعى لجعل الدفاع عن حلفائها في محور المقاومة وتحقيق مطالبهم ضمن المعايير لقبول أي اتفاق. وفي المقابل، إذا أفضت الحرب إلى نتائج تكرّس الهيمنة الأمريكية على المنطقة، فإنّ مستقبل القضية الفلسطينية سيتشكل وفقًا لخارطة الطريق الإسرائيلية، التي تنزع نحو التوسع والهيمنة، وتستلهم طموحات اليمين في الوصول لحلم “إسرائيل” الكبرى.

لم تكن مبادرة الرئيس ترامب لوقف إطلاق النار إعلانًا لنهاية الحرب على قطاع غزة، بل كانت بمثابة “استراحة محارب” لتدشين الفصول اللاحقة من الأجندة الإقليمية؛ والتي استهدفت في فصلها الثاني احتلال جنوب لبنان لتقويض ملف المقاومة اللبنانية، ثم الانتقال في الفصل الثالث إلى توجيه ضربة إستراتيجية لإيران، لإرغامها على الخضوع للشروط الأمريكية الإسرائيلية. ومن هذا المنطلق، يظهر بوضوح أن مراوغة حكومة الاحتلال ومماطلتها في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في غزة، لم تكن إلا كسبًا للوقت لضمان استكمال حلقات هذا المخطط الصهيوني.

أمّا في البعد الإستراتيجي، فإن مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار بغزة يظلّ رهينًا لمآلات الحرب ومسار المباحثات الأمريكية مع إيران، ففي حال انتهت هذه المواجهات بصيغة تخدم المصالح الإسرائيلية، فمن المتوقع أن يشرع الاحتلال في التنصل من التزاماته، عبر المماطلة الممنهجة واختلاق الذرائع لعرقلة التنفيذ؛ وذلك بالتوازي مع تصعيد سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض، استنساخًا لما جرى ويجري حاليًّا في الضفة الغربية.

لقد سعت إسرائيل، وستواصل السعي، لتوظيف المواجهة مع إيران وتبعاتها كمدخلٍ لتصفية القضية الفلسطينية، وصولًا إلى واقع إقليمي مريح يسمح بتنفيذ سياسات الحكومة الإسرائيلية. ومع أنّ هذا المسار مرهون بطبيعة الحال بما ستصل إليه نتائج الحرب على إيران ومحور المقاومة، إلّا أنّ إخفاق “إسرائيل” في تحقيق أهدافها الكبرى سينعكس تراجعًا في قوتها وتأثيرها الإستراتيجي، ما يعني بقاء جميع الاحتمالات مفتوحه لطبيعة المآلات في المدى البعيد لشكل وطبيعة النتائج.

وبمعزل عن مآلات الحرب وسيناريوهاتها المختلفة، يظل لزامًا على السلطة الفلسطينية والقيادة السياسية إدراك حجم المتغيرات العالمية والإقليمية المتسارعة، والخروج من دائرة التفكير التقليدي نحو المبادرة لإنجاز استحقاقات وطنية لا تقبل التأجيل. وتتمثل هذه المسلمات في: تحقيق وحدة وطنية شاملة تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني، وتمكينه من ممارسة حقه الأصيل في انتخاب قيادته عبر صناديق الاقتراع بنزاهة وحرية، بما يضمن تمثيلاً رسميًا وشاملًا للكل الفلسطيني. وتقتضي المرحلة قيادة قادرة على صياغة خارطة طريق وطنية تعيد الاعتبار لجوهر العلاقة مع المحتل بوصفها علاقة صراع وجودي، وتضبط إيقاع العمل مع الإقليم والعالم وفق سياساتٍ وإجراءاتٍ عملية، تساهم في تحقيق الحلم الفلسطيني في التحرر وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

محمد القيق، كاتب ومحلل سياسي

إنّ أي مسار سياسي سيترتب على نتائج الحرب على إيران سيعيد بالضرورة وضع اتفاق وقف الحرب على غزة فوق طاولة المفاوضات من جديد، سواء بطلب من الطرف الإيراني، أو الوسطاء، لأن معادلة استقرار ما بعد الحرب على إيران ستكون مرتبطة بباقي الملفات وفي مقدمتها ملف غزة. ومع ذلك، يبرز التحدي في فرصة وقوع إيران تحت وطأة ضغوط كبيرة، إذ ستنعكس هذه الضغوط بشكل مضاعف على الساحة الفلسطينية، مما قد يمنح الاحتلال فرصة للتمادي في إجراءاته ضد قطاع غزة.

أما الضفة الغربية، فتبدو اليوم خارج حسابات الدول العربية والأطراف الدولية، ما جعلها المساحة الأكثر عرضة للاستفراد الإسرائيلي، حيث يمضي الاحتلال بعيدًا في تنفيذ خططه التوسعية  وتصعيد اعتداءات المستوطنين، مستغلًا غياب أي رادع حقيقي. وينطبق الأمر ذاته على القدس المحتلة، في ظل توجهات إدارة ترامب نحو استكمال صفقة القرن، وتثبيت الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال. إنّ الواقع الجديد الذي تريده “إسرائيل” بالضفة والقدس هو تحويل الوجود الفلسطيني إلى تجمعات سكانية تدار بإدارات محلية دون مظلة أو عنوان سياسي فلسطيني، وهذه الرؤية تشترك فيها “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، وقد مهدت “إسرائيل” لذلك بشكل كبير من خلال المشاريع الاستيطانية الضخمة التي تمت المصادقة عليها وبدأت العمل عليها بشكل مكثف ومتسارع في الضفة.

منذ السابع من أكتوبر 2023، تعيش القضية الفلسطينية في حالة من الصعود والتنامي في الوعي العالمي، ذلك أنّه في ظل الأزمات الكبرى يصبح نقاش القضايا الجوهرية أكثر استحقاقا. ومع اشتعال الجبهات وتصاعد المواجهة، يجد العالم نفسه مدفوعًا لطرح التساؤل الجوهري حول جذور هذا الصراع، لتبرز المعضلة الرئيسة المتمثلة في وجود الاحتلال الإسرائيلي. إنّ هذا الواقع يفرض على المجتمع الدولي قناعة راسخة بأن أي بحث عن مسارات للهدوء والاستقرار المستقبلي في المنطقة، يمر حتمًا عبر بوابة الحل الجذري والعادل للقضية الفلسطينية.

بناءً على ذلك، يغدو من الواضح أن إخفاق إيران في كسر معادلة الغطرسة الإسرائيلية الأمريكية سيضع القضية الفلسطينية أمام واقع كارثي قد يصل إلى الانهيار الشامل.  ولن يتوقف أثر هذا الانكسار عند حدود فلسطين، بل سينسحب على الجغرافيا العربية والإقليمية برمتها؛ إذ ستصبح سوريا ولبنان عرضة لعمليات تفكيك وإخضاع ممنهجة، بينما ستجد تركيا نفسها أمام تحد كبير يحدّ من فاعلية دورها السياسي تجاه القضايا الشرق أوسطية، في مقدمتها القضية الفلسطينية. أمّا دول الخليج العربي فستواجه ضغوطًا  لفرض حالة من الإذعان الكامل وإغراقها في تباينات داخلية تشتت رؤاها، مما يجرّد القضية الفلسطينية من عمقها الإستراتيجي ويتركها وحيدة في مواجهة مشروع الهيمنة.

وفي ظل هذه التعقيدات، تبدو الخيارات الفلسطينية الرسمية محدودة؛ فقد ارتهنت السلطة الفلسطينية لمعادلات مالية وسياسية وأمنية فرضت عليها التواجد في غرفة عمليات مشتركة تفتقر لأي أفق سياسي حقيقي. هذا الارتهان جعل القرار الرسمي محاصرًا بين مطرقة التهديدات الإسرائيلية والأمريكية (إدارة ترامب)، وسندان الترهل والفساد المتغلغل في بنية السلطة. أمّا على صعيد الفصائل في الضفة الغربية، فقد باتت تعيش حالة من تراجع الفاعلية، بعد أن أُنهكت قدرتها على ممارسة دورها النضالي والتنظيمي الحقيقي.

سامر عنبتاوي، كاتب ومحلل سياسي

لم يبلغ اتفاق وقف الحرب على غزة حتى هذه اللحظة مداه الطبيعي، إذ تعمدت “إسرائيل” التهرب من استحقاقاته، مستغلة التوترات الإقليمية والتبعات الناتجة عن الحرب على إيران كذريعة للتنصل من التزاماتها، سعيًا لتكريس الوجود الإسرائيلي على الأرض تحت غطاء الانشغال الدولي. ولا ينفصل هذا السلوك عن النهج المتبع في الضفة الغربية، إذ تعتمد “إسرائيل” ذات النهج في استغلال هذه الفوضى في المنطقة لتكريس مشاريعها الاستيطانية وتهويد القدس، تمهيدًا لضم الضفة وفرض ما يسمى بالسيادة الإسرائيلية عليها. وفي قلب هذا المشهد، يبرز المسجد الأقصى أمام واقعٍ جديد يحاول الاحتلال تثبيته كأمر واقع، يهدف من خلاله لفرض هيمنة مطلقة على كامل المقدسات الدينية.

إنّ تأثيرات الحرب على القضية الفلسطينية أمر لا مفر منه، إذ إنّ متغيرات الحالة الإقليمية تنعكس على القضية الفلسطينية بمآلات ومسارات المواجهة ونتائجها. ففي حال تثبيت إيران لمعادلة جديدة من خلال تراجع القدرة الإسرائيلية على فرض مشروعها في المنطقة وانحسار الهيمنة الأمريكية فإنّ هذا سيشكل رافعة للقضية الفلسطينية تعزّز من قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود. وفي حال حدوث العكس، فستشهد المنطقة محاولة فرض إجباري على الشعب الفلسطيني لتقبل المشروع الصهيوني الأمريكي، وما يرافقه من عمليات تهجير قسري، وضم لأجزاء واسعة من الضفة، وتحويل الكيان السياسي الفلسطيني إلى مجرد إدارات خدمية وتجمعات سكانية مقوضة السيادة.

د. إياد القرا، كاتب ومحلل سياسي

إنّ قراءة  مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة تكشف أنّه لم يعد مجرد تفاهم ميداني، بل أضحى رهينةً إستراتيجية بانتظار ما ستسفر عنه موازين القوى في الحرب على إيران. فـفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتبعات المواجهة الكبرى، تسعى “إسرائيل” لإدامة الواقع الراهن في القطاع متفرغةً لاستكمال حلقات مخططها في الساحات الأخرى.  وقد يزيد الاهتمام الإسرائيلي بالمليشيات والمجموعات المسلحة التابعة لها في غزة رغم أنها تجربة فاشلة؛ لكنها أداة لتكريس واقع من عدم الاستقرار. تسعى “إسرائيل” لضمان بقاء ساحة غزة في حالة هدوء يخدم التفرغ للجبهات الإقليمية الأخرى، ويمنع انفجار القطاع مجددًا في توقيت لا تخدم فيه المواجهة الشاملة أولويات الاحتلال الإستراتيجية.

أما في الضفة الغربية، فتبدو “إسرائيلط أكثر ارتياحًا في تنفيذ أجندتها؛ حيث تمضي قدمًا في تعزيز المشروع الاستيطاني وترسيخ منظومة التحكم والسيطرة، مستغلةً حالة الانكفاء الميداني للشارع والفصائل، ومحدودية الفعل السياسي للسلطة الفلسطينية. هذا الواقع يمنح الاحتلال أريحية للمضي في تفتيت الجغرافيا الفلسطينية دون دفع أثمان سياسية أو أمنية باهظة، وكأن الضفة باتت الحديقة الخلفية التي يتم تشكيلها بهدوء بمعزل عما يجري على جبهة إيران. وبالتوازي مع ذلك، ينتهج الاحتلال في المسجد الأقصى سياسة جس النبض وتراكمية فرض الأمر الواقع، عبر إضعاف الموقفين الفلسطيني والأردني وتطبيع المشهد التهويدي تدريجيًا، لترسيخ واقع جديد في المقدسات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة ومباشرة.

على الرغم من محاولات “إسرائيل” فرض وقائع جديدة في الضفة والقدس، إلا أنّ القراءة الواقعية تشير إلى حالة من الاستنزاف الذي يعصف بقدرات الاحتلال جرّاء تعدد الجبهات. إنّ قدرة “إسرائيل” على حماية مكتسباتها الميدانية في الضفة تظلّ موضع تساؤلٍ كبير أمام هذا الإنهاك العسكري والاقتصادي، لا سيّما وأن مآلات المواجهة مع إيران لم تُحسم بعد؛ ما قد يحوّل الرهانات الإسرائيلية من انتصارات عابرة إلى خسارة إستراتيجية فادحة. وفي الإطار العام، يصبّ هذا الاستنزاف في صالح القضية الفلسطينية؛ فبالرغم من الانشغال الدولي، إلا أنّ الحرب مع إيران أعادت تسليط الضوء على “إسرائيل” بوصفها المسبب الأول لعدم الاستقرار، ورسخت القناعة الدولية بأن تفجّر المنطقة سيكون نتيجة طبيعية لانسداد الأفق السياسي أمام الحقوق الفلسطينية.

من هذا المنطلق، يغدو نجاح إيران وصمودها دعمًا مباشرًا للقضية الفلسطينية؛ فكل استنزافٍ لقدرات الاحتلال يصبُّ بالضرورة في صالح الحق الفلسطيني، كما أنّ تحقيق طهران لنتائج إستراتيجية سيفضي إلى تقليص الحضور الأمريكي وقدرة الولايات المتحدة على فرض أجندتها في المنطقة. وأمام هذا المشهد، يبرز الاستحقاق الفلسطيني بضرورة اتخاذ موقفٍ متوازن وداعم لمواجهة مشروع الاحتلال، بمعزلٍ عن تعقيدات العلاقة العربية الإيرانية؛ لضمان عدم ارتهان الموقف الفلسطيني لخياراتٍ صعبة تضعه بين فكي دعم طرفٍ على حساب الآخر. إنّ هذا العدوان يتجاوز في مراميه إيران، ليكون حلقةً في سلسلة المشروع الشرق أوسطي الذي تسعى “إسرائيل” من خلاله للهيمنة المطلقة على المنطقة وإخضاعها بالكامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى