لماذا تريد إسرائيل التحول من ريادة الهاي-تك إلى قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي؟

تسعى إسرائيل إلى إعادة صياغة صورتها الاقتصادية، والانتقال من النموذج المعروف إعلاميًا باسم «دولة الشركات الناشئة»، في إشارة إلى كثافة الشركات التكنولوجية الجديدة، إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي. فالمنافسة التكنولوجية لم تعد تُقاس بعدد التطبيقات والشركات الناشئة فقط، بل بامتلاك الخوارزميات المتقدمة والحواسيب الفائقة ومراكز البيانات والرقائق الحديثة وقواعد البيانات الضخمة، إلى جانب الكفاءات القادرة على تحويل هذه الموارد إلى منتجات تجارية وأدوات أمنية وعسكرية. ويتجلى هذا التوجه في البرنامج الوطني الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي، الذي يضع البحث والتطوير، واستقطاب المواهب، وتحويل الأبحاث والاختراعات إلى منتجات وشركات قابلة للاستثمار، في قلب مشروع لتعزيز موقع إسرائيل بين القوى التكنولوجية المؤثرة عالميًا.

ولا يبدأ هذا المشروع من فراغ، إذ يمثل قطاع التكنولوجيا المتقدمة «الهاي-تك» ركيزة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي. فوفقًا لمركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، شكّل العاملون فيه نحو 10.4% من العاملين بأجر عام 2021، وأسهم بنحو 15.3% من الناتج المحلي و54% من الصادرات، كما جاء قرابة ربع إيرادات ضريبة الدخل من العاملين بالقطاع. لذلك يمثل الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي محاولة لحماية النمو والصادرات والإيرادات العامة. ويتطور هذا القطاع داخل شبكة تربط الجامعات والشركات التكنولوجية ومراكز الأبحاث ومراكز التطوير التابعة للشركات العالمية، بالتوازي مع توسع تدخل الدولة في الحوسبة والبيانات والتعليم والبنية التحتية، بما يحول الذكاء الاصطناعي من نشاط تجاري إلى قضية تنافس وطني.

وتجادل المقالة بأن السعي الإسرائيلي إلى الانتقال من نموذج يقوم على كثافة الشركات الناشئة إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الحوسبة، لا تكفي فيه وفرة المهندسين والأفكار من دون وصول مستمر إلى الرقائق ومراكز البيانات والنماذج المتقدمة ورأس المال العالمي. وفي هذا النموذج تستعيد الدولة دورًا أكثر مباشرة؛ فلا تكتفي بتمويل البحث، بل تعمل على تنظيم البنية التحتية، وتوسيع المهارات، وخلق طلب حكومي، وتقليل مخاطر الاعتماد على المزودين الخارجيين. ولهذا تضع استراتيجية  هيئة الابتكار الإسرائيلية لعام 2026 القدرة الحاسوبية ضمن الشروط الأساسية للحفاظ على تنافسية شركات الذكاء الاصطناعي، بما ينقل النقاش من سؤال «كم شركة ناشئة نملك؟» إلى سؤال “هل نملك الموارد التي تسمح لهذه الشركات بالبقاء في السباق؟”

من «دولة الشركات الناشئة» إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي

يعتمد النموذج الاقتصادي الإسرائيلي، القائم على التكنولوجيا الفائقة والابتكار، بدرجة كبيرة على تدفقات رأس المال العالمي، غير أن عدم الاستقرار السياسي والتحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي ووجود منافسين لإسرائيل في هذا المجال أصبح يفرض قيودا على قدرة إسرائيل في الاستمرار في الاعتماد على هذا النموذج فحسب.

فقد بلغت استثمارات قطاع التكنولوجيا المتقدمة «الهاي-تك» ذروتها عند 24.9 مليار دولار عام 2021، ثم تراجعت إلى نحو 15 مليار دولار عام 2022، قبل أن تنخفض مجددًا خلال عام 2023. وفي عام 2025، جمعت الشركات نحو 14.6 مليار دولار، إلا أن التعافي تركز في جولات التمويل الكبرى، بينما استمر تراجع تمويل الشركات الناشئة في مراحلها الأولى. ويشير تقرير هيئة الابتكار لعام 2026 إلى أن عودة التمويل لا تعني اتساع قاعدة الشركات، بل تعكس تزايد تركّز السوق في عدد محدود من الشركات، العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته بشكل أساسي، التي بلغت مرحلة متقدمة من النمو، وأصبحت أقدر على جذب المستثمرين الأجانب.

تمثل شركة «إيه آي 21 لابز» الإسرائيلية مثالا واضحا على ذلك. فقد تأسست لتطوير نماذج لغوية ومنتجات موجهة إلى المؤسسات، وجمعت في جولة تمويلها الثالثة عام 2023 نحو 155 مليون دولار بمشاركة غوغل وإنفيديا، ليرتفع تقييمها إلى 1.4 مليار دولار. وتوضح بيانات الشركة أن رأس المال العالمي لا يستثمر في منتج جاهز فحسب، بل يراهن أيضًا على فرق بحثية قادرة على تطوير نماذج أساسية ومنافسة شركات تفوقها في الموارد والقدرة الحاسوبية.

ويظهر الرهان نفسه في البنية التحتية وصفقات الاستحواذ. فقد أنشأت إنفيديا في إسرائيل الحاسوب الفائق «إسرائيل-1» منصةً لاختبار وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، اعتمادًا على رقائق وتقنيات شبكات متقدمة، طُوّرت أجزاء مهمة منها بعد استحواذها على شركة «ميلانوكس». وفي عام 2025، أعلنت غوغل اتفاقًا للاستحواذ على شركة «ويز» للأمن السحابي مقابل 32 مليار دولار، في أكبر صفقة استحواذ بتاريخها. وتكشف هذه الاستثمارات أن القيمة التكنولوجية الإسرائيلية لم تعد تُقاس بعدد الشركات الناشئة وحده، بل بقدرتها على توفير شبكات الحوسبة والأمن والبيانات اللازمة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.

وتتمثل الإشكالية الثانية في انتقال جزء متزايد من النشاط والوظائف إلى الخارج. ففي مارس 2026، كان 62% فقط من العاملين في الشركات الإسرائيلية الخاصة يعملون داخل إسرائيل، مقارنة بنحو 69% عام 2019، بالتزامن مع توسع النشاط في الولايات المتحدة وتراجع نسبة كبار المديرين المقيمين محليًا. كما انخفض عدد العاملين في البحث والتطوير بنحو 3,500 شخص خلال عام 2025، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. وترى هيئة الابتكار أن هذا التراجع قد يعكس تغيرًا في طبيعة الوظائف مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنه قد يرتبط أيضًا بانتقال المواهب ومراكز القرار إلى الخارج في ظل الحرب وعدم اليقين السياسي.

إذ يعكس حضور إنتل عمق ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي بالشركات متعددة الجنسيات. فمنذ دخولها السوق الإسرائيلية في سبعينيات القرن الماضي، وسّعت أنشطتها في التصنيع والبحث والتطوير، ووظفت أكثر من تسعة آلاف شخص، فيما بلغت صادراتها التراكمية نحو 86 مليار دولار حتى عام 2023، وتركزت عملياتها في المعالجات والاتصالات وحلول الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا الاندماج ينطوي على مفارقة؛ فالشركات متعددة الجنسيات توفر التمويل والبنية الحاسوبية والأسواق العالمية، لكنها قد تنقل الملكية الفكرية ومراكز الإدارة والقرار إلى الخارج. وبذلك قد تظل إسرائيل مركزًا لإنتاج المعرفة، من دون الاحتفاظ دائمًا بكامل قيمتها الاقتصادية.

أما الإشكالية الثالثة فهي اجتماعية. فإذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الطلب على وظائف المبتدئين واختبار البرمجيات وأعمال البرمجة الروتينية، فقد يصبح دخول القطاع أكثر صعوبة للعرب واليهود الحريديم وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الاقتصادية والتكنولوجية، ولا سيما تل أبيب. فهذه الفئات لا تمتلك غالبًا الشبكات العسكرية والجامعية المتاحة للنخب التكنولوجية. وتشير دراسة للكنيست عام 2025 إلى تراجع نسبي في حصة وظائف الهاي-تك من سوق العمل، مع تزايد أثر الذكاء الاصطناعي في طبيعة الوظائف وتركيبها. وبذلك قد ترتفع الإنتاجية، بينما تضيق الفرص التعليمية والمهنية المؤدية إلى الوظائف مرتفعة الأجر، ما يحول الفجوة التكنولوجية إلى فجوة طبقية أوسع.

لذلك منذ عدة سنوات بدأ يتعالى خطاب إسرائيلي بضرورة تحويل إسرائيل إلى “قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي“.  يستند هذا الخطاب إلى قاعدة اقتصادية وتكنولوجية كثيفة. فبين عام 2012 وفبراير 2023، ارتفع عدد العاملين في قطاع الهاي-تك من نحو 274 ألفًا إلى قرابة 392 ألفًا. وبلغ متوسط الأجر الشهري في القطاع 30,241 شيكلًا، مقابل 12,061 شيكلًا في الاقتصاد عمومًا، بزيادة تقارب 151%. كما بلغ الإنفاق على البحث والتطوير عام 2021 نحو 5.6% من الناتج المحلي، مقابل متوسط 2.7% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتوضح هذه المؤشرات أن التفوق التكنولوجي لم يكن نشاطًا جانبيًا، بل ركيزة لإنتاج الوظائف مرتفعة الأجر وتعزيز الصادرات والإيرادات الضريبية.

وحافظ القطاع على أهميته رغم الحرب وتباطؤ النشاط الاقتصادي؛ إذ بلغ ناتج الهاي-تك عام 2024 نحو 317 مليار شيكل، بما يعادل 17.3% من الناتج المحلي، وفي عام 2025، وصلت حصته من الصادرات إلى مستوى قياسي بلغ 58%، وأسهم بنحو نصف النمو الاقتصادي، فيما اقترب عدد العاملين فيه من 400 ألف، رغم تباطؤ التوظيف مقارنة بمتوسط العقد السابق. ووفق تقرير هيئة الابتكار الإسرائيلية لعام 2026، لم يعد تعافي القطاع قائمًا على البرمجيات وحدها، بل ارتبط أيضًا بصعود صناعات الرقائق والخوادم وأجهزة الشبكات والبنية التحتية الحاسوبية اللازمة لعصر الذكاء الاصطناعي.

ومن هنا، يكتسب الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي أهمية اقتصادية مباشرة. فإذا كان الأمن السيبراني، أي حماية الأنظمة الرقمية من الاختراق، قد منح إسرائيل ميزة في تسويق الأدوات الأمنية، فإن الأنظمة التوليدية القادرة على إنتاج النصوص والصور والبرمجيات، وتقنيات تحليل البيانات، توسع هذه الميزة لتشمل الصحة والتمويل والتعليم والتصنيع والدفاع. وتشير هيئة الابتكار إلى وجود نحو 2,158 شركة تعمل في البحث والتطوير المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بينها 199 فرعًا لشركات متعددة الجنسيات، مع تزايد الطلب على المتخصصين في علوم البيانات وهندستها وتشغيل نماذج التعلم الآلي.

ولتوضيح الصورة بصورة مركزة، يمكن تلخيص بعض مؤشرات البنية التكنولوجية على النحو التالي:

الدلالة القيمة المؤشر
قطاع يحدد مسار النمو والمالية العامة 17.3% في 2024 حصة الهاي-تك من الناتج
مصدر رئيس للعملة الصعبة والصمود الخارجي 58% في 2025 حصة الهاي-تك من الصادرات
كتلة بشرية صغيرة نسبيًا وعالية الإنتاجية نحو 400 ألف في 2025 حجم العمالة
أعلى كثافة تقريبًا بين الاقتصادات المتقدمة 5.6% من الناتج في 2021 نسبة البحث والتطوير
قاعدة واسعة لكن أغلبها شركات صغيرة نحو 2,158 شركة عدد شركات الذكاء الاصطناعي
قوة تمويلية كبيرة مع اعتماد واضح على رأس المال الخارجي نحو 15 مليار دولار 2013-2024 حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

 من المبادرات المتفرقة إلى مشروع الدولة

لم يبدأ الاندفاع الإسرائيلي نحو الذكاء الاصطناعي في 2026، لكنه اكتسب طابعًا أكثر إلحاحًا بعد سنوات من الخطط غير المكتملة. ففي 2019 طُرحت توصيات باستثمار حكومي سنوي يتراوح بين مليار وملياري شيكل لوضع إسرائيل بين الدول الخمس الرائدة عالميًا، ومحاولة تكرار تجربة بناء قطاع الأمن السيبراني. إذ يوفر الذكاء الاصطناعي لإسرائيل وسيلة لتعويض محدودية السكان والمساحة، من خلال تحليل كميات ضخمة من المعلومات، وتسريع البحث والتطوير، ورفع إنتاجية العمالة المتخصصة، وتصدير منتجات رقمية لا تتطلب قاعدة صناعية واسعة. ووفق البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي، تحتل إسرائيل مراكز متقدمة عالميًا في عدد من المؤشرات، كما جاءت في المرتبة الثانية قياسًا إلى عدد السكان في بعضها. كذلك حصلت 492 شركة إسرائيلية تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي على تمويل بين عامي 2013 و2024، بإجمالي يقارب 15 مليار دولار، بالتوازي مع تراكم ملحوظ للمواهب البحثية والمشاركة في تطوير نماذج متقدمة.

ومع ذلك، سبقت ديناميكية السوق قدرة الدولة على بناء إطار تنظيمي ومؤسسي متماسك. فقد خلص مراقب الدولة الإسرائيلي، في تقرير صدر عام 2024 إلى غياب استراتيجية طويلة الأجل وخطة تنفيذ موحدة، إلى جانب بطء الاستفادة من الميزانيات المخصصة للحوسبة عالية الأداء وتنمية رأس المال البشري، وتراجع إسرائيل في عدد من المؤشرات الدولية. وبذلك تحولت المشكلة من قصور في التنسيق الإداري إلى تهديد للمكانة الاقتصادية والتكنولوجية، ما مهّد لتوصيات لجنة ناغل وإنشاء إطار وطني أكثر مركزية.

وتكشف هذه الفجوة عن مفارقة أخرى؛ فإسرائيل تمتلك شركات وباحثين ذوي حضور عالمي، لكنها أقل قدرة على تنسيق السياسات المدنية، وإتاحة البيانات، وبناء بنية حوسبية عامة مستقلة نسبيًا عن الشركات الأجنبية. ويظهر ذلك في مؤشر الحكومة الرقمية لعام 2026، إذ سجلت نتائج أدنى من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في توافر البيانات وإتاحتها ودعم إعادة استخدامها، بدرجات بلغت 0.42 و0.57 و0.28 على التوالي. ومن ثم، فإن امتلاك شركات متقدمة لا يعني بالضرورة امتلاك مؤسسات رقمية مترابطة وقواعد بيانات قابلة للاستخدام المشترك؛ فالقوة الجيوسياسية في عصر الذكاء الاصطناعي تتطلب بنية متكاملة للبيانات والحوسبة والتعليم، لا مراكز تكنولوجية متقدمة لكنها منفصلة داخل الجيش والشركات الخاصة.

جاءت القفزة المؤسسية في يونيو 2026 عندما اعتمدت الحكومة الإسرائيلية برنامجًا وطنيًا جديدًا للذكاء الاصطناعي في محاولة لمعالجة فجوات تراكمت على مدى سنوات، وتولى «المقر الوطني للذكاء الاصطناعي» في مكتب رئيس الوزراء تنسيق تنفيذه. وتشمل الخطة إنشاء معهد وطني، ومختبرات لتطبيق التقنية في الصحة والتعليم والنقل، وتوسيع برامج التدريب، وافتتاح نحو عشرة برامج جامعية، وتقديم حوافز لإعادة الخبراء من الخارج، إلى جانب إعداد برنامج لتأهيل قرابة أربعة ملايين عامل. وتُقدّر تكلفة التنفيذ بنحو خمس مليارات شيكل سنويًا، بما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من ملف ابتكار قطاعي إلى برنامج دولة متعدد الوزارات، يقوم على تطوير التعليم والتمويل والتطبيق الحكومي بصورة متوازية.

ومع ذلك، يثير تسارع التنفيذ جدلًا حول الأولويات وحجم الإنفاق. فقد حذر باحثون من الانجذاب إلى مشروعات ضخمة ذات قيمة رمزية تفوق عائدها العملي، بينما أشارت تقديرات إلى أن بعض أهداف الحوسبة قد ترفع التكلفة إلى عشرات مليارات الدولارات على مدى سنوات. وفي المقابل، يرى قطاع الأعمال أن التأخر بات أكثر كلفة، ويدعو إلى ربط رأس المال البشري بالتطبيقات التجارية والبنية التحتية والتعليم، وإطلاق مشروعات وطنية كبيرة بدل الاكتفاء بمبادرات محدودة. ويعكس هذا التوتر بين الحذر المالي واندفاع الصناعة إدراكًا بأن نافذة المنافسة الزمنية ضيقة؛ فالنجاح يتطلب سرعة، لكن هذه السرعة قد تؤدي إلى إنفاق مشتت ما لم تُرتب الأولويات بدقة وفق الاحتياجات والقطاعات ذات الميزة النسبية.

توسيع السيادة الحاسوبية  

يتجه السباق الإسرائيلي في الذكاء الاصطناعي من دعم البرمجيات والشركات الناشئة إلى بناء ما يُعرف بـ«السيادة الحاسوبية». ويقصد بذلك امتلاك قدرة محلية كافية لتشغيل النماذج المتقدمة، دون الاعتماد الكامل على مراكز البيانات والخدمات الأجنبية. وفي هذا الإطار، تستهدف خطة الكنيست توفير نحو 100 ألف معالج مخصص للذكاء الاصطناعي، وإنشاء مصنع متقدم لأشباه الموصلات وحاسوب كمي، إلى جانب تصنيف مزارع الخوادم باعتبارها بنية تحتية وطنية وتسريع إجراءات إنشائها.

لكن تنفيذ هذه الخطط يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها الضغط على الكهرباء والشبكات والأراضي، فقد بلغت طلبات توصيل مزارع الخوادم الجديدة بالشبكة نحو 20 ألف ميجاواط، وهو مستوى يتجاوز إجمالي الطلب الحالي على الكهرباء في إسرائيل. كما لا تقتصر المشكلة على إنشاء الخوادم، بل تشمل ارتفاع تكلفة الحوسبة وصعوبة الحصول على المعالجات المتقدمة؛ إذ قد تتحمل شركة إسرائيلية متوسطة نحو 200 ألف دولار سنويًا، بينما تصل فترات الانتظار للحصول على وحدات المعالجة إلى ستة أشهر بسبب استحواذ الشركات العالمية الكبرى على جزء كبير من الإمدادات.

ولمواجهة هذه القيود، تدرس إسرائيل الاستفادة من نماذج دولية للحوسبة المشتركة، وإبرام اتفاقات إقليمية تتيح لها استخدام قدرات موجودة خارج أراضيها، في ظل تصاعد المنافسة من أوروبا والخليج وآسيا. كما يمتد مفهوم السيادة الحاسوبية إلى ضمان الوصول المستمر إلى النماذج المتقدمة، خشية أن تفرض الحكومات أو الشركات قيودًا تنظيمية أو جيوسياسية على استخدامها. لذلك تركز التوصيات على بناء قدرة محلية أساسية، وتشغيل النماذج داخل إسرائيل عند الضرورة، وتطوير نماذج متخصصة باللغة العبرية والخدمات العامة، وتنويع الموردين. ولا يستهدف هذا التوجه تحقيق اكتفاء ذاتي كامل، بل تقليل مخاطر الاعتماد الخارجي ومنع تحول التفوق في البرمجيات والمواهب إلى نقطة ضعف.

ويمتد مفهوم السيادة كذلك إلى ضمان الوصول إلى النماذج المتقدمة، بعدما أصبح تقييد استخدامها لأسباب تنظيمية أو جيوسياسية مصدرًا محتملًا للضغط. ومن ثم، تركز التوصيات على بناء قدرة محلية أساسية، وتشغيل النماذج داخل إسرائيل عند الضرورة، وتطوير نماذج متخصصة للعبرية والخدمات العامة، وتنويع الموردين، وإدراج ضمان الوصول إلى التكنولوجيا ضمن العلاقات الاستراتيجية. فالهدف ليس تحقيق اكتفاء ذاتي كامل، بل إدارة الاعتماد الخارجي بما يمنع تحول التفوق في البرمجيات والمواهب إلى مصدر هشاشة.

خاتمة

لا تمثل محاولة إسرائيل الانتقال من الهاي-تك إلى الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني، بل ضرورة ملحة للحفاظ على النمو الاقتصادي واستمرارية “المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية” حسب السردية الصهيونية، التي تعمل بشكل عضوي على استمرار عوامل الجاذبية الداخلية والإقليمية والدولية لإسرائيل.

من ناحية أخرى، تعكس الجهود الحكومية الحالية حالة إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولة والجامعات والشركات المحلية والعالمية؛ إذ تنتج الشركات التطبيقات والنماذج، بينما توفر الدولة البنية التحتية والمهارات والطلب العام، وتؤمّن الشركات متعددة الجنسيات الرقائق والسحابة والأسواق ورأس المال. ومع تزايد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، أصبح مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي مرتبطًا بقدرته على الاحتفاظ بالأفكار والمواهب داخل منظومة تمتلك الحوسبة والطاقة والتمويل والاتصال بالأسواق العالمية. ومع ذلك، يظل هذا الصعود محاطًا بتناقضات؛ فالمنظومة قوية في البحث والتطوير، لكنها أضعف في التنسيق وإتاحة البيانات، وتجذب شركات عالمية كبرى، لكنها تعتمد عليها في الرقائق والحوسبة والنماذج، كما تضغط مزارع الخوادم على الكهرباء والبنية التحتية.

اظهر المزيد

عبد الرحمن عاطف أبوزيد

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى