عقيدة نتنياهو الأمنية الجديدة: دلالات وتداعيات

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مطلع الأسبوع الجاري عن مبادئ عقيدة أمنية جديدة. وأوضح نتنياهو فيبيان صادر عن ديوانه أن العقيدة الأمنية الجديدة تمنح أولوية للجهود الهادفة إلى “منع تشكّل التهديدات، وتتبنى خيار الهجوم بدلا من الاحتواء والدفاع، بما يشمل توجيه ضربات استباقية، وتعزيز حماية الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات الجديدة”. وقد أشرف على صياغة وثيقة العقيدة الجديدة رئيس مجلس الأمن القومي شموئيل بن عيزرا، وساهم في إعدادها عدد من نخب اليمين الإسرائيلي، من بينهم العميد في الاحتياط أيرز فيلنر، رئيس “منتدى الأمنيين”، والعقيد في الاحتياط جابي سيبوني الباحث في “مركز مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية”، وهو مركز تفكير ذو توجهات يمينية.
وعلى الرغم من أن نتنياهو أمضى في الحكم فترة أطول من أي رئيس وزراء إسرائيلي سابق، فإنه لم يُقدم على مراجعة العقيدة الأمنية التقليدية، التي أرسى مبادئها رئيس وزراء إسرائيل الأول دافيد بن غوريون. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما أعلنه نتانياهو لا يحمل بعدُ صفة “عقيدة أمن قومي” رسمية، وإنما خطوطا عامة حول تصورات أمنية ما زالت قيد المأسسة.
ترصد هذه الورقة البنود التفصيلية لوثيقة العقيدة الجديدة، وتبحث في ظروف صدورها وتحلل دلالاتها وتستشرف تداعياتها.
قائمة التهديدات
عدّد نتنياهو التهديدات الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل حاليا، والتي يفترض أن تتصدى العقيدة الجديدة لمواجهتها، وحدد المحاور التي تمثل مصادر لها، وكشف عن مبادئ عمل لمعالجتها. وحسب ما نقله موقع “وللا” عن نتنياهو، فإن هذه التهديدات تشمل: البرنامج النووي الإيراني، بوصفه “تهديدا وجوديا لإسرائيل”؛ والمسيّرات؛ إذ التزم بإنشاء بُنى دفاعية لمواجهة ثلاثة أنواع من المسيرات: المسيّرة التقليدية، والطائرات المسيّرة المزودة بتقنية الألياف الضوئية (المحلقات)، والطائرات المسيّرة المزودة بتقنية SIM-K ، بالإضافة إلى تهديد الوسائط البحرية غير المأهولة التي يمكن التحكم فيها عن بعد.
وحذر نتنياهو من أنه يمكن أن تُطلق المحلقات من داخل إسرائيل أو من مدن الضفة الغربية أو من خارج الحدود. كما أشار نتنياهو إلى الصواريخ ذات دقة الإصابة العالية وطويلة المدى التي تحمل رؤوس متفجرة بوزن 1000 كغم، بوصفها مصدر تهديد جدي، كونها قادرة على الوصول إلى إسرائيل بسرعة فائقة؛ إلى جانب تهديد الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والحواسيب الكمومية. وكما أشار نتنياهو إلى ما أسماه “السلاح غير القانوني”، في إشارة إلى السلاح الذي يحتفظ به فلسطينيو الداخل، فضلا عن كشفه عن استعدادات أجريت في إسرائيل مؤخرا لمواجهة احتمال أن يُستخدم سلاح الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مستقبلا ضد إسرائيل. وعدَّ نتنياهو عدم قدرة إسرائيل على الاعتماد على نفسها في إنتاج الذخائر تهديدا يتوجب معالجته بهدف تحقيق استقلالية.
وفي الإشارة إلى الساحات التي تمثل مصادر تهديد استراتيجي لإسرائيل، أشار نتنياهو إلى محورين رئيسيين هما “المحور الشيعي” بقيادة إيران، والمحور الذي تقوده تركيا؛ حيث أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي أن السيناريو الذي تخشاه إسرائيل يتمثل في توحيد هذين المحورين جهودهما ضد إسرائيل.
وحسب “وللا”، فقد استندت العقيدة الأمنية الجديدة كما أعلنها نتنياهو، إلى المبادئ التالية:
– منع الأعداء من الحصول على سلاح نووي.
– الردع من خلال بناء تهديد موثوق على العدو وإحباط الأنظمة العسكرية والمدنية وتعطيلها.
– الإنذار، عبر بلورة صورة استخبارية حول قدرات العدو ونواياه بما يمنع تعرض إسرائيل للمفاجأة.
– الدفاع، وضمن ذلك عبر تكريس مناطق أمنية عازلة واستعداد دائم للحرب.
– تحقيق استقلالية في مجال التسليح والذخائر عبر الاستثمار في مجالي البحث والتطوير.
– بناء التحالفات عبر توظيف الموارد الذاتية لإسرائيل.
– شن معركة على الوعي ضد الدول المعادية عبر استخدام الذكاء الاصطناعي.
– تحقيق الانتصار، عبر تحطيم الروح المعنوية للعدو وإيمانه بقدرته على تشكيل تهديد حقيقي.
– ضمان التماسك الوطني الداخلي.
دلالة توقيت الإعلان عن العقيدة الجديدة
قبل الخوض في تحليل دلالات وتداعيات مبادئ عقيدة الأمن القومي الجديدة؛ فإنه لا يمكن إغفال دلالة توقيت الإعلان عنها، الذي جاء قبل عشرة أيام من الانتخابات الإسرائيلية العامة. فمن الواضح أن نتنياهو من خلال اختيار هذا التوقيت، يريد التأثير على أولويات الجدل الإسرائيلي الداخلي ومحاولة صبغه بالصبغة الأمنية.
لكن توقيت الإعلان عن العقيدة الجديدة لا يقلص من أهمية التعاطي معها، لأن نتنياهو قد أمر بتشكيل اللجنة التي أشرفت على إعدادها قبل وقت طويل من تحديد موعد الانتخابات، كما ذكرت ذلك غيلي كوهين المراسلة السياسية لقناة “كان” الرسمية. فضلا عن ذلك، فإن مبادئ العقيدة الجديدة توجّه عمليا كثيرا من السياسات التي تبنتها حكومة نتنياهو بعد أحداث السابع من أكتوبر؛ إذ إن إسرائيل باتت بعد هذه الأحداث تخصص طاقة كبيرة من جهدها الحربي ضد أطراف لمجرد أنها قد تمثل مصدر تهديد في المستقبل، كما يعكس ذلك بشكل واضح السلوك الإسرائيلي تجاه سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
إلى جانب ذلك، فإن الجدل الذي أثير حول مبادئ العقيدة الجديدة يعزز من فرص تكريس مبادئها كجزء من السردية الاستراتيجية التي يتبناها الجمهور الإسرائيلي؛ إذ إن نتائج استطلاعات الرأي تدلل على حماس هذا الجمهور لمواصلة شن الحروب على الساحات المختلفة؛ كما دللت على ذلك نتائج استطلاع حديث أجراه معهد “ميتفيم”. ومع أن المعارضة الإسرائيلية انبرت لاتهام نتنياهو باستغلال الإعلان عن العقيدة الجديدة لاعتبارات انتخابية، فإنها لم تسجل أي ملاحظة موضوعية على ما جاء في بنود هذه العقيدة، كما يتضح من البيان الذي أصدره جادي إيزنكوت، زعيم حزب “يشار”.
دلالات التحول على عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي
للوهلة الأولى يبدو أن بعض مبادئ العقيدة الأمنية الجديدة التي أعلن عنها نتنياهو تلتقي مع العقيدة التقليدية التي صاغها بن غوريون، والتعديلات التي أدخلها عليها رؤساء الوزراء الذين خلفوه في المنصب. فمبادئ العقيدتين تشمل: الردع والإنذار وبناء التحالفات الدولية. كما أن “منع” الأعداء من الحصول على سلاح غير تقليدي يتفق مع التحول الذي أدخله مناحيم بيغن عمليا عام 1981، عندما أمر بتدمير المفاعل النووي العراقي، وهو ما يُعرف بـ “عقيدة بيغن”. كما يتفق اعتماد “الدفاع” مع المبدأ الذي أدخله أرئيل شارون على عقيدة الأمن القومي عام 2006، بناء على توصية “لجنة مريدور”، التي كُلفت في حينه بتقييم عقيدة الأمن القومي.
لكن عند التدقيق في أغراض بعض المبادئ المشتركة للعقيدتين نجد أنها متضاربة. فحسب أودي ديكل وعومر عيناف، الباحثان في “معهد أبحاث الأمن القومي” التابع لجامعة تل أبيب فإن “الردع” في العقيدة التي صاغها بن غوريون يرمي في النهاية إلى تحقيق أطول فترة هدوء من خلال تكريس قناعة لدى “العدو” بعدم جدوى الرهان على القوة المسلحة ودفعه إلى قبول تسويات سياسية مع إسرائيل لحل الصراع؛ في حين أن العقيدة الجديدة لا تهدف إلى تحقيق فترة هدوء طويلة، فضلا عن خلوها من أية إشارة إلى الاستعداد لتسويات سياسية، بل تتحدث عن “استعداد دائم للحرب”. وهذا ما يتوافق مع حديث نتنياهو عن وجوب العمل ضد الأطراف التي تمثل، في نظره، مصادر تهديد محتملة أو قيد التشكل، وليست تهديدا قائما بالفعل، يعني تبني إسرائيل خيار الحروب الدائمة.
وهذا ما استنتجته ورقة صادرة عن “معهد أبحاث الأمن القومي” التابع لجامعة تل أبيب تناولت اتجاهات الجهد الحربي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، على عكس العقيدة التقليدية التي تنص على مبدأ “الحرب الخاطفة” لضمان عدم شل مرافق الدولة الخدماتية والإنتاجية لفترة طويلة.
في الوقت ذاته، فإن ركائز مبدأ “الدفاع”، الذي أضافته إسرائيل عام 2006 إلى عقيدتها الأمنية، تختلف عن تلك التي يستند إليها نفس المبدأ في العقيدة الجديدة. ففي حين أن إسرائيل بررت إضافة مبدأ “الدفاع” في حينه بضرورة تأمين الجبهة الداخلية عبر مواجهة تحدي الصواريخ التي باتت تستهدف العمق الإسرائيلي، فإن العقيدة الجديدة تتحدث عن “الدفاع” بالاستناد إلى السيطرة على أراضي العدو وتحويلها إلى مناطق عازلة أو أحزمة أمنية”، وهو ما مارسته حكومة نتنياهو بالفعل من خلال احتلال مناطق في كل من سورية ولبنان وقطاع غزة وإعلانها أحزمة أمنية، وهي الخطوة التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي “الدفاع المتقدم”.
واستنادا إلى ذلك، فإن السيطرة على أراضي “العدو” وتحويلها إلى أحزمة أمنية باتت ضمن سلة الأدوات التي تشرِّعها العقيدة الجديدة، وأن تلك السيطرة ليست حالة مؤقتة وإنما واقع أمني جديد تحاول إسرائيل فرضه. وهذا ما يسوغ الافتراض أن إسرائيل يمكن أن تقدم على هذا السلوك في المستقبل ضد جهات أو أطراف عربية أخرى.
وقد استعاضت عقيدة نتانياهو عن “الحسم” الذي كان ضمن مبادئ العقيدة التقليدية بـ “النصر”. ويعني “الحسم” في العقيدة التقليدية منع العدو من تحقيق أهدافه؛ والحيلولة دون تمكنه من تحويل أية مكاسب عسكرية في أرض المعركة إلى مكاسب سياسية. وهذا التعريف يقدم معايير واضحة ويضع شروطا محددة لتحقيق الحسم ما يساعد صانع القرار الإسرائيلي على إنهاء الحرب ووقف الجهود العسكرية. وفي المقابل فإن مفهوم “النصر” في عند نتانياهو يتحدث عن “كسر قوة العدو وإيمانه بقدرته على تشكيل تهديد حقيق”. وهو مفهوم فضفاض بشكل يجعل من الصعب قياس مدى تحققه مما يسمح بمواصلة الحرب.
في الوقت ذاته، فإن التزام العقيدة الجديدة بالتوصل إلى تحالفات عبر “الاعتماد على موارد إسرائيل الذاتية” يقدم في الواقع مقاربة تختلف عن التصور بشأن التحالفات مع القوى الأجنبية كما رمت إليها العقيدة التقليدية. فمن خلال هذا النص تحدد إسرائيل طابع “الثمن” الذي يمكن أن تدفعه مقابل التحالف مع القوى الأجنبية، والذي يستند إلى ما تحوزه من موارد عسكرية، استخبارية، تكنولوجية، وسيبرانية. ومن خلال هذا النص ترسل القيادة الإسرائيلية إلى الدول العربية والإسلامية التي ترغب في التوصل لاتفاقات تطبيع معها أنها غير مستعدة أن تبدي أية مرونة على صعيد التعاطي مع القضية الفلسطينية من أجل إنجاز مثل هذه الاتفاقات.
مكانة تركيا في العقيدة الإسرائيلية الجديدة
إن تناول التهديد الذي تمثله إيران وبرنامجها النووي و”المحور الذي تقوده” في العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة ليس أمرا غريبا؛ في ظل سلسلة الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد هذا المحور وأطرافه المختلفة وتحفّز القيادة الإسرائيلية الواضح لاستئناف الجهد القتالي ضد طهران. لكن عرض عقيدة نتانياهو تركيا كمصدر تهديد مواز لإيران يمثل سابقة غير مألوفة، على الرغم من تدهور العلاقات بين الجانبين تدريجيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في أنقرة، وصولا إلى السابع من أكتوبر وما تلاه من تحولات.
فباستثناء التصعيد الخطابي التركي ضد السياسات الإسرائيلية، فإن إسرائيل لم تقدم دليلا على انخراط أنقرة في أنشطة جدية تمثل تهديدا مباشرا وجديا للأمن الإسرائيلي؛ وهو ما جعل تل أبيب تحجم حتى الآن عن اعتبار تركيا “عدوا”.
وقد رفض أودي أفيتال، القيادي السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية اعتبار تركيا “عدوا” أو مصدر خطر، إذ وصفها بأنها “منافس تتعارض مصالحه الواسعة مع المصالح الإسرائيلية”، وأشار إلى أن تركيا تعد إسرائيل مصدر تهديد يتوجب تحقيق توازن إستراتيجي في مواجهته، لا سيما بعد شنها الحربين الأخيرتين على إيران. إلى جانب ذلك، فإن حقيقة أن تركيا عضو مهم في حلف “الناتو” يثير تساؤلات حول التحديات التي يمكن أن تواجه إسرائيل عند التعاطي معها كمصدر تهديد، إلى جانب إيران، ويثير علامات استفهام حول الأدوات التي يمكن أن تلجأ إليها لضمان تحييد هذا التهديد.
لكن إسرائيل لم تكتف بالإعلان عن أن عقيدتها الأمنية تعد تركيا مصدر تهديد، بل أن نتنياهو استبق الإعلان عن “العقيدة” الجديدة بإرسال تهديد لأنقرة بأنه لا يستبعد اندلاع حرب معها، كما عبر عن ذلك في مقابلة مع قناة “14”، التي تمثل بوقا لقوى اليمين الإسرائيلي.
إن ما يستدعي التعاطي مع ما جاء بخصوص تركيا في العقيدة الأمنية الجديدة بجدية حقيقة أن بعض الذين ساهموا في إعدادها باتوا يستخدمون نفس البنية الاصطلاحية التي كانت تستخدم في توصيف الخطر الإيراني في محاولتهم إبراز خطورة التهديد التركي. فقد نشر العميد أيرز فيلنر[1]، أحد الذين ساهموا في صياغة هذه العقيدة مقالا تناول فيه “الخطر”، الذي تمثله أنقرة، قائلا إن تركيا والمحور الذي تقوده باتت “تحيط إسرائيل بطوق من النيران”، محذرا من أن “يتحد طوق النيران هذا مع ما تبقى من المحور الشيعي”.
لقد جاء الإعلان عن رؤية إسرائيل الاستراتيجية تجاه تركيا كما عكست ذلك العقيدة الأمنية الجديدة بعد سلسلة من الخطوات التي أقدمت عليها تل أبيب علنا ويمكن أن نعزوها إلى أنها جاءت في إطار مواجهة “الخطر التركي”. ومنها: التحرك عسكريا ضد محاولة تركيا التموضع عسكريا في سورية، كما عكس ذلك الهجوم الذي شنته قبل شهرين على مطار “أبو الظهور”، شمال شرق البلاد. إلى جانب بناء تحالفات وشراكات إستراتيجية مع أطراف تعتبر تركيا عدوا أو خصما مشتركا، مثل اتساع دائرة الشراكة الاستراتيجية مع اليونان وقبرص، التي لا تتردد بعض الأوساط الصحفية الإسرائيلية في وصفها بأنها “التحالف الشرق أوسطي” الذي يهدف إلى تغيير ميزان القوة في مواجهة تركيا. في الوقت ذاته، فإن هناك ما يدلل على أن الجيش الإسرائيلي بات يصمم سياسة بناء القوة لديه بشكل يسمح بتوفير ردود على التفوق التركي في بعض المجالات العسكرية. فلمواجهة التفوق التركي الحاسم في مجال الغواصات الاستراتيجية، ذكر موقع “وللا” أن الجيش الإسرائيلي يدرس شراء طائرات مضادة للغواصات.
إلى جانب ذلك، فقد باتت إستراتيجية الوعي التي تعكف عليها إسرائيل في مواجهة أعدائها تأخذ في الحسبان استهداف القيادة والجمهور التركي عبر شن حملات تأثير على الوعي. فقد عين الجيش الإسرائيلي في مارس 2025 ناطقا باسمه باللغة التركية مهمته الإشراف وإدارة عمليات التأثير في الوعي في الساحة التركية، بحيث يساعده عدد من ضباط وجنود الاحتياط الذين يجيدون اللغة التركية.
كلفة مادية واجتماعية
تفرض العقيدة الأمنية الجديدة على إسرائيل توسيع التزاماتها الاستراتيجية، سواء على صعيد مواصلة الجهد الحربي على ساحات مختلفة وما يترتب عليه من زيادة الحاجة إلى قوة بشرية للقيام بهذا الجهد، وما يتطلبه ذلك من زيادة موازنة الأمن لتغطية النفقات العسكرية واللوجستية.
لكن لا يوجد ما يدلل على أن نتنياهو يحرص على توفير الظروف التي تسمح بتمكين الجيش الإسرائيلي من الحصول على القوة البشرية التي تمكّنه من أداء التزاماته كما تنص العقيدة الجديدة. فنتنياهو، بسبب اعتبارات السياسة الداخلية، يحرص على عدم الإقدام على خطوات جدية لإجبار أتباع التيار الديني الحريدي على أداء الخدمة العسكرية في وقت يعاني الجيش الإسرائيلي من نقص حاد في القوى البشرية، لدرجة أن رئيس الأركان إيال زامير قد حذر الحكومة من أن الجيش يمكن أن ينهار من الداخل بفعل العجز في عدد الجنود.
وتكمن المفارقة في أن الإعلان عن العقيدة الأمنية الجديدة جاء بعد كشف قناة “كان” الرسمية أن عدد المتهربين من الخدمة العسكرية بلغ خلال عام 2026 نحو 110 آلاف، مقارنة بـ 75 ألف متهرب في عام 2025؛ مع العلم أن 88% من المتهربين من الخدمة هم من أتباع التيار الحريدي. ونظرا لأن نتنياهو يعي أنه ليس بوسعه تشكيل حكومة بدون الاعتماد على مشاركة الأحزاب الحريدية فإنه يتجنب الاستجابة للدعوات المطالبة بسن قانون يلزم الحريديم بأداء الخدمة العسكرية، في الوقت الذي تغدق فيه حكومته على الجمهور الحريدي ومؤسساته المختلفة مليارات الشواكل. وقد أسهم تكريس إعفاء فئات اجتماعية بذاتها من الخدمة العسكرية في تكريس الانقسام الداخلي وأضر بثقة الجمهور بالحكومة، التي بلغت 14% فقط.
مع العلم أن قدرة أي حكومة على تبني سياسات محددة على صعيد الأمن القومي تتوقف، من بين أمور أخرى، على مدى الشرعية الداخلية التي تحظى بها سياسات هذه الحكومة. وهناك من يربط بين تعاظم مستويات الهجرة العكسية ووتحديدا هجرة أصحاب الكفاءات، بتهاوي الثقة بالحكومة وقراراتها. وتبدو إشارة العقيدة الجديدة إلى “التماسك الوطني”، كأحد مبادئها كضريبة كلامية، لا يدل الواقع على أن حكومة نتنياهو معنية بها. فهذه الحكومة تتجاهل التحذيرات التي تطلقها مستويات مهنية من تداعيات حالة الاستقطاب المجتمعي بوصفها خطرا وجوديا على إسرائيل. فقد حذر أوجين كندل، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني الإسرائيلي ورون تسور، الخبير في الإدارة الحكومية من أن تداعيات الاستقطاب الداخلي، لا سيما هروب “الكفاءات المحورية”، خاصة في التكنولوجيا المتقدمة، يمكن أن يضر بالنمو الاقتصادي ومستوى المعيشة والقدرة الأمنية، وصولا إلى “احتمال انهيار إسرائيل وانتهاء الحلم الصهيوني“.
وعلى صعيد التحدي المادي الناجم عن الالتزام بالعقيدة الجديدة، فقد أفضى تمدد النفقات الأمنية بعد السابع من أكتوبر إلى مضاعفة حجم موازنة الأمن مقارنة بما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر. فقد مثلت موازنة الأمن عام 2022 حوالي 16.5% من الموازنة العامة؛ في حين مثلت عام 2026 حوالي 24.3% من الموازنة العامة.
كما أدى تواصل حالة الحرب بعد السابع من أكتوبر إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي لإسرائيل. فقد بلغ معدل النمو الاقتصادي في إسرائيل خلال عام 2025 نحو 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مع العلم أن معدل النمو في العام 2022 قبل اندلاع الحرب بلغ 6.4% من الناتج المحلي. ويتوقع بنك إسرائيل أن يمثل الدين العام حتى نهاية 2026 حوالي 69% من الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ حذر البنك من أن أية زيادة إضافية في ميزانية الأمن سترفع العجز وستزيد الدين العام.
الخاتمة
تؤطر العقيدة الأمنية الجديدة التي أعلنها نتنياهو مفاهيميا التحولات التي أدخلتها إسرائيل بالفعل على مفهوم أمنها القومي بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. وتسفر مبادئ العقيدة الجديدة عن نيات إسرائيل مواصلة خيار استخدام القوة كوسيلة وحيدة لمواجهة التحديات الأمنية والاستراتيجية وتجاهل خيار التسويات السياسية. تفتح العقيدة الأمنية الجديدة الباب على مصراعيه لانضمام مزيد من الأطراف إلى قائمة “مصادر التهديد والخطر”، التي ترى إسرائيل أنه يتوجب الاستنفار والتحوط لمواجهتها، دون أن تكون هناك مسوغات موضوعية تبرر ذلك؛ كما يعكس ذلك إبراز دور تركيا كخطر على الأمن القومي الإسرائيلي. وتحمل مبادئ العقيدة الجديدة رسالة إلى الدول العربية والإسلامية مفادها أن التوصل لاتفاقات التطبيع لا يمكن أن يرتبط بإبداء إسرائيل أية مرونة على صعيد القضية الفلسطينية.
ويتعارض الحماس لتبني العقيدة الجديدة مع نتائج الجهد الحربي الذي مارسته إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية تحت تأثيرها. فعلى الرغم من تحقيق إسرائيل إنجازات عملياتية كبيرة عبر استخدام القوة في مواجهة المقاومة في غزة ولبنان وإيران، فإنها في المقابل لم تنجح حتى الآن في حسم المواجهة في أي من هذه الساحات عبر تحقيق مكاسب سياسية. إلى جانب ذلك، فإن هناك ما يدلل على أن الالتزام بالعقيدة الجديدة لا يضمن القضاء على مصادر التهديد القائمة، بل يولد مصادر تهديد جديدة. فقبل السابع من أكتوبر، لم تشكل جماعة “أنصار الله” في اليمن تهديدا يذكر على إسرائيل؛ لكن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة دفعت هذه الجماعة إلى استهداف إسرائيل وفرض حصار خانق عليها.
إلى جانب ذلك، فإن الموارد البشرية والمادية المتاحة، التي يفترض أن يضمن الاعتماد عليها قدرة إسرائيل على الوفاء بمبادئ العقيدة الجديدة، محدودة. وينذر تآكل هذه الموارد ببروز تحديات اجتماعية وسياسية تخصم من الحصانة “الوطنية” للمجتمع الإسرائيلي وتقلص مستوى ثقة الشارع الإسرائيلي بالنظام السياسي؛ وهو ما قد يسهم في الحد من قدرة القيادة السياسية على مواصلة الاتجاه الذي تعتمده حاليا في تخصيص الموارد التي يفترض أن يستند إليها الالتزام بالعقيدة الجديدة.
[1] رئيس “منتدى الأمنيين”، وهو إطار يضم قيادات الجيش والاستخبارات في الاحتياط من الذين ينتمون إلى اليمين، وهو ينتمي إلى تيار “الصهيونية الدينية”، وتولى خلال حرب الإبادة رئاسة أركان القيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، وتباهى في مقابلة مع معاريف بأنه مهندس سياستي التجويع وتشريد الغزيين من مناطق سكناهم خلال الحرب.



